أُخرج منها يا ملعون

من يكون الأجنبي ولي نعمته يصعب أن يتمرد عليه

الجزء ( 7 )

 

 

 تنطلق رواية الرئيس صدام حسين «اخرج منها يا ملعون» من الكشف عن علاقة الشيخ ابراهيم مع ايتام اولاده الثلاثة، الذين قتل آباؤهم في غزوات ومنازعات قبلية، وتسلط الاضواء على شخصية كل منهم، وهم حسقيل ويوسف ومحمود. وفي الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد واحفاده حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة.


ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وأفراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالأجنبي.

كانت لذة، وهي تداور في ذهنها شؤون القبيلة، وما وصل إليه حالها، في الوقت الذي سيطر عليها حسقيل، تلاحظ ان الظروف صارت تسير بها من سيئ الى اسوأ، وفي الوقت نفسه كانت تستحضر مع هذه الصور السيئة، وتتذكر ما حكته لها العجائز عن جدها، وكيف كان فارسا مغوارا لا يشق له غبار، ومع ذلك، ولأنه رجل حكيم، كان يتجنب ان يفتح ابوابا للشر، (لكن عندما تفتح القبائل المجاورة ابوابا للشر وللنار على قبيلتها، كان جدي، رحمه الله، يطفئها  بسيفه، حين لا يكون لحكمته صدى في عقول ونفوس من يشعلون نار الشر)..
ثم تعود لتقول:
ـ لا بد ان يكون غضب الرب قد حل بنا، بعد ان صار الاكثرية في القبيلة لا يذكرون الله، وصاروا يبتعدون عن  دين ابراهيم واولاده، وكان جدي تقيا ورعا امينا صادقا مغوارا حكيما كريما و.. و..
ثم تسكت لتقول بعدها:
ـ لكنه ارتكب خطأ واحدا عندما تزوج اعجمية انجبت له والدي، لأن جمال جدتي، رحمها الله، اغواه، حسب ما حكى لي كبار السن، ومنهم ابي وامي، عن جمالها.. لذلك لم يدقق في الاصل، ولأن الاصل ينبئ بما ستكون عليه الفروع، فقد ورث والدي صفات وخواص اخواله، لا صفات وخواص اعمامه، لذلك اخزانا في غزوته الاخيرة، وكسر اعتبارنا، مثلما كان عليه حاله الضعيف، وبخله وعدم قدرته على ان يحفظ تفكيرا وفعلا، للمعاني العالية استحقاقها وصفاتها ومعانيها.. مثلما كان يفعل جدي.. ان والدي، رحمه الله، كانت صفاته الاساس غير عالية، وهي صفات جاءته منقولة من اخواله، لذلك لم ينتبه الى ما ينبغي من خواص لتكون في من يختارها زوجة له، جريا على مسار خواصه، فتزوج امي، وهي من أم وأب اعجميين، لذلك فعلت فعلتها مع الخاسئ حسقيل، لأنها لم تشعر بالمعاني العالية لما يعز القبيلة، ولم تكن ترعى حرمة شوارب اهلها، لأنها تعرف ان اهلها لا يقيمون وزنا للاعتبارات التي تحفظها قبيلتنا وتحافظ عليها.

سحبت حسرة عميقة وواصلت مناجاتها لنفسها:
ـ انها غريبة، انها ليست منا، رغم انها امي، فالعظم يعود لأهله، ولأن العظم لأهله، عليَّ ان احافظ على معاني القبيلة فيَّ.. لقد اخزتنا انا وابي، لكنها لا تخزي القبيلة، لأنها ليست بنت عمنا، اما انا فان جذري في قبيلتي، انهم اهلي وناسي وان اخزيت نفسي اخزيتهم، اذن، لأدافعن عن شرف اهلي وناسي الخيرين، ولن تكون البداية الا بأن ارفض اغواء حسقيل باقتدار وشمم، ولآخذ منه ثأر ضعف امي، ولأدافع عن شرف قومي، وعند ذلك لن يبقى اسمي لذة وانما (نخوة).. ان ابي وامي هما اللذان سمياني لذة، وهذا اسم لا يليق ببنت شريفة ماجدة، اذن لأغيرنه، لكن ليس الآن، ينبغي أن لا أفعل أي شيء يلفت انتباه حسقيل ويجعله في حالة حذر، لكن، يا ربي، ماذا أفعل إزاء العار الذي سبّبته أمي لي؟ انك أنت القادر العظيم..

عندما قالت الجملة الأخيرة، كانت دموعها تنهمر وتسيل على وجنتيها إلى ملفعها، ثم تنهض وهي تقول في نفسها:
ـ لأبدأ مع بنات القبيلة، فبعد أن وصل عمري إلى ما وصل إليه، صرت قادرة على فضح مساوئ حسقيل، وإذا اقتنعت النسوة فإن كثراً من الرجال يسمعون من النساء، بل كثر منهم يسمعون حتى ما هو ضعيف من النساء، وأحياناً يتأثر بعضهم بما يسمعون، فكيف إذا كان حديث النساء في المعاني العالية؟! وإذا تأثر بعض الرجال بما سيسمعونه، فإن ذلك سيسري بين الرجال ليبدو بعد ذلك كأنه رأيهم، فضلا عن ان المرأة، بسبب وجودها في البيت، قادرة على زرع رأيها في عقول الأطفال، والأطفال هم شباب وشابات المستقبل، وعند ذلك يستطيع الرجال، بإسنادنا وإدامة زخمنا في الدعاية والفضح، ان يفعلوا ما يجب، ليخلصوا القبيلة من حسقيل..

تصمت لذة.. لكنها سرعان ما تقول في نفسها:
ـ وما أدراني، ربما يكون ما أعرفه وأتصوره عن مساوئ حسقيل معروفاً من الرجال.. وقد يتولون فضحه في ما بينهم ايضا.. ألم يخرج عدد من الرجال على طاعة حسقيل، وينعزلوا عن القبيلة ما دام حسقيل فيها؟ ألم يعزل حسقيل بعضهم بعد أن صار لا يأمن مواقفهم؟! إذن، لأبدأ بنساء القبيلة، وأتكل على الله أولاً وآخراً..
قالت (أتكل على الله أولاً وآخراً)، لأنها تعلمت ذلك مما تعلمته القبيلة من شريعة محمود ويوسف، ثم نهضت  لتحرض نساء القبيلة، مبتدئة بالصديقات المقربات، وببنات أعمامها اللائي كانت متأكدة من أن آباءهن، أو أزواجهن، إن كن متزوجات، لا يحملون وداً لحسقيل.



***



عادت لذة إلى بيتها في أحد الأيام..
سألتها أمها:
ـ أين كنت؟
قالت:
ـ عند بنات أعمامي.
استفسرت الأم:
ـ بم كنت تتكلمين معهن؟
ـ أحاديث بنات فحسب، لكن قولي، يا أماه، ألم تقولي إن حسقيل سيتزوجك؟ لقد مضت عدة سنوات ولم يفعل، ماذا ينتظر حسقيل؟ هل ينتظر أن يكبر؟ أم تنتظرين أن تكبري؟

لاحظت الشيخة ان ابنتها قالت الجملة الأخيرة بما جعلها تفسرها بأنها استخفاف بها وبحسقيل، أو استهزاء بهما،  فقامت من مكانها وصفعتها على وجهها، وأدمت أنفها.. لكن لذة لم تقل شيئاً، ولم تمنع أمها من ضربها.. غير أنها قالت:
ـ لست التي استأهل الضرب، يا أماه، ليتني لم أخلق.
همت أمها أن تصفعها مرة أخرى، لكن يدها ارتخت قبل أن تصل إلى وجهها لتهوي عليه.. وبدلاً من أن تفعل ذلك، احتضنت لذة، وبكت بمرارة، ومسحت الدماء من على وجه وأنف لذة، وهي تقول:
ـ انتقم الله لنا منك، يا حسقيل.. لعن الله ضعفك، يا أبا لذة، فلو كنت قد ملأت عيني، وجعلتني أخاف عاقبة فعل السوء، لما وصلت إلى ما وصلت إليه..
قالت ذلك وهي تنزوي في أحد أركان البيت، وفي ظنها أن لذة لا تسمع ما قالته، أو في الأقل كل ما قالته.
اقتربت لذة من أمها وقالت:
ـ أماه، افعلي أي شيء لا يجعلك مضغة في أفواه الناس بما يخزينا، فإن لم تستطيعي زواجه، يا أمي، انقطعي عنه، واستريني، واسترينا جميعا.

قالت الأم بتصميم الحاقد على حسقيل، وليس المقتنع به:
ـ بل أتزوجه، يا لذة، أتزوجه، وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث.
ـ إنه لا يساوي شيئاً، يا أماه، إن العلاقة التي بناها معك ليست مخلصة، ولا يقصد الزواج منك، إنما قضاء وطره فحسب، فلو كان يقصد الزواج منك لما حاول إغوائي.
ـ نعم، أعرف ذلك، لكن مع ذلك سأتزوجه.. بل سأرغمه على الزواج مني، أخزاه الله.
ثم قالت:
ـ لكن اكتمي ما قلته، يا لذة.. اكتميه، يا ابنتي..
 قالت لذة:
ـ ان سرك سري، يا أماه.. واحسبي وأنت تتكلمين معي، كأنك تضعين سرك في قعر بئر..



***



 كان حسقيل يحوك في نفسه سيناريوهات متعددة للتخلص من الشيخة، وكلما حاك خطة وناقشها، وجد أنها لا تصمد أمام النقد، ومن بين ما تداوله مع نفسه أن يتزوج لذة، فتنتهي قصته مع أمها.. لكنه يعود ليقول إن لذة، على ما يبدو، غير متحمسة لمثل هكذا فكرة، وليس هنالك أمل لأن تقبل بها، ما دامت أمها على قيد الحياة.. ثم يعود ليقول: لو ماتت الشيخة، ليس هناك ما يمنع ابنتها من أن تتزوجني.. فقد صرت شيخ القبيلة.. والأغنى مالا بين شيوخ القبائل، وأملك واحداً من برجين فريدين مليئين بالذهب والمال، صارا رمزاً عالياً لقدرتي وقدرة قبيلة الروم.. و.. لكنه ما يلبث أن يقول: بل لن تتزوجني إلا بعد أن تموت أمها.. ولن يمنعها من ذلك غير حزن عدد من الأيام، ثم توافق على الزواج مني..
وتنتابه الهواجس.. ويسائل نفسه:
ـ لكن، ماذا لو اكتشفت لذة أنني وراء موت أمها؟.. ألا يعني هذا أنني سأخسرها بعد أن أخسر أمها؟.. ثم أخسر القبيلة.. وقد أخسر أي شيء، وكل شيء..
عندما يقول (أخسر أي شيء، وكل شيء) يجفل..
ـ لا.. لا.. لا أقبل بأن أخسر المال.. إن المال عصب الحياة، وإذا خسرت المال.. سأخسر شبكتي ووكالاتي.. وماذا يبقى لي بعدها؟.. أعلى حسن أخلاقي وسلوكي يطاوعني الناس؟ أم على حكمتي ونزاهتي وحسن قصدي وكرمي؟..
كان حسقيل يقول ذلك كأنه يهزأ بنفسه..
ثم يعود ليقول..
ـ لا.. لا، المال، ومن بعد المال، شبكة الجواسيس والوكالات التجارية والاقتصادية.. إلا هذه، فإنني انتهي إن خسرتها، لأن وجودها يضمن لي، وقد ضمن فعلا، قدرة التأثير في الأقوام والقبائل، وهي وسيلتي في الدعاية والتأثير، وإضعاف الآخرين، أو تقوية من يقبل سطوتي وسلطاني.. أما لو خسرت القبيلة المضطرة، فلا بأس، لأنني أصلاً لم أكن منهم، ولولا ضعف وهزال شيخهم السابق ما قبلوني شيخاً عليهم.. لكن لو خسرت المشيخة والقبيلة، أين أجد مسرحاً لنشاطي ووكالاتي، بل ومالي؟ ومن سيفتح لي بابه، بعد أن يعرفوا قصتي مع القبيلة المضطرة؟ هذا إذا لم يقض عليّ شباب القبيلة الذين ألاحظ في عيونهم، رغم أفواههم الصامتة، أنهم يتميزون غيظاً عليّ، يرفدهم أولئك الذين تمردوا على سلطتي وسلطاني من قبل.. لا، إذا خسرت موقع شيخ القبيلة، أخسر كل شيء، وربما حتى حياتي.. أما حليفي شيخ قبيلة الروم.. فقد صار مكروها لأسباب محددة، أهمها تحالفه معي، ومجيئه ليحالفني بعد أن عبر البحر.. لذلك ما أن يعود خلف البحر.. ويقطع تحالفه معي، حتى تنتهي حساسية الناس تجاهه من حولنا.. ابتداء من هذا الجيل، أو في الأقل، الأجيال اللاحقة حتماً.
 ثم ينتبه لنفسه:
ـ لكنني دبرت كل ما دبرته، فهل أعجز عن تدبير موت امرأة؟.. فلأُميتها، واحتفظ بكل شيء، وبلذة.. أو، في الأقل، لأحافظ على ما أنا عليه الآن..

استمرت لذة تنشط بين صفوف النساء، تعبّئهن وتحرّضهن.. وفي أحد الأيام فاتحتها إحدى بنات القبيلة من عشيرة أبيها، ومن بنات عمومتها الأبعد، الذين يلتقون بجدها الرابع، وليس من أعمامها المتقدمين المباشرين..
 قالت بنت العم هذه:
ـ حكيت لأخي سالم ما سمعته عنك، وحدثته عن أخلاقك، يا أخيّة، ومستوى فطنتك ومحبتك لأبناء قومك.. وما تعبئيننا وتحرضيننا عليه ضد حسقيل وقبيلة الروم، وهو ما يفعله سالم مع جماعته الرجال أيضاً، فأعجب بك أشد الإعجاب، واستمر يسألني عنك، من حين لآخر، عندما يزورنا ليلاً لكي لا يراه حسقيل وعيونه، ذلك أنه أحد الذين  خرجوا على طاعة وسطوة وسلطان حسقيل، عندما قرر شيخ قبيلة الروم جعل حسقيل رئيساً للقبيلة، واعتبر دمه  مهدوراً مذ ذاك اليوم من حسقيل والروم، وحتى من المتنفذين في قبيلتنا، الذين أقاموا حلفاً غير مشرف مع حسقيل والروم، ذلك لأنهم اعتبروا رفضه أن يكون حسقيل شيخاً علينا تمرداً.. وطلب مني قبل يومين ان استطلع رأيك في ما لو قبلته خطيباً وزوجاً لك، إذا تقدم لطلب يدك..
قالت ذلك وانتظرت إجابة لذة بلهفة.. لكنها لاحظت أن لذة لم تعلق بشيء، فقالت لها:
ـ هل قلت شيئاً خطأ، يا أخيّة؟..
أجابتها لذة:
ـ لا.. لا.. أبداً، إنما سرحت بخيالي في أمور أخرى، وأردت أن استجمع تفكيري لأجيبك عن أمر لم أكن مسبوقة  به من قبل.. من يعرف بما قلته لي.. يا أخيّة؟
ـ لا يعرف به إلا سالم وأنا فقط، يا أخيّة..
ـ إذن، سلّمي على سالم، وقولي له أن يكتم ما قاله.. وأنا من جانبي سمعت ما قلته، وعلينا أنا وأنت أن نكتم هذا أيضا، ولا نتحدث به حتى لوالدتي.. لكي أقول جوابي لسالم مباشرة، عندما التقيه في بيتكم.. إذا استطاع أن يتسلل تحت جنح الظلام، على أن يكون وصوله في وقت مبكر، عند المغرب مثلا، في الوقت الذي تنشغل أمك ووالدك  والرعاة بحلب الغنم..
ـ متى يمكن أن يحصل هذا..؟
ـ بعد غد.. إن شاء الله.



***
 


 فرحت أخت سالم بجواب لذة، وكان ذلك في ربيع عام خير.. صارت الكمأة فيه مبذولة في القبيلة، يأتي بها الرعاة أكواماً وهم يعودون بأغنامهم وإبلهم..

 في الموعد المحدد، وقبل مغيب الشمس، جاءت لذة إلى بيت أبي سالم.. ووجدت ابنة عمها، أخت سالم، بانتظارها..
 دخلت أغنام أبي سالم إلى (مرواحها) وهب الجميع إليها، وحملت النساء القدور لحلبها، منها ما هو بحجم صغير  نسبياً، وهذا خاص لحلب الغنم بصورة مباشرة، ومنها ما هو أكبر، كلما امتلأ قدر صغير أو كاد، افرغت الحلابات الحليب في القدور الكبيرة، أو العلب الكبيرة المصنوعة من الخشب، الذي حيثما التقت ألواحه فيها وضع بينها شيء من القطن أو الصوف ليسد المنافذ ولا يترك الحليب يتسرب منها إلى الخارج.. وكان حلب الغنم يستمر أحياناً ساعتين أو أكثر، اعتماداً على عدد الحلابات، إذ كلما كثر عددهن قل الزمن.. وكانت الحملان (صغار الغنم) تثغو  بأصوات عالية لتهتدي أمهاتها إليها، أو لتهتدي هي إلى أمهاتها..

نهض أبو سالم وقال للذة:
ـ أنت في بيتك، يا بنيتي.. وأختك معك.. مشيراً إلى ابنته، أخت سالم، وسوف نعود إليكما بعد إنجاز حلب الغنم..
قالت لذة:
ـ ارشد، يا عم..
 بعد حين من ذلك شاهدت لذة وابنة عمها كلاب أبي سالم تنطلق باتجاه الفلاة وهي تنبح.. لكنها سرعان ما سكتت.. فقالت أخت سالم:
لقد وصل سالم، لان الكلاب لو لم تتعرف على المقبل ما كانت لتسكت..



***
 


 جاء سالم حاملا سيفه، وقد غطى وجهه، وتلثم بما كان يضعه على رأسه ولم تبن منه الا عيناه وما يحيط بهما، وما ان دخل البيت من جهة العيال، حتى (فك) لثامه.. وسلم على لذة، ثم اخته.

عندما رأته لذة تذكرت انها رأته من قبل، ولكنها لم تعره اهتماما آنذاك.. كان سالم شابا طويلا، طوله حلو، لم يكن  فيه زيادة ولا نقصان، عيناه سوداوان، متوسطتا الحجم.. له انف مستقيم يتناسب حجمه مع طبيعة وجهه.. ليس في شكله ما يعيب، اضافة الى ان حديثه وتصرفه يوحيان بالثقة..

سألت لذة سالم عن احوالهم في منزلهم الجديد خارج سطوة حسقيل الملعون..
طمأنها سالم الى انهم بخير، وان علاقاتهم في ما بينهم في احسن احوالها.. ثم اردف:
ـ بل حتى لو لفحت (لحست) النار وجوهنا، من غير ان تزيل شواربنا، فاننا نتحملها طالما رفضنا ان يكون الخاسئ حسقيل شيخنا.. واريد ان اطمئنك الى ان علاقاتنا جيدة الآن مع كل شباب القبيلة، ونحن على اتصال سري معهم بما يشبه التنظيم السري..

قالت لذة من دون انتظار ان يكمل كلامه:
ـ ارجوك، يا سالم.. ارجوك انتبهوا من عيون حسقيل ووكالاته، لأنه رجل شرير، واذا كشف اي صلة لكم بشباب القبيلة قبل اوانها، فسوف نخسر كثيرا..

ـ اطمئني، فقد نظمنا امرنا بحيث صار لنا الآن من يأتينا باخباره اولا باول، حتى من بين عيونه انفسهم، ولكي تطمئني فانا اعرف ان علاقته مع امك، اصلحها الله، جيدة، عدا الاشهر الاخيرة.. اما علاقتك به، فليس فيها ود..
واضاف مبتسما:
ـ من ناحيتك، طبعا.
 فغرت لذة فاهها لدقة معلومات سالم، وفي الوقت نفسه، احست بحرج لاشارته الى علاقة امها بحسقيل.. وقالت:
ـ انت تعرف، يا سالم، ان امي غريبة.. وان عادات الاعاجم ليست كعادات العرب، ومع ذلك قد لا تستمر مجاملتها  لحسقيل ـ قالت عن امها (مجاملتها لحسقيل)، كأنها ارادت ان توحي لسالم بان ما بين امها وحسقيل محض مجاملة منتقدة ـ ذلك لان حسقيل لا يستاهل ذلك، ولكن ابي رحمه الله هو السبب في كل ما حصل..

 قال سالم:
ـ دعك من هذا، فان لكل شيء حلا، ان شاء الله والمهم هو انت.. انت عقال رأسنا، او تاجه.. فسمعتك الجيدة صارت معروفة لنا، ولكل اعمامك الذين تمردوا على اوامر حسقيل والروم.. اما ما مضى، سواء تعلق الامر بعمي  والدك رحمه الله، او بأمك، فقد مضى.. المهم ان نعالج الحال الذي اوقع تاريخ الضعفاء فيه اهل الحاضر في مأزقهم الذي هم فيه، وان نجعل المستقبل مضمونا لابناء قومنا، يعيشون فيه بكرامة، ويتخذون المسارات والاهداف التي يختارونها، ويؤمرون عليهم من بين اعمامهم من يؤمرونه، بعد ان يتخلصوا من الاجانب واولئك الذين فرضوا علينا ظلما وعدوانا.. المهم انت، يا بنت العم.. ونحمد الله ان بقيت نقية ابية، او صرت نقية ابية، حتى ان الشباب من ابناء قبيلتنا، ومنهم انا، ارادوا ان يجعلوك نخوتنا، لو لم نخش ان نكشفك قبل الأوان، وان ينصب غضب وحقد وخيبة حسقيل عليك، عندما يشعر انك صرت نخوة القبيلة.. او ان تكون القبيلة قررت باجماع آراء الشباب ان تكوني  نخوتهم.. بل ان القسم الاكبر من الكهول، وحتى قسما من الشيوخ الذين يجاملون حسقيل والروم، قد يكون بينهم من هو على هذا الرأي..

قاطعت لذة سالم قبل ان يكمل قائلة:
ـ دعك من شيوخ قبيلتنا.. فمن يهترئ لا يعود الشباب اليه، يا ابن العم.. ومن يخرب من داخله لا يمكن ان يصلح من الخارج، ومن يسلِّم مصيره للاجنبي، ويكون الاجنبي ولي نعمته عندما يجعله شيخا، حتى لو لم يصرف عليه، يصعب عليه ان يتمرد على الاجنبي، بل يصعب عليه ان يثق بابناء جلدته، ويشكك في الاجنبي، ولذلك ليس صحيحا ان تقيموا بناءكم، وما انتم ناوون على فعله، على احتمال ان يكون أي من شيوخ القبيلة، الذين امرهم حسقيل والروم بان يشغلوا هم وابناؤهم عناوين المشيخة في قبيلتهم.. اساس بنائكم البديل..

كان سالم يصغي لكلام لذة كالمندهش، لمستوى رجاحة عقلها ومستوى تحسس ضميرها، وقلبها العامر بالايمان،  والاحساس بقيمة وأهمية التمرد على الواقع االسلبي، الذي دفعت اليه القبيلة، وكبلت به..
 لذلك قال:
ـ انك نخوتنا الآن.. وصار اسمك (نخوة) بدلا من لذة، بعد ان طهرت نفسك وقلبك وروحك من كل شيء، ورفضت  بإباء ان تندفعي الى الهاوية التي يخطط حسقيل لدفعك اليها..
قال الجملة الاخيرة بلغة الواثق المطلع على ما ينوي حسقيل ان يفعله، فيما كانت نخوة تظن قبل هذا انها تعرف ذلك وحدها، او هي وأمها فحسب.. ثم قال سالم:
ـ لهذا كله.. ولانك شعرات عز في شارب كل خيِّر، يا بنت العم، ورسم عز له، جئت طالبا يدك.. وقد استعجلت  قبل لقائي هذا بك وكلفت اختي، اختك، بأن تفاتحك بهذا، في محاولة مني لان ازيد تحصينك ازاء عاديات الدهر،  وجانب من المغريات بعد ان بقيت في العائلة وحدك.. اما الآن فاطلبك زوجة لي فحسب، لانك لا تحتاجين الى حالة تحصين من الخارج، وانما الى شريك حياة لمواجهة ظروفها بسرائها وضرائها.. فهل تقبلين؟ ام انني تجاوزت الحد  بطلبي؟..
قال سالم الجملة الاخيرة، بعد ان لاحظ ان نخوة منشغلة عنه، قبل ان يقولها.. ولذلك قالت اخته بنبرة تنبيه خفيف لها:
ـ ان سالم ينتظر جوابك، يا نخوة!..
قالت نخوة، كأنها تفوق من حلم جميل..

ـ ها.. ها.. عفوك، يا سالم، لم اكن منشغلة عنك، وانما فيك، وعليه اقول لك: نعم، اقبل، بل اتشرف بك، فأنت ابن عمي، وتاج رأسي، ولولا التقليد الدارج بأن يقولها الرجل، لقلتها لك من غير ان تستفسر مني مرة اخرى، لأن بنت عمنا، اختك، نقلت الي رغبتك هذه، وارجأت الجواب حتى اقوله لك مباشرة على ان لا نستعجل في الاظهار، اذ يكفي ان يكون الله شاهدا علينا، ولذلك اعتبر انك خطبتني من هذه اللحظة، وانني موافقة عليك، حتى نكمل حالنا بالزواج في مناسبته.. وعلينا ان نكتم هذا، وان نستمر كل في عمله، انت بين الرجال والشباب، وانا بين الشابات والنساء، بل حتى لقاءاتنا ينبغي ان لا تعرضك للخطر حين تأتي الى ديارنا..

ـ على بركة الله، يا نخوة.. كلي اعتزاز بجوابك.. وسأحفظ العهد داخل صدري، بين الضلوع، وفي قلبي وجفوني..
ـ بارك الله فيك، يا سالم.. حماك الله.. ولو سمحت، افضل ان تعود راشدا، ولا تنتظر مجيء عمي ابي سالم، لتسلم عليه.. ليبقى الامر بيننا نحن الثلاثة، ويشهد عليه الله ربنا.
 


***
 


 ودعهما سالم وخرج.. ثم خرجت نخوة الى بيتها، وعندما وصلت وجدت ان الندى الذي كان يغطي الاعشاب بلل طرف ثوبها.. لكنها، وجدت امها مغمومة، ولم تستطع الا بالكاد ان تقول لها:
ـ لقد تأخرت، يا بنيتي، ماذا اخرك عني؟

كانت الأم يعتصرها حزن شديد وكان واضحا ان ما قالته لم يكن بالأساس اعتراضا على تأخر نخوة بقدر ما كان افتقادا لها لـ (تفضفض) لها بما كان يدور في خاطرها..

عرفت نخوة هذا استنتاجا من لحظة دخولها البيت..
ـ انا هنا، يا امي، أي شيء تأمرين؟
ـ لا شيء، يا ابنتي.. لا شيء..
 قالت ذلك كأنها ارادت ان تنثني متعارضة مع رغبتها في ان تبوح لابنتها بما كان يثقل قلبها وروحها من علاقتها بحسقيل..
ولانها لاحظت ان السعادة تشرق على وجه نخوة، احتجبت عن البوح لها بما يثقل عليها، لكي لا تغير مزاجها، وتجعلها تنشغل بهمومها معها، بدلا من ان تعيش سعادتها..
قالت نخوة:
ـ بل، قولي يا امي.. واطلبي.. بل، آمري بأي شيء، وكل شيء.. انا ابنتك يا امي.. فقولي ما يثقل على نفسك ـ وارادت ان تقول: وقلبك، لكنها امتنعت عن قول ذلك، لان حسقيل لا يستاهل ان يشغل احد قلبه بحبه.. وكانت تقول ذلك بكل معاني الصلة وعاطفتها الصادقة بين البنت وامها، ورغم ان امها كانت قد اخزتها.. لكنها قالت ذلك بعد ان شعرت وقدرت ان الندم صار يأكل قلب امها، وروحها وهي تبحث عن مخرج، لا لينقذها من حسقيل فحسب، لانها صارت تكرهه بعد ان اكتشفت خبثه وغدره، وعدم احترامه للوعود والعهود، وعدم تحليه حتى باخلاق الحد الادنى  للناس.. وانما لينقذها من نفسها ايضا، ولذلك صارت تقترب من ابنتها، بعد ان كانت معها على طرفي نقيض، ليس في الاخلاق ونوع التفكير والتصرف فحسب، وانما في امكانية التعايش حتى المظهري، من غير مشاكل يومية في بيت واحد، وعندما اكتشفت التغير الذي حصل لامها، صارت نخوة اكثر قربا منها، بل اقتربت كثيرا منها ليكون بإمكانها ان تقوم بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحال قبل أن يتحطم..

عادت نخوة لتكرر على امها:
ـ ارجوك، يا امي.. قولي ما تريدين.. قولي لابنتك، لكي أعينك بعد أن اطلب العون من الرحمن الرحيم، هادينا في الدنيا الى ما يعز في الدنيا والآخرة، وعليه نتكل أولا وأخيرا..

 قالت أمها:
ـ آمنت بالله.

 قالت ذلك كأنها تنطقه لاول مرة، بعد ان غاب عنها منذ وقت طويل، او ان نخوة لم تسمعه منها، منذ صارت في عمر يقترب من البلوغ، بل حتى بعد ان صارت في سن البلوغ.. وفي كل الاحوال، قالت ما قالته، كأنها تنشد ان يتوب عليها ربها، بعد ان أوغلت في سوء أعمالها.. وبدت كأنها تعترف في محراب امام نفسها، او امام راهب.. فقالت:
ـ اسمعي، يا ابنتي، لقد انحرفت واذيتك كثيرا قبل ان اؤذي نفسي، او أي احد غيرنا، ذلك لانني لم اتصرف وفق ما يغضب الله ويخزي النفس فحسب وانما جعلتك تضطلعين على ما يغضب الله ويخزينا.. وانا اتألم يوميا في نفسي، حتى ان نومي لم يعد يكفي لادامة صحتي، وصار الخوف من غضب الله يؤرقني، وصارت عيناي تخجلان منك، وتتجنبان ان تلتقيا بعينيك مع انهما في شوق متزايد لذلك.. ولم اعد اعرف كيف اتصرف وقد تركت اي علاقة غير شريفة مع حسقيل، الا الاختلاء به احيانا لاناقش معه شأننا بأمل ان اقنعه بان يتزوجني، ولكي تعرفي اقول لك انا مصممة على ان اتركه بعد ان اتزوجه، وقد ارفضه امام العشيرة، بعد ان اوهمه بان يتقدم لخطبتي بحضور العشيرة كلها.. لكن ما اردت ان استشيرك به الآن شيء آخر، هو ان حسقيل خرج نهائيا من قلبي، ولم اعد احمل له غير الحقد عليه، لذلك قررت ان اقتله هنا في بيتنا، اذا وافقتني على هذا واعلنت استعدادك لان تعاونيني في القاء جثته خارج البيت، او ان اقتله واقول انه تحرش بي فقتلته..
 

إلى صفحة المقالات