أخـرج منها يا ملعــون

التمرد والتحريض على الباطل يجعلان المستضعفين يشعرون بأنهم أقوياء

الجزء ( 9 )

رواية لكاتبها: صـــدام حســـين

 

 في الحلقات السابقة، دارت حوارات بين الجد الشيخ ابراهيم واحفاده الثلاثة حسقيل ويوسف ومحمود حول مفهوم الثروة، واوضح كل  منهم ما الذي يعنيه له. وتنكشف خلال ذلك أطماع حسقيل في التفرد بالثروة، ورغبته في الانفصال بما يملكه مما ادى الى نبذه من الجميع.  ثم يوزع الشيخ ابراهيم "البلاد" على حفيديه محمود ويوسف، داعيا اياهما الى الابتعاد عن فتن الاجنبي. اما حسقيل فقد استقر في قبيلة مناوئة. ويسلط الروائي الاضواء على السلوك المشين الذي يتبعه حسقيل لدى القبيلة التي لجأ اليها وهي عشيرة المضطرة. ويواصل حسقيل خبثه مع شيخ عشيرة المضطرة وافراد عائلته بهدف السيطرة عليهم وعلى ثرواتهم عن طريق المصاهرة، وعن طريق "مشروعات" تربط العشيرة بالاجنبي، وتصل ممارسات حسقيل الى حد التخطيط لقتل الشيخة، وفي المقابل فكرت الشيخة في قتل حسقيل للتخلص من شروره. ويظهر عنصر جديد في الاحداث هو تحريض نخوة بنات القبيلة ضد حسقيل

 
 

 عندما سألت أم نخوة ابنتها قبل أن تخرج لملاقاة سالم في بيت أبيه: هل تذهبين إلى بيت سالم؟، بات واضحاً لدى نخوة أن أمها كانت تفضل ان لا تكون نخوة في البيت مع أمها مساء ذلك اليوم.. وان هذه الرغبة لم تتولد لدى أمها إلا لأنها أرادت أن تلتقي حسقيل.. ومع ذلك لم تسأل أمها عن شيء من هذا القبيل، وعندما دخلت بيتها جذلى، بعد أن جاءت من بيت أبي سالم، صاحت:
أماه.. أماه..

 ولكن احداً لم يجبها، ولاحظت ان العمود الاوسط الفاصل بين مكان الرجال والنساء في بيت الشعر سقط، وان الفراش الذي يوضع عادة حيث مكان العمود ليفصل هو الآخر بين المكانين، ويكون حاجبا للناظر من أي من المقطعين الى المقطع الآخر، بما يضمن قدرا من الحرية للنساء، وهن في موقعهن الذي ان جلسن به مع وجود رجال في المقطع الآخر، غالبا ما تتكلم كل منهن همسا، أو يتفاهمن بالاشارات..

 لاحظت نخوة ان عمود وسط البيت والفراش سقطا على الارض، وعندما رأت الحال في بيت الشعر على هذه الصورة، خفت عائدة الى بيت احد الرعاة، أو العبيد، وهي تصيح لصاحبة البيت باسمها:
مرجانة.. مرجانة..

جاءها الصوت من داخل البيت:
 نعم (أمة) ـ تقصد عمة ـ لصعوبة لفظ حرف (العين) من الاعاجم، وجاءت تركض، يتبعها من كان في البيت، وآخرون من بيوت الرعاة أو الخدم والعبيد المجاورة..
سألتهم نخوة عن امها..

 قال الجميع.. وخاصة العبدات اللائي كن مع من حضر:
أمة (عمة)، أمتي (عمتي) كانت في البيت، وقد صرفتنا.. قائلة لنا انها لا تريدنا في البيت، لأن هناك من سيحضر اليها.. ولأن بيوتنا خلف البيت لم نعرف من جاءها..

 همت احداهن بأن تقول:
قد يكون (أمي) عمي حسقيل.. ولكنها كتمتها عندما حدجتها (رمقتها) عجوز بنظرة تعني ان لا تقولي، أو لا معنى لقولك، لأنه يحرج نخوة.. فبلعت كلمتها، وقد فهمت نخوة ذلك.

 قالت نخوة:
 لتذهب فلانة الى بيت عمنا فلان، اذ قد تكون امي عندهم.. وفلانة الى بيت فلان، وانتن يا بنات اعدن الفراش الساقط على الارض الى حيث كان، وانتم يا رجال، ارفعوا عمود البيت الوسط، واعيدوه الى حيث كان..
بينما كان الرجال والنساء يتعاونون كل لانجاز واجبه، ويسندون صهوة بيت الشعر برؤوسهم وايديهم، في الوقت الذي راحت النساء يعدن الفراش (الساقط) الذي كان عبارة عن عدد من البسط والسجاجيد والالحف والشفوف، الى حيث موضعه، صاحت احدى العبدات:

 لا.. لا.. لا.. (أمة)..
 وفي الوقت الذي اعادوا قسما من الفراش الى موضعه، ليستخرجوا العمود الاوسط من تحته، فيما بقي الرجال يسندون البيت برؤوسهم وايديهم، رافعين سقفه (شققه) الى الاعلى، تجمعت النسوة، ومنهن نخوة الى حيث اشارت العبدة، وبعد ان ازاحوا الفراش بأن قدمي امرأة ظهر انهما قدما ام نخوة، ووجدوا ان العمود الوسط سقط فوق رأسها، وبدا وكأنه سقط عليها بفعل ميل الفراش خلفه، مما تسبب في دفعه ناحيتها، وبميلانه سقط على رأسها وفوقه الفراش، وحطم رأسها، أو هكذا ظهر لمن اعان نخوة على اخلاء الجثة، وهكذا ايضا فسر الجميع الحادث، الا نخوة فقد خمنت كل شيء، كأنها قد عرفته، واسرته في نفسها، ولم تقل لأحد تفسيرها، وابقت تفسير من حضروا معها هو التفسير السائد في العشيرة.

 بكت نخوة أمها بكاء مرا حزينا، ليس لأنها ماتت، بل لأنها صحت على نفسها في أواخر ايامها في الحياة.. وتمردت على حسقيل، وبكتها لأن حسقيل غدر بهما، وما كان يفعل ذلك لو لم تجعله أمها يتجرأ عليهما بسبب ضعفها، وبعد ان طمع في ضعفها، ولو كان هناك رجال تعتمدان عليهم في البيت لما جرؤ حسقيل على ان يفعل ذلك..
ـ يا حسرتي على الرجال الشجعان الذين يلوون شارب حسقيل الخاسئ هو وحليفه كلب الروم: شيخ قبيلة الروم، ولكنها استدركت لتقول:
ـ ولكن سالم ورجاله.. رجالنا.. يتأهبون لينقضوا عليه.. وسوف يفعلون وسوف نسندهم نحن الماجدات في هذه القبيلة بما يعز اهلنا..

 عندما قالت نخوة الجملة الاخيرة، بدت كأنها افاقت من تابوت حزنها، بل كأنها بهذه الجملة فتحت على نفسها كوة (نافذة) في جدار الحزن، ورأت فيه الصورة الأخرى، فعادت تقول:
 ـ ولكن حسقيل، بارتكابه هذه الجريمة، اضاف الى ذنوبه ذنبا جديدا.. سيكون حسابه عليها حسابا شديدا، وقد اعطاني فرصة ان اعذبه، باسم الله، عذابا شديدا..

 قالت ذلك كأنها وصفت صورة تصرفها اللاحق، ووضعتها امام ناظريها كمشروع أو دليل عمل لها، حتى استقرت عليه، بعد ان رسمها خيالها في عقلها، ثم عادت لتقول:
 ـ وفي الوقت نفسه، غسلت امي، امام الله، جزءا من ذنوبها وعارها، وما ادراني وهو الغفور الرحيم، انه قد يغفر لها  كل ذنوبها، بعد ان قتلت ظلما بيد حسقيل، وبعد ان تابت ووقفت بوجهه، وطالبته بأن ينفذ وعده بما يرضي الله لو حصل الزواج.. ولكن أتراه قام بهذا بعد ان همت أمي بأن تضربه بفأس أو خنجر مثلما كانت قد أعلمتني من قبل، وثنيتها عنه؟ أم انه قام بهذا ليتخلص منها انسياقا خلف خطته الشريرة لينال مني..؟ أم انه قام بهذا ليتخلص من وعده الزواج منها..!؟
ثم تواصل مناجاتها لنفسها:

 ـ ليس المهم الزواج.. وانما المهم انها وقفت في الاشهر الاخيرة بوجهه، ولم تعد تطاوعه، وصارت تجادله، بل ترفض طلباته غير المشروعة بإباء، والرفض بداية التمرد وطريقه، ووسيلته الاساس للتغيير، ولكن الملعون قتلها.. والحمد لله، انه قتلها.. لقد اخذ الله الروح التي لا تعز وابقى الارواح التي تعز.. بقينا نحن.. انا وسالم واخت سالم، وشباب وشابات القبيلة الاطهار، وسوف نواصل طريقنا الى حيث ينبغي ان نخلص القبيلة من تحالف الروم مع حسقيل فينزاح الهم الكبير.. وانا لله وانا اليه راجعون.. وليرحمك الله، يا اماه..

 قالت نخوة كل ذلك، بعد ان غطت امها بملاءة وهي ممدة على سجادة، وكان كتفاها ملطخين بدمها النازف من رأسها  ومن انفها، وبعد ان تحسست نخوة مكان الضربة، وجدت انها ضربة فأس، وليست ضربة عمود، لكنها كتمت ذلك.. وعندما راحت تبحث عن الفأس وجدتها مرمية على مقربة من البيت وفيها اثار دم واضحة.. وقد انتحت جانبا برجلين من الخدم كانت تعتمد على كتمانهما السر، بالاضافة الى انهما، وفق ما عرفت من سالم، من بين رجاله الذين يعتمد عليهم، وكان يكلفهما بتسقط اخبار حسقيل، عندما يزور امها في البيت.. بالاضافة الى ابن عم لها تعرفه من رجال سالم ايضا.. وبعد ان اطلعتهم على الفأس والدم الذي يغطيها، قال احدهم ان هذا يعني ان الشيخة قتلت بفأس، وليس بسبب سقوط العمود الاوسط في البيت.. وأيده الآخرون..

 قالت نخوة:
 ـ نعم، هذا هو التفسير الصحيح.. ولكن علينا ان نكتم هذا الاستنتاج الى حين.. اقول لكم هذا، لانني اثق بكم ولأنكم من  رجال سالم، بالاضافة الى انكم من الشباب المخلصين في قبيلتنا، لأن كشف هذا السر الآن يضر بحركتنا.. قالت لهم (يضر بحركتنا) بعد ان كشفت لهم انها تعرف ارتباطهم بسالم، كما انهم كانوا اصلا يعرفون انها تنشط بين صفوف النساء، أو يعرفون موقفها من حسقيل، بعد ان رفضت ان تدبك معه في تلك الليلة الشهيرة، واختارت ان تدبك مع ذاك الملثم..

عندما قالت لهم نخوة: اكتموا هذا واحفظوا الفأس في كيس الى يوم آخر.. استنتجوا ان نخوة تقصد حسقيل لا غيره..
ـ فمن يمكن ان يقوم بذلك غير حسقيل الغادر؟ هكذا قالوا في انفسهم..

 قال ابن العم غير المباشر لنخوة:
 ـ ربما كلف حسقيل من هو طوع بنانه من الخدم أو العبيد بأن يفعل ذلك ثم يتساءل في نفسه ايضا:
 ـ ولكن لماذا؟ ومن هو؟ الا يعتبر خطرا على حياة نخوة؟ لماذا لا انبه نخوة الى ذلك؟..

 ثم ينثني ليقول:
 ـ اننا امام تدبير محنك هذا الذي تقوم به نخوة، وتتحمله اعصابها، وهي على هذا لا بد ان تكون حسبت لكل شيء  حسابه، خاصة بعد ان تمرست على ما يبدو، في العمل السري، وهي تعمل ضد حسقيل وحلفه البغيض وجماعة الشيوخ  المنحرفين معهما..

 ثم يعود ليقول:
ـ وماذا يضر لو نبهتها لذلك؟..
 ثم يطلب من نخوة ان يقول لها كلاما بينه وبينها بعد ان استأذن الرجلين الآخرين..

 شكرته نخوة، وقالت:
 ـ اطمئن.. سأتصرف..
 وسكت لأنها أكبر سنا منه..


***


 عاد الخادمان وطلبا لقاء نخوة معا، من غير ان يحضر ابن عمها، فاستجابت لرغبتهما..قال اكبرهما سنا:
 ـ رأيت، مع صاحبي هذا، حسقيل يدخل بيتكم، واعذرينا، يا عمة ويا اختاه، ان فعلنا ذلك.. لاننا عندما عرفنا ان امك صرفت الخادمات والعبدات (الاماء)، قدرنا ان ضيفها سيكون حسقيل، لذلك حاولنا ان نتأكد ونحن نسترق النظر ونشغل انفسنا بعمل خارج بيت الشعر المقرر لنا، ومع انه حرص على ان يأتي ويدخل من مقدمة البيت، في الوقت الذي تكون بيوتنا في ظهر البيت فلا نرى شيئا.. فقد رأيناه يدخل، ورأيناه يخرج ايضا، بعد زمن قصير على غير عادته، ولم نلاحظ بعد ذلك ان احدا غيره دخل البيت، ولم نلحظ ان امك الشيخة، رحمها الله، خرجت منه.. لذلك فان هذا الذي رأيناه مع الفأس الملطخة بالدماء يؤكدان بوضوح ان الفاعل هو حسقيل الملعون.

لاحظت نخوة انهما وصفا حسقيل هذه المرة بالملعون.. ومع انها لم تستغرب جرأتهما.. قالت في نفسها:

 ـ ان الحق يدحر الباطل، وإن كان الباطل متجبرا وان الحق ينطق الحجر الاصم ويقوي من يعتقد انه ضعيف وان التمرد والتحريض عليه يجعلان المستضعفين يشعرون بانهم اقوياء الى الحد الذي يتملكهم فيه شعور من يستطيع بالمبادئ  والتدبير، ان يواجه كل عات لعين بصدر عامر بالايمان، بعد ان يهيئ الحجة على من يكون على باطل.
 وهكذا كان الشابان، مع انهما يقومان بأعمال الخدمة في بيت نخوة، الذي كان حسقيل الى وقت ليس ببعيد جدا يتصرف فيه كأنه سيد البيت، بالاضافة الى انه شيخ العشيرة.. كانا يتكلمان بثقة ومن غير خوف من حسقيل، وهما يزيدان على قولهما ذاك:
 ـ نحن رجالك الامناء، يا نخوة وانت اختنا، بالاضافة الى انك سيدة الدار الذي نعيش نحن وعائلتنا على خيره، بل انت نخوتنا ونخوة كل شريف طاهر يواجه الظلم، ونحن عين عينيك وحمايتك، وأي شيء تأمرين به نؤديه، ان شاء الله، ونكون من الطائعين المقتنعين، بل المتحمسين لتنفيذه، لاننا مقتنعون برجاحة عقلك وطهارة روحك وعفة نفسك واخلاصك العظيم للقبيلة وحماها ومصالحها.

 عندما سمعت نخوة منهما ذلك، سالت دموعها على وجنتيها، ومع انها لم تشعر بضعف بعد ان نضجت ولم تشعر بالوحدة بعد ان صارت تمارس وتحرض على التمرد ضد حسقيل وحلفه، فانها بسماعها كلام من يؤديان الخدمة في بيتها، سواء في واجبات الضيافة او (مباراة) المواشي الى جانب الرعاة، شعرت بعمق ما فعله الاعداد للتمرد الذي يقوم به سالم وجماعته في نفوس حتى الناس المستضعفين الذين ينظر اليهم الجبارون نظرة استصغار او نظرة دونية، ونسوا ان تقسيم العمل بين الناس لا يلغي آدميتهم، بل لا يلغي في المستضعفين العوامل الكامنة فيهم للتمرد ضد الباطل، اذا ما وجدوا من يكون رمزا للحق ونموذجه، ولا ينحني امام الباطل وجبروته ولا تخدعه ألاعيبه.

 كانت نخوة تقول ذلك في نفسها، وهي تستمع الى محدثيها.. ورغم انهما قالا ما ارادا قوله، فقد استمرت نخوة تداور ذلك في عقلها ونفسها، حتى ظنا انها انشغلت عنهما ومع ذلك لم يقاطعاها.. وعندما انتهت من مداورة كل تلك الافكار، راحت دموعها تنهمر على وجنتيها، كأنها دموع فرح، ممتزجة بغسل الهم والضعف، ليكون الشعور بما يزيد القوة والعزم بعد ذلك.. وهكذا كفكفت دموعها بطرف ملفعها، وقالت:
 ـ نعم، يا اخويَّ، سمعان وعمر، احفظا ما قلتماه الآن، واكتماه الى ان اقول لكما: متى..

 قال سمعان وعمر:
ـ امرك عمة.. وانصرفا ولحق بهما ابن عمها حازم وهو يضع الفاس في كيس..


***
 

 عادت نخوة الى النساء اللائي يحطن بالجثة ويندبن ويولولن.. وبدلا من ان تقيم نخوة عشاء للرجال في بيتها، حيث لا اخ ولا أب، كلفت عددا من ابناء عمومتها الأبعدين بان يقيموا ولائم عشاء على روح امها، بعد ان زودتهم بخراف وعدة الطبخ ومواده، وجعلت العشاء في اكثر من مكان، وهي تقول:
 ـ ليأكل الجميع على روح والدتي.. حيث صار سخاؤها على لسان كل افراد العشرية، حتى ان حسقيل اوصى لها قبل ان يلتقيها بان تقلل من الذبح لان هذا يفيدها بعد ان آلت اليها كل ملكية ابيها وامها، وكانت ملكية كبيرة من الغنم والبقر والجمال والخيول.. وكأنه اراد في نفسه ان يقول:

ـ "ان هذا كله سيؤول ليَّ، بعد ان اتزوج نخوة.. وصرف اي شيء منه ينقص ملكيتي والافضل ان اوصي نخوة بان تقتصد".. وقد حرصت نخوة على ان تقيم ولائم عشاء على روح امها على مدى ثلاثة ايام متتاليات وكانت تقول في  نفسها:

 ـ عسى ان يغسل اطعام الفقير جزءا من ذنوب امي وابي، ورغم ان امي لم تكن بخيلة تماما، مع انها اعجمية الاصل، فقد كان ابي، رحمه الله، بخيلا جدا، وما لم يستطعه في حياته، سأعينه عليه ومنه في مماته.

 ومثلما فعلت لأبيها عندما مات، عملت لأمها عندما قتلت.. استمرت معتكفة في بيتها سبعة ايام، تراجعها نساء القبيلة لمواساتها في مصابها، وجعلت الخدم والعبيد يذبحون ما يذبحون من الجمال والابقار والاغنام كل يوم ويطبخون العطام، حيث صارت كلاب القبيلة، حتى من المنازل القريبة منهم، تتجمع بصورة شبه دائمية حول بيتها، لتظفر ببقايا الطعام الزائد الذي يطرحه الخدم خارج المنزل، بعد ان تأكل النسوة ثلاث وجبات كل يوم، وهل تتجمع الكلاب الا امام البيت الذي يرمي لها طعاما او حتى عظاما؟

 كانت النسوة يصطحبن اطفالهن الى بيت نخوة وعند تناول الطعام كانت نخوة تأمر بان يعزل الخدم طعاما للاطفال بصورة مستقلة عن النساء، وكان الطباخون والخدم يفرغون الطعام في اواني الاكل باشراف نخوة، التي كانت تحاول دائما ان تتأكد من ان في الطعام من اللحم ما يكفي الصغار وكانت تفرقهم بالتساوي عندما يزدحمون حول صينية على باقي (الجفان) او الصواني، لتضمن ان يحوز كل منهم استحقاقه من اللحم، وعندما تقول لها احداهن من المقربات عادة:
ـ اتركي الخدم يتولون هذا يا اخية نخوة.. انهم اطفال، واي شيء يأكلونه (زايد خير)..

 تجيبها نخوة:
 ـ انهم ورود حياتنا وشباب وشابات المستقبل وهم عندما اهتم بهم واكرم وفادتهم، سيتعلمون الكرم وواجبات الضيافة مهما كبر شأنهم في المستقبل، لئلا يتصوروا ان من يكبر شأنه ينسى ناسه ويكبر عليهم او من يمن الله عليه بنعمة الملك او الثروة يستأثر بها لنفسه ويترفع عن الناس.

 في هذا الوقت لاحظت أن احد الصغار حاول خطف قطعة لحم من صينية يتحلق حولها اطفال اكبر منه سنا، ولانه  بدين، سقط على رأسه في صينيتهم حالما انحنى من فوق اكتافهم لالتقاط قطعة اللحم.. وراح (يعوي) يصرخ ورأسه ووجه يغطيهما السمن وبقايا الطعام وسط ضربات من كان يضربه.. مسحت نخوة الدسم وبقايا الثريد عن رأسه ووجهه، وقالت:

 ـ لا عليك حبيبي، سآتيك بصينية وحدك، وعليها قطع من اللحم أكثر من التي على هذه الصينية.

 كانت تقول هذا في الوقت الذي ترى ان احد الاطفال يضرب صغيرا على وجهه بحفنة من الثريد، لانه حاول نفس محاولة هذا، وكانت تكتم ضحكة جعلتها ترفع ملفعها ليغطي فمها وانفها لتواري ضحكتها تحته..

 ثم تعود الى النساء وتتأكد بنفسها من كل صينية طعام، ومن ان كل شيء يسير ضمن قياسه الصحيح، وعلى ما يرام.. وعندما تنهض احداهن لتنصرف قبل تقديم وجبة الطعام، تشير الى احدى قريباتها بان تستبقيها حتى يقدم الطعام، وتكون بعد ذلك حرة في الانصراف، وعندما تحاول المعنية الاعتذار لها عن البقاء طالبة ان تأذن لها بالانصراف تقول لها:
 ـ ايجوز هذا، يا فلانة؟.. ايجوز يا اخيّة، ان تخرجي من بيتنا في هذا الوقت، مع ان بيتك بعيد نسبيا، من غير ان تتناولي الطعام انت واطفالك!؟.

 وعندما تلح بقصد الانصراف، تقول لها:
 ـ انت عربية، لذلك لا اظنك تقصدين ان تخزينا، لو رآك احدهم تخرجين قبل ان (نصب) نقدم الطعام!..
على هذا كان تصرف نخوة في الضيافة، حيث ازدادت تألقا على مستوى القبيلة، وصارت بحق نخوة الابعدين، مثلما هي نخوة الاقربين.. صارت نخوة ناسها واهلها كلهم.. وهل ما يجعل المرأة نخوة اهلها وقومها غير ان تكون فاهمة وحصيفة وعاقلة ومدبرة وعفيفة وذات حمية ازاء قومها، وذات ايمان وصبر وجلد؟.. وهل هناك من هي افضل صفات ومعاني من نخوة في كل هذا؟.. نعم صارت نخوة.. نخوة قومها كلهم وامنية الشباب كلهم ليحظوا برضاها عنهم وعن مواقفهم وتصرفاتهم، وصارت قدوة ونموذج النساء اللائي صرن يحثثن النفس والخطى ليحظين بأي من صفاتها..


***
 

 انتهت الايام السبعة التي احتجبت فيها نخوة، ولم تظهر خارج البيت، وإنما تستقبل النسوة فقط. وارسل حسقيل الى نخوة من يخبرها بانه ينوي زيارتها ليعزيها بوفاة المرحومة امها، وتقديرا لها ولاهلها ـ هكذا قال حسقيل وفق ما نقله اليها ابن عمها حازم..

 كادت نخوة تعتذر، لكنها تذكرت انها ينبغي ان تراوغه وتخاتله، وفقا لخطتها..

 قالت نخوة عندئذ:
 ـ قل له، يا حازم، ان يتفضل بعد ظهر هذا اليوم، قبل المغرب وابلغ عمي والدك ليحضر معك.. واشارت الى سمعان وعمر بان يكونا من بين الحضور من رجال البيت ممن يقومون بواجب الضيافة، وطلبت من سمعان ان يجلس الى الموقد، حيث دلال القهوة، ومن عمر ان يكون متأهبا لتلبية طلبات الضيوف من ماء (وشنين)(1).
وقالت مشددة:
 ـ قل لعمي، يا حازم، ان لا يبرح مكانه.. وانتم، يا حازم وعمر وسمعان، لا تتركوا اماكنكم اذا طلب منكم حسقيل ذلك.. الا اذا طلبته انا منكم..

 وعندما استفهمت عما اذا كان امرها واضحا، قال حازم وعمر:
 ـ مفهوم، يا عمة..
 وقال حازم:
 ـ مفهوم، يا اختاه..
 ـ اذن، انصرفوا حتى يحين الوقت واستدارت متجهة من الربعة (المضيف) الى قسم العائلة (العيال)، وفتحت صندوق الخشب، حيث تضع ملابسها وما يتصل بزينتها..

 كان الطقس طيبا في شهر نيسان.. جلست نخوة لتمشط شعرها، ولفته بالملفع بعد ان مشطته.. بعدها التقطت (ميل) (2) الكحل، وراحت تكحل عينيها.. وما ان اكملت كل ذلك، حتى اتجهت لثيابها، فارتدت ثوبا نظيفا و(زبونا) (3) وتهيأت لاستقبال حسقيل وعمها ومن سيحضر معهما..


***
 

  كانت نخوة قد التقت سالم في بيتها في إحدى الليالي، وفق تدبير اتفقت عليه هي وأخت سالم وأبو سالم، وكان معها حازم وعمر وسمعان.. وانفردت به في الطرف الثاني من قسم العيال، بحيث لا يسمع أبو سالم وأم سالم وأخت سالم كلامهما.. وحكت لسالم كل ما تعرفه عن مقتل أمها..

 قال سالم:
 ـ الآن حكم الحق على حسقيل بالموت..
 قالت نخوة:
 ـ لا، يا سالم، رغم ان ما تقوله مطاع بالنتيجة، لكن أرجو أن تسمع رأيي، فأنا لا أرى هذا الرأي.. ولو كنت أراه علاجاً صحيحاً لوافقت أمي، رحمها الله، على ذلك، وكنا قادرتين على هذا لو أردنا، لكن لأننا لم نرد أن نحرم من رحمة الله، أو أن نخزيكم بأمر تقوم به امرأة.. إلا عندما لا يكون هنالك رجال، أو يكون شرفها مهدداً باللحظة، ويكون قتل من يحاول عليها ضروري دفاعاً عن ذلك، أو عن النفس، فقد منعت والدتي ومنعت نفسي من ذلك..
ومع أنهما كانا يتكلمان همساً، فلشدة اقترابهما من بعضهما، اسمع كل منهما ما أراد أن يقوله للآخر..

 قال سالم:
 ـ لكن ما أرى أن نقوم به ضده هو أن يقوم به الرجال وليس النساء..!
 ـ لديّ تدبير آخر، قالت نخوة..
 سمع سالم ما خططت من تدبير وأقرها عليه..

 جاء حسقيل وحده.. وجاء والد حازم وشقيقه الأصغر منه، ومعهما حازم، وكان عمر وسمعان في البيت من رجالها.. وكان كل من الثلاثة (حازم وعمر وسمعان) يعرف واجبه.

 قال حسقيل كلمات العزاء لنخوة.. وسلم على عميها وعلى حازم، وجلس.. وبعد كلمات من حسقيل حول الكمأة والغزو.. ومجيء (مطاليع) (4)، القطا التي تنبئ بأنه كثير هذه السنة.. بدا كأنه يقول كلاماً ليطرد الملل عنه، رغم أن دقائق فقط مضت على جلوسه..

 ـ عندما يكثر القطا.. ويبيض بعد موسم كمأة وفير، تكون السنة سنة خير، رغم أن المرحومة، أم نخوة، كدرت علينا الأجواء، لكن عوضنا بنخوة.. بعد أن صارت نخوة قبيلتنا.. (قال: نخوة قبيلتنا، ولم يقل نخوة القبيلة.. ليجعل من نفسه حالة اصيلة في القبيلة ويعتبرها كما نخوة في صلته بالقبيلة)..

 بعد قليل قال حسقيل:
 ـ لو سمحتم، أود أن اتحدث مع نخوة على انفراد في أمر يخصها، والأصح أنه يخص والدها، رحمه الله، وكان في  نيتي أن أقوله لأم نخوة، رحمها الله، لكن القدر عاجلها.. لذلك لا بد من قوله لنخوة..

 قالت نخوة:
 ـ فلان وفلان، عماي هلما إلي، وأنت ايضا، يا شيخنا ـ وأرادت بقولها: يا شيخنا، ان تجعله لا يجفل، بإمكانك أن  تتحدث معي بحضورهما..

 قال حسقيل:
 ـ ان ما اؤتمنت عليه يستوجب أن أقوله لك، وبعد ذلك أنت حرة عندما تطلعين عليه.
 مرة أخرى أرادت أن لا يجفل من نواياها وهو العارف بما لها عليه.. وما هو مدين لها به..

 قالت:
ـ نعم لو سمح عماي بأن يكونا في قاطع العيال، انه الآن خال.. وسوف نتحدث أنا والشيخ هنا..
 قال حسقيل..
 ـ بل نذهب أنا ونخوة إلى قاطع العيال، وتبقون هنا..

 وقبل أن يكمل، كان عماها وحازم وعمر وسمعان قد اتجهوا إلى قاطع العيال ودخلوا فيه، في الوقت الذي قالت نخوة:
 ـ بل هنا أكثر راحة لك، يا شيخ.. والواجب ان ينهضوا هم ويغيروا أماكنهم، وليس أنت.
 مع أن الشيخ لم يرق له ذلك، فقد اضطر للقول:
 ـ انك أم الأصول، يا نخوة، وفهمك صار معروفاً على مستوى القبيلة كلها.. بل ان كرمك أصبح على كل لسان..

 أرادت نخوة ان تزيد غشاوة التمويه على نواياها بإطرائه.. فقالت:
 ـ كل ذلك من فضل الله وفضلك، يا شيخنا..

 ـ هل لي أن أدنو منك، لأسمعك ما أريد أن أقوله همسا، يا نخوة؟
 ـ بل أنا اقترب إليك، يا شيخ.. لا تكلف حالك..

  اقتربت نخوة منه حتى كاد لا يفصلهما إلا حاجز الوسائد الموضوعة بينهما.

 قال حسقيل، بعد أن فتل شعر شاربه، رغم انه لم يكن كثيفاً:

 ـ مع أن الوقت غير ملائم تماماً، لكن من عادتنا أن نتعامل مع الحياة بطريقة لا تدع الحزن يثقل عليها.. ومع اننا (قدم   في المدينة وقدم في الصحراء)، فإن العادات الأصيلة هي التي تحكمنا.. لذلك، ولأن من عادة قبيلتنا أن تستمر   في حركة الحياة، بل ان تقودها.. يا نخوة، فالواجب يقتضي أن لا نجعل حالة الحزن توقف الحياة، أليس كذلك؟..

 

 

 هوامش:


 1 ـ الشنين، لبن مخلوط بماء، بعد عزل الزبدة عنه.

 2  ـ الميل، قضيب من الخشب، دقيق ومصقول، يغمس في مسحوق الكحل، ويمرر بين الجفون لتكحيلها.

 3 - الزبون، ثوب طويل، مشقوق من الأمام من الأعلى للأسفل، كانت النساء يرتدينه فوق ملابسهن سابقا.

 4 ـ مطاليع، بواكير أو طلائع.

 

إلى صفحة المقالات