21/10/2006

 

البابا لا يختلف عن مفكري الغرب

بقلم : إياد محمود حسين

يمكن القول ان جل اهتمام الغرب كان منصبا فى الطعن بالإسلام والنبى محمد، وهى قضايا كبرى مثلت جوهر اهتمام الدراسات الاستشراقية وغاياتها، لان هؤلاء لم يعيشوا اجواء حضارية المجتمع الاسلامى ولم يتلمس بناؤهم الفكرى ارضية مفاهيمه المجتمعية حتى يستطيعوا بذلك ان يرجعوا كل شىء الى اصله. وحتى بابا الفاتيكان لم يخرج عن شاكلتهم.

على الرغم من كثرة الحروب التى شنها الغرب على العالم الاسلامى فلم يستطع ان يقضى على روح الاسلام وانتشاره السريع وهذا الانتشار لم يقم بحد السيف كما ادعى البابا في مهاجمته للاسلام مؤخرا. لو عرف الغرب روح الاسلام الحقيقى ومبادئه السامية لما قام بتلك الحرب التى هدفها الحقد الدفين على الاسلام والنبى محمد. العالم الغربى لم يهتم بمعرفة كنة الاسلام لا من الناحية الدينية او من الناحية الحضارية اللهم الا فى حالات منفردة ومن زوايا معينة تتسم جميعا بالتحيز وعدم الصدق والموضوعية. وبقيت صورة الاسلام حتى القرن التاسع عشر مشوشة فى اذهان وتفكير اكثر الغربين. وهكذا بقى الشرق غامضا يراه الغرب من وراء حجاب. ولاتزال صورة الاسلام والشرق لدى الاوروبين غامضة غير محددة المعالم تشوبها قصص الف ليلة وليلة ولهذا فقد كثرت افلامهم حول هذا الموضوع التى تدور احداثها ووقائعها فى محيط اسلامى فظ غليظ قاس كثرت فيه الملذات والشهوات والراقصات العاريات. ولاتزال هذه الصورة سائدة فى الغرب.

وبشكل عام ضل الاسلام لقرون عديدة فى نظرهم اداة حرب، ودامت العلاقة بين العالم الاسلامى والغرب من اخطر الملفات بين الطرفين، وحاول العالم الاسلامى فى بذل جهوده لاعادة صياغة هذه العلاقة دون الركون الى المقولات الجاهزة، والتفسيرات التأمرية المختزلة، لان الاسلام لايمكن اختصاره فى مفاهيم مشوهة قاصرة، كما يفعل بعض الكتاب والمفكرين الغربيين ورجال الاعلام والصحافة. فأن خطاب العداء الكاسح للاسلام كون رد فعل مقابل عند المسلمين، وهو رد كان يجب الا ينجر بعض منا اليه حتى لو اظهر لنا الاخرون العداء، ولهذا السبب فأن ميراث العداء لم يذهب الى غير رجعة. الغرب هو الذى بدأنا بالعدوان السافر فى الحروب الصليبية، ومابعدها من موجات الاستعمار العسكرى، الامر الذى جعل تاريخ العلاقة بين الجانبين يحكمه العداء، ويشكل الموقف الغربى المنحاز لاسرائيل العقبة الكبرى فى طريق قيام علاقات ايجابية بين الطرفين. وقد ذكر الحقيقة الكاتب الامريكى جون اسبوزيتو فى كتابه) الحرب الغير مقدسة (محذرا فى ان صدى مضاعفات الماضى مازال يتفاعل فى النفس المسلمة، فلقد احدثت تركة الاستعمار الاوروبى حسب رأيه جرحا غائرا فى المسلمين فى كل مكان. وكان الاسلام بالنسبة للغربيين ديانة السيف والجهاد او الحرب المقدسة، بينما كانت المسيحية بالنسبة للمسلمين دين الحروب الصليبية وطموحات الهيمنة.

والدراسات التى تحاول اعادة بناء صورة الاسلام والمسلمين فى الذهنية الغربية لاتكاد تنقطع، وان كانت لاتلقى الاهتمام الكافى، واحدى هذه الدراسات صدرت بالالمانية وعنوانها) الاسلام العدو، بين الحقيقة والوهم (للكاتبة الالمانية اندريا لويج، وفيه تحذر من ظاهرة من تطلق عليهم)الخبراء الوهميين(امثال جيرهارد كونستلمان، وبيتر شول لاثوز، الذين سيطرا على اجهزة الاعلام لسنوات دون منازع بوصفهما خبيرين فى شؤون الشرق الاوسط، فهذه الوجوه الغربية تقوم بجهد اعلامى لبث وترويج بضاعتهم المسمومة على اوسع نطاق فى الغرب. ورغم الانتشار الكاسح لهذه المقولات لم يعدم العالم الغربى ان يجد اصواتا تزعجها ظاهرة)الخبراء الوهميين(فخاضت ضدها حروبا كلامية، لكن ذلك للاسف لم يغير من الامر شيئا حتى الان. وقد وجه المستشرقون فى جامعة هامبورك الاتهام لبعض خبراء الاعلام بأنهم يعملون بأساليب غير شريفة على توسيع الفجوة بين الثقافتين الشرقية والغربية، وتعميقها بالاْشارة دائما استحالة الحوار بينهما. وتكشف اندريا لويج عن جهل فاضح بالاسلام والثقافة الاسلامية بين المتخصصين، وتنقل عن اثنين من المتخصصين الالمان وهما ارمجارد بين وماليز فيبر قولهما) انه من التناقض الغريب والمدهش حقا بين عدم معرفتنا بالاسلام والثقافة الاسلامية وبين ثقتنا الشديدة فى اطلاق الاحكام عليهما، ولم يحدث مرة ان استنكر هذا الجهل ولو مرة واحدة، بل ان النقد والاتهام يوجه بأستمرار الى تلك الثقافة دون ادنى حرج(.

وعندما جاء المستشرقون الغربيون يبحثون بنشاط وشغف فى دراسة الاسلام وعلومه وتشريعاته وفقه وقد اتاحت تلك البحوث للغرب التعرف على صورة اوضح للشرق وللاسلام لكن الحق الذى ينبغى الاشارة اليه ان عددا قليلا من المستشرقين كانت لهم منهجية صحيحة ومنطقية فى دراسة الموضوع المعالج وبدون تحيز ضد الاسلام. بينما كان اكثرهم ينظرون الى الاسلام بمنطق القساوسة المبشرين بالمسيحية او من خلال نظرة مادية ماركسية ومنهم من عالج دراسة الاسلام من خلال علم الاثنولوجيا المتخصصة فى الاعراف البشرية اى دراسة الاسلام والمسلمين بتحليل شعب بدائى قبلى فى نظرهم مثل سواه من الشعوب البدائية المنقرضة. وقد قالت الدكتورة انا ماريه شمل بهذا الخصوص) وقد ظن بعظهم ان الاسلام نوع من الوثنية او الدينات المجهولة البائدة لعصور ماقبل التاريخ(

 ولكن يجب ان لانرفض ان تصرفات بعض المذاهب الاسلامية ومعتنقيها والبدع التى ادخلوها فى الاسلام كانت السبب المباشر ايضا فى اعطاء هذا الانطباع الخادع عى الاسلام، فى نظر هؤلاء المستشرقون . ونحن كمسلمين نحب الاسلام ديننا لنا ان ندرس الاسباب الكامنة وراء هذا الطعن فى معتقداتنا من قبل هؤلاء المستشرقين ويعطينا الاستاذ محمد فريد وجدى بعض الاسباب قائلا) يجب ان نغتفر للاوروبين تصديقهم لكل الافتراءات ضد الاسلام والمسلمين فهم على حق اذا اظهروا العداء تجاه ديننا طالما كانوا لايجدون امام اعينهم الا البدع التى حذقها اناس تافهو العقول وقبلها الجمهور وزاد فيها بأشكال اخرى من الهرطقة والخطاء ومخالفة الطبيعة البشرية وقوانين الحضارة كيف نأمل ان يفهم الاوروبيون لب ديننا الدين الوحيد الذى يحمل السعادة الحقة طالما كانوا لايعلمون الاملامح خارجية معينة للاسلام يشاهدها كل يوم مثل الاجتماعات الصاخبة فى الشوارع سائرة خلف الاعلام والطبول والاجتماع فى حلقات واسعة امام الاف الناس والتراتيل الصوفية التى تؤدى بصوت قوى مصحوبة بالتمايل يمينا وشمالا ونحو ذلك(ولكن علينا ان لاننكر ان هناك من المستشرقين من دافع عن الاسلام ووضع فى حسبانه ان الحضارة ولدت وترعرعت فى الشرق ثم تحولت الى الغرب وان هذه الحقيقة لايمكن ان ينكرها اى مسيحى غربى. ان مثل اولئك المستشرقين الاوروبين المدافعين عن الشرق وحضارته اسهموا بنصيب وافر فى تصويب ابعاد وملامح الصورة الخاطئة المشوهة للاسلام

ولكن يجب علينا ان لاننسى جهود العرب والمسلمين ومنظماتهم المنتشرة فى اوروبا وامريكا فى الدفاع عن الاسلام، انها فى فى الحقيقة لاتقف مشلولة فى الرد على الادعاءات والسموم والتهجمات على المسلمين، فمثلا حملات مجلس العلاقات الاسلامية الامريكية)كير(كما سردها بول فندلى، عضو كونغرس امريكى لمدة 20 عام فى كتابه)لاسكوت بعد اليوم(فى عام 1998، كسب المجلس الحملة ضد شركة تايك التى انتجت احذية تحمل اسم الله على كعوبها واجبرتها على سحب الاحذية من الاسواق، فيما قامت الشركة فى بادرة حسن نية بتحويل بناء ملاعب لعدة مدارس اسلامية، وقدمت هبات لعدة مؤسسات خيرية اسلامية(وعندما زعمت مجلة)يو اس نيوز اند وورلد ريبورت(ان الرسول خرق معاهدة بينه وبين اليهود شن المجلس حملة ضغط هاتفية على المجلة مما حدا بسكرتيرة المجلة الاتصال بمجلس العلاقات الاسلامية الامريكية قائلة)ان مكاتبنا مشلولة ولا نستطيع انجاز اى شىء(وبعد ايام قامت المجلة بنشر اعتذار فى نفس الصفحة التى نشر فيها كذبته(ويضيف الكتاب ان مجلس العلاقات الاسلامية الامريكية)كير(كسب 200 حملة ضد قضايا تحامل على المسلمين، ولم يخسر الا فى 4 قضايا، اى نسبة النجاح هى 98 بالمئة.

ومن اهم قواعد المنهجية الاستشراقية التى قام عليها الاستشراق والوسائل والمرتكزات الاساسية التى اعتمدت عليها القوى الاجنبية الغربية والتى شكلت فى خطة المستشرقين فى تحقيق اهدافهم واغراضهم الاستراتيجية هى:

1- التشكيك بصحة رسالة النبى محمد ومصدرها الالهى فا لمستشرقون ينكرون ان يكون الرسول نبيا موحى اليه من عند الله ويتخبطون فى تفسير مظاهر الوحى فمن المستشرقين من يرجع ذلك الى صرع كان ينتاب النبى حينا بعد حين ومنهم من يرجعه الى تخيلات كانت تملا ذهن النبى ومنهم من يفسرها بمرض نفسى. واكثر هؤلاء المستشرقين يؤمنون ويعترفون بأنبياء اليهود وهم كانوا اقل شأنا من محمد فى التاثير والمبادىء التى نادى بها الا انهم ينكرون النبوة على النبى محمد ومبعث هذا الانكار هو التعصب الدينى الاعمى الذى يملاء نفوسهم. وقد جاء فى مجلة العالم الاسلامى عام 1955)ان اله المسلمين متكبر جبار مترفع عن البشرية بينما اله المسيحية عطوف ودود متواضع فى صورة بشر هو الاله الابن اماعقيدة التوحيد فقد باعدت بين الانسان والاله وجعلت الانسان يعيش فى خوف دائم من جبروت الاله وكبريائه(فقد قال الجنرال الامريكى ويليام بويكن)انتم تعرفون ان الهى -يقصد عيسى بن مريم - اكبر من الهه -يقصد المسلمين- كنت اعرف ان الهى حقيقى والهه مجرد وثن(لا احد يفهم ان كانت امة الشر هى التى تحب نبيها وتصلى عليه , ام تلك التى تقتل نبيها اى الرب فى اعتقادهم ثم تنطلق فر رحلة ندب على خطيئتها لتبشر بالمحبة القاتلة , والسلام المخرج بالدماء ؟ قال بعض الكتاب الغربين ان الشعور الاسلامى خطر على الفرد لانه ملىء بالطاعة والخضوع السلبى للقوة الالهية ويدل اسم الاسلام نفسه على هذا الاستسلام حيث على الانسان ان يخضع هذا الخضوع امام الله ويضع نفسه تماما بين يديه متنازلا عن ارادته الحقيقية لايمكن ان تكون رغبته فى العمل الصالح كرغبة رجل يشعر انه يقف امام الله مسيطرا على ارادته وضميره. وان الاسلام وعد المسلمين بجنات مليئة بالشهوات من حور العين وانهار اللبن والعسل والفاكهة ودرجة كبيرة من المتاع المادى وانه كان من الضرورى ان يعطيهم القران وصفا واقعيا للفردوس يكاد يكون محسوسا فى كلمات بسيطة حتى يكون ممكنا لابناء الصحراء ان يفهموا الوعود الخاصة بالمتاع الروحى.

2- اكثر المستشرقين ينكرون ان يكون القران كتابا منزلا من الله على النبى محمد وحين يفحمهم القران الكريم ماورد فيه من حقائق تاريخية وعلمية عن الكون مما يستحيل صدوره عن رجل امى مثل محمد يزعمون من انه استمد هذه المعلومات من اناس كانوا يخبرونه بها. وعندما نناقشهم حول الحقائق العلمية التى اكتشفها العلم الحديث والتى جاءت مطابقة لما ذكره القران يرجعون ذلك الى ذكاء النبى. فقد زعم المستشرق مايور كما نقله عنه مرجليوث Margoliouth ان اهل البدو كانوا كثيرى الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان فلابد ان النبى محمد مارس هذا الفن حتى نبغ فيه. وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث عند هؤلاء فا لمسألة عندهم تقوم على استنتاج وهمى من امر لايقع فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة ولاكانت لها مدارس واساتذة يضعون قواعدها ولا النبى محمد عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك وليس بين ايدينا نص واحد يثبته بل ان المؤكد ان الرسول لم ينقل عنه اثر من نثر او شعر قبل النبوة وقبل ان ينزل عليه القران. وهكذا نجد ان اسس النقد عند هؤلاء المستشرقين ليس قائم على اسس صحيحة وانما افراطهم فى اختراع العلل والاسباب والحوادث التى يقدمونها فى دراساتهم التى ليس لها سند الا التخيل والتحكم ويزيد من فساد اسلوبهم هذا انهم يتخيلون احداث العرب والمسلمين وعاداتهم واخلاقهم بأوهامهم وخيالاتهم الغيبة عن الشرق ولايريدون ان يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها واذواقها وعاداتها. انهم يتناقضون فيما بينهم تناقضا واضحا فى الحكم على شىء واحد كل ذلك لانهم حاولوا ان يحللوا السيرة النبوية وتاريخ ظهور الاسلام بحسب العقلية الاوربية فضلوا بذلك ضلالا بعيدا. لقد حاول هؤلاء المستشرقين نقد سيرة النبى محمد بهذا الاسلوب الاوربى البحت فى التدقيق والتمحيص والاستنتاج لكى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة محمد وكان ينبغى لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة ان يتمكنوا من هدم الاراء المقررة والروايات المشهورة من السيرة النبوية فهل تسنى لهم شىء من ذلك ؟ واذا امعنا النظر فى ارائهم وافكارهم واستنتاجاتهم لانجد الا خلطا وخبطا وانك لترى كل واحد منهم يقرر مانقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم او ينقض ماقرره ويصبح من الصعوبة بمكان معرفة الحقيقة عندهم من كثرة هذه التناقضات ولايبقى امامنا الا ان نرجع الى السيرة النبوية من الصحابة والتابعين

3- انهم يعتبرون الاسلام ملفق من الاديان السابقة. اى من الديانتين اليهودية والمسيحية وليس لهم فى ذلك مستند يؤيده البحث العلمى. ومن اشد حرصا على هذا الادعاء جولدتسيهر وشاخت من ان الاسلام استمد مقوماته من الديانة اليهودية وتأثيرها فيه. اما المستشرقون المسيحيون فيجرون وراءهم فى هذه الدعوى اذ ليس فى المسيحية تشريع يستطيعون ان يزعموا تأثر الاسلام به واخذه منه وانما فيه مبادىء اخلاقية زعموا انها اثرت فى الاسلام ودخلت عليه منها. لقد درس المستشرقون الاسلام كخبرة تاريخية منقطعة عن المصدر الالهى فقد اسقط المستشرقون البعد الغيبى عن الاسلام وتعاملوا مع الاسلام كدين وتراث ونظم من خلق البشر دون وجود مصدر الهى مستقل عن العقل البشرى خارج عنه موجه له ومتحكم فيه لقد اوجد هؤلاء المستشرقون اسلاما وفق منهجهم من خلال تتبع وقائع تاريخ المسلمين ونظمهم التى لاتمثل فى غا لبيتها تاريخا للنظم الاسلامية الحقة دائما تاريخا للمارسة الفعلية للسلطة السياسية على مقتضى مصا لح السلاطين وان انحرفت عن القيم الاسلامية. اما رينان فانه يصور عقيدة التوحيد فى الاسلام انها عقيدة تؤدى الى حيرة المؤمن كما تحط به كأنسان الى الدرك الاسفل.

واذا كان الفكر اليهودى قد استغل الظلام الذى ساد اوروبا فى القرن الخامس عشر , وتسلل الى العقيدة المسيحية , واذا كان التسلل قد ادى الى وضع اليهود تحت مظلة من القداسة الدينية المسيحية , وكون ذلك التحالف البوتستانتى اليهودى , وجعل من اليهود بأنه ذلك الشعب الذى ميزه الله عن سائر الشعوب الاخرى. واذا كان هذا الفكر اليهودى قد تمكن من تحقيق كل هذه الاهداف , فأنه استعصى عليه ان يجرب حظه مع الديانة الاسلامية , وفشلت جميع محاولات التسلل الى الاسلام عقائديا. فقد ظهر بعض الفلاسفة واللاهوتين والمستشرقين اليهود الاوروبين وقاموا بمحاولاتهم للاساءة الى الشريعة الاسلامية , ولم تكن المحاولات موجهة الى المسلمين والعرب مباشرة بقدر ماكانت موجهة الى الاوروبيين. لقد كتبوا الافكار التى اختلقوها بلغاتهم , وانتشرت فى الغرب , ولذلك بقيت هذه الافكار والمفاهيم بعيدة عن متناول المسلمين حتى اواخر القرن التاسع عشر. وقد حاول الفكر اليهودى ان يقدم الاسلام وكأنه مجرد اقتباس عن اليهودية. حاول المستشرق اليهودى الالمانى ابراهام كايكر فى كتابه)اليهود والعرب واتصالاتهم خلال العصور(الذى اصدره عام 1833 تصوير النبى محمد)ص(وكأنه لاعمل له سوى الاقتباس عن اليهودية , وحاول كايكر ان يصور مهد الجزيرة العربية على انه المصدر الذى استقى منه الرسول هذه الافكار، وكذلك هناك مستشرق يهودى اخر س.تورى C. Torrey اصدر كتابا بعنوان)التأسيس اليهودى للاسلام(عام 1933 ذكر فيه نفس المزاعم والحجج من تأثير اليهودية على عقيدة التوحيد فى الاسلام، محاولا من خلال كتابه التأكيد على اهمية دور الوجود اليهودى فى الجزيرة العربية قبل الاسلام وبعده. وقد ظل المستشرقون الاوروبيون وخاصة اليهود منهم , ينظرون الى عقيدة التوحيد فى الديانة الاسلامية مقتبسة اصلا من الوجود اليهودى. واذا كان بعض المفكرين العرب المحدثين قد سقط ضحية تضليل هذا الاستشراق اليهودى , فأن الاسلام خلافا لما حدث فى المسيحية , استعصى على الاختراق واحتفظ بسلامة العقيدة ونقاوتها.

4- اعادة صياغة القران من ايات الجهاد. بحجة الارهاب حسب منطقهم , وتحاول القوى الامبريالية بمساعدة العلمانيون العرب وبعض المستشرقين الغربيين فى اعادة صياغة القران الكريم من معماره اللغوى , وزعزعة بنيته اللسانية , فقد كانت دوما تحاول تفكيك مكوناته بشكل تدميرى من اجل معاودة صياغته طبقا لمقتضيات اللحظة التاريخية , والسبب يعود الى التفوق المادى , واختلاف موازين القوى وليست محاولة تنقيح النص الكريم ابداعا حداثيا وانما هى مشروع تاريخى بعيد المدى تعود بذوره فى خضم الصدامات الحضارية , وكل المحاولات كانت تقوم على اعدام النص المؤسس للقران , وابادة معالمه واجتثاثه من حقيقته القدسية على اساس ان الله غير موجود فهو ليس منزل منه , كما هو رأى البرغاماتين من بقايا الايديولوجيات البائدة , او لان الله تعالى خاطب اليهود والنصارى ولم يقم وزنا للامة الاسلامية التى يجب ان تظل على هامش التاريخ لانها ليست محل الخيار الالهى. انهم يسعون الى خلخلة قداسة هذا النص الكريم , اذ هو ارامى وعبرانى او سريانى المنشأ والمنتهى , اى انه طبقا لهذه المفاضلة يتسوغ انتماؤه الى اية لغة ماعدا العربية. وقد نقل اركون فى اطار هذه المحاكاة تأكيدا حاسما لتوصيف لا عربية النص الدينى , فكتب فى الفكر الاسلامى نقد واجتهاد. ويرى المستشرقون المتخصصون بفقه اللغة ان كلمة قران ذات اصل سريانى او عبرى , فهو فى نظرهم لايوجد شىء خارج النص الاستشراقى اذ وحدهم المؤتمنون على قراءة الشرع الاسلامى وتوثيقه اصالة عن انفسهم ونيابة عن المسلمين. ولافرق عند اركون ان يكون الاصل سريانيا او عبرايا المهم ان يؤدى التوصيف الى تصفية الحضور القرانى من سماته الثقافية العربية. لقد طرح الكتاب الكريم هوية نفسه)القران = القراءة(فهو قران عربى مبين. ان مقولة تنقيح القران الكريم هو مشروع امريكى لقلب القيم والمعتقدات الاسلامية , وهى طفرة ليست حداثية وانما هو محصلة صدام الحضارات , فالامبريالية الامريكية تعتقد ان هذا التنقيح سيقضى على الايدلوجية التى تولد الارهاب , فقد ذكر جنرال امريكى ويليام بويكن)وكيل وزير الدفاع الامريكى السابق () ان الحرب على الارهاب هى صراع بين القيم المسيحية واليهودية والشيطان() ان المتطرفين المسلمين يكرهون الولايات النتحدة لاننا امة مسيحية ولان اسسنا وجذورنا مسيحية-يهودية , والعدو هو شخص يدعى الشيطان. عدونا سوف يهزم فقط اذا واجهناه بأسم المسيح(هذا الوهم الارهابى لايوجد الا فى اذهان الامبريالية الامريكية , وحسب اعتقادهم انه له جذورا فى المعتقد الاسلامى بصفة خاصة , لان الارهاب)الجهاد(يأتى عن طريق المادة القرانية. فقد حاولت الامبريالية الامريكية جاهدة الى ايقاف طباعة المصحف الكريم دون فلاح , وهى تحاول صناعة مسلم انهزامى استسلامى جديد , وهى تبحث عنهم داخل المجتمعات الاسلامية , ولن يغنى شيئا ان تجند امريكا المحبطين المدفوعين باللاشعور الموروث عن الحقد الايديولوجى الدافه الى المنافرة العقائدية , وقد اخذوا يبحثون فى مزابل التاريخ عن مقولات تبريرية متهاوية عساها تشفع لهم لما تحمل من الالتباس والضبابية , ومع الاسف انخرط فى هذه المشاريع القذرة بعض ابناء جلدتنا. وقد ظل ابطال التنقيح منزعجين , وقد خابت امالهم فى تصدع الدين , وموت الكائن الايمانى , فقاموا يندبون سوء الطالع لاحتكار الدين من قبل المتخصصين فى الشرعيات او من بعض المتطرفين , اذ لا وصاية على الدين فهو مشاع للجميع , ولكنهم قرروا ان يتحولوا الى اوصياء على الدين وعلى المسلمين فى العالم , وذلك حين اصروا على ان يصنفوا للامة الاسلامية قرانا , وهكذا دفعة واحدة قران جديد)غير مجيد(ومعان عولمية لدين اخر ليس بعده دين للعرب والمسلمين , فحكمت الامبريالية على نفسها بالتطرف الذى كانت تصنف به الناس , واصبح التطرف والارهاب كليهما رد فعل معاكس على الاستفزازات وعلى الاحتكارية التى تمارسها القوى الامبريالية فى هيمنتها على معتقدات الناس , وتحديد هوياتهم وانظمة تفكيرهم. ان محاولة تدليس النص القرانى هذه ليست سوى نزعة عبثية , لان هذا الكتاب الكريم قد قهر الزمان , وبما انه تأسس على الخلود فقد اندثرت قوى الطعن والتحريف وظل النص متصدر مشاهد الوجود. فالقران منحوت فى الذاكرة الاسلامية , ومنقوش فى اعماق العقل الايمانى , ولهذا بقيت الكلمة القرانية لانها مصدر وجود ينشر الحياة , ويبشر بالتواصل الميتافيزيقى والخلود , ومسلسل الدعوات التدميرية التى بشرت بحوث الدين كما بشرت بموت كل شىء , وقد مات ماركس ولينين وفرويد ودوركهايم وغيرهم , واندثرت الشيوعية , وعادت الميتافزيقية , وبقى الدين دعامة اساسية تنير روح الكائن المعاصر الفطرى.

 5- التشكيك فى صحة الحديث النبوى والصحابة: ويتذرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوى واحاديث الصحابة الكرام من اساطير وبدع وخيالات وامتزاجها بالاحاديث الملفقة.من وضع ودس. والاساطير هى الاباطيل فى عرف اللغة ومفردها اسطورة وفى ادب القصة هى قصة جمح فيها الخيال فأخرجها من حدود الواقع والمعقول. اما البدع جمع بدعة وهى الحدث فى الدين بعد كمال. وقد كثر الدعاة والقصاص وواعضى السلاطين فى العهد الاموى والعهد العباسى فى حبك الاساطير والبدع واختراع القصص ووضع الاحاديث فأخرجوا تلك البدع والاساطير يستشيرون بها اخلية الناس وعواطفهم يوجهونهم الى حيث يريدون. وهكذا كان كثير من الدعاة الى الدين فى جميع الملل والنحل يولدون القصص ويزخرفونها ويقدمونها جذابة ياخذون بها قلوب الناس البسطاء. وايما اسطورة او بدعة تتقبلها قلوب العامة وتنتقل بالوراثة من جيل الى جيل. فقد صارت جزءا من حياة امة بل جزءا من دينها واصبحت اصلا من مذاهبه واصوله وشعيرة من شعائره. فهؤلاء الدعاة والقصاص جلبوا كل خرافات الملل والنحل والامم فأخذوا من البوذية والزرادشتية والمانوية واليهودية والنصرانية ووضعوا وتفننوا ثم عمدوا بعد ذلك الى ان وضعوا على رسول الله محمد من احاديث كثيرة جدا حتى اضحى الصحيح بالنسبة اليها كالشعرة البيضاء فى الجمة السوداء. وهذه الاحاديث سيطرت عليها الاساطير والخيالات فى مبالغتها وخيالها. كما وضعوا على الصحابة الكرام وخاصة ال البيت الكرام مايرفع بعضهم الى ذروة الالهة ووضعوا على باقى الائمة من احاديث ملفقة. وهذا الزحف الهائل من الاساطير والبدع اقتحم معاقل الدين الا انه عجز ان يقتحم هذا الزحف معقل القران الكريم وعجز ان يغير منه حرفا واحدا. وقد قال الرسول)ان كل بدعة ضلالة(ويقول بعضهم لا ان فى الدين بدعة حسنة وبدعة سيئة والحقيقة ان البدعة الشرعية بدعة ضلالة فقد قال ابن حجر الهيثمى المكى فى كتابه الفتاوى الحديثية)ومن قسمها من العلماء الى حسنة وغير حسنة فأنما قسم البدعة اللغوية. ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية(وخلاصة القول ان الاساطير والبدع اذا دخلت عقول امة وامتزجت بدينها اضعفتها فأذلتها ولايرجى لامة خير لايستعمل افرادها عقولهم فيفرقوا بين العلم والجهل وبين الحق والباطل وبين السنة والبدعة. ولا لوم على العامة فيما تذهب اليه وانما اللوم كل اللوم على الواعظين ورجال الدين الذين يوافقون العامة فى قاعدتهم)انا وجدنا اباءنا(ويظهرون لهم الرضا بما يعتقدون بل يجادلون عنهم بادلة لاقيمة لها فى ميزان الشرع.

 واعداء الاسلام يتجاهلون تلك الجهود التى بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره مستندين الى قواعد با لغة الدقة فى التثبت والتحرى وانهم يدعون ان هذه الاحاديث وماتحويه من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة لايمكن ان تصدر كلها من عقل النبى محمد بل هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الاولى. والصحابة كانوا بحق)رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه(اذ قام صحابة الرسول بهذا الامر خير قيام وادوا الامانة التى حملهم اياها ربهم عز وجل خير الاداء ونقلوها لمن بعدهم من التابعين كاملة وغير منقوصة. وكان التابعون من بعدهم خير خلف لخير سلف فحملوا هم بدورهم امانة هذا الدين لمن بعدهم من ائمة السنة ومن سار على دربهم فتمسكوا بهدى نبيهم وسنته واثاره فالتزموا بها وحفظوها. فالصحابة الكرام هم احق الامة فى اصابة الحق والصواب وبموافقة السنة والكتاب. وقال الامام ابن القيم)فعلم بهذا ان الصحابة رضى الله تعالى عنهم اولى الامة بالاصابة فيما ثبت عنهم فأنهم كانوا ابر قلوبا واعمق علما واقل تكلفا واقرب الى ان يوفقوا للصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الاذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الاخذ وحسن الادراك وسرعته وقلة المعارض او عدمه وحسن القصد وتقوى الرب فالعربية طريقتهم وسليقتهم والمعانى الصحيحة مركوزة فى فطرهم وعقولهم ولاحاجة بهم الى النظر فى الاسناد واحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا الى النظر فى قواعد الاصول واوضاع الاصوليين(ونحن لاننكر انه قد ظهرت كثير من الاحاديث الملفقة على الرسول محمد بعد التحاقه بالرفيق الاعلى وقد كثرت هذه الاحاديث الملفقة بعد ظهور الفتن فى العراق. والعراق مولد هذه الاساطير والبدع والفتن والتشيع حيث ظهرت الفتن اول ماظهرت فى نجد العراق فقد قال رسول الله)اللهم بارك لنا فى شامنا وفى يمننا قالوا وفى نجدنا قال من هنا يطلع قرن الشيطان(وذكر ابن حجر العسقلانى وغيره من العلماء ان النجد الوارد فى الحديث هو نجد العراق فقد ظهرت الفتن من هناك حيث قتل الحسين بن على رضى الله عنه فى العراق وظهر اصحاب الفتن والفساد فى الدين فى العراق وقد حذر الرسول منهم قائلا)انما اخاف على امتى الائمة المضلين (واصبح العامة من الناس فى العراق يتبعون هؤلاء اصحاب الفتن وسادة الكفر ويسيرون على طريقهم ويصفهم الله تعالى)يوم تقلب وجوهم فى النار يقولون ياليتنا اطعنا الله واطعنا الرسولا وقالوا ربنا ان اطعنا سادتنا وكبر اءنا فأضلونا السبيلا ربنا اتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا(

 ومن المعلوم ان اول بدعة حدثت فى العراق هى بدعة الخوارج والروافض وذلك على اثر فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفان وظهور عبد الله بن سبأ الذى ادعى الوهية امير المؤمنين على. فالخوارج كفروا عليا وخرجوا عليه والروافض ادعوا امامته وعصمته او نبوته او الهيته وفى خلال هذه الفترة ظهرت وكثرت الاحاديث الملفقة عن الرسول حيث تناثرت فى بطون الكتب كثير من الاحاديث صاغتها عبقرية دجالين ورسمتها ريشة افاكين. صرح رسول الله باكثر من مناسبة بخطورتهم على الامة , وخطورتهم على الشريعة. فلا عجب والحالة هذه ان تزخر هذه الكتب التى كتبت عن الاسلام بكثير من الاحاديث الضعيفة السند , فضلا عما بين هذا وذاك من اختراعات الواضعين , ودس الاعداء المتربصين الذين يحرصون على تشويه الاسلام ونظامه السياسى فى جوهره , ليبعدوا المسلمين عن التفكير فيه , والاستظلال بظلاله والعيش فى كنف تطبيقه الصحيح. وكان قبل وقوع الفتنة لم يكونوا يسألون عن الاسناد فى الاحاديث النبوية فلما وقعت الفتنة فخاف المسلمون من ان تنتشر هذه الاحاديث الكاذبة بين فئات المسلمين وخافوا من الكذب على الرسول وخاصة مع تفرق الاهواء وظهور البدع فقالوا سموا لنا رجالكم فينظر الى اهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر الى اهل البدع فلايؤخذ حديثهم فالعناية بالحديث من ناحية الروات بدا يتحدد وقت الفتنة وبدا علماء السنة يميزون من تقبل روايته ممن لاتقبل فمن كان من اهل السنة والجماعة قبلت روايته ومن كان من اهل البدعة ردت روايته الا بشروط دقيقة ولما وقعت فتنة المختار ذى الميول الشيعية اشتهر فى زمنه الكذب ووضع الحديث على رسول الله فى زمنه سئل عن الاسناد وسبب هذا انه كثر الكذب على امير المؤمنين على بن ابى طالب فى تلك الايام. وهكذا لجأ اعداء الاسلام الى وسائل اخرى مختلفة ومتشعبة يهاجمون بها الاسلام غير الحرب وغير الشائعات والمفتريات. فمن وسائلهم اعتناق نفر منهم الاسلام اعتناقا ظاهريا وكل واحد منهم فى قلبه هو الد الخصام. وتحت هذا الستار وضعت احاديث لم تصح نسبتها الى الرسول وقد تنبأ بذلك فقال)من يقل على مالم اقل فليتبوأ مقعده فى النار(وقال)لاتكذبوا على فأنه من كذب على فليلج النار(او اثارة البدع والغلو فى الدين مخالفين بذلك امر الله سبحانه تعالى)قل يااهل الكتاب لاتغلوا فى دينكم غير الحق(او توجيه المسلمين وجهة لم يقصدها الاسلام معتمدين فى ذلك على تأويل يضعونه ظاهره الدين والرحمة وباطنه الحرب والكفر.

ومن هنا نستخلص الى نتيجة هامة من ان الاهداف التى نشأ من اجله علم مصطلح الحديث هو صيانة الحديث النبوى الذى هو اعظم المصادر الاسلامية بعد القران الكريم. ان الامة الاسلامية قد عنيت بتحقيق هذا الهدف منذ اول عهدها بالرواية , ووضعوا قواعد نقد شاملة تدرس جوانب الحديث كلها دراسة دقيقة وتامة. ان جهود المحدثين فى حقل تطبيق هذا المنهج النقدى قد بلغت الغاية من الوصول الى الهدف المنشود , وهذه التصانيف الكثيرة فى انواع الحديث برهان عملى على مدى مابلغوه فى العناية فى تطبيق هذا المنهج , حتى ادوا الينا تراث النبوة صافيا نقيا. وقال الدارقطنى)يااهل بغداد لاتظنوا ان احد يقدر ان يكذب على رسول الله وانا حى(. وقال الامام الثورى)الملائكة حراس السماء , واصحاب الحديث حراس الارض(.

 6- التشكيك بقيمة الفقه الاسلامى لقد شهر هؤلاء المستشرقين وبعض العلمانين العرب اسلحتهم للطعن فى صلاحية الشريعة الاسلامية للتطبيق فى العصر الحاضر وانهالوا على الحدود الشرعية بالطعن والتجريح ونسوا ذلك التشريع الهائل الذى لم يجمع مثله لجميع الامم فى جميع العصور. فأنهم يزعمون بأن هذا الفقه العظيم مستمد من الفقه الرومانى وقد سقطت هذه الدعوى بعد ان قرر مؤتمر القانون المقارن المنعقد فى لاهاى من ان الفقه الاسلامى فقه مستقل بذاته وليس مستمدا من اى فقه اخر.

 7- التشكيك فى قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمى. وتشكيكهم فى غنى الادب العربى. ومطالبتهم بألغاء اللغة العربية الفصحى وتبديلها بالعامية المتعددة.ومن العلمانيين المصريين العرب من يطالب بكل جرأة بترجمة القران الكريم الى العامية المصرية بحجة ان اللغة الفصحى المكتوب بها المصحف الشريف عسيرة الهضم , وانها ليست مصرية , مع ان الكتاب رسالة سماوية مقدسة حتى كبار الملاحدة لم ينكروا ذلك او يجادلوا فيه. ويفند المؤرخ ارنولد توينبى فى موسوعته دراسة التاريخ وفى كتابه مدخل تاريخى للدين حجج خصوم القران بقوله)ان اللغة الفصحى فى القران هى الرباط الوثيق الذى يمنع العالم العربى من التفكك(وبقوله هذا كانت ضربة شديدة الوطئة على اراء بعض مفكرينا الاغبياء من دعاة العلمانية , ودعاة اللغة العامية.

 8- تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضارى . يدعون ان الحضارة الاسلامية منقولة عن حضارة الرومان ولم يكن للمسلمين اى ابداع فكرى ولاابتكار حضارى وكان فى حضارتهم كل النقائص. هؤلاء اذا تحدثوا بشىء عن حسناتها فانهم يذكرونها على مضض مع انتقاص كبير. وقد مشى فى طريق المستشرقين فى هذا الصدد الاستاذ احمد امين فى البحث فى تقصى الشبهات والبعد عن صواب الرأى ومعارضته للنصوص فى الكتب والسنة اذا رأى نصا منها يعارض رأيا لمستشرقى الغرب او ظن واهما ان العقل يعارض تلك النصوص فيقول فى كتابه ضحى الاسلام)ان كثيرين ممن دخلوا فى الاسلام بعد الفتح كانوا فى ديانات مختلفة يهودية ونصرانية ومانوية وزرادشتية وبراهمة وصائبة ودهريين وغيرهم وكانوا قد نشأوا على تعاليم هذه الديانات وشبوا عليها. وكان ممن اسلم علماء فى هذه الديانات فلما اطمأنوا وهدأت نفوسهم واستقرت على الدين الجديد وهو الاسلام اخذوا يفكرون فى تعاليم دينهم القديم ويثيرون مسائل ويلبسونها لباس الاسلام (انه لم يقدم لنا اى اسم من اسماء هؤلاء العلماء الذين دخلوا دين الاسلام لكى يثبت لنا صدق حجته ولم يقدم لنا قولا واحدا من اقوالهم فكيف يمكن اذن تصديقة والاعتماد على اقواله؟

 9- التفريق فى تصنيف العلوم الاسلامية حيث درس المستشرقون موضوعات لم يكن لها فى التراث الاسلامى اى وزن او قيمة وضخمت موضوعات لم تكن ابدا فى نطاق الاهتمام والصدارة وابتدعت موضوعات لم يهتم بها المسلمون انفسهم على مر تاريخهم مع اهمال العلوم التى كانت موضع اهتمام علماء الاسلام وتجاهلها.

 10- دراسة الاسلام من خلال رؤية ومفاهيم غربية معاصرة ومقارنة با لمعطيات التاريخية الغربية التى ترفض كل ماهو روحى او غيبى على اساس انه سقوط فى مظلة الخيال والخرافة والوهم مع اسقاط كل رؤية وضعية والتأثيرات البيئة على الوقائع التاريخية. ويقول المستشرق هانونو الفرنسى)ان افضل الطرق لتثبيت ولاية المستعمر الاوروبى على البلاد الاسلامية هو تشويه الدين الاسلامى وتصوره فى نفوس معتقديه بأبراز الخلافات المذهبية والتناقضات الشعوبية والقومية والجغرافية مع شرح مبادى الاسلام شرحا يشوهها وينحرف بها عن قيمها الاصلية وتمجيد القيم الغربية والنظام السياسى والسلوك الفردى للشعوب الاوربية(فالظاهرة الاسلامية من يوم ان ظهرت فاعلة على الساحة الاسلامية والدولية، وهى محيرة لكثير من المحللين والكتاب والمثقفين بعد ان نهضت الفكرة الاسلامية من ثباتها، وهبت من رقدتها، وراحت اقلامهم تصف الظاهرة الاسلامية المحيرة بأوصاف عديدة ومتشعبة، وقد جمع الدكتور حسين توفيق فى بيان هذه الحيرة غير المسبوقة على نطاق العالم كله فى المفاهيم المستخدمة لوصف الاسلام فى الدراسات الغربية. ومنها مثلا) الاسلام السياسى (وبقصد به منطلقات واساليب واليات توظيف الاسلام لتحقيق اهداف سياسية.)الاسلام التقدمى (وهو الذى يتضمن امكانية تطبيق الاشتراكية ولايتعارض مع التحديث.) الاسلام الشورى (وهو الذى يسعى الى احداث تغيرات جذرية فى الهياكل السياسية والفكرية السائدة فى العالم الاسلامى انطلاقا من المبادىء والمقومات الشورية التى يتضمنها الاسلام، ويقترب من نفس المعنى السابق مفهوم الاسلام الراديكالى.)الاسلام الشعبى واسلام الجماهير، والاسلام من الاسفل(ويعنى به التصور السائد لدى العامة عن الاسلام.)والاسلام من الاعلى (ويعنى به بعض المنطلقات والاساليب والمؤسسات التى تستخدمها النظم الحاكمة لتوظيف الاسلام كمصدر لاكتساب الشرعية السياسية.)والاسلام التقليدى (وهو الذى يتعارض مع مظاهر العلم والتحديث والعلمانية ويؤكد على ضرورة العودة الى الماضى.) والاسلام التحديثى(وهو فى الحقيقة اقرب الى الاسلام التقديسى، حيث يتضمن مقومات للحداثة ولا يرفض ماهو وافد منها.- اسلام الشرق الاوسط، وقد ربط بعض الباحثين الغربيين الاسلام بنطاق اقليمى - جغرافى محدد..

وهناك ايضا من قرن الاسلام بظاهرة معينة كالصحوة الاسلامية مثلا، او اسلام الصحوة، وكذلك ركزت الكتابات الغربية على مفهوم الاسلام المتشدد والاسلام المسلح او النضالى او القتالى وهذا مرتبط بمفهوم العنف الاسلامى، وهو يقوم اساسا على الربط العضوى بين الجماعات الاسلامية والعنف، ومن ثم بين الاسلام والعنف.وقد استخدمت الكتابات الغربية العديد من المفاهيم لتعريف الظاهرة المعينة، منها الصحوة الاسلامية والاحياء الاسلامى والجماعات الاسلامية المسلحة، والاصولية الاسلامية الجديدة، وبعض الكتاب حاول التقليل وتحجيم الظاهرة، فبرزت تعبيرات ومفاهيم جديدة مثل الغضب الاسلامى والتطرف او الهوس الدينى، ومنهم من اعتبرها نوعا من الاصلاح الجديد، او مجرد عودة جديدة للاسلام، او احياء للتعاليم الاسلامى، وهناك من قصر الظاهرة باعتبارها مجرد صحوة دينية شعبية، ومنهم من اعتبرها مجرد صحوة سياسية اسلامية. وهكذا فأن حيرة هؤلاء المنظرين للتوصيفات المختلفة تدل على اهتمام غير مسبوق بهذه الصحوة وبرجالها، وعلى تصعيد اختراع الاسماء والمسميات التى ربما تعوق وتلوث سمعة القائمين على الحركة الاسلامية. ان التعرض لدراسة هذه الكتابات والمفاهيم الجديدة بصورة اكثرتفصيلا يحتاج الى مجلدات لتناول الكتابات الغربية لظاهرة الصحوة الاسلامية .

 11- اعتمادهم على الشك والنفى وتضخيم الروايات الضعيفة. فقد مثلت هذه القاعدة قاسما مشتركا فى كتابات المستشرقين فنجدهم يمضون مع الشك الى اقصى مداه ويطرحون افتراضات لارصيد لها من الواقع التاريخى وينفون العديد من الروايات فى الوقت الذى يتشبثون بكل ماهو ضعيف شاذ ونموذج ذلك مرجليوث الذى قدم عناصر الشك فى الرواية والرواة تمهيدا للتشكيك فى القران الكريم والسنة المطهرة. وان المنهج الذى يسير عليه المستشرقون فى دراسة الشؤون الاسلامية من عقيدة وتاريخ مصطبغ با لحقد على الاسلام وبعيدا عن الموضوعية والحياد العلمى او بعبارة ادق الامانة والاستقامة العلمية فان ملامح الدراسات الاستشراقية غير قائمة على التحليل الدقيق والتصنيف الثابت ثم ترتيب المادة بعد نفى زيفها وتمحيص جيدها من خبيثها. وهده الدراسات التى قام بها المستشرقون فى البحث فى التاريخ الاسلامى تم تفريغه من مضمونه حيث لم تعتمد هذه الدراسات على صحة الوثائق والمعلومات ولم يقم با لجرح والتعديل للروايات التاريخية بل اتخذ الطريق العكسى القائم على الشك واعتماد احادية الاحاديث وغريبها وشواذها وملتقط الاخبار ونوادرها بحيث اوجد تاريخا من صنع المستشرق لم يشهده التاريخ. واعتمد المستشرقون على وسائل لاترقى لمستوى الاداة المنهجية التى تضمن الوصول الى المعلومات الصحيحة وتجميعها من مضانها وتحليلها وتمحيصها فبجانب ضعفهم فى اللغة العربية فان اغلبهم اعتمد على مجرد المعرفة البسيطة بقواعد اللغة ليصدر اكثر الاحكام جذرية وجزما.

 12- حماية العقل الاوربى والحفاظ على العقيدة المسيحية فى اوروبا وقد ارتبط هذا الهدف بنشأة الاستشراق حيث كان هدفه الاساسى هو حماية الغربين من تأثيرات الثقافة الاسلامية الغازية فقد كانت كتب الاستشراف ومقالاته ودراساته منصبة فى كتابتها للاوربين فقط لالغيره وذلك لهدف مكشوف هو عدم كشف الحقيقة الناصعة عن الاسلام امام العقل الاوربى لكى لايتجه ويتحرك نحو الاسلام وان تكون له نظرة يقتنع كل الاقتناع لصحتها وينظر الى العالم الاسلامى وثقافته وديانته بمنظور استشراقى كاذب بعيد كل البعد عن الحقيقة .وان هذه الكتابات الاستشراقية هى نوع من الدراسة العلمية الموجهة للداخل لابنائهم ولتحقيق الوقاية الثقافية لهم. وقد خاف الغرب على اهله من ان يروا هذا النور الاسلامى على صفائه فيكون لهم شرف الاسلام فقاموا بكتابة بحوث كلها افتراء على الاسلام وعلى نبينا محمد)ص(مما لايصدقه عاقل ولايرضاه اريب ويكفينا ان نقدم رأى فيلسوف غربى عرف بثاقب الفكر وسعة الاطلاع ليكشف لنا زيف هؤلاء الحاقدين على الاسلام حيث قال برنارد شو)لقد طبع رجال الكنيسة فى القرون الوسطى دين الاسلام بطابع اسود حالك اما جهلا واما تعصبا انهم كانوا فى الحقيقة مسوقين بعامل بغض محمد ودينه فعندهم ان محمدا كان عدوا للمسيح ولقد درست سيرة محمد الرجل العجيب وفى رأى انه بعيد جدا من ان يكون عدوا للمسيح انما ينبغى ان يدعى منقذ البشرية(

 13- اختيارتكوين نخبة طلابية علمانية الفكر والمنهج . من العالم الاسلامى والعربى حيث تقوم اولا فى الاستعانة بخريطة نفسية للعالم العربى ورصد كافة الافكار والوعى حسب مختلف مستوياته وطبقاته والاستعانة بضعاف النفوس من الناس والاستعانة ايضا على بعض الزعامات القبلية والطائفية والعرقية واختيار الشباب غير الواعى للدراسة فى الغرب والتى يمكن ان تندمج سريعا بالحياة الغربية وتتبنى فلسفات وثقافات الغرب فى مشروعاتها الفكرية وعن طريقهم يمكن ان يتم الاختراق الثقافى الغربى للعالم الاسلامى وهذا هو الاسلوب الذى يتبعه الغرب والمستشرقون لتوجيه العديد من المفكرين العرب والمسلمين لتبنى النمط الحضارى الغربى. . ان هذه التجارب التى اصطلى بنارها المجتمع الغربى نقلها الاستعمار الاوربى الى العالم العربى والاسلامى خلال فترات احتلاله لبلاده وهكذا فرض الاستعمار على الشعوب العربية المسلمة النظام العلمانى فى اسوأ صورة وقد اعد الاستعمار والمستشرقين جيلا من المثقفين قبل رحيله لايعرفون الا الفلسفة الاوربية بحلوها ومرها واخرج بعض المثقفين العرب الذين يؤمنون بالعلمانية فى التشريعات اللادينية. ومن الامثلة على هذه التبعية كتاب)مستقبل الثقافة فى مصر (للدكتور طه حسين حيث يحدد الاصلاح المنشود بقوله)ولكن السبيل الى ذلك واحدة فذة ليس لها تعدد وهى ان نسير سير الاوربين ونسلك طريقهم حلوها ومرها مايحب منها ومايكره وما يحمد منها وما يصاب(ويقول الدكتور محمد البهى فى كتابه)الاسلام ومشكلات الحكم (فذكر ان الاستعمار سلم الامر لطبقة المثقفين الموجهين من العلمانية اللادينية واوجد طبقة لاتملك الا الاذعان وهى طبقة المتدينين من الجما هير كما اوجد طبقة ثالثة تفتش بأسم الدين عن مبررات للعلمانية وهذه الطبقة من الذين ينتسبون الى الدعوة الاسلامية ويحترفون العمل فى تراث الاسلام(اما المفكر القومى الدكتور عصمت سيف الدولة يصف ذلك فى كتابه)العروبة والاسلام(قائلا)نشأفى كل وطن عربى طبقة قومية الانتماء اقليمية الولاء مادية الباطن اسلامية الظاهر نفعية الغايات يتعلق بها ويتغذى عليها شخوص من الفلاسفة والمفكرين والكتاب والاساتذة والتلاميذ وهى طبقة نشأت مع الاستعمار لتؤدى بالنيابة عنه ولحسابه نقض الحضارة العربية(.

 14- السيطرة على وسائل الاعلام ومراكز الدولة و خلق عملاء لها من المثقفين العرب. لقد مكن الاستعمار والاستشراق لعملائه من المثقفين العرب من السيطرة على وسائل الاعلام ومراكز الدولة وذلك ليمارسوا نوعا من الاستبداد والارهاب باسم الديمقراطية. انهم يتصدون للحل الاسلامى حيث يرون انه يسلب منهم سيادتهم ومزاياهم وسلطتهم فرفعوا الشعارات ضد دعاة الحل الاسلامى وهذه الشعارات منها لاللفتنة الطائفية لاللتجارة بالدين للارهاب الدينى لاللتخلف والرجعية لاللحكومة الدينية والظلامية. وبهذا حكم هؤلاء على انفسهم ومسلكهم ومنهجهم بانهم ضد الاسلام نفسه وان تظاهروا بغير ذلك فلو كانوا مع الاسلام كما يقولون وانهم ضد الانحراف به او الاتجار بالدين لتقدموا هم بالحل الاسلامى الصحيح والمناهج الدينية الصحيحة وكان هذا هو منهجهم الذى يتمسكون به ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك خلال النصف الاخير من القرن العشرين على الاقل. ولهذا تنكر هؤلاء للديمقراطية بنفس الاسلوب الذى لاينطلى على احد وهو ادعاء انهم احرص على الديمقراطية من ان تصبح بيد دعاة الاسلام فيكفرون بها وينهالون عليها. واذا كان هؤلاء الذين يعادون التشريع الاسلامى قد تظاهروا امام شعوبهم الاسلامية انهم ليسوا ضد الدين بل يرفضون فقط المتاجرة بالدين للوصول الى الحكم فان غير المسلمين من المفكرين والسياسين كانوا اكثر صراحة ووضوحا فأعلنوا رايهم بتخوفهم من سيادة التشريعات الاسلامية فى البلاد العربية وعللوا ذلك بالخوف على الشعوب العربية من تحكم الحكومة الدينية وتسلطها على الشعوب.

 15-اعتبار الخلافة ليس من اصول الشريعة. لقد اقام الرسول نظام الدولة والسلطان فى المدينة وتولى الحكم فيها واقامه على الشريعة الاسلامية من اول يوم ولم تكن ايات التشريع قد نزلت بعد فجعل عقيدة الدولة شهادة ان لااله الا الله وان محمدا رسول الله اساس حياة المسلمين واساس العلاقات بين الناس ثم لم يكتف بذلك بل شرع الجهاد وفرضه على المسلمين لحمل هذه العقيدة للناس. وهذا كله يدل على ان اساس الدولة التى فرضها فى المدينة هو الشريعة الاسلامية اذ ان الرسول اقام السلطان على اساسها وامر بحمل السيف فى سبيل ابقائها اساسا للسلطان وامر بالجهاد من اجلها. ويمكن ان نجد اسس هذه الدولة الاسلامية التى اسسها الرسول فى المدينة قائمة على الجهاد وكان الجهاد هو العمل الاصل الذى دأب عليه الرسول منذ ان استقر بالمدينة الى ان التحق بالرفيق الاعلى وكان فى المدينة هو رئيس الدولة. ومنذ ان استقر بالمدينة جعل علاقته الخارجية العمل الاصلى وشغل الدولة كلها مابين الغزوات وعقد المعاهدات وكلها كانت من اجل تبليغ الاسلام وحمل دعوته للناس وحين احسن بقوة الدولة وقدرتها على القيام بحمل الدعوة دوليا بعث فى وقت واحد اثنى عشر رسولا الى اثنى عشر ملكا يدعوهم الى الاسلام وحين اطمأن الى قوة الدولة فى الجزيرة العربية ودخول الناس فى دين الله افواجا تطلع الى غزو الروم وهذا ايضا دليل قاطع على ان الرسول قد كون دولة اسلامية واصبح على عاتق هذه الدولة حمل ونشر الدعوة الاسلامية لان هذا عملها الاصلى وفرض عليها. الا انه مع الاسف هنالك بعض المفكرين الاسلاميين العرب وخاصة الدكتور على عبد الرازق وقد اعتمد فى تأليف كتابه)الاسلام واصول الحكم(كل الاعتماد على المستشرقين الغربيين فى ترديد ارائهم وكتاباتهم وفرط كل التفريط فى الرجوع الى المصادر العربية الاصلية على كثرتها واهميتها وتوفرها وهو يدور حول ان الخلافة نظام تعارف عليه المسلمون وليس فى اصول الشريعة مايلزم به والادهى من ذلك انه يخرج الاسلام كتشريع من حياة المسلمين بدعوى ان الدين شعائر فقط. وان النبى لم يقم بتاسيس دولة او مملكة ولم يراس حكومة وما كمان الا نبيا لدعوة دينية خالصة. وقد تاثر بالمستشرق السير توماس ارنولد الذى زعم انه ليس هناك سند قرانى فيما ذهب اليه الفقهاء من ضرورة اقامة الخلافة متجاهلا قول الله لنبيه داود)ياداود انا جعلناك خليفة فى الارض فأحكم بين الناس بالحق(وقول النبى)الائمة من قريش(رواه البخارى وقوله)عليكم بالسمع والطاعة ولو تأمر عليكم عبد(بل ان النبى اختار اسم الخليفة لانه يخلفه فى الرئاسة حيث قال) اوصى الخليفة من بعدى بالمهاجرين الاولين(البخارى. وقال المفكر القومى الدكتور عصمت سيف الولة فى كتابه)العروبة والاسلام (ان الشيخ على عبد الرازق عندما شغل نفسه بهذا الكتاب كان مايزال عند مستوى الطلبة المبتدئين فى دراسة اصول الحكم حيث شغل نفسه بهذا الموضوع المعقد ولم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين من العمر وهذا العمر لن يتيح لصاحبه الا تحصيل الحد الادنى من المعارف العلمية والنضج الفكرى اللازم للمجتهدين ولهذا فالخلل الجسيم فى البناء الفكرى للكتابة يرجع الى جهله جهلا يكاد يكون تاما باصول الحكم حيث ذهب الى احكام لم يقل بها احد من البشر الا هو. اما العلمانيون العرب فى الوقت الحاضر الذين سيطروا على وسائل الاعلام فانهم يدعون ان الشيخ على بطلا فى مواجهة الانجليز والازهر وتقدم ادلة عنه غير صحيحة مثلما يعتبرون الدكتور طه حسين وكتابه فى الشعر الجاهلى على انه ضحية للفكر الحر وكل ذلك تحريف للوقائع والتاريخ فطه حسين فى كتابه يكذب القران الكريم وينكر الوقائع التاريخية فيزعم ان ورود قصة ابراهيم واسماعيل فى القران والتوراة ليس دليلا على ثبوت ذلك تاريخيا. ومازالت تظهر فى العالم العربى كتب لاسماء اسلامية تساند هذه الخطة الاستشراقية فتزعم انه لايوجد نظام للحكم فى الاسلام فهو ليس الا رسالة روحية ولاصلة له بنظم الحكم ومن يطالب بتطبيق احكام الاسلام انما يسعى لعودة الحكم الاسلامى على طراز الحكومة الدينيية فى اوروبا. وهذا الدكتور فرج عودة فى مقالته وكتبه طعن فى القران الكريم حيث لمز قول الله تعالى فى سورة البلد)لااقسم بهذا البلد وانت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الانسان فى اكبد ايحسب ان لن يقدر عليه احد(فقال الكاتب)من يقسم معنا بهذا البلد؟ ومن يقول معنا بحل هذا البلد؟ وبوالد وما ولد؟ ومن يقول معنا ان الانسان قد خلق فى كبد؟ (والغريب ان يزعم هؤلاء الكتاب والمفكرين العرب العلمانيين انهم يدافعون عن الاسلام ويعملون على كشف نوايا اصحاب الاسلام السياسى حيث يريدون الحكم باسم الدين ويدعون ان مسائل نظام الحكم ليس لها هذه التسمية فى كتب الفقه انهم ينسون او يتجاهلون ان كتب الفقه الاسلامى تناولت مسائل نظام الحكم تحت اسماء اخرى هى الامامة واهل الحل والعقد واهل الشورى. اذن العلمانيين يدعون ان الشريعة الاسلامية ليس فيها اى نظام للحكم . لقد قدم لنا فقهاء الاسلام عددا كبيرا من البحوث والكتب فى السياسة الدستورية والدولة وشرح مفاهيم الاسلام بهذا الخصوص.لدينا مؤلفات كاملة لها قيمتها فى توجيه السياسة الداخلية للدولة. ومن اهم هذه المؤلفات.

اول من قام بترجمة كتاب السياسة لافلاطون وارسطو الى اللغة العربية هو اسحاق بن حنين وقد تأثر علماء الاسلام بهذه الكتب والترجمات وقد تتابعت مؤلفاتهم فيه بعد ذلك فظهر كتاب السياسة لقسطا بن لوقا بالعربية وقد تأثر فيه بفلاسفة الاغريق والف الفيلسوف الكبير الكندى اثنى عشر كتابا فى السياسة منها الرسالة الكبرى وسياسة العامة. والف احمد بن الطيب تلميذ الكندى كتابين)السياسة الكبير (و)السياسة الصغير(والف فيلسوف الاسلام الفارابى فى علم السياسة ثمانية كتب منها)السياسة المدنية()المدنية الفاضلة(ثم الف ابن ابى الربيع كتابا سماه)سياسة المالك فى تدبير الممالك (والف ابو بكر الطرطوشى كتابا سماه)سراج الملوك(والف الامام الماوردى الشافعى كتابه)الاحكام السلطانية(والف الامام الحنبلى كتابا سماه ايضا)الاحكام السلطانية(والف الجاحظ كتاب)التاج فى اخلاق الملوك(والف الامام ابن تيمية كتاب)السياسة الشرعية لاصلاح الراعى والرعية(والف ابن قيم الجوزية كتاب)الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية وهناك عدد كبير من الكتب الاخرى لاحاجة لذكرها هنا.

فاذا نحن اضفنا هذا التراث القيم الذى قدمناه وهو على كثرته لايمكن المجال لذكرها جميعا هنا لانه خاص بالبحوث السياسية. فأن هذه الكتب التى ذكرتها هنا كلها تعالج السياسة الواقعية لاسياسة الاسلام نفسه لانها كتبت مثلا للخلفاء والسلاطين والحكام بقصد تبرير حكمهم. ونحن نعترف بذلك الا ان هذه الكتب تعتمد على مقررات الاسلام العامة والمهم ايضا ان هذه الكتب تثبت وتعلن ان فقهاء الاسلام لهم مؤلفات وبحوث هامة فى علم السياسة ونظام الحكم وان نظام الدولة الاسلامى لها مفهوم فى الدين.       

 16- هؤلاء المستشرقون والعلمانيون يدعون ان الشريعة الاسلامية ليست عالمية لجميع البشر بل انها ديانة محلية خاصة بالعرب فى رقعة معينة من الارض و تقتصر على الشعائر التعبدية فقط وان الذين يطالبون بتطبيق احكام الشريعة يحرفون هذا الدين. ان هؤلاء انما يرددون اقوال خصوم الاسلام واعدائه فأن بعض المستشرقين ومنهم كايتانى فى كتابه)حوليات الاسلام(يحاول انكار عالمية رسالة النبى فيزعم ان ابن هشام فى السيرة لم يذكر لابن اسحاق المصدر الرئيسى لرسائل النبى الى ملوك العرب والعجم ويصل من هذا التضليل الى تضعيف هذه الرسائل ولاشك ان المستشرق لايجهل ان السيرة النبوية لابن هشام قد اوردت هذه الرسائل بروايتين احداهما لابن هشام بسنده عن ابى بكر الهذلى والاخرى لابن اسحاق بسنده عن يزيد بن ابى حبيب المصرى فالمستشرقون يحرفون الروايات التاريخية محاولين الطعن فى الاسلام وفى رجاله الاوائل وقادته. والكتاب العرب المناهضون للشريعة الاسلامية يتتلمذون على هؤلاء المستشرقين وينهجون نهجهم ويسلكون مسلكهم مع فارق واحد هو ان المستشرقين لايدعون انهم مسلمون يدافعون عن الاسلام كما يفعل كتاب العرب وبالتالى فالخصوم العرب اخطر على الاسلام من غير المسلمين. الا ان الدكتورة لورا فاجليرى استاذة بمعهد الدراسات الشرقية بميلانو ردت على هذا الادعاء فى كتابها تفسير الاسلام قائلة عن الاسلام)ويعتبر ذلك الجزء من القران الذى يشير الى عالمية الاسلام كدين انزله الله على نبيه رحمة للعالمين يعتبر هذا الجزء نداء مباشرا للعالم كله ويقطع ذلك بأن النبى كان يشعر شعورا اكيدا ان رسالته يجب ان تتعدى حدود الامة العربية وانه كان عليه ان يبلغ الكلمة الجديدة للشعوب من مختلف الاجناس واللغات(وتستمر قائلة)ومثل تلك الرسالة كان لابد وان تكون رسالة عالمية لكل البشر دون ماتمييز بجنس او قومية(

 17- اهتمام المستشرقين فى قضية الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية..فى البلدان الاسلامية بينما نراها تفعل العكس فى البلدان الغربية حيث جاءت العلمانية لتحد من ظلم رجال الكنيسة ولتمنع القوانين والنظريات الظالمة التى تبنتها الكنيسة زاعمة انها من عند الله من الاستمرار فى الظلم. ولكن ديننا مختلف تماما عما هو عليه الحال فى المسيحية لان دين الاسلام هو دين الحياة والفطرة فأرتقت الحياة فى ظله وعندما اقصى عن الحياة تأخرنا وهزمنا. وهل حقا تم الفصل بين الدين والدولة فى الدول الغربية؟ كلا لم يحدث هذا الشىء مطلقا والدليل على صدق قولنا يأتى من واقع الحياة عندهم فأنه بأستثناء غل ايدى رجال الكنيسة وفصل الدين عن القانون الرومانى لم يتغير شىء فى العالم الغربى الدين لايزال موجودا عندهم والتعليم الدينى لايزال موجودا. والدول الغربية مازالت تدفع الاموال الطائلة الى الكنائس لتنصير الشعوب بل تحارب من اجل دعوة حقوق الانسان بأسم الدفاع عن حقوق الاقليات المسيحية فى البلدان الاسلامية. والحكام والزعماء فى الدول الغربية لايكلون ولا يملون من التفاخر والاعتزاز بالدين الذى ينتسبون اليه يقول ايوجن رستو مساعد وزير الخارجية الامريكية ومستشار الرئيس جونسون الاسبق لشئون الشرق الاوسط عالم 1967)ان الظروف التاريخية تؤكد ان امريكيا هى جزء مكمل للعالم الغربى فلسفته وعقيدته ونظامه وذلك يجعلها تقف معادية للشرق الاوسط بفلسفته وعقيدته ونظامه المتمثلة بالدين الاسلامى ولاتستطيع امريكيا الا ان تقف هذا الموقف فى الصف المعادى للاسلام والى جانب العالم الغربى والدولة الصهيونية لانها ان فعلت عكس ذلك فانها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها(هذه هى العلمانية فى الغرب حيث كان فصل الدين عن السياسة هو فصل ادارى. اما العلمانيون فى البلدان الاسلامية فانهم بأسم العلمانية يريدون خلع الاسلام من قلوبنا وهدم المساجد وازالة القران من حياتنا وحتى لباسنا تدخلوا فيه طالبين منا التحرر والتعرى وهتك الحجاب من فوق رؤوس المتحجبات. وان دلت هذه الفكرة على شىء فانما تدل على ضحالة فى العلم وسطحية فى الفكر وجهل تام بكتاب الله القران الكريم ذلك لان القران قد اهتم بالسلطة الزمنية اهتمامه بالسلطة الروحية سواء بسواء قال الله)ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا(فاذا كان الله قد اصطفى للناس انبياء لربطهم بدينهم فقد اصطفى ايضا للناس ملوكا لربطهم بديناهم وامور حياتهم. على هؤلاء العلمانيين العرب ان لا يقدموا العقل على الوحى ويعجبوا بهذا الاستشراق وان لايعيروه اهتماما ولا ان يقيمون لهم وزنا فى عالم البيان ويقعوا دون ان يدروا فى هذه الهوة فى محاربة الله ورسوله كما وقع فيه محمد عبده حين اراد ان يدافع عن العقل فرفعه فوق الوحى فهوى كما هوت المعتزلة من قبله وعلى هذا فان قضية الفصل بين الدين والدنيا لامجال لها فى دين الله بل بالعكس فان الاسلام اهتم بالسلطة الزمنية اهتمامه بالسلطة الروحية سواء بسواء.

إلى صفحة مقالات وأراء11