" انفصال " تيمور الشرقية..نموذج كلاسيكي لتفتيت دولة إسلامية

طلعت رميح

قال تعالى : وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى

 

"استقلال " تيمور الشرقية أو بالدقة فصلها عن جسدها الجغرافي والسياسي والحضاري فى إندونيسيا ، الذى أعلن رسميا فى إحتفال حضره الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس وزراء استراليا وآخرين فى 20 مايو الحالى،يجرى تناوله فى عالمنا العربى والإسلامى من زوايا عدة: هناك من سار فى خط الدفاع عن " استقلال " هذا الشعب "المضطهد "من الجيش الإندونيسى المحتل ،وصار يشغل نفسه برقم هذه الدولة فى قائمة المنضمين إلى الأمم المتحدة.وهناك من تركز إهتمامه على تأثير الحكم الشمولى وغير الديموقراطى أو الذى لا يحترم خصوصيات الأقليات على استقرار الدول والحفاظ على جغرافيتها السياسية . وهناك من رأى فيها نموذج ودليل آخر على سياسة الكيل بمكيالين فى السياسة الدولية من خلال مقارنة مواقف الغرب والأمم المتحدة عموما والولايات المتحدة خصوصا من تحرير فلسطين –أوحتى إعلان الدولة الفلسطينية -أومن قضية  إستقلال كشمير والشيشان والبوسنة والهرسك، بمواقفها من إستقلال تيمور الشرقية، و بمقارنة الموقف الدولى من الحركات الجهادية المطالبة بتحرير هذه الدول أو حتى الحركات التى رفضت إنفصال تيمور الشرقية، بالموقف من الحركات التى سعت لانفصال تيمور الشرقية ..حيث اعبرت الحركات الجهادية الاسلامية ارهابية-حدث هذا قبل أحداث 11 سبتمبر-وإعتبار الثانية حركة تحرير وطنى.

واذا كانت النظرة الثانية أصح من النظرة الاولى -التى هى تعبير عن حالة الغيبوبة العقيدية والسياسية والحضارية التى أصيب بها بعض أفراد النخب –فإن البعد الأهم والأخطر الذى تطرحه قضية استقلال تيمور الشرقية..البعد الأهم من مسألة فضح السياسة الامريكية والغربية والأمم المتحدة من منظور سياسة الكيل بمكيالين ..هو النظر لما جرى باعتباره نموذجا -كلاسيكيا –متكاملا للمخطط الغربى لتفتيت دولة اسلامية ،جرى عبر خطة وزمن متطاول وبتعرجات معقدة وباستخدام كل الوسائل.وأهمية النظر لما جرى من هذه الزاوية ياتى من ان" عملية " استقلال تيمور الشرقية نموذج سيتكرر فى مناطق اخرى فى اندونيسيا ..ونموذج جرى –ويجرى-العمل على اساسه فى مناطق كثيرة من العالم العربى و الاسلامى ، منها ما يجرى فى جنوب السودان وفى جنوب الجزائروفى العراق ولبنان بل وسوريا ومصر ايضا. إن فهم هذه التجربة الحية تعيد تصور وفهم ما جرى فى جنوب الفلبين بالصوت والصورة وهو يلقى أكثر الأضواء إبهارا على ما يجرى هناك الآن. كما أنه يلقى ضوءا كاشفا على الخطة الأمريكية والغربية المعتمدة كسياسة كونية تستهدف تفتيت الدول الأخرى فى العالم خلافا لما ساد من فهم للإستراتيجية الغربية فى السابق من أنها تخشى تفتيت الدول وأن ترى أن الافضل للدول الغربية هو وجود واستقرار الدول المستقلة - نموذج الدولة/الأمة - الذي يسهل لها السيطرة على هذه الدول ويحقق الاستقرار الداخلي بها لتنمية الاستثمارات الغربية الضخمة في العالم الثالث.

 لماذا تيمور الشرقية

من يطالع خريطة اندونيسيا ويضع اصبعه على تيمور الشرقية يدرك على الفور الاهمية البالغة لهذه الجزيرة ضمن جزر الارخبيل الاندونيسى. فهى فى موقع مركزى بين بقية جزر اندونيسيا وقارة استراليا فى الجنوب والفلبين فى الشرق ، ومن يسيطر عليها يسيطر على الطرق البحرية فى هذه المنطقة الاستراتيجية من المحيط الهادى ، كما يمكنه أن يهدد كلا من الفلبين واندونيسيا .وتيمور الشرقية تقع فى منتصف المسافة تقريبا بين الجزر الغربية الإندونيسية الكبرى (جاوة وسوماطرة وسولاوبرى وكليمتان) وبين إيريان جايا فى شرق البلاد ، اى أن قيام دولة فى هذه الجزيرة يعنى فصل جزر الدولة الإندونيسية عن بعضها البعض فما بالنا إذا كانت هذه الدولة تنشا وتقوم  تحت السيطرة الغربية أو تحت الهيمنة الكاملة لإستراليا . وانفصال تيمور الشرقية انما يدعم مطالب الانفصال التى تتردد اصداءها فى الكثير من جزر اندونيسيا خاصة  فى جزيرة ايريان التى تملك ثروات طبيعية ضخمة من النفط والغاز والذهب والنحاس وجزيرة اتشيه الغنية بالبترول.ان تيمور الشرقية مفتاح لفتح باب جهنم فى اندونيسيا التى يبلغ عدد سكانها 200 مليون نسمه منهم 90 % مسلمين والباقى بين مسيحيين وديانات وثقافات أخرى أهمها البوذية وتتعدد فيها اللغات حتى أن البعض يقدرها   365 لغة وحيث  يعيش السكان فى 6000 جزيرة فقط من بين عدد جزرها البالغ13600 جزيرة .

هذه الأهمية الإستراتيجية لتيمور الشرقية هى الأساس  الذى جرى بسببه تكثيف الجهود الغربية لفصلها من جسد إندونيسيا وجعلها دولة تحت السيطرة الغربية الكاملة أما الجزيرة نفسها فهى لا تمتلك مقومات لبناء دولة مستقلة ، لا سكانيا حيث لا يزيد عدد سكانها على 800 ألف نسمة – رحل ما يقارب نحو 20% من السكان الذين رفضوا الإنفصال بعد ان تعرضوا للمذابح - ولا إقتصاديا حيث كانت تعتمد على 80% فى مداخيل إقتصادها على الدولة الأم اندونيسيا ،ولا جغرافيا حيث مساحتها لا تزيد على 14 ألف كيلو متر مربع لاغير من بين 1.8 مليون كيلو متر مربع هى مساحة اندونيسيا.

ماذا جرى

لقد جرى الأمر ببطء .فتيمور الشرقية التى كانت محتلة من قبل الاستعمار البرتغالى لمدة 3 قرون متصلة ، جرى الإنسحاب البرتغالى منها مفاجئا فى عام 1974- ضمن حركة إنسحابها من مستعمراتها كما هو الحال فى إفريقيا- فقامت القوات الإندونيسية بدخولها لتصبح ضمن كيان الدولة الإندونيسية ولتنشأ ضدها حركة إنفصال كعادة الإستعمار حيث لا يترك بلدا إلا وأوجد فيه إما حركة انفصال أو مجموعة من عوامل التوتر ومصادر الإضطراب العرقى او الطائفى.وفى الفترة بين عامى 1974 -1999 كان هناك ثلاثة إتجاهات تسير جنبا إلى جنب .فى الإتجاه الأول كانت حركة التبشير المسيحى تجرى بخطوات وإمكانيات هائلة حيث زاد عدد الكنائس(كمؤشر على ذلك) من 100 كنيسة فى عام 1974 إلى 800 كنيسة فى عام 1996 ،كما جرى تغييرا هائلا فى  عدد المسيحيين (كاثوليك وبروتستانت) فى عام1974 نحو 211الفا فزاد عددهم فى عام 96 ليصبح نحو 796 الفا اى ثلاثة اضعاف على حساب الديانات والثقافات والعقائد الاخرى وقد كان  لبابا روما دورا بارزا ومباشرا  فى ذلك . ونشير هنا إلى أن أهم قادة العمل الإنفصالى-جيسماو كان فى السجن- والذى دعى مباشرة "للثورة " الشعبية المسلحة عام 1999 التى تدخلت الدول الغربية بعدها لتفرض التصويت على الاستفتاء على الإنفصال، هو الإسقف بيلو الذى إستقبله البابا وأعلن مسئوليته عن الكنيسة فى تيمور الشرقية من قبل.وهذا الإسقف هو نفسه الذى منح فيما بعد جائزة نوبل للسلام .وفى الاتجاه الثانى دخلت أستراليا على الخط وكانت البديل للإستعمار البرتغالى فقامت بإمداد الحركة الانفصالية بكل انواع الدعم المالى والعسكرى والسياسى ..ووفرت لها الغطاء الدولى وكانت هى المشرفة على القوات الدولية التى أشرفت على عملية الانفصال (وقد اتهمها بن لادن فى نوفمبر 2001 بأنها عادت الإسلام خلال قيادتها لقوات حفظ السلام فى تيمور الشرقية وإتهمها بالقدوم بقواتها لتحقيق إنفصال تيمور الشرقية).

وفى الإتجاه الثالث كانت إندونيسيا تضعف إلى أن جاءتها الضربة الإقتصادية الكبرى على يد جورج سوروس اليهودى الأشهر فى عالم مؤامرات ضرب الإقتصادات الدولية ، فإنكسر نظامها السياسى والإجتماعى وهبطت الأسهم والعملة .كانت الفرصة قد أصبحت سانحة فظهرت العصا والجزرة .فى العصا جرت عشرات التهديدات لإندونيسيا كموج البحر متتالية .هددت فرنسا وهددت استراليا  على لسان مسئوليها- دول الآسيان والباسفيك هددت بالتدخل العسكرى- بالتدخل الدولى وأمهلت إندونيسيا 48 ساعة فقط للرد بالموافقة على طلب السماح بتنظيم استفتاء على الانفصال قبل اللجوء إلى الأمم المتحدة لفرض عقوبات عليها أو بالتدخل العسكري ضدها .

وفى المقابل كانت الجزرة .دخل البنك الدولي على الخط معلنا أنه سيمنح إندونيسيا مبلغ ال42 مليار دولار المطلوبة لإصلاح إقتصادها المخرب حال موافقتها على انفصال تيمور الشرقية .رضخت اندونيسيا وأعلنت موافقتها على إستفتاء السكان على البقاء ضمن الدولة الإندونيسية أو الإنفصال  وكانت الموافقة بكل المعانى  إعلان بالموافقة على الانفصال حيث جاءت الموافقة مشمولة بكل القواعد التى تكفل التصويت على الإنفصال .حيث جرى اعطاء حق التصويت لكل شخص بلغ السابعة عشرة من عمرة ولد فى تيمور الشرقية أو ولد فيها أحد والدية أوولدت فيها زوجته أو أحد والديها..الخ.

تفتيت اندونيسيا

نموذج كلاسيكى لتفتيت دولة إسلامية ما جرى.حيث استخدام التبشير وخلق مشكلات داخلية تأخذ الصبغة الطائفية ودعم حركات الانفصال بالمال والسلاح وتوفير الحماية الدولية لها واضعاف الدولة الام وتوجيه الضربات لإقتصادها وإفلاسها وإثارة الإضطراب داخلها وحصارها خارجيا وتهديدها عسكريا لترضخ فى النهاية .لكن كل ما جرى ليس إلا البداية فالقادم أخطر .ستكون تيمور الشرقية نقطة الإنطلاق الأقوى لتفتيت إندونيسيا كلها ووضع الجزر واحدة تلو الأخرى تحت السيطرة الأسترالية .

عن موقع طلعت رميح

إلى صفحة المقالات