تصحيح المعادلة الصعبة في موقف المسلم المعاصر

بين الدنيا والآخرة

 

بقلم د.  يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

إذا كان الشعار المطروح في التيار الإسلامي ( الإسلام هو الحل ) فإن هذا الشعار يحتاج إلى مقدمة هامة هي : لا حل إلا بتحديد موقفنا من هذه الحياة الدنيا تحديدا صحيحا لا زيف فيه .

هذه القضية أكثر القضايا إلحاحا وخطرا فيما أتصوره من قضايا العقيدة والشريعة والاقتصاد والتربية والثقافة على السواء وهي في مقدمة القضايا التي تعرضت للتزييف والتشويه من الثقافة العلمانية السائدة فيما يطرح حول ما يمكن تسميته  المعادلة الصعبة الآتية :

الغرب المسيحي الصهيوني الملحد لا دين له ، أو يعتقد من الأديان ما هو باطل هكذا في عقيدة المسلم وقد حاز الدنيا والنجاح فيها ، ونحن المسلمين .. في يدنا دين الحق .. وقد وقعنا في الضعف والفقر والذل والهوان ؟!

معادلة صعبة لا تتحدى العقل الإسلامي فحسب ، ولكنها تمثل في المقام الأول تحديا للإسلام نفسه ، وإلقاء لظلال كثيفة من الشك حوله .

وحل هذه المعادلة موجود بين أيدينا في المنطق الإسلامي نفسه كما يتبين لنا بعد .

الدنيا في ميزان الكافر

إن الغرب الكافر قد طلب الدنيا خالصة .. والله سبحانه تعهد لمن يفعلون ذلك أن ينجحوا في مسعاهم والحصول على ما يطلبون ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ، أولئك الذين ليس هم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون )  14-16 هود  ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ) 200 البقرة .

وعندما يتأكد هذا المعنى يسوق لنا القرآن صفة أساسية من صفات الدنيا تمثل تفاهتها في ذاتها أي عندما ينظر إليها مقطوعة عن الآخرة ذلك أنها سريعة الزوال ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت  وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيد كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) 24 يونس

إنها سريعة الزوال مهما ازينت في الطبيعة ومهما قدر عليها الإنسان في التاريخ ، ومن هنا يصبح هذا العارض سريعُ الزوال بغير قيمة حقيقية ما لم يوصل بما له قيمة وهو الآخرة .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد : فقدان القيمة ، ولكنها تصبح وبالا على الممسكين بها ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب ) البقرة 212 ، ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) 55 التوبة ( فلا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) 85 التوبة . ( وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) 64 العنكبوت ( وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون  أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) 60-61 القصص وهكذا يصبح إمساك الكافر بالدنيا وهي زائلة سببا في خسرانه للآخرة وهي باقية

ولا شك أن ذلك خسران بأي مقياس يحسب به الكسب والخسارة ، وهو خسران تام لا يقتصر على الضياع الأخروي ، بل ينسحب إلى الضياع الدنيوي كذلك ،  ولننظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم وهو من جوامع كلمه في الموضوع - : ( من جعل الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ، ومن جعل الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ) أخرجه بألفاظ متقاربة : أحمد في مسنده ، والدارمي في سننه ، والترمذي ، وابن ماجة ، وقال في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة : إسناده صحيح .

 إن الدنيا هي هدف إنسان الحضارة المعاصرة ، وهي همه الذي لا هم له سواه ، يسعى لكي يحصل منها على اكثر ما يستطيع من متعة ومن رفاهية ، وكما يقول أحد مؤرخي النهضة الأوربية عن الروح الجديدة التي سيطرت عليها : ( تقوم هذه الروح الجديدة في أعماقها على اهتمام متزايد بالحياة الإنسانية كما يمكن أن نعيشها على هذه الأرض ، ضمن حدود الزمان والمكان ودون ارتباط بالعالم الثاني أو الأخروي ) تكوين العقل الحديث لهرمان راندال ج1 ص 184 وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم  :( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ) 200 البقرة

 وإنسان هذه الحضارة هو النموذج العالمي الذي يغزو جميع أرجاء العالم ، ويسيطر على الذهن البشري في الأقطار المتقدمة والمتخلفة على السواء .

وإنسان هذه الحضارة في حالة فشل دائم : إنه كما يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم " فقره بين عينيه " : لا يحس بالغنى أو الرضا ، إنه واقع في الفقر ، الفقر ماثل بين عينيه في كل حال ، لا يترك خياله لحظة ، يجده فيما جمع لأنه لم يرض ، ويجده فيما لم يجمع لأنه لم يحصل عليه ، إنه في حالة فقر مستمر ، ينغص عليه حياته ويدفعه إلى مزيد من جمع مظاهر هذه الحياة .. دون جدوى ، فهو لم يحقق مطلبه من هذه الحياة التي جعلها همه وشغله الشاغل ، فقد فشل إذن في الحصول عليها .

وفشل في الحصول على ذاته ، وذلك ما يعبر عنه قوله صلى الله عليه وسلم " وفرق عليه شمله " فهو أي طالب الحياة الدنيا مقطوعة عن الآخرة يفقد كيانه الذاتي من الناحيتين : الاجتماعية والفردية . أما من الناحية الاجتماعية فلأنه يقع في صراع مع الآخرين : مع أهله وقومه وإخوانه في الإنسانية ؛ ذلك لأنه لا يرضى بما في يده ويمدها إلى ما في يد غيره ، وكلما وصل إلى شيء لم يجد فيه ما يريد ، فينطلق مسعورا إلى غيره .. إلى ما في يد غيره ، وهنا يقع الصراع ، وهو صراع لا نهاية له ولا ضابط يضبطه من قيم ، لأنه هو قيمة كل القيم ، ولأنه القيمة العليا السائدة في الحصول على القوة والمتعة ، والآخرون مثله : يريدون ما يريده هو ، وهنا يتفرق  الشمل الاجتماعي الذي أمر الله به أن يجتمع .

ومن الناحية الفردية يقع هذا الإنسان الطالب للدنيا المقطوعة عن الآخرة في صراع مع نفسه ، ذلك أنه يحاول أن يرضي في نفسه شهوة الدنيا على حساب ما أودعه الله في هذه النفس من قوى فطرية تريد الآخرة ، فهو لا يرضي هذه النزعة ولا يرضي تلك ، ويقع من ثم في صراع مع نفسه أو بتعبير آخر  تقع قوى نفسه في صراع بعضها مع بعض ، وهنا يتفرق عليه شمله : شمل نفسه ، ويقع فريسة للقلق والتمزق والانفصام .

الدنيا في ميزان المؤمن

وهكذا تكون الدنيا في نظر الإسلام لا قيمة لها إذا أخذت مقطوعة الصلة بالآخرة .

وهي بهذا ليست غير ذات قيمة فحسب ، بل هي كارثة ووبال على الإنسان .

والسؤال الآن : هل تصبح للدنيا قيمة إذا وصلت بالآخرة ؟

هنا يجب أن نبين أولا : أن القول بأن الدنيا لا قيمة لها مطلقا يعني أنها وجدت عبثا ، وهذا مالا تجيزه النظرة الإسلامية ، إذ يقول الله تعالى : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) 16 الأنبياء ، وإذ يبين الله تعالى أن الإنسان خلق فيها للخلافة ( إني جاعل في الأرض خليفة ) 30 البقرة ، (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) 55 النور .

وتظهر القيمة الحقيقية لهذه الدنيا في الإسلام عندما تتبين وظيفتها للحياة الأخرى : إنها طريق الإنسان إلى الآخرة .

وإذا كان الطريق يأخذ قيمته مما يؤدي إليه فإن الدنيا تصبح ذات قيمة في الإسلام بهذا الاعتبار ، يقول تعالى ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم ) 165 الأنعام .( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) 7 الكهف ، ومن هنا تعود أبواب الدنيا لتفتح أمام المؤمنين ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) 32 الأعراف ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ، وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) 87-88 المائدة .وهي لا تنفتح أمامهم فحسب ، بل إن تعميرها يصبح مسئولية أساسية من مسئوليات المسلم ، وتنبع هذه المسئولية من واقع ربطها بالآخرة ، إذ يكون جزاؤه في الآخرة على حساب ما قدم من عمل صالح في هذه الدنيا . ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) - أي في هذه الحياة الدنيا (ولنجزينهم أجرهم أي في الآخرة (بأحسن ما كانوا يعملون ) 97 النحل (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) 55 النور

ومن هنا لا تكون زهادة المؤمن في الدنيا بالانسحاب والهروب ، وإنما بإعطائها قيمتها باعتبارها طريقا إلى الآخرة ، نسلك إليه السبيل التي رسمها الله ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك ) سنن ابن ماجة وجامع الترمذي ومصابيح السنة للبغوي .

وتتضح قيمة الحياة الدنيا إسلاميا في ارتباطها بالآخرة عند ما نجد القيم الأخروية ذاتها ضامنة للسيطرة على الدنيا كما جاء في حيث الرسول صلى الله عليه وسلم ( .. وأتته الدنيا وهي راغمة )

وفي هذا الصدد  يتقرر أن الإسلام يوجه المسلم إلى العمل من أجل الآخرة لا بالانسحاب من الدنيا ولكنه في نفس الوقت يهيئه للحصول عليها تابعة لا متبوعة تخضع للإنسان ، ولا يخضع لها الإنسان . وبهذا يتحقق له من الغنى ما لم يتحقق لإنسان هذه الحضارة ، ويتحقق له من صحة النفس والتئام الشخصية ما لم يتحقق لطالب الدنيا مبتوتة عن الآخرة ، إنه كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ) ، وكما يقول بعض الصوفية  ( الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب ، فأيهما غلب كان الآخر تبعا له ) .

إن على المسلم  أن يضع نصب عينيه قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) 38 التوبة وهذا النص الكريم ينكر على المؤمن تمسكه بحياته الدنيا إذا طلب إليه بذلها في سبيل الله ، ويوضح بشكل قاطع أن هذه الحياة لا قيمة لها في ذاتها ، ومن ثم لا يصح الرضا بها إذا قطعت عن الآخرة ، وأن التضحية بها في سبيل الله تضحية في الشكل ، لكنها من حيث الجوهر كسب حقيقي للإنسان ، ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) 111  التوبة

وعليه أن يضع نصب عينيه قوله تعالى عن المؤمنين وهم يطلبون الآخرة بأكثر مما يطلبون الدنيا  (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) 202 البقرة ، ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) 148 آل عمران . فهم لهم من الدنيا نصيب ، ولهم ثواب هنا ، وحسن ثواب هناك .

ومن العجيب ما يفعله بعض الذين يحرضون المسلم على الانكباب على الدنيا والأخذ منها بكل طرف عندما يستدلون على منهجهم ذاك  بقوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) 32 الأعراف كيف يفعلون مع أن الآية من الواضح أنها خطاب لمن أعرض عن الدنيا وهذا شأن المؤمن بأن يرفق بنفسه فيتناول منها شيئا ( من حرم زينة الله ) ؛  هل هي خطاب في شأن من أكب على الدنيا ؟ بداهة لا ، إنها خطاب في شأن من أعرض عنها ‍، وكذلك قوله تعالى ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا  ) 77 القصص . خطاب لمن نسي الدنيا ، لا لمن نسي الآخرة ، فشأن المؤمن إذا نسى الدنيا أن يكون له منها نصيب ، أما أن ينسى الآخرة فيكون له من الدنيا نصيب فذلك لا يكون إلا لكافر خالص .

ولننظر بصفة خاصة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ( ومن جعل الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ): إنها لا تأتيه كما تأتي الكافر ، إنها عندما تأتي الكافر تأتيه أي الدنيا -  في عنفوان وزهو وخيلاء وزخرف وزينة وتجبر وخطر ماحق ، أما عندما تأتي المؤمن فتأتيه - أي الدنيا - في ذلة وانكسار وانطفاء وشيء من الضعف ، وكثير من التواضع ، والرفق ..

وتبعا لذلك فإن المسلم يتميز في موقفه عن الكافر بخصوص الدنيا حتى في مفهوم الخيرية ومفهوم النجاة: وعليه ألا يتبنى مفهوم الكافر لما هو الخير أو مفهومه لما هي النجاة :

 عليه أن ينظر إلى مفهوم الخيرية في ضوء نظرة الإسلام إلى الدنيا ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا ، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) 36 الشورى ، كذلك فإن عليه أن ينظر إلى مفهوم النجاة من نظرة الإسلام إلى الدنيا كذلك : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن : إنا كنا معكم ، أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) 10 العنكبوت . إن المسلم ينظر إلى النجاة والخيرية في ضوء نظرة الإسلام إلى الآخرة ( وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون : هل إلى مرد من سبيل .. وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ، وقال الذين آمنوا : إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) 45 الشورى . 

ويبقى السؤال : فما قيمة الدنيا في ميزان المسلم المعاصر

النهى*
www.alnoha.com

الدنيا في ميزان المسلمين المعاصرين

إنهم لم يطلبوا الدنيا كما يطلبها الكفار والملحدون ، لأن دينهم يمنعهم من ذلك .فمن الطبيعي ألا يحصلوا عليها كما يحصل أولئكم .

وهم لم يطلبوا الآخرة كما يدعوهم إلى ذلك دينهم ، فمن الطبيعي ألا يحصلوا على ما وعدهم الله به من الفوز في الآخرة والدنيا معا .

إن حال المسلمين اليوم هو ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كالشاة العائرة بين الغنمين : تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ) أخرجه الإمام البغوي في مصابيحه من الصحاح .

وهم كما يقول إبراهيم بن أدهم :

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

وهم كما فال فيهم الشاعر :

أرى رجالا بأدنى الدين قد قَنَعوا

وما أراهم رضوا في العيش بالدون

فأي معادلة صعبة في الموضوع  : أولئكم طلبوا الدنيا خالصة مقطوعة عن الآخرة فأخذوها وفقا لسنن الله

ونحن المسلمين المعاصرين : لا طلبنا الدنيا كما يطلبونها ، ولا طلبنا الآخرة كما يدعونا الإسلام ، فكيف نحصل على ما لم نطلب ؟

إنهم يكادون ألا يكونوا قد سمعوا استماع امتثال لشئ من توجيهات الرسول في الموضوع.

أخرج البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : ( كن في الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل ) .

ولقد مر رسول الله على شاة ميتة فقال : ( أترون هذه الشاة هينة على أهلها ؟ قالوا من هوانها ألقوها . قال : والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ) اخرجه الحاكم في مستدركه وصححه ، وابن ماجة والترمذي ولمسلم نحوه .

 وقال صلى الله عليه وسلم ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها ) أخرجه ابن ماجة والترمذي وحسنه ، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) .

وأخرج الحاكم في مستدركه وصححه وأحمد والبزار والطبراني وابن حبان : ( من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى )

وأخرج مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى " ألهاكم التكاثر "  ( يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت )

وقال صلى الله عليه وسلم ( الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ) أخرجه الإمام أحمد بإسناد جيد

وروى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاء بمال من البحرين فسمع الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال : ( أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء ؟ قالوا أجل يا رسول الله ، قال : فأبشروا وأملوا ما يسركم ، فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم ) .

وأخرج الحاكم في مستدركه وصححه بسنده عن زيد بن أرقم قال ( كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب ، فأتي بماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه وسكتوا وما سكت ، ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته . قال : ثم مسح عينيه فقالوا : يا خليفة رسول الله ما أبكاك ؟ قال : كنت مع رسول الله فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت : يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال : هذه الدنيا مثلت لي ، فقلت لها : إليك عني ، فقالت : إنك إن أفلت مني ، لم يفلت من بعدك ) .

وفي حديث لأبي الدرداء أخرجه الشيخان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيتم كثيرا ، ولهانت عليكم الدنيا ، ولآثرتم الآخرة) قال أبو الدرداء : ( لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة ، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم ، مالكم تناصحون في أمر الدنيا ولا تناصحون في أمر الآخرة ؟ لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك لأموركم ، فإن قلتم : حب العاجلة غالب ، فإنا نراكم تدَعون العاجلة من الدنيا للآجلة منها ، تكدون أنفسكم بالمشقة في طلب أمر لعلكم لا تدركونه .. والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم ، إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم ، وتأخذون بالحزم في أموركم . مالكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم ، وتسمونها المصائب ، وتقيمون فيها المآتم إني لأرى الله قد تبرأ منكم ، يلقى بعضكم بعضا بالسرور ، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله ، فاضطجعتم على الغل ، ونبتت مراعيكم على الدمن ، وتصافيتم على رفض الأجل ، فإن كان منكم خير فقد أسمعتكم ، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا ، وبالله أستعين على نفسي وعليكم ).

وفي صحيح البخاري : بسنده عن أبي ذر من حديث طويل : قال: خَرجتُ ليلةً من الليالي، فإذا رسولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَمشي وَحدَهُ وليس معَهُ إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلتُ أمشي في ظِلّ القمر، فالتفَتَ فرآني فقال: من هذا ؟ قلتُ: أبو ذر جَعَلني الّلهُ فِداءَك. قال: يا أبا ذر، تعال. قال: فمشَيْتُ معهُ ساعة، فقال لي: إن المكثرينَ همُ المقلون يومَ القيامة، إلا من أعطاهُ اللّه خيراً فنفَح فيهِ يمينَهُ وشِماله، وبين يدَيهِ ووراءَه، وعملَ فيه خيراً. )

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم :  بسنده عن سمرة بن جندب   رضي الله تعالى عنه   قال   كان رسول الله   صلى الله عليه وسلم يقول : هل رأى أحد منكم رؤيا قال فيقص عليه من شاء وإنه قال ذات غداة إنه أتاني الليلة اثنان ملكان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي : اضرب مثل هذا ومثل أمته ، فقال إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر ، انتهوا إلى رأس مفازة ، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل مرجل في حلة حبرة ، فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة،  وحياضا رواء ، أتتبعوني ؟ فقالوا : نعم ، فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة ، وحياضا رواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا ، فقال لهم : ألم ألقكم على تلك الحال فقلت لكم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني ؟ فقالوا : بلى ، فقال : إن بين أيديكم رياضا أعشب من هذا وحياضا أروى من هذه فأتبعوني فقالت طائفة صدق والله لنتبعن ، وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه . ) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ومثله في مسند الإمام أحمد .

وأخرج مثله ابن أبي الدنيا بسنده عن الحسن رضي الله عنه قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا : ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي ؟ أنفدوا الزاد ، وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة ، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة تقطر رأسه ، فقالوا : هذا قريب عهد بريف ، وما جاءكم هذا إلا من قريب ، فلما انتهى إليهم قال : يا هؤلاء . فقالوا : يا هذا .. فقال : علام أنتم ؟ فقالوا على ما ترى . فقال : أرأيتم إن هديتم إلى ماء رواء ورياش خضر ما تعملون ؟ قالوا لا نعصيك شيئا . قال : عهودكم ومواثيقكم بالله . فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا . قال : فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا ، فمكث فيهم ما شاء الله ، ثم قال : يا هؤلاء .. قالوا : يا هذا .. قال : الرحيل : قالوا إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم ، وإلى رياض ليست كرياضكم .

فقال : أكثرهم : والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أننا لن نجده ، وما نصنع بعيش خير من هذا ؟

وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا الرجل عهدكم ومواثيقكم  بالله ألا تعصوه شيئا ، وقد صدقكم أول حديثه ، فو الله ليصدقنكم في آخره . فراح فيمن اتبعه ، وتخلف بقيتهم ، فبدرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير و قتيل ) أنظر إحياء علوم الدين للغزالي ج 3

أليس حال المسلمين المعاصرين هم الذين التصقوا بفترة الراحة ونسوا العهد ، فخاب مسعاهم في الحالين ؟

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( المؤمن يأكل في معىً واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) متفق عليه . ولا يعني هذا أن هناك فرقا  تشريحيا بين أمعاء المؤمن وأمعاء الكافر ، وهو لا يعني بالضرورة - أن كمية الطعام التي يتناولها الكافر أضعاف التي يتناولها المسلم ، ! في بعض الحالات ؟ نعم ، عندما تكون المقارنة بين مؤمن زاهد وكافر جشع ، ولكن في أحيان أخرى قد لا يطرد هذا القياس.

إن المقصود أن المؤمن يقبل على الدنيا في اقتصاد ، أو من باب واحد ، أما الكافر فإنه يقبل عليها من جميع أبوابها ، وأقطارها ، وجهاتها ، لا يترك ثغرة إلا ويلج منها ، ولا بابا إلا ويطرقه ، لأنها هي فرصته ، ولأنها هي حياته ، ولأنها هي هدفه ، ولأنها هي رأسماله ، ولأنها هي كل شيء بالنسبة إليه : ما تضيع منها دقيقة بغير استمتاعه إلا كانت خسارة بالنسبة إليه ، حتى في الأكل فإنه لا يأكل لغرض واحد ( هو دفع الجوع ،  والضعف .. ) وإنما يأكل لأن هذا ناعم وهذا خشن ، أو لأن هذا أحمر أو أسود ، أو أصفر ، أو لأن هذا مهدئ وهذا مثير ، أو لأن هذا نادر ، وهذا كثير ، أو لأن هذا حلو وهذا مر وهذا مز ، وهذا مالح ، وهذا حامض ، أو لأن هذا ذو نكهة أو رائحة ورائحته هادئة أو نافذة أو مثيرة 

أما المسلم فمن شأنه أن يستمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم ( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن كان لابد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسه ) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة .

وجاء في سنن ابن ماجة بسنده  عن أنس بن مالك¹ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ».قال في مصباح الزجاحة في زوائد ابن ماجة :  هذا إسناد ضعيف رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع، والبيهقي ، وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا ، وحسنه غيره ، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق يحيى بن عثمان عن بقية بن الوليد به وضعفه بنوح بن ذكوان.

وأخرج الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ( ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " )

واخرج ابن أبي الدنيا أنه صلى الله عليه وسلم : أصابه جوع يوما ، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ، ثم قال ( ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا رب مهين لنفسه ، وهو لها  مكرم )

وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي هريرة قال : ( ما أشبع النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا ) ، وما كان ذلك من عوز أو حاجة أو حصار ، وإنما هو الجوع الإرادي عن اختيار .

وفي هذا الجوع يقول سهل بن عبد الله التستري وكأنه يصف لنا الدواء العصري لأمراضنا العصرية ( اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه ، وقتلها ، بالجوع والسهر والجهد )

ليس هذا كما قد يظن دعوة إلى الفقر وفتح باب الجدل الذين كان قائما  بين أهل اليسار الذين يشنعون على الدين بأنه أفيون الشعوب ، وحليف البورجوازية مثلا وبين دعاة الإسلام العصريين الذين قد يبادرون إلى الاستشهاد بكلمة علي رضي الله عنه ( لو كان الفقر رجلا لقتلته ) كلا ، ولكنه دعوة إلى المجاهدة وإعادة زينة الحياة الدنيا ومتعها إلى وضعها الصحيح بالإرادة ، وليس بالاضطرار ، ليس الجوع هنا جوع الحاجة ، ولكنه جوع الاستغناء ، إنه الجوع الذي يعود على الجسد بالصحة ، وعلى النفس بالاستقامة ، وعلى الإرادة بالعافية . كما هو شأن التربية الرمضانية

يقول الإمام الغزالي : ( إن من تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له آخذا بمخنقه ، يسأله كل يوم : ما ذا تأكل اليوم فيكتسب من الحرام فيعصى .. أو من الحلال فيذل .. وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل والقماءة .

وقال بعض الحكماء : إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون أروح لقلبي .

وقال آخر:إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة.)[1]

ومما تقدم نقول : مهما يكن فإن المسلمين ولو خالفوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم  لا يمكن أن يتناولوا الدنيا كما يتناولها الكافر : لأن فيهم كوابح إيمان ما تزال منتشرة في أنحاء ثقافتهم ، إنه يستحيل علينا ولمئات السنين القادمة - عل  الأقل مهما تقدمنا أو تخلفنا   أن نتناول الدنيا كما يتناولها الكافر .

وبيت القصيد في قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرنا أعلاه : (.. وأتته الدنيا وهي راغمة ) ولكن بعد أن ( جعل الآخرة همه  .. ) .

فما معنى هموم الآخرة ؟

إننا عندما نتحدث عن هم الآخرة فإنما نتحدث عنه في إطار الإسلام .

فهو ليس هما انسحابيا أو هروبيا ، ولكنه هم إيجابي استعلائي به يستعلي المسلم ليقود الدنيا في الطريق إلى الآخرة .

من هموم الآخرة  :( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) سنن ابن ماجة - :لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة

من هموم الآخرة : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) صحيح البخاري - :لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة

من هموم الآخرة : طلب الرزق الحلال بالعمل الصالح  «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاّ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ ،  أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ ، أَوْ دَمٍ مُوْجِعٍ ». سنن ابن ماجة -لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة 

ومن هموم الآخرة : ألا يحتكر طعاما ، وأن يشبع جاره :  «من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برىء من الله تعالى، وبرىء الله تعالى منه، وأيما أهل عرْصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى» مسند أحمد . لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة 

من هموم الآخرة : الرفق والصدق والوفاء والإحسان ومخالطة الناس والصبر على أذاهم ، لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة 

من هموم الآخرة :أن يحاسب نفسه : في مأكله ومشربه : هل اتقى فيه الحرام وابتعد عن الشبهات ؟ في جوارحه : فيما نظر إليه ، أو استمع له ، أو امتدت إليه يده أو رجله ؟ لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة 

من هموم الآخرة  : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - عن خطرات قلبه ووساوس عقله وما عقد عليه العزم وما استقرت عليه نواياه

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في وظيفته هل قام فيها بغاية ما يمكنه من إتقان ؟ أو امتنع عن الإتقان لأن الجزاء الدنيوي ممنوع أو قليل ؟ هل كان حريصا على مصلحة عملائه أو جمهوره أو طلابه ؟

من هموم الآخرة :أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في عمله بمصنعه ؟ في تجارته ؟ في مشروعاته الاقتصادية ؟ هل تعامل بالربا ؟

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في رعايته لأسرته : هل يترك أولاده للتيارات والشهوات من حولهم ؟ هل يترك امرأته لنفسها وما يحوم حولها من مؤثرات وما يثقل كاهلها من مسئوليات ؟

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في صلته لرحمه ؟ ( ليس الواصل بالمكافيء ولكن الذي إذا قطعت رحمه وصلها ) صحيح البخاري

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في علاقته بأصدقائه ؟ وجيرانه في المسكن ؟ وجيرانه في الطريق ؟ وجيرانه في الوظيفة ؟ وجيرانه في المصنع ؟ وجيرانه في المتجر ؟ وجيرانه في المزرع ؟ 

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في سعيه لقضاء مصالحه هل سعى إليها بالنفاق أو المحسوبية أو الأنانية أو الرشوة ؟

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب - في مشاركته لأهل بلده ووطنه أمورهم : في التأييد هل كان يرعى الله ؟ في المعارضة هل كان يرعى الله ؟ في إبداء الرأي هل كان يرعى الله ؟

من هموم الآخرة : أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في اهتمامه بأمر المسلمين في العالم ؟ هل كان يتابع أحوال المسلمين في فلسطين والعراق ، ويحس بأحوالهم ويحزن لأحزانهم ؟ هل جاهد أو حدث نفسه بجهاد ؟

من هموم الآخرة :  أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب- هل يتابع أحوال المسلمين وما يحدث لهم من ويلات : في كشمير والبوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان وأفغانستان والفيلبين وبورما والصين وبلغاريا وقبرص وفرنسا وبريطانيا وأمريكا وأريتريا ونيجيريا والسودان وجنوب أفريقيا والقوقاز إلخ ؟

من هموم الآخرة :  أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب- في اهتمامه بأمر الضعفاء من المسلمين في بلده وغير بلده : بالفقراء والمهاجرين واللاجئين واليتامى والأيامى والشيوخ والنساء والأرامل والمحتاجين والتائهين والمضلَّلين ؟

من هموم الآخرة :  أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب- في اهتمامه بقضايا المخدرات والتعذيب والتزوير والسلب والنهب ؟ هل قدم مساعدة أو فكر في تقديم مساعدة ؟ هل فرح لله أو حزن لله ؟ هل انشغل أو تلهى ؟

من هموم الآخرة :  أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب- في أمور دينه : هل اهتم بأخذ فتواه من مصدر الفتوى الذي يطمئن إليه قلبه لاتصافه بالعلم والتقوى معا ؟ أم التقط الفتوى من المصدر الذي عينته سلطة لا يعترف هو بجدواها ؟ أم التقطها من المصدر الذي يتفق مع هواه ؟

من هموم الآخرة  :توجيه كل عمل من أعماله في هذه الحياة إلى وجه الله والحصول على رضاه ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت )162 الأنعام :  لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة 

من هموم الآخرة :  أن تحاسب الأمة نفسها قبل أن تدفع الثمن في الدنيا والآخرة هل حاسبت نفسها أمام الأحداث التي تعرضت لها على مدار القرن الحالي ؟

في سقوط الدولة الإسلامية في بداية القرن الماضي ؟ في خضوعها للاستعمار وعملاء الاستعمار وعملاء العولمة ؟ في استسلامها لتيارات الشيوعية والدكتاتورية والعلمانية والصهيونية والانحلالية ؟

هل كان الأفراد يحاسبون أنفسهم ؟ هل كانت الجماعة تحاسب نفسها ؟ هل قاومت باليد ؟ أو باللسان ؟ أو بالقلب ؟ أم أنها كانت تستمتع : بالجهل تارة ؟ والنفعية تارة والسليبة تارة أخرى ؟

من هموم الآخرة :  أن يكون المسلم أشد محاسبة لنفسه من التاجر الشحيح ، وان يحاسب نفسه قبل أن يصير حسابه إلى غيره

ذلك كله لأنه من هموم الآخرة أننا محاسبون : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ، فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول : هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ، فهو في عيشة راضية ، في جنة عالية ، قطوفها دانية ، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية

 وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ، ولم أدر ما حسابية ، يا ليتها كانت القاضية ، ما أغنى عني مالية ، هلك عني سلطانية ، خذوه فغلوه ، ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ، إنه كان لايؤمن بالله العظيم ، ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين  )  18-36 الحاقة .

من هموم الآخرة التي تشغل بال المسلم  :الجهاد في سبيل الله لأنه محاسب عن ذلك الجهاد في الآخرة.    

من هموم الآخرة : ( الدين النصيحة ) مسند أحمد وغيره - لأنه محاسب عن ذلك في الآخرة .

من هموم الآخرة :  الأخذ بمبدأ الشورى كأخذهم بفريضة الصلاة وتجنب كبائر الإثم والفواحش ( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، وإذا ما غضبوا هم يغفرون ، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) 36-38 الشورى :  لأننا محاسبون عن ذلك في الآخرة

من هموم الآخرة : توفير فرص العمل للشباب وقاية من البطالة والتسول : جاء في سنن ابن ماجة بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ. فَقَالَ: «لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟» قَالَ: بَلَىَ. حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ. وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ. قَالَ: «ائْتِنِي بِهِمَا» قَالَ, فَأَتَاهُ بِهِمَا. فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ. ثُمّ قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟» مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً. قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيّاهُ وَأَخَذَ الدّرْهَمَيْنِ, فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيّ, وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاماً فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ. وَاشْتَرِ بِالاَخَرِ قَدُوماً, فَأْتِنِي بِهِ» فَفَعَلَ. فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. فَشَدّ فِيهِ عُوداً بِيَدِهِ وَقَالَ: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلاَ أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً» فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ. فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ. فَقَالَ: «اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَاماً وَبِبَعْضِهَا ثَوْباً». ثُمّ قَالَ: «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاّ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ, أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ, أَوْ دَمٍ مُوْجِعٍ» : لأننا محاسبون عن ذلك في الآخرة 

من هموم الآخرة : التكافل الاجتماعي ،: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَىَ مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ, وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَىَ مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ ،  حَتّىَ رَأَيْنَا أَنّهُ لاَ حَقّ لأَحَدٍ مِنّا فِي فَضْلٍ  . صحيح مسلم

ومن هموم الآخرة : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم  ) 60 الأنفال . لأننا محاسبون عن ذلك الإعداد لأقصى مداه : محاسبون عن ذلك في الآخرة .

ومن هموم الآخرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ففي سنن الترمذي بسنده عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» . وفيه أيضا بسنده  عن أُمّ سَلَمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أَنّهُ ذَكَرَ الْجَيْشَ الّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ، فقالت أُمّ سَلَمَةَ: لَعَلّ فِيهِمْ المُكْرَهُ, قال: «إِنّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيّاتِهِمْ».

وفي سنن أبي داود بسنده عن ثَوْبَانَ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قالَ : بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُيرٌ ،  وَلَكِنّكُم غُنَاءُ كَغُنَاءِ السّيْلِ ، وَلَيَنْزِ عَنّ الله مِنْ صُدُورِ عَدُوكُمْ المَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ ، فقالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ ؟ قالَ: حُبّ الدّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ».

قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود : " تداعى الأكلة إلى قصعتها "  أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوا ، صفواً كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم ، أليس هذا ما تفعله بنا اليوم إسرائيل وأمريكا وأوربا ؟  .

" أن تداعى عليكم " : أي يدعو بعضهم بعضاً إلى الاجتماع لقتالكم وكسر شوكتكم ليغلبوا على ما ملكتموها من الديار ،  كما أن الفئة الاَكلة يتداعى بعضهم بعضاً إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير مانع فيأكلونها صفواً من غير تعب . أليس هذا ما تفعله بنا اليوم إسرائيل وأمريكا وأوربا ؟  .

(الوهن): أي الضعف ،  وكأنه أراد بالوهن ما يوجبه ، ولذلك فسره بحب الدنيا وكراهة الموت .  قال الطيبي رحمه الله : سؤال عن نوع الوهن أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن (قال حب الدنيا وكراهية الموت) : وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين ، ونسأل الله العافية.. اهـ

أليس هذا الوهن هو ما نعيشه اليوم تحت شعار : العولمة بينما العدو  إنما يصدر إلينا هذا الشعار بعد أن رسخوا أيديولوجيتهم ، ورسخوا مشروعهم الثقافي ، ورسخوا مشروعهم السياسي ، ورسخوا قواعدهم الاستراتيجية ، ثم اتجهوا إلينا : يغمضون منا العيون ؟

حب الدنيا وكراهية الموت .

لهذا يقول الله تعالى ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منك خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) 25 الأنفال ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) 16 الإسراء 

نحن إذن محاسبون أفرادا ومحاسبون جماعات وأجيالا ، وأمما ، وفي كل ذلك لا بد من جزاء ، ولابد من فاتورة حساب ، تدفع اليوم ، وتدفع غدا ، وتدفع أمام الله يوم القيامة

في هذه الأمور وغيرها من هموم الآخرة  علينا أن نجلس إلى أنفسنا جلسة الحساب .

وفي هذه الأمور جميعا يتراوح التقصير بين الكبيرة والصغيرة ، والصغائر تتحول بالإصرار إلى كبائر

والتقصير في هذه الأمور يتحول عند الفرد إلى غشاوة تلف القلب ، أو نكتة سوداء تظل تتكاثف شيئا فشيئا إلى أن تصير حجابا غليظا يحول بين المرء وبين طريق الهداية والتوبة ، وتقذف به إلى سوء المصير .ففي ما رواه الإمام أحمد بسنده عن ربعي بن حراش عن حذيفة: «أنه قدم من عند عمر قال: لما جلسنا إليه سأل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أيكم سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن ؟ فقالوا: نحن سمعناه، قال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله ،  قالوا: أجل . قال: لست عن تلك أسأل ، تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة ،  ولكن أيكم سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن التي تموج موج البحر؟ قال: فأمسك القوم ، وظننت أنه إياي يريد ، قلت: أنا، قال لي: أنت لله أبوك ،  قال: قلت: تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير ، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء ، وأي قلب اُشْرِبها نكتت فيه نكتة سوداء ، حتى يصير القلب على قلبين ،  أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والاَخر أسود مربد كالكوز مخجياً ،  وأمال كفه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما اُشْرِبَ من هواه ».

   وهو أي هذا التقصير يتحول بالنسبة للأمة إلى تدهور ، رتيب لا يمكن الإحساس بمراحله القصيرة .. ولكنه يصبح واضح الأثر عند القياس على المسافات الكبيرة ، ويصبح على الأمة في مجموعها أن تدفع فاتورة الحساب : من أمنها ؟ وإرادتها ؟ وكرامتها .

لسنا محتاجين إذن بعد صياغة الرسول صلى الله عليه وسلم للعلاقة بين الدنيا والآخرة في وجدان المسلم وضميره ( من .. كانت الآخرة همه ، .. وأتته الدنيا وهي راغمة )  .. لسنا محتاجين إلى صياغة جديدة ، ولا إلى إعادة صياغة ، لسنا محتاجين إلى الهرولة نحو صياغة التعادل بينهما ، أو صياغة الوسطية بالذات ، أو ما شابه ذلك مما جعلنا ندلف إلى غير الساحة الإسلامية .   

( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) 235 البقرة ، ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) 18 الحشر   (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب )  202 البقرة

وجهان للدنيا:

ومن هنا نفهم : أن الدنيا لا تأتي بوجه واحد ، وإنما بوجهين : أحدهما للكافر والآخر للمسلم

فهي بالنسبة للكافر يقصدها خالصة فتأتيه خالصة : ( نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون )16 هود ، وهي مؤقتة ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين ) 43-45 الأنعام ( ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ) رواه الترمذي

وهي بالنسبة للمنهج الإسلامي للمسلمين يقصد فيها المسلم الآخرة فيكون له منها نصيب : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) 32 الأعراف ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا  ) 77 القصص ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ) 2-4 هود ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) 96 الأعراف 

 ( وأتته الدنيا وهي راغمة ) رواه الترمذي

والله أعلم            

[1] \ إحياء علوم الدين ج3 ص 85

إلى صفحة المقالات