أُخرج منها يا ملعون

حرم الروم على قبائل العرب أن يبتاعوا سلاحا وكانت عقوبة من يتجاوز الحظر الغزو

الجزء ( 6 )

 

 

 تنطلق رواية الرئيس صدام حسين «اخرج منها يا ملعون» من الكشف عن علاقة الشيخ ابراهيم مع ايتام اولاده الثلاثة، الذين قتل آباؤهم  في غزوات ومنازعات قبلية، وتُسلط الاضواء على شخصية كل منهم، وهم حسقيل ويوسف ومحمود. وفي الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد واحفاده حول مفهوم الثروة، وأوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما أدى إلى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة.


***


 ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وأفراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة

 وافق شيوخ العشائر المنتسبون لتلك القبيلة، ومعهم أغلبية الحضور.. رغم اعتراض أحد الشيوخ بقوة على هذا، وسحب صلاح سيفه وهو يصيح بقوة:
ـ ان هذا غدر.. ان هذا خيانة لتاريخنا وتراثنا، وتضحيات أجدادنا وآبائنا، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، قبل أن يصير أبو لذة شيخا علينا والآن تسعون لأن يصير حسقيل شيخا علينا مع كلب الروم، بل ان تصرفا هكذا وصفه يعتبر خيانة حتى لدين من هو على دين حقيقي منا.. خيانة للحاضر وللأجيال من بعدنا.. فوالله لن ارضخ لأمر يُسيء لكل هذا، ولن يرهبني ويجعلني لا أقرر  طريقي واختياري بنفسي، أنا وعشيرتي، ولن أخشى حسقيل ولا الروم، ولا أخشى من يرضخ صاغراً مخزياً لهما.

 وعندما يعترض أحد الشيوخ يصيح به بقوة.. وعندما يهم أن يهوي عليه بسيفه يسقط على ظهره حتى تظهر عورته.. فيضحك قسم من الشباب، بعد أن يخرج الشيخ الشهم، على منظر جُبن مَن جَبُن.. عندما واجه ذلك الشهم الضعفاء.

 من جانبه، كان حسقيل قد رتب الأمور مع زوجة الشيخ، لذلك كان الاجتماع في بيت الشيخ، واختيار وجهاء وشيوخ العشائر أن يكون حسقيل هو الذي يدير الاجتماع، وعندما حاول أن يظهر شيئاً من التمنع التمثيلي، قام كثر منهم إليه، ملحفين الرجاء، هذا  يقبّل كتفه، وذاك أنفه، والآخر جبينه، أو كتفه، وصغار السن يقبِّلون يديه، وكلهم يرجون حسقيل أن يقبل الإشراف على مناقشة مصير القبيلة، إلا واحداً من الحضور، كان رجلاً مهيباً، قاتل قتالاً مشهوداً عند المنازلة مع القبيلة المختارة، رغم أنه أساساً لم يكن مقتنعاً بضرورة شن الغارة على تلك القبيلة، ولا بأسبابها ودوافعها.

 لذلك عندما نزل رجال المضطرة من على صهوات جيادهم لينهبوا حاجيات بيوت المختارة قبل أن تبدأ المنازلة، بقي هو على ظهر جواده، ولم يشترك في جمع الأسلاب، وجعلته حصانته الذاتية وروحه العالية، وشجاعته، من بين القلة النادرة، بل في مقدمتهم، مع ما سجل من علامات متقدمة على من قاتل فعلا، لذلك كان آخر من انسحب من المعركة، ولكثرة ما سال على قبضة سيفه من  دماء، جفت على كفه اليمنى بسبب الإمساك بالسيف لمدة طويلة، وهو يهجم بأمل أن يخلص أكبر عدد ممكن من الوقوع في الأسر.. ولأن الدماء جفت وجمدت على كفه وهي ممسكة بالسيف، فإنه لم يتمكن من فتح قبضة يده ويخليها من قبضة السيف، إلا بعد أن نقعها في ماء دافئ عند أعرابي استضافهم وهم في طريق العودة إلى ديارهم بشهادة من كانوا عائدين معه، إلى قبيلتهم بعد الغزو الفاشل.

 قال صلاح، بعد أن نهض ليتكلم وقوفاً:
ـ إننا أبناء قبيلة واحدة، نحن الحضور هنا في دار الشيخ الذي خزينا به قبل أن يخزي نفسه، ذلك لأن من لا يستحي من العار لا تخزيه نفسه إذا ما ارتكب ما يعيب، أقول، نحن الموجودين في هذا البيت، كلنا أبناء قبيلة واحدة، إلا حسقيل، ومن أحضرهم معه،  فهو رجل غريب، والذين معه غرباء أيضا، بل جاءنا دخيلاً، وقبلنا أن يعيش بيننا كمستضعف، ويعمل وفق مصلحته صائغاً أو حذّاء  للخيل، أو حداداً وصانعاً للأسلحة، لكن لا يجوز أن نبحث شؤوننا بحضوره، خاصة في شأن مصيري كهذا.. وفي كل الأحوال، لا يجوز أن يكون حسقيل مشرفاً على حوارنا هنا، أو شيخاً علينا..

 وفي الوقت الذي كان يقول ذلك، كان كثر من الجالسين يشوشون عليه، وبعضهم يحصبه بالنوى أو الحصى الصغير، بعد أن كان حسقيل قد قدم لهم تمراً، قبل الغداء، وقد أراد بهذا لا أن يظهر لهم كرمه، إنما يجعلهم يتناولون التمر، وينكبون على شرب الماء، بما يجعلهم مقلين في تناول الطعام الذي أوصى أم لذة أن تزيد سمناً لكي لا يبالغ الشرهون في تناول الطعام.. هكذا قال حسقيل للشيخة أم لذة.

ـ وبذلك يا شيخة، بإمكاننا بأقل ما يمكن من الذبائح والثريد أن نجعلهم يشبعون.

 ورغم أن الحاضرين كانوا يشوشون على صلاح، ذلك الرجل الوقور الشجاع، فقد واصل كلامه، وقال:
ـ انني اعترض على وجود حسقيل وأي غريب بيننا، ولكي لا تتصوروا أن اعتراضي على حسقيل لسبب ذاتي، فأنا لا أرشح نفسي شيخاً للقبيلة، وإذا كنتم لا توافقون رأيي، فأنا أعلن انسحابي من هذا المكان، وسأعزل منزلي عن منزلكم حتى تصحوا على  زمانكم، وتلتزموا بتقاليد آبائنا وأجدادنا، وتحترموا حقوق القبيلة ومبادئها.. ومن يتبعني فليتبعني، ومن يبقى فعليه إثم ذنبه.
 نهض، ونهض معه عدد من الشباب الذين كانوا يحضرون هذا الاجتماع، ولم يبق إلاّ عدد قليل من الشباب لم ينسحبوا، مع عدد آخر من أعمار أكبر منهم، وأغلبهم كانوا كهولاً أو شيوخاً، وأثناء عبوره آخر صف من الجالسين، لطم وجه من كان يحصبه وهو يتكلم فسقط على الأرض، وتدحرج غطاء رأسه، وعندما حاول بعضهم أن يتجاسر عليه، سحب سيفه، وسحب الشباب الذين نهضوا معه سيوفهم أيضا، وهنا قام حسقيل ليقول:

ـ (اخوي راشدة)، اترك الرجل يرحل، ولا تعملوا لنا قصة، يا إخوان نحن لسنا بصدد أن ننشغل ببعضنا الآن، فلذلك شأن آخر، قد يأتي وقته لاحقاً.. لا تضيعوا علينا فرصة تدبير امرنا، ثم استدار ليهمس في أذن شيخي أكبر عشيرتين في القبيلة، كان أحدهما يجلس على يمينه، والآخر على يساره..

ـ سوف يعاقبه شيخ الروم على موقفه.. لا تقلقوا.

قال حسقيل ذلك، ليجبر الخواطر، ولكي لا تضيع عليه الفرصة التي خطط لها.. حتى انسحب الرجل الشجاع هو ومن تبعه من شباب القبيلة.

جلس الباقون، كل في مكانه.. وأمر حسقيل العبيد أن يصبوا القهوة للضيوف.. هكذا قال ليوحي بأنه صاحب البيت.

قال أحد الحضور:
ـ لنبدأ.
 وبدأ ينتقد تصرف الشيخ أبي لذة..

 
تبعه آخرون، كل يصف عيوب الشيخ، وكان شيخ المضطرة، في الواقع، مليئاً بالعيوب.
 قال أحدهم:
ـ لماذا لا نحضر الشيخ، لنسمع منه؟

 نهره أحد شيوخ الروم.. فسكت.
 


***

 

 استمرت محاكمة الشيخ حتى قرروا خلع صفة المشيخة عنه بحضور الجميع، وبإشراف حسقيل، وعندها صاروا أمام ضرورة ان  يختاروا شيخا للعشيرة بدلا من الشيخ المخلوع.
قال أحدهم:
ـ انا ارشح نفسي لهذا المنصب.. ومن لديه اعتراض فليقله.. قال ذلك بعد ان سحب سيفه من جنبه، وشهره بوجه من قد يعترض، وقام خلفه أبناء عمومته والاقربون، ومعهم بعض الروم، وهم يسحبون سيوفهم ويشهرونها.. وهكذا   فعل آخر، ومعه فعل المقربون إليه، ثم ثالث ورابع وخامس، حتى لم يبق وجه وشيخ من وجوه وشيوخ العشائر ضمن تلك القبيلة الا ورشح نفسه، وسحب سيفه، ومعه اتباعه يشهرون سيوفهم بوجه المجهول..

هنا قال حسقيل:
ـ يا (ها لربع)، في مثل هذا الجو، من الصعب ان نختار من بيننا شيخا للقبيلة، وأخشى ان تحصل مذبحة بيننا، اذا اخترنا من بين الحضور شيخا لنا، بسبب تعارض الرغبات والاتجاهات.. ومن اجل ان نحقن الدماء ونحافظ على وحدة القبيلة، اشير عليكم بأن نحكم في امرنا شيخ القبيلة الرومية، فهو رجل حصيف، وفوق ذلك شيخ أكبر وأقوى قبيلة، وهو فوق كل ذلك، تحمل عبء ومخاطر الطريق ليجاورنا هو وقبيلته، أليس من الحكمة ان نعطيه فرصة ان يقول في امرنا رأيه، وهو شرف كبير لنا لا يدانيه شرف!؟

قال حسقيل ذلك وهو واقف، وعندما جلس صفق له كثير من شيوخ العشائر في القبيلة المضطرة، الا واحد اعترض على المقترح، وقال:
ـ انني افضل ان نحل امرنا بأنفسنا، بدلا من الشيخ الذي اقترحته، يا حسقيل.
 وعندما رفض الحضور الرأي الوحيد للشيخ المعترض، قال حسقيل:
ـ اذن، على هذا الاساس، اعتبر ان شيوخ عشائر المضطرة قد وافقوا على مقترحي، الا شيخ عشيرة واحدا.

أصبح تحكيم شيخ الروم حالة ملزمة وواجبة طبقا لقرار اتخذه عدد من شيوخ عشائر القبيلة.. ورغم انهم لم يكونوا الاغلبية، ولكنهم فرضوه كأمر واقع، على اية حال.
نهض شيخ الروم، وتنحنح، وكلما تنحنح، قال له اقربهم:
ـ ابشر، ابشر، والله يا طويل العمر، لن نخرج عن مشورتك (شورك) وما تقرره، انت (خوينا) الكبير، وصاحب السطوة العالية في هذا الزمان.
عندها قال شيخ القبيلة الرومية:
ـ اجد صعوبة كبيرة في أن اختار واحدا منكم، بعد ان رأيت ما انتم عليه من فرقة، لذلك أرى، من اجل مصلحة القبيلة، ان يكون حسقيل شيخ قبيلتكم..

ثم اردف:
ـ ان حسقيل ذو تدبير، وهو يصنع السلاح، وله وكالات للمال والدعاية كثيرة، ويقيم معنا علاقات نثق بها ونأتمنها، وعلى هذا الاساس فنحن ايضا بامكاننا ان نساعدكم، وعندما تكون ايدينا بايديكم، ويكون حسقيل شيخ قبيلتكم، فإن كل شيء ممكن، بما في ذلك ان نتكاتف على قهر القبيلة المختارة.

ورغم اعتراض شباب القبيلة الذين ليس في ايديهم حل ولا عقد، صفق شيوخ عشائر القبيلة الا واحدا، قام وقال:
ـ انا ارفض هذا الاختيار، انه اختيار مهين لقبيلتنا، وانا اعترض عليه.
قال شيخ الروم:
ـ ولكننا سنحارب من يرفض.. وسوف نكون جميعا متحدين ضده.
قال ذلك الشيخ:
ـ انا ارفض هذا الطريق، ومع انني لا اريد الحرب، ولكن عندما اكون مضطرا عليها سوف اقاتل..
ومع ان شباب القبيلة صفقوا له، فإن ايا من شيوخ عشائر القبيلة الذين وافقوا حسقيل لم يأخذ برأيه، لذلك غادر الجلسة..
قال حسقيل:
ـ اشكركم اخواني، وأبناء عمومتي، على اختياركم اياي شيخا للقبيلة المضطرة.. سوف اسقط عنكم نسبة الفائدة على الديون المقررة بذمتكم.. وسوف أمنح كل شيخ من شيوخ العشائر في القبيلة مبلغا من المال يدبر به شؤون بيته، ويديم شراء القهوة  ليقدمها في مضيفه، وكل على أساس وزن عشيرته، وسوف اخصص نسبة مما تجمعه العشيرة من عملها وثروتها لشيخ قبيلة الروم ليديم دعمه لنا، وكاعتراف منا بجميل اسناده، وصنيعه.. فنحن من غيره لا نستطيع ان نستمر في مشيختنا.
التفت حسقيل الى من كان يجلس جواره، ووجده يضحك، فقال:
ـ ان الطامعين في مشايخنا كثر، وان قوتنا غير مهيأة دائما لتكون في وضع تستطيع ان تصد عنا طمع الطامعين، خاصة اذا ما ظهروا لنا من بين صفوفنا.. ولذلك فإن حاجتنا دائمة، يا ابن اخي، للقبيلة الرومية وشيوخها..
وأضاف:
ـ اشكر لكم جميلكم وصنيعكم، واذا وافقتم، فانتم مدعوون في بيتي اليوم، لنحتفل معا انا وجماعتي.
قال (جماعتي) كأنها فلتة لسان، وكان يقصد شبكة العيون والدساسين، ومتسقطي الاخبار، لكنه استدرك ليقول:
ـ عفوكم، اقصد انا وقبيلتي، نساء ورجالا، اليست الحفلات المختلطة افضل، يا جماعة الخير؟
صاح قسم من الشباب بحماس:
ـ بلى، يا شيخ.
وقال احد الحضور، وهو ثمل ويمسك بيده قنينة خمر من فخار، وباليد الاخرى قدح فخار ايضا، وبعد ان ملأه من القنينة رفع القدح الى الاعلى فوق رؤوس الجالسين، وصاح بصوت متقطع، ووجهه يتصبب عرقا، وهو بالكاد يجد بداية الكلام ليقول:
ـ بصحتكم.. بصحة حسقيل..
قالها متقطعة هكذا:
بــ.. صحـ.. ـتكم.. بـ.. ـصحة.. حســ.. ـقيل.
وقد اجابه شيخ قبيلة الروم بلغة اجنبية:
ـ (تشيرز).. ـ ثم استطرد حسقيل:
ـ ومعنا شيخ قبيلة الروم، نساء ورجالا، لنحيي حفلة مشتركة حتى المساء، ولنشاهد رقصات ودبكات الروميات، ومعهن، أو الى جانبهن شيخات قبيلتنا، بالإضافة الى رجال القبيلتين.
قال الاكثرية:

ـ نعم.. نعم.. الا اثنين.. اعترضا وخرجا.
 


***
 


 
بعد ان صار حسقيل شيخ القبيلة، حدد لمن يطلبهم ثمن السلاح موعدا ليسددوا ما عليهم، واستولى على ما يساوي دين من عجز عن التسديد من اغنام وابل وابقار، بل راح يستولي على بيوت الشعر العائدة الى من لا يستطيع التسديد..
وعندما يسأله من يسأل:
ـ اليس هذا مبالغا فيه، يا شيخ؟
يجيبه:
ـ وماذا افعل مع من لا يستجيبون لتسديد حقي؟
وعندما يقول له من يقول:
ـ اليس من حق ابن القبيلة على شيخه ان يتضامن معه في مواجهة الظرف الصعب؟
يجيب:
ـ وما قيمة الشيخ والمشيخة من غير فلوس، يا اخي؟ اترى انكم تختارونني شيخا عليكم لو لم املك مالا؟ الم يكن كثر منكم يأخذ  برأي صلاح عندما كانت فلوسه كثيرة قبل القتال، وبقيتم في مجلسي عندما احتج على اختياري شيخا، ولم يكن ذلك لأن مالي كثير، وصار هو لا يملك كما كان في السابق، وان نفوذي اندمج مع قدرة ونفوذ الروم؟.. نعم يا اخي ان المال يجمع منك ومن الآخرين، لنواجه به اناسا كصلاح، ما ادرانا.. قد يظهر من بيننا كثر مثله! استمر حسقيل، الى جانب ذلك، يجمع الفلوس من حصيلة ما تشعب من مصالحه.. حتى صارت لمصالحه فروع ليس ضمن القبيلة المضطرة فحسب، وانما اتفق مع قبيلة الروم على ان يتوسعوا في مصالحهم وفق شراكة خاصة، ويمتدوا في مجاميع الحدادة والنجارة والحياكة وبيع السمن والبسط والزيت والزيتون لكل القبائل، ومن لا يفتح لهم مجالا لمصالحهم يشنون عليه حربا بصورة مشتركة، حتى انهم أسسوا وكالات خاصة لتصدير واستيراد كل شيء تبيعه القبائل أو تستورده، الا اهل العراق، فانهم رفضوا ان يبيعوهم شيئا، أو يستوردوا منهم شيئا، من خلال المكاتب التي اسسها حسقيل، أو اسسها بصورة مشتركة مع الروم.

ولأن ما كانوا يستوردونه من العراق هو النفط والقار (اي القير)، والتمر.. وكلها، عدا الحبوب، لم يكن احد ممن يجاورهم يمتلك بديلا عنها، فقد اضطروا الى ان يسمحوا للقبائل بأن تستورد من العراق من غير شروط. وتسببت المكاتب التي أسسها حسقيل، أو تلك التي اسسها بصورة مشتركة مع الروم في عداوات واسعة بين قبائل العرب ضد حسقيل وضد الروم من بعده، لأنهم تضامنوا مع حسقيل في تجارته الاستغلالية، عدا عن الارباح الفاحشة التي كان يتقاضاها من الربا، سواء من خلال وكالاته ومكاتبه المتخصصة المستقلة، أو تلك التي اسسها حسقيل بصورة مشتركة مع الروم. وقد فرض حسقيل والروم على كثر من قبائل العرب، بل حرموا عليهم ان يبتاعوا سلاحا، أو اي نوع من انواع ادوات الزراعة أو الحرف اليدوية، وحتى أواني الطبخ، الا من الروم أو حسقيل، وكانت عقوبة من يتجاوز ذلك ان يغزوه، ويستولوا على ممتلكاته، وعاثوا في الارض فسادا، بعد ان اصبحوا اكبر قوة في هذا المحيط، في ذلك الزمان، وكلما ظهر صوت يعترض على حسقيل وقبيلة الروم من بين الشباب، دبروا له في ليل خنجرا مسموما ليغمد في ظهره أو بين ضلوعه، أو يغروه يما يغرونه به، كل حسب هواياته واهتماماته ليتنازل عن موقفه لصالحهم، وصاروا الاكثر ثروة بين القبائل، بل لعل ثروة حسقيل بصورة خاصة، وثروة شيوخ قبيلة حسقيل وشيوخ قبيلة الروم صارت الاكثر، بغض النظر عن مستوى ملكية افراد القبائل العاديين، الغني منهم والافقر، حتى بالقياس بما كان عليه مستوى المعيشة بين القبائل الأخرى..



***



كانت الشيخة أم لذة تنتظر ان يتقدم حسقيل لخطوبتها، بعد ان طلقها زوجها الشيخ السابق، أو هي طلقته، وعلى أساس ما اتفقت معه من قبل، وعلى خلفية خدماتها التي قامت بها بين صفوف نساء القبيلة، ولكنه كان يبقيها بالأمل  مع كل يوم أو اسبوع أو شهر يمر الى ما بعده.. حتى صار الزمن يعد بالسنوات بدلا من الاشهر، وفي الوقت الذي كان يؤمل أم لذة، كانت عينه على لذة، ذلك ان لذة لم تمكنه من نفسها، ولأن من عادة هذا النمط من الناس ان يبحث عمن لم يلمسها، وفي الوقت الذي يشبع من تلك التي بين يديه، راح حسقيل يجري خلف لذة، وكلما حاول معها، تملصت منه بطريقة لا تجعلها تبتعد عنه ليقطع الأمل فيها، ولا تقترب الى الحد الذي تحقق بغيته فيها..

وعندما كان يقول لها:
ـ لقد اتعبتني يا بنت الحلال، ولم اعد اعرف ما اذا كنت راغبة فيَّ فعلا ام تلعبين بي.
تقول لذة:
ـ لا عاش من يلعب بك، لكن صبرك عليَّ، لئلا نلفت انتباه الناس لحالنا بما يثير التساؤلات، التي ما ان تكون في افواه خصومك، حتى تضعفك عندما يتقولون بما يعني ان عائلة الشيخ القديم متفقة معك على النتائج التي حصلت، سواء بعزل الشيخ ابي او بتنصيبك شيخا علينا.. وبذلك يضاف اليك عبء جديد، عدا الاعباء التي نسمعها ونراها من ان القبيلة صارت موزعة في ولائها بينك وبين من خرجوا عليك، بعد ان رفضوا انتخابك وولايتك على القبيلة، حتى صار لاعدائك شأن لم يكونوا عليه، عندما فزت بمنصب المشيخة..
ثم أليس ما تنتظره اكثر اثارة مما تأكله..!؟


سكت حسقيل على مضض، لا لقناعته بما قالته لذة، انما لقوة حجتها ومنطقها..
ثم يعود حسقيل لاجئا لأم لذة.. وان كان يراجعها وتراجعه، لكنه لم يبق في شوق اليها، مثلما كان في السابق، وعندما طال الزمن بها، ولم تلمس منه ما هو يقين في رغبته ونيته في الزواج منها، قالت له بوضوح:
ـ ان لم تتزوجني، يا حسقيل، سأجمع كل نساء القبيلة، واحكي لهن قصة المؤامرة التي حكتها على القبيلة، وما وجهتني بأن اقوم به من دور وسط النسوة.. بل لعلي جمعت الرجال لأقول لهم الشيء نفسه، وعند ذلك سيكون مصيرك في كف عفريت.. ترى ماذا سيكون عليه حالك لو فعلت ذلك، خاصة بعد ان صار لك خصوم جديون داخل القبيلة، واولئك الذين شكلوا عشيرة مستقلة من الذين خرجوا عليك، بعد ان اشرفت على القبيلة، ثم خرج من خرج على ولايتك، عندما اختارك شيخ قبيلة الروم شيخا على قبيلتنا؟.. لقد غدرت (نكت) بي، ولم يبق امامي غير ما قتله لك، فعليك ان تنظر في الامر جديا، وتحكم عقلك وتقرر ولا بد ان تعرف كيف ومتى تقرر وامامك اسابيع قليلة، فان لم تقرر، سأحدد لك زمنا بالايام، وبعدها اكون في حل في اختيار التوقيت المناسب والطريقة الاكثر ايذاء بالافضاء بكل ما اعرفه للقبيلة..

 داور حسقيل الامر مع نفسه، وانصت وهو في اسوأ حالة اضطراب، وهو يسمع منها كل ما قالته، حتى تحول التخلي عنها الى حقد وكره شديدين، والى شعور ورغبة جامحة في الانتقام.. لذلك افتعل او تقمص مظهر الهدوء وقال:
ـ انك واهمة في ما استنتجته، ولا اعتقد انك بحاجة الى ان تطبقي ما قلته، ذلك لأنني احبك ولا استطيع ان استغني عنك، لكنني اردت ان يبتعد الزمن عن خط البداية، لكي لا نلفت انتباه المتصيدين، ونعطي متسقطي الاخبار ومن يحاولون اضعافي واضعاف وهز القناعة بمشيختي، التي بنيتها انت بالدرجة الاساس، تخطيطا وتنفيذا ـ كأنه بهذا استعار جانبا اساسا من الحجج التي قالتها لذة، عندما كان يتحايل عليها ليتزوجها، بعد ان فشل في الحصول عليها من غير زواج.

قالت الشيخة:
ـ على اي حال، قلت ما قلته، رغم أنني واثقة من انك ستتزوجني.. لكني اردت ان احسم ترددك في أمر ينطوي على مصيري ومصيرك، واردت ان استعجلك، محاولة ورغبة مني في ان احصل منك على ولد يكون قرة عيوننا ويجعل دارنا تخضر من جديد، بعد ان كبرت لذة وامتناعي عن انجاب غيرها بعد ان اكتشفت ان حياتي مع شيخ العشيرة السابق لن تستمر.. وها هي لم تستمر، مثلما تعرف وترى..

ما ان خرج حسقيل من بيتها حتى بدأت افكاره تسير باتجاه التآمر على حياتها، بعد ان وضعته امام الأمر الواقع.
 


***
 


 استمر حسقيل وشيخ قبيلة الروم في عملهما الذي اعتادا عليه من استغلال وابتزاز للقبائل المجاورة، تحت كل العناوين والانشطة التي ذكرنا والتي لم نذكر، واغتيال هذا او ذاك وفق تدبير مشترك لمن يِكتشف انه يعارض خططهما، بالاضافة الى العدوان المستمر على من كان يجاورهما، بما في ذلك انهما امتدا في غزواتهما وعدوانهما حتى الى العراق، لكنهما هنا ردا على اعقابهما، رغم ما الحقاه من اذى بالناس، ومنه قتل المواشي او الاستيلاء عليها وحرق المزروعات وقطع النخيل ومع ذلك ردا واتباعهما مهزومين بالنتيجة وكانوا عندما ينهزمون امام اي قوة او قبيلة، يزدادون حقدا على المنطقة ويزدادون امعانا في القتل وحرق المزروعات وقتل الحيوانات التي لم يستطيعوا الاستيلاء عليها ونقلها الى حيث ديارهم.. ولم يسلم منهم حتى النساء والاطفال، حيث لم يبقوا احدا يحبهم، بل صار الكل يكرههم من شرق المنطقة الى غربها ومن شمالها الى جنوبها.. وعبثا حاول شيوخ القبائل، زرافات ووحدانا، ان يقنعوا حسقيل وشيخ قبيلة الروم، بتغيير مواقفهما.. وارهق الناس من حولهما جراء عدم الاستقرار والحروب، وبدأ الفقر يدب بسبب الاتاوات التي فرضاها على الناس، عدا الزامهم بان يكون كل نشاط تجاري او اقتصادي بوجه عام مع حسقيل ووكالته ومع رئيس قبيلة الروم وقبيلته حكما، على ان يفرضا اسعار ما يشتريانه او يبيعانه، ولم يعد للمنافسة من اي طرف مكان او دور، انما ما ذكر فحسب.. بالاضافة الى الاتاوات المباشرة التي يفرضانها على الناس واصحاب الاموال منهم بوجه خاص، من حين الى آخر، تحت هذه الذريعة او تلك..



***
 


 في أحد الايام، اقترح حسقيل على شيخ الروم اقتراحا غريبا، قبله شيخ الروم.. اقترح حسقيل ان يشيدا بناءين شامخين كأنهما  برجان عملاقان، وصارت المبالغات والقصص تدور حولهما، بسبب ارتفاعهما ومستوى البناء، حتى قال احد البنائين الفرس ممن استخدموا في البناء، ان فأس البناء سقط من يده يوما وهو في الطابق الاخير، وبسبب ارتفاع البناء لم يصل الفأس الى الارض حتى ذلك اليوم الذي كان يتكلم فيه.. وانهم عندما كانوا يعملون في البرج ـ يقول الفارسي ـ كان صعودهم يستغرق اسبوعين ونزولهم اسبوعا، بعد ان يبقوا معلقين في سلم البناء ثلاثة اسابيع ليل نهار..
كان عدد من الاعراب وغيرهم يستمعون الى مبالغات هذا الفارسي، وعبثا حاول من حاول منهم ان يقنعه بعدم دقة ما قاله.. لكنهم لم يقولوا له انه يكذب على غرار ما تفعله الدبلوماسية في هذا العصر، بقولها عن الكبار عندما يكذبون، ان فلانا الأميركي.. او الانكليزي او الفرنسي، لا يقصد ما قاله، او ان الصحافي الذي نقل عنه الكلام لم يكن دقيقا او لم يكن دقيقا تماما..

 اراد احد الاعراب ان يناكد الفارسي بسبب كذبه، فقال له:
ـ كنت مع والدي في زيارة للعراق، واشترى لي والدي خيارة قثاء من سوق مدينة (تل اسمر) (1) السومرية، وكانت الخيارة ناضجة وبذورها ناضجة هي الاخرى، وقد جلسنا نأكلها على حافة نهر ديالي، الذي كان اسمه تورنات في تلك المرحلة من الزمن،  فسقطت بذورها ونبتت بذرة منها واورقت وازهرت واثمرت خيارة ونحن جلوس ننتظر ما يحصل، واستمرت خيارة القثاء تستطيل وتستطيل ونحن نمشي معها حتى وصلت الى حدود العراق مع ايران، واجتازت الحدود، واستمرت تستطيل فدخلت طهران، ثم قصر الشاه الايراني، ولم يتمكن الحرس منها، واستمرت كأنها افعى تسعى وتتلوى في طريقها، حتى اتجهت باتجاه غرفة زوجة الشاه.. وهنا صاح الايراني:
ـ (امان).. دخيلك.. اوقف الخيارة ولا تدعها تستمر.
 قال محدثه:
ـ ايها الكلب، لن اوقف خيارة القثاء الا اذا جعلت فأس أبيك تسقط على الأرض في الحال.

على هذه الصورة والتخيلات كانت صور البرجين ترسم وتنسج حولهما القصص والروايات والمبالغات، لكنهما على اي حال برجان شاهقان وفريدان من نوعهما، وقد اقنع حسقيل شيخ قبيلة الروم بانشائهما، لكي يكون لكل واحد منهما برج يضع فيه ثروته او جل  ثروته، بما في ذلك الحبوب والصوف والسمن والتمر والذهب، حيث تتعذر السيطرة عليهما لو وقع غزو، اذ يكفي ان يكون فيهما عدد من الحراس مع القسي والنبال والسهام، او اي من الاسلحة الاخرى، ليكون من المتعذر على الغزاة السيطرة عليهما وانتزاع موجوداتهما.. وقد بني البرجان عبر البحر على الحدود الفاصلة بين القبيلتين: القبيلة المضطرة وقبيلة الروم.. وعندما انجزا، صارا من بين العجائب على قياس الاعاجيب في ذلك الزمان.. وبانجاز بنائهما، كان الشيخان قد عصرا عظام الناس واكبادهم وقلوبهم، ليوفرا تكاليف بنائهما، ولكي يخزنا ممتلكاتهما، كل في برجه.. وبالاضافة الى هذا الغرض، فقد كان الشيخان يحييان، كل في برجه، حفلات ماجنة جعلت الناس تضج مستاءة من تصرفاتهما ومجونهما.. وكل منهما يرصد غارات الاعداء عليهما او يرصد غارات جماعتهما ضد الاعداء، لما يوفره ارتفاعهما من امكانية النظر الى مسافة بعيدة.

 

إلى صفحة المقالات