رسالة إلي الأمين العام لحزب الله:

لماذا الصمت علي دخول إسلاميين الفراش الأمريكي؟

قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ

 

بقلم : ليث شبيلات

 

أخاطبكم في موضوع يحظي بالإجماع الشعبي في بلدي وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي ناهيكم عن مركزيته في الحركة العالمية ضد العولمة، وهو يرتكز إلي ثوابت قومية ودينية وثورية هي في صلب وجدان أبناء الأمة. ولما كان حزبكم العظيم قد وصل في مواقفه وجهاده وبقيادتكم الرائدة إلي أعماق وجدان أبناء الأمة ونجح في تحرير الأرض اللبنانية المحتلة فقد تضاعفت بذلك مسؤولياته الفكرية والسياسية. فإضافة إلي مسؤولياته العملياتية في الساحة اللبنانية أصبحت مواقفه السياسية علي المستويين القومي والإسلامي تحت المجهر أكثر وأكثر، يحاسبه ضمير الأمة الجمعي علي المقاييس التي أحبه من أجلها واحترمه بسبب منها. فما قتل المتنبي إلا شعره الذي ألزمه الموقف الذي ساقه إلي الحتف ولو هرب لسقط ولسقط شعره ولسقط قوله: الخيل والليل والبيداء تعرفني... ونحن المهتدون بالعقيدة والمتمسكون بمبادئ أهم ثورة في العصرالحديث أولي بأن نكبل بمعتقداتنا ونلزم الموقف الذي كان في أمسنا هو الموقف الصحيح. فلا مناورة في الموقف الاستراتيجي كما هو موقفكم وموقفنا من أصحاب ما يسمي بالمسيرة السلمية في فلسطين إنما المناورة في ما دون ذلك.

لقد بات واضحاً للصغير والكبير مدي التناقض الذي أوقع ثوار الأمس أنفسهم فيه، وكنا قد رأينا ذلك التوجه الخطير منذ صيف عام 1990 وتمنينا أن نكون مخطئين فيه وهرعنا إلي ساحة أحبابنا مستطلعين ناصحين، فما عدنا إلا بخفي حنين، ولكننا بقينا نمني النفس بأن بروز التناقض في المنطقة علناً وبوضوح سيدفع بالثوريين والمتمسكين بحب الإمامين الحسين عليه السلام والخميني رضوان الله عليه إلي الخندق الذي يرضي الأئمة ومن قبلهم الرسول الأعظم صلي لله عليه وسلم، إلا أن الأمر استفحل وازداد سوءاً. لذلك وأمام الخطر الماحق الذي تتعرض له ثوابت الثورة فإن المرشح لأن يكون هادياً مهدياً لا ضالاً ولا مضلاً هو حزبكم العظيم وشخصكم الكريم، وإنها لمسؤولية تاريخية وابتلاء من الله لكم عظيم أن تعلنوا الموقف العقائدي والثوري والوطني الصحيح فيما يخص الاحتلال الأمريكي النجس للعراق، الموقف الشرعي الذي لا يختلف حوله إلا الضالون المضلون والمتمثل بـ: إذا احتلت أرض المسلمين فإن الجهاد (وليست المقاومة السلمية) يصبح فرض عين لا مجال لأي تردد بشأنه، يلبي النداء الواجــب كل فرد ذكر أو أنثي دون إذن من والد أو حاكم أو شيخ أو ملا أو عالم أو أي ولي أمر آخر. ولا طاعة لمخلوق في معصــية الخالق .

لم أتفاجأ شخصياً بموقف ورثة الثورة العظيمة بالاعتراف بمجلس الحكم في العراق مع أنني والملايين من أبناء الأمة يعتقدون أن الاعتراف بالشاه أهون بدرجات من الاعتراف بخونة العراق الذين أتت بهم الدبابات الأمريكية ونصبتهم حكاماً أراجوزات علي العراق العظيم وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً، حتي العطسة يعطسونها بإذن قيصرهم بريمر. لم أتفاجأ لأنني منذ زيارتي الأولي لإيران في عام 1990 اكتشفت أن المنطق الذي بات يحكم السياسة الإيرانية لن يوصل إلا لمثل هذا الموقف وها قد ثبت صدق ما استشرفت والذي كنت أدعو الله سبحانه أن لا يثبت.

 

بكل الألم أنعي لنفسي وللأمة ثورة كانت روحنا وحياتنا في الثمانينيات، ثورة أدخلها ورثتها في إغماءة سريرية كانت تتنفس فيه من خلال الموقف الداعم لكم بينما الموت يزحف عليها من قبل المواقف الأخري، موت سريري تطور إلي موت شبه كامل بعد اعتراف ثوار الأمس بمجلس بريمر هذا وكرزاي من قبله، فبعد شعار الموت لأمريكا الذي تلاحظون معي بأنه اختفي في السنوات الأخيرة من الطقوس التي فرضها الإمام الثائر وجعلها جزءا من مظاهرالتعبد ليحمي الثورة والثوار من الانحراف، أصبح الشعار العملي تأييد من يقولون: تعيش أمريكا المنقذة! . ولقد باتت المسؤولية القيادية الفكرية والسياسية عليكم منفردين لإنقاذ الفكر الثوري من السقوط والمعتقد الديني من التلوث، لا يطلب منكم سوي إعلان الموقف الصحيح مما يجري في العراق، كي تتمايزوا عن مسيرة الانحراف المرعب الذي يكاد يدفن مبادئ الثورة والثوار وتنقذوا أبناء الأمة المقلدين لقياداتهم من الضلال الذي يكاد يودي بهم.

عندما خالف الإمام الخميني الاجماع الذي سبب في رأيه تنويم السادة الشيعة سياسياً فأعلن ضرورة وجود نيابة للإمام الغائب ترعي شؤون الناس وتقودهم وأطلق الرأي المنفرد بولاية الفقيه الذي ما زال له معارضون من السادة العلماء، قام بمسؤولية تاريخية لم تمنعه عنها مجاملات زملائه من العلماء الذين كان معظمهم أعلي منه مرتبة في العلم. لقد اتخذ الموقف الصحيح وانتزع راية قيادة الأمة بجدارة ونهض بالأمة من سبات عميق نهوضاً أرهب المستكبرين المستعمرين الكفار. وصدق القائل: من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لا يعلم.

سماحة الأخ الحبيب السيد حسن وإخوانه المجاهدين الأبطال:

ليس فينا خير إن لم نقلها وليس فيكم خير إن لم تسمعوها ولقد بات واجباً علينا إشهار النصيحة لكم حتي يطمئن الناس المذهولون إلي أن هنالك من لا يحابي أحب الناس إليه عندما يتطلب الموقف الشرعي النصيحة. فمن غير المعقول أن نسمع منكم موقفاً يعتبر موقف الخونة المتعاملين مع الأمريكان في العراق بأنه مجرد اجتهاد. نحن نعرفكم جيداً وثقتنا فيكم أشد من ثقتنا بأنفسنا ومن أجل ذلك نناشدكم وبكل قوة أن تصححوا الموقف الذي لا نتهم نيتكم فيه وإن كنا نرفض خروجه منكم معتبرين بأن لكل جواد كبوة. فهل تدعوننا بذلك إلي اعتبار الموقعين علي معاهدات مع العدو مجرد مجتهدين لم يصيبوا؟ رغم أن كل هذه المعاهدات أقل نذالة من إعانة الكافر علي احتلال بلادنا وتنصيبنا حكاماً عليها.

لقد أدان الإخوان المسلمون في العالم أولئك المنتسبين إليهم في العراق الذين شاركوا في مجلس أذناب الاستعمار، وإنكم لمطالبون بإدانة موقف بحر العلوم ومحمد باقر الحكيم الذي عين شقيقه عبد العزيز في مجلس الحكم النجس هذا. لقد أصبحت الخيانة مجرد وجهة نظر. وأصبح موقف هؤلاء دنيئاً إلي درجة اعتبار المقاومة العراقية البطلة مجرد أعمال إرهابية تقوم بها فلول البعثيين ضد المحررين الأمريكان؟ عيب! عيب! ما معني رفض الاحتلال سلمياً؟ احتلال أقر بكونه احتلالاً حتي قرار مجلس الأمن المستخذي للأمريكان. وقبل ذلك ما معني الحياد الإيجابي ومن أية سيرة للإمام الحسين استقاها هؤلاء؟ لو طبق الحسين الحياد الإيجابي مع أبناء جلدته ودينه الأمويين لما كانت كربلاء ولما قام المذهب! فكيف بالحياد الإيجابي مع الروم إذاً؟ أينسف أصحاب المذهب الذي تشكل كربلاء والتمسك بالموقف الصحيح دوراً مركزياً فيه مذهبهم بكل هذه السهولة؟ إن لم يكن هذا نسفاً للمذهب فماذا نسميه إذاً؟ هل يزيد بن معاوية بن إبي سفيان عدو لله وبريمر بن أمريكان خادم للرحمن؟ هل كان الحسين مستعداً للاستعانة بالروم لتحرير بلاد الإسلام من ظلم يزيد؟ ألم يكتب الإمام علي بن أبي طالب وأسد الله الغالب كرم الله وجهه إلي العلج الكبير قيصر الروم وقد بدأ يحرك جيوشه علي ثغور المسلمين: لا يغرنك الذي بيني وبين معاوية، فوالله لو حدثتك نفسك بالغزو لأسيرن إليك تحت راية صاحبي هذا ؟ أين الاقتداء؟ ثم أين الاقتداء؟ ثم أين الاقتداء؟ أم إن الاقتداء اختياري انتقائي؟

هل يحتاج نزول الأعداء أرض المسلمين إلي فتوي بالجهاد؟ أم إن المسألة الشرعية في ذلك بينة واضحة ومحسومة؟ رغم ذلك ألم يضطر السيد الخامنئي في ايلول (سبتمبر) 1990 إلي أصدار فتوي توجب جهاد الأمريكان لطردهم من الخليج ؟ كان ذلك قبل العدوان العسكري الأول علي العراق . لكن الفتوي كان فيها خطأ بل قل خطيئة ربطها بقوله: إذا بقوا مدة طويلة ؟ هل لاحظتم الآن كيف لمحت الانحراف منذ ذلك اليوم فأبرقت له برقية مشهورة نشرت في الصحف أشكره فيها علي الفتوي وانتقد ربطها بمدة زمنية. ولو سلمنا له بالمدة الزمنية جدلاً فإننا نتساءل عن المدة الشرعية المسموح بها لبقاء الأمريكان؟ أليست اثنتا عشرة سنة وثلاث حروب (اثنتان في العراق وواحدة في أفغانستان) كافية لحلول العدة الشرعية؟ لقد صدرت الفتوي عند نزول الجيوش الامريكية في الخليج وقبل إطلاق أية رصاصة. والآن بعد أن احتل العراق وأفغانستان هل يصبح الحكم الشرعي التفاهم مع بريمر ومجلس بريمر؟ وكرزاي وحكومة كرزاي؟ وتسليم المجاهدين الأفغان إلي الأمريكان؟

منذ 1990 اختبأ الخائفون من أمريكا خلف حجة أنهم لا يجاهدون الأمريكان تحت راية صدام، وقد أحرجناهم علناً في طهران في مؤتمر القدس في كانون الاول (ديسمبر) 1990 بقولنا أن باب الجهاد ليس ضيقاً يقف فيه صدام عقبة مانعاً المخلصين منا أن يجتازوه، فلقد حل الأمريكان ضيوفاً ثقلاء علي منطقة الخليج وإن طول شواطئه الإيرانية آلاف الأميال فارفعوا راية جهادهم وسيتبعكم الجمع المؤمن!

وفي رسالة مفتوحة موجهة إلي السيد محمد باقر الحكيم قبل اثنتي عشرة سنة رداً علي رسالة منه، كتبت له: اولئك الآخرون الذين رفضوا سابقاً (وهم علي حق) أن يكون صدام هو العراق والعراق هو صدام ولكنهم ناقضوا هذا الرفض عندما نحروا العراق من اجل ان ينحروا صدام........ ولو كان العراق أعز عليهم من احقادهم علي صدام لقالوا: فليحي العراق ولينج شعبه وارضه من المعاهدات المكبلة حتي لو عاش صدام بدلا من: يهمنا سقوط صدام حتي لو كان ذلك عن طريق رهن الشعب العراقي الي الاعداء لأجيال قادمة . كما ان وقوف (مجاهدي خلق) في خندق واحد مع العراق ضد بلدهم اثناء حرب السنوات الثماني تسبب في حرقهم وفي خسارتهم لأية شرعية عند شعب ايران فان وقوفكم اليوم مثل هذا الموقف الذي لم يطلق رصاصة واحدة في وجه الامريكان الغزاة بل وجه رصاصه كله ضد قيادة بلده وشعبه اثناء هجوم الأعداء علي البلاد قد أسقط التعاطف معكم وقلبه إلي استياء وخجل من تمريغ شعار الاسلام العظيم في مثل هذا الوحل المشين . أرجو أن يرتفع العاملون للاسلام إلي مستوي شعاراته، فالإسلام عملاق ولا يليق أن يحمل شعاراته الا عمالقة 2 نيسان (ابريل) 1991.

إننا لنأسف أشد الأسف عندما لا تدين كثير من المراجع الدينية وكذلك السلطة المنبثقة عن الثورة في إيران دخول إسلاميين إلي الفراش الأمريكي في العراق. فإن اختار هؤلاء مسيرة الضلال البين فإن الأمة لن تجمع علي ضلال وسيسقط كل ضال مضل لا هاد ولا مهدي . وهنا تقع عليكم المسؤولية التاريخية بعدم إعطاء أي عذر للذين استخذوا للأمريكان ورضوا التعاون مع أعداء الإمام، أعداء الإسلام، وأعداء الانسانية . فتداركوا الأمر سددكم الله وتبرأوا من العملاء والسياسيين المتسترين بالدين وأعيدوا للناس بوصلتهم الصحيحة . إنهم سيجدونها لا محالة ولكن الذي لا يساعدهم علي إيجادها سيسقط نفسه من الضمير الجمعي للأمة لا محالة.

إن إعلانكم الموقف الصحيح بالتبرؤ من كل من يجامل الأمريكان تحت أية حجة أو شعار سيتسبب بانضمام معظم أولئك المترددين إلي الجهاد في العراق وستنقذونهم من سوء الحساب في الدنيا وفي الآخرة . فلقد أورثكم جهادكم راية الإمام رحمه الله، لا لأنكم زاحمتم الغير عليها بل لأن الغير قصر به عمله، فلا تتأخروا في هذا الجهد الواجب وأنقذوا السادة الشيعة في العراق من التردد بين طريق الرحمن البين وطريق الشيطان الذي يزينه لهم بعض العلماء للأسف .

سددكم الله وحماكم وحفظ جهادكم ومذهبكم من كل سوء.

والسلام مع جزيل المحبة والاحترام

إلى صفحة المقالات