أُخرج منها يا ملعون

 الحقيقة هي الحقيقة لا تبدلها المجاملات ولا ينفع فيها إلا قولها

الجزء (8)

 

  رواية لكاتبها: صدام حسين


 في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع. ثم يوزع الشيخ ابراهيم «البلاد» على حفيديه محمود ويوسف،   داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق «مشروعات» تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره.

عندما كانت الشيخة تحكي لنخوة، كانت تبكي بحرقة وكانت نخوة تبكي معها من غير ان تظهر صوتا لبكائها، لكي لا تقطع على امها ما كانت عازمة على ان تسترسل به، وهي على كرسي الاعتراف..
قطعت نخوة نشيجها وبكاءها على الحال الذي وضعتها فيه امها.. بل على الورطة الشنيعة عندما سمعت ان امها تقول انها قررت ان تقتل حسقيل..

 فغرت نخوة فاهها تعجبا مما سمعت، من غير ان تفقد تماسكها، وقالت أماه، ماذا تقولين!؟
 كفت الام عن البكاء، وبدت أكثر هدوءا، بعد أن افرغت شحنات نفسها بالبكاء، بل وبما اعترفت به لابنتها، خاصة قرارها ونيتها قتل حسقيل، وقالت:
نعم، يا ابنتي، هذا هو قراري، وليكن بعد ذلك ما يكون، لم اعد احتمل.. ان شبح الآخرة ولهيب نارها، وغضب الله علي، يلاحقني في الوقت الذي يلاحقني عاري.. بل عيناك يا نخوة، عيناك اللتان تنطقان نيابة عن لسانك صارتا تقتلانني في كل لحظة، ولعل هذا اهون، بل صارتا تذكرانني بعاري وشناري في كل لحظة.. حتى صرت أدعو الله أن يأخذ روحي، بعد أن صرت على ما صرت عليه من نضج وحكمة وقدرة تدبير..
 قالت ذلك ثم راحت تبكي من غير صوت، وتكفكف دموعها بطرف ثوبها، او طرف ملفعها (فوطتها)، من حين لآخر.
قالت نخوة:
ـ اسمعي يا أمي، لأقول لك وفق ما افهم..
ـ بل تفهمين يا ابنتي، وامك هي التي لا تفهم ـ قالت الشيخة مقاطعة ابنتها ـ ثم اردفت تقول: لقد صنت نفسك وعفافك، بينما انحدرت امك وفتحت ابوابها للغرباء، وبامتناعك عن حسقيل رغم جبروته هو وحلفاؤه، وعدم انحنائك امام رغباته التي اعرف انها صارت شبه اوامر عليك، ممزوجة بالتهديد والوعيد، كنت كأنك تثأرين منه  نيابة عني، ونيابة عن كل من تمكن منها، وكلما امتنعت عليه صار يتصرف بصورة محمومة ليكسر عفتك.. لأنه وفق ما يرى، ومثلما اقرأ، وان جاءت قراءتي له متأخرة، اذا لم يكسر عفافك، ويجعلك تنحنين له، يعتبر ان كل انتصاراته وعهره قد خابا.. انه يعرف ان لا قيمة لان تستجيب لرغباته من لا اصول مشرفة لها مثلي، او من هن على شاكلتي، ولذلك فهو يقصد ان تنحني امامه الرقاب والانوف العالية، والاصول والمواقف المشهود لها امام العرب، ولكن الحمد لله الذي أعطاك هذا المستوى من العفاف الحصين والايمان العظيم والقدرة على الثبات واخزى الله الظالمين..
قالت نخوة:
ـ آمين.
وسكتت برهة قصيرة وعادت لتقول:
ـ ان باب رحمة الله لا يغلق امام توبة نصوح، يا أماه.. لا تقطعي الأمل برحمة الله..
ـ ان الرحمة لا تقع على الضالين مثلي.. والذين يحاولون إسقاط ذويهم بعد ان يورطهم الشيطان.
ـ ان ابواب الرحمة، وان كانت بيد رب العالمين، لا تغلق، كما افهم، امام من يتوب توبة نصوحا.. في الوقت الذي يكون قادرا على الاستمرار بفعل السوء لو اراد ذلك.. اعود لاقول، يا اماه، ان قتلت حسقيل تكونين قد ارتكبت فعلا من الكبائر مما يغضب الله، وعندها يكون مثلك مثل من يحاول ان يصلح زجاجة مثلومة، فيحطمها بدلا من اصلاحها... انك ان قتلت حسقيل ترتكبين مثل ما ارتكبت من فعل وصفته بانه يغضب الله بينما افتش لك عن فعل يرضي الله، وليس افضل من التوبة العميقة الصادقة ما يرضي الله، بعد ان يقدم الانسان على سوء، واذا شاركتك  في الجريمة، تكونين قد نقلت انسانة من الخانة التي كانت عليها امام الله وعيون الناس الى خانة جديدة معلومة هي ووصفها، فهل ترضين لي هذا يا امي؟ انا لا ارضاه لك ولا لي.
 قالت امها:
ـ ولكن الناس لن يعرفوا.
 تقول نخوة:
ـ ولكن الله يعرف.. ثم من يضمن ان لا يعرف الناس؟ وماذا سأقول؟ وماذا ستقولين لو عرفوا؟ اتقولين لهم ان حسقيل تحرش بك، وانك قتلته لذلك؟ فقد لا يصدق الناس، اذ سيقولون كيف يمكن ان يتحرش بك مع وجودي معك في البيت؟.. أليس من حقهم ان يقولوا انه تحرش بي وليس بك؟.. ثم ان الحرشة تخزينا، سواء كانت بي او بك، الا تظنين ان الطريق الذي يرضي الله أفضل كعلاج؟..
ـ ما هو الطريق الذي يرضي الله؟
ـ ان تتزوجيه، ثم تتركيه عندما تشائين..
ـ وهل تتصورين اذا تركته ان احدا سيقول انني انا التي تركته لسوء خلقه ام سيقول حارقو البخور للجيف من حوله ان الشيخ تركها لسوء خلقها؟..
ـ اطرديه امام عدد من وجوه القوم، بعد ان تستدعيهم الى بيتنا وهو معهم، وقولي له بحضورهم بصورة جادة،  لكن بشكل مؤدب: انك وانا امرأتان وحيدتان بعد ان توفى الله الشيخ والدي، لذلك اذا كان حسقيل يدخل البيت مع من يدخل بحضور صاحب البيت، فقد كان مرحبا به، اما الآن بعد ان مات صاحب الدار، ارجو ان يمتنع عن الحضور الى دارنا، واذا اراد شيئا ما، فليكلم احد اعمام نخوة، وبذلك تحققين الغرض.
 راحت الشيخة تتأمل في الحل الآخر، نفثت حسرة من صدرها وقالت لابنتها:
ـ عند ذلك سوف يحقد حسقيل عليَّ وعليك يا ابنتي، وهذا هو الاهم عندي، لأنني لا اعرف بعد ذلك أي تهم ستدبر لنا من امثال ما نحاول معالجتها والتخلص منها الآن، وتهم اخرى تعاونه في ذلك شبكته الواسعة وتحالفه مع الشرير الآخر شيخ الروم..
ـ كيف؟
ـ قد يقول ان لأمك ـ وتقصد الشيخة نفسها ـ او لك انت، لا سمح الله، عشيقا، ولأنني اتردد عليهما، خشيتا ان افضح امرهما، فافتعلتا ما قالتاه أمام الشيوخ وعند ذلك وتحت هذه الحجة وما يضاف إليها، قد يأمر بمنع من يدخل علينا ويمنع حركتنا خارج البيت.
اجابتها نخوة:
ـ ليس بإمكان احد ان يقول عن اللون الابيض انه اسود..
وعندما لاحظت ان ابنتها تحاول ان تستبدل ما قالته بمثل آخر لكي لا يجرح المثل امها.. قالت امها:
ـ لا عليك، يا ابنتي، ان الحقيقة حقيقة، لا تبدلها المجاملات ولا ينفع فيها الا قولها مثلما هي بجوهرها في الاقل.. ان اول ما يصيبنا بالاذى من اجراءات حسقيل، هو انه سيعطل نشاطك بين نساء العشيرة خارج البيت..
ـ اي نشاط تقصدين، يا أمي؟
ـ على اي حال.. لا عليك، يا ابنتي، ليعمل من يعمل على إنقاذ القبيلة من تحالف حسقيل الملعون وجماعته مع شيخ الشر الرومي وقبيلته، وليبارك فعل من يفعل على هذا الأساس، بما في ذلك نشاطك مع بنات القبيلة!.


****

 مرت أيام بعد ذلك، تزوج في احدها احد الشباب البارزين في موقفهم ضد حسقيل، لكن لانه احد ابناء الشيوخ الذين كان حسقيل يحرص على ان يظهر بموقف المؤيد له، فقد تغاضى عن نشاط ابنه، رغم انه ما انفك ينبهه على تصرفات ابنه:
ـ (خلي بالك) من ابنك، يا شيخ، لكي لا ينجرف مع التيار المناهض لنا..
هكذا قال حسقيل للشيخ الآخر عبارة (المناهض لنا) لكي يشركه معه..
قال الشيخ:
ـ لا عليك، يا شيخ قبيلتنا، ان ابني في النتيجة سيكون الى جانبك، وان حاول ان يجامل من هم في مثل عمره في  لغو لسان فحسب.
اما هذا الشاب، فهو في حقيقته، وبغض النظر عن موقف ابيه، وحتى اخوته، فقد قرر ان يكون من بين المتمردين على حسقيل والتحالف بين حسقيل وقبيلة الروم، وسعيهما المشترك للسيطرة على قبائل العرب في ذلك المكان من بلاد الشام، وان يمتدوا في نفوذهم واستغلالهم الى حيث بامكانهم ان يفعلوا، مبتدئين بالسيطرة على القبيلة المضطرة وعشائرها من خلال ترشيح رئيس قبيلة الروم حسقيل، بل فرضه شيخا على القبيلة المضطرة.
عرفت نخوة هذه الحقيقة من سالم، بعد ان صارت تلتقي معه من حين لآخر في بيت والده وبحضور اخته واحيانا والده وأمه، لا ليتقابلا تعبيرا عن شوق كل منهما للاخر فقط، انما لينسقا الجهود المشتركة، حيث تقود نخوة النشاط السري بين النساء، ويقود سالم نشاط وتعبئة الرجال والشباب الذين خرجوا على حسقيل وسطوته وجاهروا بهذا بعد خروجهم، حتى انهم تعبيرا عن موقفهم، ارتحلوا خارج القبيلة، واتخذوا لانفسهم مكانا معلوما ذا حمى معلوم ايضا.. ورغم ان حسقيل تجنب ان يغزوهم، لكي لا يعرض القبيلة الى انشقاق بسبب تداخل النسب بين الخارجين عليه والقابلين به، لكنه لم يدخر وسيلة من الوسائل التي كان يعتمدها بصورة غير مكشوفة الا وسعى بها ضدهم،  ومن ذلك انه نسق مع شيخ قبيلة الروم ليوجه الى التجمع المتمرد عدة غارات، لكن لان اولئك لا يملكون شيئا او لان ما يملكونه ابقوه عند اهلهم في القبيلة المضطرة، وليس معهم نساء او اطفال يثقلون عليهم وعلى حركتهم ويشكلون مطمعا للروم، فقد كانت غارات الروم عليهم غالبا ما ترتد بعد ان يلحق المتمردون بهم خسائر فادحة بالرجال والغنائم، حتى انهم في احدى المرات اوقعوا عددا من الروم اسرى في شراكهم، وكان بينهم عدد من ابناء شيوخ العشائر من قبيلة الروم، ولم يطلقوا سراحهم الا بعد ان وقعوا تعهدا اليهم وفق ما ارادوا، يقرون به لهم بمنزلهم وحماهم، ويعدون بأن لا يكرروا الغارات عليهم ولا يتدخلوا في شأنهم الداخلي وفي الخلاف بينهم وبين حسقيل.


****

اقيم عرس ذلك الشاب، ولان نخوة كانت تعرف دوره وعلاقته بالمجموعة التي يشرف سالم على تنظيمها، حضرت العرس ومعها الشيخة والدتها.. وهناك اقيمت حفلة مفتوحة مختلطة، تناول فيها الرجال والنساء طعام العشاء كل على حدة، وراح الفرسان يتسابقون او يلعبون لعبة الفرسان فوق ظهور خيولهم ما دامت الشمس لم تقترب من المغيب، في الوقت الذي كانت هلاهل (زغاريد) النساء تصدح..
اقيمت الحفلة، ومن عادة القوم هناك ان يبادر الرجل بطلب مراقصة من يراقصها، ومن حق البنت ان تقبل او تمتنع عن مراقصة من يطلبها الى ذلك.. وكانت الرقصة اشبه ما تكون برقصة (الدحة) التي غالبا ما يرقصها البدو الى وقت قريب في مناسبات كهذه.. وبينما كان كل يسعى الى من يظنها توافق عليه، كان الرجال يصفقون وكانت النسوة يصفقن مثلهم تشجيعا لمن (يدبك) او يرقص.
 نهض حسقيل من مكانه، كأنه اراد بمحاولته تلك ان يظهر بأنه مندمج مع القبيلة، لذلك يتصرف وفق عاداتهم واراد كذلك ان يظهر للقبيلة انه على وفاق مع اقرباء الشيخ السابق، لذلك توجه الى نخوة، ورغم ان نخوة تجاهلت نيته بادئ الامر، ورغم اقترابه منها بما لم يترك مجالا للشك في انه يقصدها هي ليطلبها للدبكة معه.. حيث وقف قربها  وغطاها ظله.
كان القمر بدرا في تلك الليلة.. تيقنت نخوة من انه آت ليطلبها باسمها، وفي الوقت الذي بدا الشبان والشابات المناهضون لحسقيل بوجه عام، بأعصاب مشدودة متوترة ازاء ذاك المنظر، محتارين مما ستقدم عليه نخوة من فعل.. امام هذا الاحراج، قامت نخوة بقوامها الممشوق وانفها العالي، ارتفاعا منها فوق الضعف والذل، في الوقت الذي ظن حسقيل، بل بدا كأنه متأكد من انها قامت لتراقصه، لكن عيني نخوة كانتا باتجاه سالم الذي كانت تعرف انه بين الحضور، وانه وضع اللثام على وجهه عندما اندس بين من حضر، بعد ان تسلل الى هناك، خاصة ان برد شهر آذار في ارض مكشوفة من بلاد الشام، يجعل اغلب الرجال يردون اللثام على وجوههم اتقاء للبرد، لكن نخوة عرفت سالم رغم اللثام.. وهل يخفى على الحبيب امكانية التعرف على حبيبه؟! نعم، عرفته نخوة، وفي الوقت الذي كان حسقيل وآخرون يتوهمون بأنها ستمشي في اثر حسقيل لتدبك معه وتراقصه بما يخزيها ويخزي أهلها وكل الذين تمردوا على حسقيل او كان التمرد يعتمل في صدورهم، اعزت نخوة اهلها، بعد ان اعزت نفسها، وكل المتمردين على حسقيل وحلفه البغيض مع شيخ الروم.. مشت باتجاه سالم، ومن غير ان تقول كلمة لحسقيل، ووسط دهشة، بل  ذهول الناس، ولم يكن احد يعرف الى اين تتجه، لكنهم فهموا كلهم انها رفضت علنا ان تدبك مع حسقيل او تراقصه، انفة منها.. واستمرت تمشي حتى وقفت امام سالم، ومدت يدها اليه، وقالت:
ـ اتسمح، ايها الشاب الملثم؟ كأنها لا تعرفه.
نهض سالم، وابقى لثامه، ولم يغير هيأته، وبدأت الرقصة وسط تصفيق حاد، من الرجال والنساء بما في ذلك حسقيل، للمستوى الرفيع الذي اديا به رقصتهما..
صفق الحضور لهذا، وقبله صفقوا لابنة القبيلة التي أيقظت الحمية والنخوة في صدور الجميع، عندما رفضت سلطة حسقيل ورغبته واختارت شابا مجهولا من القبيلة، تقديرا للقبيلة وإعلانا لموقفهما بما اخزى حسقيل، مع ان حسقيل حاول ان يتظاهر بأنه غير مبال بما حصل عندما قال، وهو يداري حرجه بضحكة هستيرية:
ـ شباب.. الطيور على أشكالها تقع.
 قال ذلك، وهو يضحك، لكنه تعثر وهو يعود الى مكانه، مع ان الأرض منبسطة، وسقط عقاله الى الارض.. وقال شاب وهو يلكز صاحبه القريب منه:
ـ لقد سقط عقاله على الأرض.. انه فأل خير ان شاء الله.
انتهت رقصة سالم مع نخوة، وصفق لهما بحماس من كان حاضرا وارادوا ان يرفعوا الشاب الملثم عن الارض ويحملوه فوق الاكتاف، غير ان سالم ركب فرسه وانطلق مغادرا.. وغادرت نخوة هي وامها الى بيتهما ايضا.


****

 اكتشفت نخوة من احاديث امها اليها، بعد ان محصتها بصورة دقيقة، ان امها كانت تعرف كل شيء عن نشاط نخوة وتحريضها بنات القبيلة ضد حسقيل والروم وانها مع معرفتها كل هذا، لم تفض لحسقيل بأي شيء منه، ليس لان نخوة ابنتها وانما لانها هي الاخرى اكتشفت ان حسقيل غادر وخاسئ وان مقاومة مخططاته وهيمنته على القبيلة واجب كل من هو قادر عليه ولانها غير قادرة على ان تقوم بما يمكن ان يقوم به الآخرون فإنها لم تجد غضاضة، ان لم تكن مسرورة في نفسها، في ان تحرض نخوة نساء القبيلة عليه، فقد تحول حب الشيخة لحسقيل الى كره شديد وحقد قاطع.. بعد ان اكتشفت انه (نكت) بها، وتخلى عن عهوده، بل وغدر بها.. وقد عرفت نخوة مشاعر امها تجاه حسقيل من الحوار الاخير الذي دار بينهما حول رغبة امها في ان تقتل حسقيل.
 في ظهر اليوم الذي تلا الحفلة.. انفذ حسقيل احد الرعاة ليوصل للشيخة انه يرغب في ان يزورها في بيتها بعد المغرب، وكان حسقيل قد جند الراعي لحسابه قبل هذا الوقت، مع انه احد رعاة غنم الشيخة وضمن حماهم، وقد اوصل الراعي رغبة حسقيل الى الشيخة عن طريق عبدتها... بعد تردد سألت الشيخة ابنتها نخوة:
ـ هل تذهبين الى بيت ابي سالم هذا المساء؟
 ومع ان نخوة استغربت من سؤال امها، التي لم تعتد على ان تسألها مثله منذ وقت طويل، فإنها من باب زرع الثقة،  قالت:
ـ نعم، يا امي، لأعرف ظروفه بعد خروجه من الحفلة يوم امس، لان حسقيل غادر وأساليبه لعينة، وعيونه مبثوثة ضمن القبيلة، هو وشيخ الروم، لذلك، نعم سأذهب إليه، ان لم يكن لديك مانع في هذا.
قالت الشيخة، وهي تداري حسرة عميقة في صدرها:
ـ لا، يا ابنتي، لا مانع عندي، وليوفقك الله، وأتمنى لك حياة سعيدة.
لاحظت نخوة ان امها قالت ذلك كأنها تودعها، ومع ذلك لم تتوقف عنده بسبب شوقها الى سالم، الذي شغلها عن اي شيء آخر.. لذلك ما ان اخذت الاذن من امها الشيخة، حتى انطلقت مسرعة، قبل مغيب الشمس الى بيت ابي سالم، لكنها حرصت على ان لا يلاحظها احد وهي تقترب من البيت، ولعلها حرصت على ان تأتي البيت من الخلف، وتدخل من طرفه الغربي من جهة العيال الى داخل البيت.. وقد وجدت هناك ابا سالم وامه واخته.. ورحبوا بها احسن ترحيب، بعد ان صارت معروفة بموقفها منذ ان راقصت سالم، وصدت الشيخ عنها.. بل انها عندما رفضت الشيخ بأنفة، واتجهت إلى سالم لتراقصه.. لم تعد معروفة من عائلة سالم فحسب، التي تعرفها وتعرف موقفها، إنما على مستوى القبيلة كلها، بل صارت علومها (أخبارها) تتناقلها ألسنة البدو والحضر، وصار البعض يقول قصائد حماسية في مواقفها، حتى صارت كأنها أخت ونخوة كل فارس، وموقف شريف..
وقبل هذا، عندما عادت عائلة سالم من حفلة العرس، التي راقصت فيها نخوة سالم (الدحة) بدلا من شيخ القبيلة، سأل أبو سالم ابنته، بعد أن انتحى بها جانبا:
ـ أنا أعرف أن نخوة تعرف سالم، لكنهما على حد علمي لم يلتقيا إلا مرة واحدة في بيتنا، لكن تصرف نخوة معه هذه الليلة، عندما رفضت ان تدبك مع الشيخ، لا يشير إلى أن الأمر بينهما مجرد معرفة، الا تقولين الحقيقة لي مثلما هي لأطمئن، يا ابنتي؟
قالت شقيقة سالم لأبيها، بعد أن لاحظته متشوقاً فرحاً من جهة، وقلقاً من جهة أخرى، خشية أن لا تكون علاقتهما قائمة على أساس:
ـ وهل تظن، يا والدي، ان سالم يمكن أن ينحدر إلى ما ينحدر إليه الشباب الغر؟ ثم استدركت لتقول: أو ان نخوة من النوع الذي لا يعتمد عليه، ويمكن أن تختار سالم من غير قرار منها إلى ما هو أبعد من مظهره؟ ان سالم ونخوة تعاهدا على أن يتزوجا عندما يستقر الحال لسالم وجماعته، ويتخلصون من هذا الشيخ اللعين، وقد تعاهدا على ذلك أمامي، واشهدا الله عليه.
اغرورقت عينا أبي سالم بالدموع فرحا، وقبّل ابنته وهو يقول لها:
ـ بشرك الله بالخير، يا ابنتي.. لقد أرحت قلبي ونفسي، أراحك الله، وبارك فيك..
عادت أخت سالم لتقول لأبيها:
ـ أرجوك، يا أبت، اكتمها، حتى نأخذ رأي سالم وموافقته على اشراك أمي بهذا، وهل يوافق على هذا أم لا يوافق.
على هذه الخلفية، استقبلت عائلة سالم نخوة في بيتها هذه المرة.. لذلك كان أبو سالم وأم سالم فرحين جذلين بسعادتهما، ومن الطبيعي أن تكون أخت سالم معهما على الوصف نفسه..
* *** جاء الرعاة بالأغنام، واستأذن أبو سالم لينصرف إلى حلبها، وهمت أن تتبعه لعمل اليوم المعتاد زوجته أم سالم، لولا أنه أشار إليها بيده أن أبقى مع نخوة، أنت وأختها ابنتك، وقال:
ـ لا حاجة لنا بك، وسوف تقوم نيابة عنك في حلب الأغنام نساء الرعاة وبناتهم.. ابقي، يا أم سالم، مع ابنتنا نخوة.. وسأحاول أن أعود إليكم بأسرع وقت..
ومن الطبيعي أن لا تشجع أخت سالم أمها على الذهاب مع أبيها هذه المرة، مثلما فعلت في المرة السابقة، ذلك أن التفاهم تم بين نخوة وسالم، ولم يعد هناك ما يستوجب أن يختليا بغيابها..
بعد أن خرج أبو سالم إلى الغنم بفاصلة ليست طويلة، وفي الوقت الذي كانت أم سالم منشغلة خارج البيت، لاحظت نخوة وأخت سالم أن الكلاب انطلقت وهي تنبح، وبدتا تنتظران كأنهما على معرفة بما يحصل.. كانتا تنتظران أن تكف الكلاب عن النباح بعد حين من انطلاقها، لتعرفا أن القادم هو سالم، ذلك ان الكلب إذا سكت بعد انطلاقه إلى مسافة فمعنى ذلك انه عرف من انطلق إليه.. وفعلا ما هي إلا هنيهة حتى سكتت الكلاب، وبعد دقيقة أو نحو ذلك من سكوتها، سمعتا من يتنحنح من جهة الطرف الغربي لبيت الشعر، جهة العيال، وقالتا معا:
ـ ابشر.
في الوقت الذي قالت أخت سالم بالإضافة إلى ذلك:
ـ تفضل.
عندما التقت عيونهما بعيني سالم، كانتا تتبسمان، وهما واقفتان.
تبسم سالم وهو يقول:
ـ كأنكما تعرفان انني قادم في هذه اللحظة.. لكنه كان يخاطب نخوة في الحقيقة..
قالت نخوة، بعد ان سلم عليها وعلى أخته:
ـ نعم، لقد قدرنا أن تكون القادم إلينا، لأن الكلاب سكتت بعد أن انطلقت وهي تنبح، ولو وجدت شخصاً غريباً لاستمر نباحها ومشاغلتها لمن يحضر، ثم انها انطلقت ناحية الغرب، وهذا دليل آخر على أن القادم ليس ضيفا، لأن الضيف يأتي من ناحية الديوان المقرر للضيوف (الخطار)، من جهة الشرق.. رغم ان بعض مقطوعي الرسن قد ادخلوا تقليدا جديدا على مكان المضيف فجعلوه، بخلاف تقاليد العرب على جهة الغرب..
تبسم مرة أخرى وجلس، وبدأ يسأل نخوة:
ـ ها، كيف حالك، يا نخوة؟
ـ بخير.. وكيف حالك أنت؟ وكيف هي أموركم؟
ـ بخير.. وكل شيء على ما يرام.. ان علومك (أخبارك) وصلت إلينا عندما رفضت الدبكة مع الشيخ اللعين، واخترت رجلاً ملثماً حرص، وهو يراقصك، على أن لا ينزع لثامه خلاف العادة.. لذلك يتحدث جماعتنا ـ قال سالم ـ عنك باعتبارك نخوتهم مثلما أنت، لكنهم يتحدثون عن ذاك الشبح الذي اخترته لتدبكي معه، ومن الطبيعي أن أكون من بين مستمعي تلك الأخبار وكأنني لا أعرفها ولا تعنيني إلا على أساس معانيها العامة..
أنهى سالم كلامه، وضحك بصوت منخفض لئلا يسمع خارج بيت الشعر، وضحكت نخوة وأخته، لكن نخوة أردفت ضحكتها بالقول:
ـ وهل لذلك معنى آخر غير المعنى القائم في نفسك، يا سالم؟
أجاب سالم، وهو يتبسم:
ـ أنت تعرفين، يا نخوة، أنت تعرفين.. وقبل ذلك، يعلم الله..
تدخلت أخته لتقول وهي تتبسم:
ـ وأنا أعرف أيضاً!! ـ نعم ـ يقول سالم ـ أنت تعرفين، يا أخيّة، لكن ليس مثلما نعرف أنا ونخوة، ومثلما يعلم الله..
يضحك الثلاثة، في حبور وسعادة عظيمة..
تقول نخوة:
ـ كيف هي أموركم؟ من الضروري أن تحزموا أمركم، إذا كنت قد هيأتم أموركم للتخلص من الشيخ الملعون؟! ـ العزم والهمة متوفران، يا نخوة، لكن الهمة والعزم يحتاجان إلى تدبير ليكونا مؤثرين ويصيبا الهدف.. ومثلما يكون التدبير اعضب من غير همة وعزم، تحتاج الهمة والعزم للتدبير.. واننا نجري حسابات تقدير الموقف.. خاصة توقع ان يتدخل شيخ قبيلة الروم في حال انتصارنا على حسقيل..
ـ وماذا يمكن ان يفعله شيخ الروم بعد انتصارنا على حسقيل ـ تسأل نخوة ـ خاصة عندما يجد أن قبيلتنا تقول كلها بلسان واحد وتتصرف كرجل واحد؟
ثم اضافت بعد أن تبسمت:
ـ وتتصرف النسوة كأنهن في رأي وموقف امرأة واحدة.
ـ وهل تظنين، يا نخوة، ان حسقيل تسلل إلى القبيلة من غير أن يكون هناك من ساعده ويساعده في ذلك؟ ثم كيف أصبح شيخا للقبيلة لولا الضعف الذي أصاب القبيلة؟.. ان الضعف الذي اقصده هنا، يا نخوة، ليس ضعف الهمة فحسب، إنما ضعف النفس والأخلاق والولاء للقبيلة..
ـ لكن لكل شيء سببا.. ولكي تعرف النتائج ينبغي أن تعرف أسبابها.. ان المدخل الكبير الذي اضعف نفسية وهمة من ضعف هو ضعف الرأس، فعندما يمرض الرأس، يا سالم، لا يكون باستطاعة الجسد أن يصمد ويكون معافى.
ـ نعم، يا نخوة، هذا صحيح، لكن ليس الرأس فقط هو الضعيف الآن، إنما امتد الضعف والمرض من الرأس إلى الأكتاف حتى وصل الاقدام.. وهذا يحتاج إلى تدبير، وليس إزاحة الرأس واستبداله برأس آخر فحسب، إذ قد تكون العدوى عكسية إذا اقتصر الأمر على استبدال رأس برأس.
علقت نخوة:
ـ لكن إذا ما صح الرأس، وكان بخواص تجعله قادرا على تأدية واجباته، يستطيع ان يعمل الشيء الكثير ليخلص الأجزاء الأخرى من المرض.
ـ نعم، هذا صحيح، وحول كل هذا يجري تقدير الموقف.. ليكون عملنا رصينا، ومن بين ذلك حساب ردود فعل شيخ الروم..
ـ لكن شيخ الروم، إذا وضع أمام أمر واقع جديد سيعيد النظر في حساباته في كل الأحوال، وسيحسب حساب مصالحه المقبلة وليس القديمة، وحساب ما يمكن أن يحققه منها مع شيخ جديد، وليس ما كان يتعامل بها مع الشيخ القديم الذي سيكون (رحمه الله)..
ان نظرة اصحاب المصالح، يا نخوة، غير نظرة أصحاب المبادئ.. إن نظرة أصحاب المصالح لا تصاغ أساسا على النتائج التي يأملونها في النهايات البعيدة، مهما قدموا من تضحيات، إنما ما يمكن أن يحققوه منها بصورة مستعجلة في الغالب الأعم، وهم غير مستعدين لأي نوع من أنواع التضحية بأنفسهم، إنما بأنفس غيرهم سواء من أبناء قومهم أو من أقوام أخرى، أما أصحاب المبادئ فإن حساباتهم الأساسية تستند إلى مواجهة الباطل بالحق.. لذلك تكون حسابات (الى جانب من يكون الحق) و(الى جانب من يكون الباطل) حاسمة، مع ان المبدئيين لا يغفلون الواقع مثلما هو، لكنهم لا يقبلونه مثلما هو، لأن دورهم الأساس هو تغيير ما هو مرفوض، وعلى أساس هذه المفاهيم، أقول إننا نعيد النظر في تقدير الموقف، وبعد أن نستكمل حساباتنا، سوف نقرر، ولا اقصد بهذا اننا لم نقرر الهدف حتى الآن.. ان ازاحة حسقيل هي هدفنا لنحرر إرادتنا، لنقرر ما نريده لأنفسنا ونوع العلاقة مع الآخرين.. لكن ما اقصده هو توقيت بدء العمل علناً وبصورة حاسمة تحت هذا الشعار لإنجاز الهدف، بعد ان عملنا على إنضاج الظرف، وصار الرأي إلى جانبنا داخل القبيلة بضرورة تنحية حسقيل بوسائل أخرى، إن لم يتركنا ويرحل، وكان لك دورك المشهود، يا نخوتنا..
قال ذلك وهو يتبسم، وينظر بتمعن في وجه نخوة.
قالت نخوة:
ـ حماكم الله، وأمدكم بالقدرة، فمنه التوفيق، وبه سبحانه نستعين..
ردد الجميع:
ـ آمين..
عاد أبو سالم إلى البيت، وبعد ان قبّل سالم على رقبته ووجهه، وفعل سالم لأبيه ما فعله أبوه له، قالت أم سالم لابنتها:
ـ جهزي العشاء.
قالت نخوة:
ـ سأغادر.. لقد تأخرت، يا عمة، لو سمحتم.
قالت أم سالم، يردفها أبو سالم بنفس الاتجاه:
ـ كيف، يا ابنتي!، حقك ذبيحة.. لكنك تأتين مستعجلة دائماً.
أجابتها:
ـ لا اعتقد أنني بحاجة لاختبركم، يا عمة، كرم أبي سالم معروف، وقد صرنا بيتاً واحداً إلا ما حرّم الله.
ـ نعم ـ أجاب أبو سالم ـ ولله الحمد، لكن هذه المرة لا بد أن تمالحينا.. والعشاء جاهز، يا ابنتي، حليب وخبز وفوقهما زبدة ضأن.. ولا بد أن تكون اختك ـ ويقصد أخت سالم ـ قد هيأته الآن.. كلي معنا ولو لقمة واحدة، واذهبي راشدة سالمة.
بقيت نخوة نزولاً عند رغبته، وعادت وجلست بعد أن كانت قد هبت واقفة عندما استأذنت..
احضر العشاء.. ومدّ أبو سالم يده وهو يقول:
ـ بسم الله.
سمى الجميع باسم الله، وأكلوا.. وبعد أن أكملوا العشاء قالوا:
ـ الحمد لله ربّ العالمين.



****

 

 عندما سألت أم نخوة ابنتها قبل أن تخرج لملاقاة سالم في بيت أبيه: هل تذهبين إلى بيت سالم؟، بات واضحاً لدى نخوة أن أمها كانت تفضل ان لا تكون نخوة في البيت مع أمها مساء ذلك اليوم.. وان هذه الرغبة لم تتولد لدى أمها إلا لأنها أرادت أن تلتقي حسقيل.. ومع ذلك لم تسأل أمها عن شيء من هذا القبيل، وعندما دخلت بيتها جذلى، بعد أن جاءت من بيت أبي سالم، صاحت:
أماه.. أماه..
ولكن احداً لم يجبها، ولاحظت ان العمود الاوسط الفاصل بين مكان الرجال والنساء في بيت الشعر سقط، وان الفراش الذي يوضع عادة حيث مكان العمود ليفصل هو الآخر بين المكانين، ويكون حاجبا للناظر من أي من المقطعين الى المقطع الآخر، بما يضمن قدرا من الحرية للنساء، وهن في موقعهن الذي ان جلسن به مع وجود رجال في المقطع الآخر، غالبا ما تتكلم كل منهن همسا، أو يتفاهمن بالاشارات..
لاحظت نخوة ان عمود وسط البيت والفراش سقطا على الارض، وعندما رأت الحال في بيت الشعر على هذه الصورة، خفت عائدة الى بيت احد الرعاة، أو العبيد، وهي تصيح لصاحبة البيت باسمها:
مرجانة.. مرجانة..
جاءها الصوت من داخل البيت:
نعم (أمة) ـ تقصد عمة ـ لصعوبة لفظ حرف (العين) من الاعاجم، وجاءت تركض، يتبعها من كان في البيت، وآخرون من بيوت الرعاة أو الخدم والعبيد المجاورة..
سألتهم نخوة عن امها..
 قال الجميع.. وخاصة العبدات اللائي كن مع من حضر:
أمة (عمة)، أمتي (عمتي) كانت في البيت، وقد صرفتنا.. قائلة لنا انها لا تريدنا في البيت، لأن هناك من سيحضر اليها.. ولأن بيوتنا خلف البيت لم نعرف من جاءها..
همت احداهن بأن تقول:
قد يكون (أمي) عمي حسقيل.. ولكنها كتمتها عندما حدجتها (رمقتها) عجوز بنظرة تعني ان لا تقولي، أو لا معنى لقولك، لأنه يحرج نخوة.. فبلعت كلمتها، وقد فهمت نخوة ذلك.
قالت نخوة:
لتذهب فلانة الى بيت عمنا فلان، اذ قد تكون امي عندهم.. وفلانة الى بيت فلان، وانتن يا بنات اعدن الفراش الساقط على الارض الى حيث كان، وانتم يا رجال، ارفعوا عمود البيت الوسط، واعيدوه الى حيث كان..
بينما كان الرجال والنساء يتعاونون كل لانجاز واجبه، ويسندون صهوة بيت الشعر برؤوسهم وايديهم، في الوقت الذي راحت النساء يعدن الفراش (الساقط) الذي كان عبارة عن عدد من البسط والسجاجيد والالحف والشفوف، الى حيث موضعه، صاحت احدى العبدات:
لا.. لا.. لا.. (أمة)..
وفي الوقت الذي اعادوا قسما من الفراش الى موضعه، ليستخرجوا العمود الاوسط من تحته، فيما بقي الرجال يسندون البيت برؤوسهم وايديهم، رافعين سقفه (شققه) الى الاعلى، تجمعت النسوة، ومنهن نخوة الى حيث اشارت العبدة، وبعد ان ازاحوا الفراش بأن قدمي امرأة ظهر انهما قدما ام نخوة، ووجدوا ان العمود الوسط سقط فوق رأسها، وبدا وكأنه سقط عليها بفعل ميل الفراش خلفه، مما تسبب في دفعه ناحيتها، وبميلانه سقط على رأسها وفوقه الفراش، وحطم رأسها، أو هكذا ظهر لمن اعان نخوة على اخلاء الجثة، وهكذا ايضا فسر الجميع الحادث، الا نخوة فقد خمنت كل شيء، كأنها قد عرفته، وآسرته في نفسها، ولم تقل لأحد تفسيرها، وأبقت تفسير من حضروا معها هو التفسير السائد في العشيرة.


****

 بكت نخوة أمها بكاء مرا حزينا، ليس لأنها ماتت، بل لأنها صحت على نفسها في أواخر أيامها في الحياة.. وتمردت على حسقيل، وبكتها لأن حسقيل غدر بهما، وما كان يفعل ذلك لو لم تجعله أمها يتجرأ عليهما بسبب ضعفها، وبعد ان طمع في ضعفها، ولو كان هناك رجال تعتمدان عليهم في البيت لما جرؤ حسقيل على ان يفعل ذلك..
ـ يا حسرتي على الرجال الشجعان الذين يلوون شارب حسقيل الخاسئ هو وحليفه كلب الروم: شيخ قبيلة الروم، ولكنها استدركت لتقول:
ـ ولكن سالم ورجاله.. رجالنا.. يتأهبون لينقضوا عليه.. وسوف يفعلون وسوف نسندهم نحن الماجدات في هذه القبيلة بما يعز اهلنا..
عندما قالت نخوة الجملة الاخيرة، بدت كأنها افاقت من تابوت حزنها، بل كأنها بهذه الجملة فتحت على نفسها كوة (نافذة) في جدار الحزن، ورأت فيه الصورة الأخرى، فعادت تقول:
ـ ولكن حسقيل، بارتكابه هذه الجريمة، اضاف الى ذنوبه ذنبا جديدا.. سيكون حسابه عليها حسابا شديدا، وقد اعطاني فرصة ان اعذبه، باسم الله، عذابا شديدا..
قالت ذلك كأنها وصفت صورة تصرفها اللاحق، ووضعتها امام ناظريها كمشروع أو دليل عمل لها، حتى استقرت عليه، بعد ان رسمها خيالها في عقلها، ثم عادت لتقول:
ـ وفي الوقت نفسه، غسلت امي، امام الله، جزءا من ذنوبها وعارها، وما ادرأني وهو الغفور الرحيم، انه قد يغفر لها كل ذنوبها، بعد ان قتلت ظلما بيد حسقيل، وبعد ان تابت ووقفت بوجهه، وطالبته بأن ينفذ وعده بما يرضي الله لو حصل الزواج.. ولكن أتراه قام بهذا بعد ان همت أمي بأن تضربه بفأس أو خنجر مثلما كانت قد أعلمتني من قبل، وثنيتها عنه؟ أم انه قام بهذا ليتخلص منها انسياقا خلف خطته الشريرة لينال مني..؟ أم انه قام بهذا ليتخلص من وعده الزواج منها..!؟
ثم تواصل مناجاتها لنفسها:
ـ ليس المهم الزواج.. وانما المهم انها وقفت في الاشهر الاخيرة بوجهه، ولم تعد تطاوعه، وصارت تجادله، بل ترفض طلباته غير المشروعة بإباء، والرفض بداية التمرد وطريقه، ووسيلته الاساس للتغيير، ولكن الملعون قتلها.. والحمد لله، انه قتلها.. لقد اخذ الله الروح التي لا تعز وابقى الارواح التي تعز.. بقينا نحن.. انا وسالم واخت سالم، وشباب وشابات القبيلة الاطهار، وسوف نواصل طريقنا الى حيث ينبغي ان نخلص القبيلة من تحالف الروم مع حسقيل فينزاح الهم الكبير.. وانا لله وانا اليه راجعون.. وليرحمك الله، يا اماه..
قالت نخوة كل ذلك، بعد ان غطت امها بملاءة وهي ممدة على سجادة، وكان كتفاها ملطخين بدمها النازف من رأسها ومن انفها، وبعد ان تحسست نخوة مكان الضربة، وجدت انها ضربة فأس، وليست ضربة عمود، لكنها كتمت ذلك.. وعندما راحت تبحث عن الفأس وجدتها مرمية على مقربة من البيت وفيها اثار دم واضحة.. وقد انتحت جانبا برجلين من الخدم كانت تعتمد على كتمانهما السر، بالاضافة الى انهما، وفق ما عرفت من سالم، من بين رجاله الذين يعتمد عليهم، وكان يكلفهما بتسقط اخبار حسقيل، عندما يزور امها في البيت.. بالاضافة الى ابن عم لها تعرفه من رجال سالم ايضا.. وبعد ان اطلعتهم على الفأس والدم الذي يغطيها، قال احدهم ان هذا يعني ان الشيخة قتلت بفأس، وليس بسبب سقوط العمود الاوسط في البيت.. وأيده الآخرون..
قالت نخوة:
ـ نعم، هذا هو التفسير الصحيح.. ولكن علينا ان نكتم هذا الاستنتاج الى حين.. اقول لكم هذا، لانني اثق بكم ولأنكم من رجال سالم، بالاضافة الى انكم من الشباب المخلصين في قبيلتنا، لأن كشف هذا السر الآن يضر بحركتنا.. قالت لهم (يضر بحركتنا) بعد ان كشفت لهم انها تعرف ارتباطهم بسالم، كما انهم كانوا اصلا يعرفون انها تنشط بين صفوف النساء، أو يعرفون موقفها من حسقيل، بعد ان رفضت ان تدبك معه في تلك الليلة الشهيرة، واختارت ان تدبك مع ذاك الملثم..
عندما قالت لهم نخوة: اكتموا هذا واحفظوا الفأس في كيس الى يوم آخر.. استنتجوا ان نخوة تقصد حسقيل لا غيره..
ـ فمن يمكن ان يقوم بذلك غير حسقيل الغادر؟ هكذا قالوا في انفسهم.. قال ابن العم غير المباشر لنخوة:
ـ ربما كلف حسقيل من هو طوع بنانه من الخدم أو العبيد بأن يفعل ذلك ثم يتساءل في نفسه ايضا:
ـ ولكن لماذا؟ ومن هو؟ الا يعتبر خطرا على حياة نخوة؟ لماذا لا انبه نخوة الى ذلك؟..
ثم ينثني ليقول:
ـ اننا امام تدبير محنك هذا الذي تقوم به نخوة، وتتحمله اعصابها، وهي على هذا لا بد ان تكون حسبت لكل شيء حسابه، خاصة بعد ان تمرست على ما يبدو، في العمل السري، وهي تعمل ضد حسقيل وحلفه البغيض وجماعة الشيوخ المنحرفين معهما..
ثم يعود ليقول:
ـ وماذا يضر لو نبهتها لذلك؟..
ثم يطلب من نخوة ان يقول لها كلاما بينه وبينها بعد ان استأذن الرجلين الآخرين..
شكرته نخوة، وقالت:
ـ اطمئن.. سأتصرف..
 وسكت لأنها أكبر سنا منه..

إلى صفحة المقالات