أُخرج منها يا ملعون

عندما تنكسر الجيوش والجماعات يكثر تبادل الاتهامات واللوم والتعنيف

الجزء ( 5 )

 



ـ حسقيل؟ سألت لذة..
ـ نعم.. أجاب حسقيل..
ـ لماذا امتهنت الحدادة ومن بعدها صياغة الفضة والذهب الآن؟
ـ وأي مهنة تريدينني أن امتهنها غير هذه المهنة.. أأرعى الأغنام أم الجمال أم ماذا؟
فقاطعته قائلة:
ـ بل تمتلك الخيول والجمال و
الأغنام والبغال وهناك من يرعاها لك.. على حد علمي، فإن جدك كبير قومه، صار بعد الدعوة التي
 يتحدث عنها وبعد أن أمن بها كثير من الناس، كأنه كبير كل الأقوام، بفضل حكمته وورعه وعدله.
ـ لم أشأ ان املك الخيول والبغال والجمال والغنم.. ان عبئها كبير وقيمتها أقل من الذهب، قال حسقيل.
ـ لكنها، هي والزراعة، القياس العام للثروة في حياة الناس الآن.. وقلة ضئيلة، بل بعض النساء فقط هن اللائي يجرين خلف ملكية الذهب والفضة.. أجابته لذة. ـ وما أدراني، يا لذة، لو ملكت الخيول والأغنام والإبل.. ربما كنت الآن قد مت قتلا، حيث سيطمع الناس في ما أملك؟
ـ ولكنك الآن تمتلك الذهب والفضة ولم تمت قتيلا..
ـ نعم، الآن املك الذهب والفضة.. ولا أحد يغزوني.. لان الصائغ لا يكون علم قومه، رغم قيمة ما يملك، إنما شيخ العشيرة.. ثم إن العرب لا يغزون أصحاب الحرف، ويعتبرونهم ضعفاء ولا يشاركون قومهم في غزو، إنما يصنعون لهم عدة الغزو مثلما افعل الآن ونمارس الغزو بطريق آخر.. نحن نستولي على ملكية الآخرين برضاهم.. بل برغبتهم مع رضاهم من غير ان يسيل دمنا.
ـ وكيف؟! ـ نبيعهم ونستولي على ما في جيوبهم.
ـ ولكنك الآن، تتمنطق بسيف وخنجر.
ـ نعم، اتمنطق بسيف وخنجر، لكي اشعر الآخرين بضرورته في الحياة.. ولكي اناول أيا منهما لمن يتشاجر قربي، اذا كان سيفه او خنجره بعيدين عنه في اللحظة التي يقرر ان يجعل الدم يسيل من صاحبه.
ـ ولكنك، على هذا تكون شريكا في الجريمة امام الله، على وفق مبادئ جدك ابراهيم، وعلى وفق مبادئ محمود ويوسف من بعده.. قالت لذة.
ـ ولكن ليس على مبادئ شريعتي وما أؤمن به، بل لا يهمني حتى أن أكون شريكا في الجريمة على وفق ما أشرت إليه، وإنما أن يرتكبها غيري بيده، من غير ان ارتكبها بيدي.. الا لو اضطررت اضطرارا لكي لا تكون لي عداوات شخصية مباشرة تؤثر سلبيا على تجارتي بالحلي والسيوف والخناجر والرماح والنبال، لكن كلما ساد الوئام بين الناس، افتعلت بينهم ما يشغلهم ببعضهم ويوفر لي فرصة افضل في جني الارباح.
ـ ولكن، لو ساد الوئام بين الناس واستقرت نفوسهم على الأمن والسلام، لاشترت النساء منك ذهبا وفضة اكثر، بعد ان يوفر الرجال ما يملكون، ولا يصرفونه على الرماح والخناجر والسيوف والنبال.
ـ عند ذلك سأربح من بضاعة واحدة، وعندها سيكون ربحي منها، مهما بلغ، اقل مما لو تعددت وتنوعت مصادره.. ثم ان الاستقرار قد يجعل لي منافسين آخرين كثرا في مهنتي، بينما يشغلهم القتال فيما بينهم بتنمية عوامل الفرقة والغدر والثأر، وعلى هذا الاساس اشجع الغزو، لكن لا اشارك فيه مباشرة، انما بصورة غير مباشرة واشجع الاحتراب بين الناس بسيوفي واروج لحسن صفاتها، لكن لا أستخدم سيفي بصورة مباشرة الا مضطرا..
ـ وعلى هذا الاساس افسر سبب عدم مشاركتك ابي في الغزو.
ـ لا.. ليس لهذا السبب وحده، انما لأسباب أخرى أيضا، لا مجال لان اقولها لك الآن يا لذة.. لاسباب اخرى.. كرر الجملة الاخيرة، وسكت.

عاد شيخ القبيلة المضطرة بمفرده اولا، وجاء بعده من نجا من الاسر او الموت.. وكانوا يصلون في غير انتظام وبمعنويات محطمة تماما مثل جيش ينكسر، ليس بسبب تفوق عدوه عليه في الكثرة او السلاح، انما في الروح المعنوية ويتضاعف الشعور الذي يخزي النفس، اذا كان الجيش المكسور بلا هدف مشرف استدعاه للقتال او ان يكون الاعتداء منه على غيره واضحا وبينا، فكيف اذا كان شيخ القبيلة، مع هذا كله، اول من دعا الى الغزو والعدوان واول من هرب من المعركة من غير ان يجرب سيفه؟! لقد انطبق كل ما في هذه المفارقات من سلبيات، وما يخزي اهلها ويضعفهم، على حال شيخ القبيلة المضطرة اولا، وعلى الهاربين معه من ساحة المعركة.. جاءوا مكسورين نفسيا، بل محطمين تماما.. ومثلما هو معروف في الظروف التي تنكسر فيها الجيوش والزمر والمجموعات، يكثر تبادل الاتهامات واللوم والتعنيف والتنصل من كل واي شيء كان سببا في الهزيمة، لكن الجمرات المحرقة وكل ما هو مخز كان يرمى بها على شيخ القبيلة المضطرة.. أليس الاسم العالي بيرقا لجماعته في المواقف المشرفة والاسم البين والاظهر في الشهرة من غير تاريخ مشرف، مزبلة للنفايات اذا اخزى نفسه وجماعته في المواقف؟ وهل هناك ما هو اخزى من ان ينهزم القائد او اي عنوان متقدم ويترك جماعته نهبا لاسلحة العدو؟ وهل يستحق، بعد ذلك صفة القيادة؟ او بالاحرى هل يستحق غير ان يرجم ويجلل بالعار؟

 وجد حسقيل والبطانة التي كونها قبل وفي غياب الشيخ وفرسان القبيلة، ضالتهم في هذه الهزيمة وصاروا بعد ان جمعوا المعلومات التفصيلية عن سير الاحداث وطبيعة المواقف، يمعنون تجريحا او يوسعون جراح من اصابه مشرط الحقيقة على موقفه، فأصابت سهامهم شيخ القبيلة بوصفه الهدف الاسهل لان يصاب.. كان حسقيل يقول، وهو يحدث شيخ القبيلة:
ـ لقد استعجلت في الهجوم، سلمك الله، بخلاف ما اوصيتك ونصحتك به، فقد قلت لك: جاور خصمك واستطلعه واتخذ عليه حجة، عند وقوع خصمك في اي خطأ تجاهكم او ان تفتعل ما يجعلك تصوره خطأ وتحرشا منه بكم لتقيموا عليه الحجة وتضعفوا موقفه في علاقته مع جمعه وقد فعلت العكس، حيث اقام عليك الحجة امام جماعتك.. وفي الوقت الذي قاتل في مقدمة جمعه، هربت، كما علمنا، قبل ان تجرب سيفك.

ثم يعود حسقيل ليقول بخبث:
ـ يا جماعة، لقد امضيت في صناعة سيف طويل العمر وقتا اطول بكثير مما امضيته في صناعة سيوف الآخرين الذين قاتلوا.. بأمل ان يفي طويل العمر حق السيف وصنعته وكان اثمن عشرة سيوف مماثلة او اكثر لكثرة ما حوى من جواهر رصعت بها قبضته ليدل على عنوان صاحبه..
ثم يلتفت الى الشيخ، ويقول:
ـ لقد اوصيتك بأن لا تهاجم الا وفق تدبير تعده سلفا وان توزع الواجبات الى حد الرجل الواحد، حيث يعرف واجبه، لكنك هاجمت عدوك من غير خطة.. وأوصيتك بان تهاجم في ظلام، حتى لو جاء هجومك آخر الليل، فلليل ثقله على أهله إذا ما اقترنت معه المباغتة والتدبير.. ولكنك هاجمت عدوك بعد طلوع الشمس، وبعد ان انهكك وانهك فرسان القبيلة سهر الليل، واحتساء الخمر مع الغجر ـ ثم يقول حسقيل ويكرر كلامه ـ أقول لك يا شيخ: الصحيح ان فرسان قبيلتنا رجال طيبون وفرسان جيدون لو كان الرأس فيهم شجاعا ومدبرا.. قائلا هذه المرة (فرسان قبيلتنا) بدلا من (فرسان قبيلتك)، وكأنه منهم نسبا، وموقفا وشعورا وليس رغبة في إنجاح خطته وتوفير الغطاء لها فحسب.. فعل ذلك ليكون كلامه مؤثرا برجال العشيرة تماما، ولكي ينتقل كلامه من الرجال الى النساء عندما يحكون لهن.



***



 استغل حسقيل الفرصة ليحطم شيخ القبيلة وفق تدبير مسبق، ليكون هو شيخها وفق ما فعل في وطننا العربي الكبير بعض الأعاجم الذين لم ينسبوا انفسهم الى بطون العرب المعروفة، وإنما حتى الى ساداتهم، لولا حماية الله لشجرة آل البيت.
كان حسقيل قد اتفق مع الشيخة على الكثير مما يضمره، بما في ذلك ان يحل شيخا محل شيخ القبيلة المضطرة، واعدا اياها بالزواج بعد ذلك، لتقوم هي بدورها بين النساء، بينما يقوم هو وشبكته بما يقومون به بين الرجال.. ولقد اتفق معها، بعد ان سمعوا بالهزيمة (الكسيرة) التي حلت بالقبيلة، وهروب الشيخ من ساحة المعركة، على ان يقيم فور وصول الشيخ مأدبة كبيرة في بيت الشيخ على نفقة حسقيل، ويدعو لها كل من في العشيرة من الرجال تحت غطاء تكريم من وصلوا بسلامة، وفي مقدمتهم الشيخ، وأوصى الشيخة بأن تقيم مثلها للنساء لتقوم بما يقوم به مع الرجال، مع تكييف كل حالة وفق جنس مستمعيها..
كان رجال القبيلة ينصتون الى حسقيل وهو يتكلم، ووجد كل منهم غطاءه في هزيمته، بعد ان انصب لوم وتجريح حسقيل على شيخ المضطرة فحسب، أو وجد أولئك الذين اصابهم جرح نازف بموت ابنائهم، أو ذويهم، أو اسر الآخرين، متكأ ليحاسبوا شيخ القبيلة، وهكذا اقترح احدهم ان يعودوا، بإشراف حسقيل، ليجتمعوا في بيت حسقيل، وعندما قال احدهم ان بيت حسقيل لا يستوعب العدد، قال حسقيل:
ـ بل يستوعب.. وانا منذ الغد سأشتري بيتا كبيرا يستوعب رجال العشيرة من أهل الحل والعقد، بالاضافة الى فرسانها، ثم اننا الآن  في بداية شهر نيسان، وليس في شهر نيسان برد مفاجئ، ولذلك تصلح هذه الارض كلها مضيفا للفرش وموائد الطعام، ثم قال:
ـ ابشروا، ابشروا، يا أعمامي، إي، نعم في بيتي، في بيت ابن أخيكم، والقلب أوسع لكم محبة وضيافة، تردفه العيون، يا ولد العم، يا اهلا وسهلا بكم.
قال أحدهم:
نعم، نجتمع في بيت حسقيل، بعد أن نعرف من سيأتي إلينا حيا بعدنا، ونتعرف تفصيليا على من مات، أو وقع في الأسر.
قال ابن شيخ قتل أبوه في المعركة:
ـ بل نلتقي بعد أسبوع من الآن، لكي لا يبقى هذا الموضوع معلقا، وتبقى القبيلة من غير شيخ.
قال شيخ القبيلة المضطرة، بعد ان كان يستمع اليهم مطرقا:
ـ اتقول، يا ولد، ان القبيلة من غير شيخ، كأنك تقرر ذلك؟. وهمَّ بأن ينهض ليضربه، لولا ان اجلسه حسقيل في مكانه..
وعاد ابن الشيخ يقول..

ـ نعم، ان القبيلة من غير شيخ، لأن من لا يقاتل مع القبيلة، ويحمي من يحتمي بسيفه، لا يصلح ان يكون شيخا على القبيلة، وبدلا من ان تهم بأن تضربني، كان يفترض بك ان تضرب عدونا.. أم ان همتك لا تكتشف، ولا تستخدم، الا على ابناء جلدتك؟
وأراد ان يسترسل بعد ان غير جلسته، ليكون في وضعية طوى بها رجليه تحته، واتكأ على ركبتيه وسيفه في حضنه، كأنه يتأهب ليفعل شيئا، لولا ان حجز حسقيل بينهما، بعد ان اجلس الشيخ في مكانه، وأشار بيده إلى ابن الشيخ الآخر ليسكت، فسكت..
عاد ابن الشيخ ليقول:

ـ بعد أسبوع من الآن في بيت حسقيل.
 نبهه احدهم الى ان ذلك اليوم سيكون يوم سبت، فقال:
ـ بعد ستة ايام من الآن نكون على الغداء في بيت حسقيل، لنناقش أمورنا ونتخذ تدابيرنا، ومن لا يوافق يرفع يده.. ولم يرفع أحد
 يده غير الشيخ.. رفع يده كأنه سلم ضمنا بأن من يدير جلسة القبيلة هو ابن ذلك الشيخ بإشراف من حسقيل.. وبذلك انفضوا بأمل ان يلتقوا بعد ستة أيام على الغداء في بيت حسقيل.



***
 


 كانت زوجة شيخ القبيلة المضطرة قد استغلت تقليدا عند نساء العرب هو أن يقسمن بأن لا يستقبلن الرجال في مخادعهن عندما يكونون، فرادى أو جماعات، في موقف غير مشرف، ولذلك التقت بنساء القبيلة، وحرضتهن على أزواجهن ليهجرنهم في المخادع، وأعلنت أنها لن تستقبل زوجها في مخدعها منذ ذلك اليوم، وأنها ستطرده من البيت الكبير إلى بيت يبنونه له بعيدا عن البيت الكبير، ليكون فيه ريثما تقرر القبيلة مصيره، فإن جردته القبيلة من صفة المشيخة، طردته نهائيا من حياتها، وقالت: هذا هو عهدي امامكن.

أثار قرار الشيخة حماس النسوة، لأنهن لم يكن يعرفن نواياها الحقيقية، وفي كل الأحوال، كان قرار الامتناع عن قبول الرجال في المخادع تقليدا للعربيات في علاقتهن بأزواجهن إن أصابهم ما ينتقصهم.. ولأن صفة النقيصة تنطبق على من يهرب من جبهات القتال، فقد انطبق القانون على أولئك الهاربين من المعركة، وهو إجراء يحض على الموقف العالي، والتصرف الذي يستلزم التضحية من الرجال حتما، وقد اتخذنه فعلا.. ولكن زوجة الشيخ استغلت ذلك لمآربها.. فهل يمكن أن يعاب تقليد أصيل، يقوي ويعمق جذور الجماعة، وثوابتها الأصيلة، بما يعز قومها، حتى لو استغل هذا ضعيف نفس هنا أو هناك لمآرب خاصة!؟ ان العيب لا يكون في استغلال التقليد الاصيل والتمسك به من أهله، حتى لو استغل من قلة باتجاهات غير الاتجاهات الصحيحة، وعكسه، التمسك بالتقليد الاصيل، والبناء عليه من غير تفريط أو تساهل فيه بما يسمح بدخول الهواء الفاسد، والفعل الذي يعيب من الثغرات.. وقد طردت الشيخة زوجها، بعد ان عزلته في بيت (مكورن) اي بعمودين بدلا من البيت (المثومن)، اي بثمانية اعمدة.. وصار حسقيل يتصرف في البيت الكبير، ليس بصفة مشرف عليه فحسب، وإنما بصفة صاحب الأمر والنهي، تسنده
 زوجة الشيخ في كل هذا، وتقف ابنته كأنها في موقف محرج بين حال أبيها وموقف أمها منه، وما جعلها على هذا الحال هو أن موقف أبيها كان غير مشرف بل مخزيا، عدا مجاملتها لحسقيل، الذي عرفت أن هواه مضاد لهوى آبيها، وموقف أمها التي لم تتبين بعد نواياها الخفية لتعرف كيف تتصرف.



***
 


 خلال الأيام الستة التي سبقت اجتماعهم المقرر، عقد حسقيل سلسلة من الاجتماعات واللقاءات في بيته الذي استأجره من اقرب تاجر، بدلا من أن يشتريه، ولكنه كان بيتا كبيرا بستة أعمدة، وليس كبيته القديم ذي العمودين، وكانت شقق البيت الجديدة كلها محاكة حديثا من شعر الماعز، بدلا من ذلك القديم الذي غالبا ما كانت شققه مهترئة.
كان حسقيل يعقد الاجتماعات بصيغة دعوات ينظمها، ويقدم الطعام فيها بسخاء، رغم بخله، بل كأنه في الدعوات التي أقامها، غادر ما هو معروف عنه من بخل ينتقل بالعدوى حتى لمن يجاوره ويتأثر بطباعه.. الا يغطي من لديه غرض سيئ غرضه بما يضحي به، اذا اقتضى الوصول اليه صرف الاموال؟ ثم ان حسقيل، الذي يحسب لكل فلس حسابه، رسم لما بعد الوصول الى هدفه، ان يسترجع الفلس بأضعافه، بل كأنه اراد، وهو يصرف على الدعوات، أو اعد ليكون كل فلس يصرفه مدخلا الى فرصة صممها لتحقيق مآربه.. وكان حسقيل، عندما يحضر الرجال دعوته، يفتح موضوعات ديونه عليهم بصورة غير مباشرة، أو يتفق مع احد افراد الشبكة، رغم انه مدين له، ليقول له:
ـ والله، يا حسقيل، يا طويل العمر، انت تعرف الحال، وان ما حصل لنا كبير، فنرجو ان تضع هذا في اعتبارك، فاصبر علينا بضعة أشهر إضافية، وبعدها نسدد لك الدين مع فوائده.
ويقول حسقيل:
ـ الأمر هين، أنا اعرف الـظروف، واعرف كل شيء، وسأتصرف.
ويسكت من غير ان يقطع بشيء حاسم..
 ثم يقول آخر:
ـ يا طويل العمر، يا شيخنا..
وعندما يقول (يا شيخنا) تنتفخ اوداج حسقيل فرحا، ويجفل أبناء عمومة الشيخ المهزوم.
ثم يقول حسقيل:
ـ ما زال فلان هو الشيخ، شيخ القبيلة المضطرة، إلا إذا قررتم شيئا جديدا.. فالمهم عندنا أن تتفق القبيلة على من
 ترى انه صالح لقيادتها.. ثم يردف:
ـ كان الله بعون من يكون شيخا للقبيلة، فهو يحتاج الى مال لكي يطفئ نسبة الفائدة في الأقل نيابة عن المدينين
 بثمن السلاح، اذا لم اقل نسبة من قيمة ديون السلاح ايضا، ثم ان القبيلة اذا ارادت ان تأخذ بثأرها لما اصابها فهي بحاجة الى مدبر، لا ليعرف كيف يدبر امور القبيلة فحسب، وانما لينشيء تحالفات بعينها مع القبائل القريبة  والبعيدة، ومن ذلك قبيلة الروم التي صارت منا وصرنا منها. ثم انه بحاجة لأن يتمعن في الكيفية التي يساعد بها الارامل واليتامى بعد هذه النكبة.. و.. و.

 كان حسقيل يقول كل هذا كأنه ينسج صورة لا تنطبق الا عليه، او انه يوحي، ويجعل شبكته تنشط لتروج قول ان مثل هكذا مواصفات تنطبق على حسقيل وحده، حتى ان بعض الشعراء صاروا يصفونه بغير صفاته، وصار البعض الآخر، وهم يتحدثون فيما بينهم عمن (يرْهَمٌ) يصلح شيخا للقبيلة، يقولون: ان حسقيل منا.. يا اخي، ان القول المأثور (من عاشر القوم اربعين يوما صار منهم) ينطبق على حسقيل، وقد مضى على حسقيل معنا زمن طويل، الا يكفي هذا لأن نجعله منا، أو كأنه منا، لنختبر كفاءته في القيادة؟
ويقول آخر:
ـ ماذا يحصل لو أعطيناه فرصة لنعرف كفاءته ونواياه؟.. وماذا نخسر ان لم يعجبنا؟ يا أخي ـ يقول لمن يعترض ـ فعندها نستبدله بشيخ جديد..
ثم يردف قوله:
ـ الم نختر قبله ذلك الشيخ الفاشل في كل شيء.. فلا هو بكريم، ولا هو بحليم، ولا هو بمقتدر!؟ لماذا لا نعطي حسقيل فرصته؟ ثم ان حسقيل ثري، وهو الذي يصنع لنا السلاح، فماذا نعمل لو طلب منا أداء اثمان الاسلحة مع
 فائدتها الآن؟ في الوقت الذي يكون عدد كبير منا منشغلا بالتفكير في ما يعمله، وكيف يدبر فدية رقاب الأسرى.
وعندما يسأل آخر:
ـ ولماذا لا نختار ابن عمنا فلانا؟
يقول من يعترض عليه:
ـ وماذا نأمله في ابن عمنا؟ لقد جربنا الشيخ الذي نحن بصدد خلعه، ولم ينفعنا بشيء رغم انه ابن عمنا.. ثم ان حسقيل رتب تحالف القبيلة مع قبيلة الروم الكبيرة، ومن تكون قبيلة الروم معه لا يغلب، عدا انه سيطور الوضع الاقتصادي لقبيلتنا، ويحسن سلاحنا.. ويجعل من يعترض على ولايتنا غير قادر على تغييرنا بعد ان نحظى بوعد، وحماية شيخ قبيلة الروم لنا بأن يقاوم أي رغبة بهذا الاتجاه.
ـ وعندما يتساءل احدهم بالقول:
ـ اذا كانت قبيلة الروم حليفة حسقيل، وستكون حليفتنا، فما هي حاجتنا للأسلحة!؟
يجيبه احد ازلام حسقيل:
ـ لنواجه بها قبائل العرب، اعداء حسقيل، واعداء الروم.

واذ ذاك يتبادل اثنان من الشباب النظر فيما بينهما، ثم ينهضان تاركين مكان النقاش.
وعندما يقول له أحدهم:
ـ كان اختيارنا لأبي لذة خاطئا بالأساس، ثم، الا تتذكر ان القبيلة الفلانية التي غلبتنا فرضته علينا في ذلك الوقت، بعد ان قتل شيخنا ذاك الشهم في المعركة، عندما قالوا لنا أنهم لا يطمئنون على علاقتهم معنا، ولا يقيمون معنا الصلح ما لم نقبل بهذا شيخا، وقد قبلنا به على هذا الأساس، ولم نختره نحن، بل كأنهم قد تعمدوا آنذاك ان يختاروا الاردأ من بين رجال القبيلة، فلنختر واحداً من الفرسان الجيدين من أبناء عمومتنا.. بديلاً له، وليس حسقيل..
عندها يصيح به آخر:
ـ دعنا، يا أخي، من تكرار قولك.. أبناء عمومتنا.. أبناء عمومتنا.. لنترك عمومتنا جانباً، ولنجرب اختيار أجنبي، حتى لو لم تعتبروا حسقيل منا، ماذا به حسقيل؟
ثم يصيح عدد من الحضور بصوت واحد ليرهبوا الحاضرين:
ـ بل حسقيل منا..
ويصيح آخرون:
ـ نريد حسقيل شيخاً لنا.
ويقول أحدهم ضاحكا:
ـ بل أنا على استعداد لأن أزوجه ابنتي فوراً.
ويقول آخر:
ـ وأنا أيضاً، أعطيه أختي من غير متأخر الصداق.. يكفيني ما يقدمه لي مقدماً بما يجود به! كانت هذه الاتجاهات
 بوجه عام، وكل ضمن تفاصيل يومه، هي الاتجاهات الأساسية التي كانت تدور حولها اللقاءات التي يجريها حسقيل مع من يحضر إلى بيته.

لاحظ الرجال أنهم ما أن يعودوا إلى بيوتهم حتى يواجهوا تساؤلات ومفردات أحاديث من زوجاتهم، أو أمهاتهم، أو اخواتهم، وكأنهن كن يحضرن الاجتماعات، وقسم كبير منها لصالح حسقيل، مع تمنيات تتعلق بالنساء المعنيات بأن يجود حسقيل على من يجود عليها (بمحبس) خاتم من ذهب أو فضة، أو بسوار، أو قلادة، لو فاز بالمشيخة، وكل منهن ترسم الخيال المناسب لثقل وزنها في القبيلة، أو لمستوى جمالها.. وعلى طرف الرجال المعنيين يمنّي كل نفسه بما يمكن أن يجود عليه حسقيل، ورضاه عنه بمال أو جاه، أو ما يثبته شيخاً على قبيلته، أو يمكّنه من كرسي مشيخة يناوئ عليه أباه أو ابن عمه أو أحد شيوخ عشائر القبيلة..

وما أن حان الموعد الذي حدّدوه، حتى التقى رجال القبيلة في ذلك اليوم، لكن حسقيل، بدلا من جعلهم يلتقون في بيته ذي الأعمدة الستة، فقد جمع شيوخ العشائر التابعين لهذه القبيلة في اليوم الذي سبق يوم اللقاء، ورجاهم أن يكون اللقاء الأول في بيت شيخ المضطرة بوصفه البيت الأكبر.. وأنه سوف يضمن لهم عدم حضوره، لكي لا يقول أهله وأبناء عمه إن اللقاء حصل في بيت حسقيل ذي الأعمدة الستة، بدلا من البيت ذي الأعمدة الثمانية (وبذلك يجدون مدخلا للطعن بقراراتكم).. هكذا قال حسقيل.
ثم أردف قائلا:
ـ ثم ان البيت صار الآن بيت أم لذة، بعد أن طردته منه.
وقال آخر:
ـ يا أخي، إذا كان الاعتراض على عدد أعمدة البيت، لنجعل عدد الأعمدة في بيت حسقيل سبعة بدلا من ستة، لنجعله ذا أعمدة ثمانية، بإضافة عمودين على الأعمدة الستة من غير مقطع اضافي في البيت.
ثم يعترض شاب لم يهرب من المعركة، وقاتل ببسالة:
ـ يا اخوان، ان الموضوع ليس موضوع عدد الأعمدة وإنما الفكرة، هل نلتقي في بيت شيخ العشيرة وتحت إشراف عدد منا، أم نلتقي في بيت حسقيل وتحت إشرافه؟

 ثم يقول آخر:
ـ لديّ فكرة: لماذا لا نلتقي في بيت شيخ قبيلة الروم، وبذلك نحل الموضوع، ولكي لا نترك لدى أحد حساسية من الذين يتحسسون من حسقيل وبيته..

يعترض أحدهم ليقول:
ـ ليس المهم التسميات، إنما الفكرة، هل نقبل بأن يشرف أجنبي على مناقشاتنا ويوجه اختيارنا لشيخنا، أم نحل شأننا
  بأنفسنا، وبإشراف واحد من أبناء عمومتنا؟

 ينفض حسقيل عباءته بحركة تمثيلية واضحة ويقول:
ـ إذا كان حضوري هو المشكلة، سأترك المكان.
صاح العدد الأكبر من شيوخ العشيرة بصوت واحد:
ـ بل يبقى حسقيل
والروم الموجودون بيننا، فكلهم إخواننا، ولا فرق بيننا وبينهم.

 

 

إلى صفحة المقالات