21/10/2006

 

المزمور المائة والحادي والخمسون لبنديكت السادس عشر

 

 بقلم : سعد داوود قرياقوس

 ما كنا نأبه أو نهدر وقتا في الرد على ما صدر عن أسقف روما بنديكت السادس عشر لو أنها صدرت عن شخصية اعتيادية، أو صدرت عن كاتب أو مفكر معروف، لكن ان تصدر عن شخصية دينية ذي ثقل عالمي يتبعها مئات الملايين من أبناء الكنيسة الكاثوليكية، فإن الأمر يحتاج إلى التصدي والإدانة .

 

الغريب في طروحات الاسقف بنديكت خرقها لتقاليد فاتيكانية التزمت احترام مشاعر المنتمين للاديان الاخرى، وحرصت على تشجيع الحوار والفهم المشترك والعلاقات الجيدة بين الاديان، ولاسيما الحوار المسيحي- الاسلامي، وتناقضها مع المواقف المعلنة للفاتيكان و البابا السابق المؤيدة لقضية الشعب الفلسطيني، والمضادة لمشروع احتلال العراق ومطالباته المتكررة في رفع الحصارعن شعب العراق.

في محاضرة القاها في جامعة راتيسبون الالمانية قبل ايام، قدم الاسقف بنديكت جملة من طروحات عكست قدرا كبير من الجهل في الفكر الاسلامي، وتضمنت تفسيرات خاطئة لمعتقدات اسلامية وعربية اساسية اهمها مبدأ الجهاد، واثارت موجه هائلة من ردود الافعال والانزعاج المفهوم وتذمر اوساط مختلفة اهمها بالتاكيد الملايين من المسلمين .

هذا التصرف الخاطي واللا مبرر واللامسؤل لا يمكن تجاوزه بسرعة، ولن يخفف من اثاره السلبية اعلانات الاسف والاعتذار الصادرة عن المكتب الاعلامي للفاتيكان، فالرجل ليس شخصية عادية، ومحاضرته لا تكتب وتوقت بشكل عشوائي، بل تنظم وتحدد وفق اجندة سياسية ودينية .

 

من المهم ان نثبت بان من حق الاسقف بنديكت واعضاء الكنيسة الغربية ان لا يؤمنوا في قيم الجهاد واهميته في الدفاع عن الاوطان وتحريرها من محتليها الاجانب، لكن من حق المسلمين ايضا ان يؤمنوا في هذا الواجب الشرعي، والقانون الانساني الفعال، ولهم الحق في تطبيقه عند تعرض اراضيهم للغزو والتدمير، وسيادتهم للمهانة والمصادرة، كما هي عليه الحال في فلسطين والعراق وافغانستان.

والحقيقة ان هذا الفرض ليس حكرا على العرب المسلمين، بل اتخذه العرب النصارى نهجا مقاوما لهم ايضا، والتزموا به عند دفاعهم عن كرامة الامة العربية وعزتها في جميع المعارك التي خاضتها الامة ضد اعدائها التقليدين والجدد.

لن نتوسع في مناقشة تفاصيل الطروحات الاستفزازية لتي قدمها بنديكت السادس عشر، ولن ننتقد اسلوب طرحه لافكاره من خلال اقتباس مقولات ونصوص كتاب ومفكرين اخرين، والاشارة الى احداث تاريخية غير موثقة. ما يهمنا من تلك الطروحات غير المسؤولة، توقيتها وارتباطها بالحملة المعادية للعرب والمسلمين، وفي محاولات التشويه الفكري للاسلام و"ارهبته" ان صح التعبير.

 

ثمة جملة من الملاحظات المتعلقة بمضمون طروحات الاسقف بنديكت وتوقيتها نود ان نثبت اهمها :

1. من الصعب تجاوز موضوع التوقيت الزمني للمحاضرة، وتزامنها مع الذكرى الخامسة لاحداث الحادي عشرمن سبتمبر. الواضح ان توقيت المحاضرة لم يكن مصادفة بل جاءت ضمن المهرجانات التي اقامتها حكومات الدول والمنظمات المؤيدة للادارة الامريكية، اعترف المسؤولين في الفاتيكان بذلك ام لا.

 

2. ان تضمين المحاضرة طروحات مستفزة لشعورالعرب والمسلمين تشكل محاولة واضحة للتقرب من قيادة المنظمات الصهيونية العالمية، وتحسين العلاقة معها لتهدئة قلقها من انتخابه رئيسا للكنيسة الكاثوليكية، وتعليق ملف تعاطفه السابق مع الحركة النازية في المانيا خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية.

 

3. لا يمكن تفسيرمضمون محاضرة الاسقف بنديكت وتوقيت طرحها في معزل عن حملة تشويه الاسلام وفكره، وتقديمه كاحد مصادر الارهاب العالمي او الفاشية كما اشاراليها جورج بوش مؤخرا. بوادرهذه التوجهات العنصرية بدات في الظهور اثر انتهاء الحرب الباردة، وتبلورت ملامحها بشكل اوضح، بعد صدور كتابات صاموئيل هنتنغتون وغيره من المحافظين العنصريين، والتي يقودها مرحليا محافظو واشنطن الجدد، وتديرعملياتها ادارة بوش.

طروحات الاسقف بنديكت، مقصودة كانت ام لا، تخدم مخطط تصعيد الصراعات القومية والدينية عالميا، وتساهم في مناخ ملائم للاقتتال الديني، وتصعيد مستوى الكراهية ضد المسلمين، وبشكل قد يساعد على ايجاد مبررات لتدخلات اجنبية في الوطن العربي مستقبلا، وبلا شك تدعم مشروع الهيمنة الكوني الامريكي، ولا سيما المشروع الامريكي في المنطقة العربية.

 

4. من الواضح ان طروحات الاسقف بنديكت تعكس جهلا كبيرا في تاريخ الاسلام والفكر الاسلامي، وجهلا في شكل وعمق العلاقة بين العرب المسلمين وابناء الاديان الاخرى التي قامت على اسس التسامح والفهم المشترك والوحدة الوطنية والمصيرالواحد لفترة القرون العديدة الغابرة. لا غبار في اشارته وبشكل مراوغ الى ان انتشار الاسلام جاء نتيجة لفرض الدين الجديد بحد السيف مغالطة واضحة تعكس جهلا عميقا في التطورات التاريخية في المناطق التي انتشر فيها الاسلام، ويبقى راي لا تدعمه الحقائق التاريخية.

المسلم به تاريخيا ان الهدف من زحف جحافل التحريرالى ارض السواد وبلاد الشام لم يقتصرعلى نشرمبادىء الدين الجديد، بل لتحرير القبائل العربية من نيرالاحتلالين الساساني والبيزنطي ايضا، من هنا فان استخدم القوة المسلحة لم يكن لهدف اجبارسكان المناطق المفتوحة لاعتناق الدين الاسلامي، بل لدحرالمحتلين للارض العربية.

ان الدليل الاكثر قوة على خطأ صحة مقولة انتشارالاسلام بحد السيف، يتمثل في الكيفية التي انتشر فيها االدين الاسلامي في دول ماليزيا واندونسيا وغيرها من المناطق التي اعتنق سكانها الدين الاسلامي طواعية، بعد قناعتهم وايمانهم في قيم الاسلام وانسانيته التي نقلها اليهم التجارالعرب المسلمين. اسباب انتشار الدين الاسلامي في اوربا وامريكا الشمالية وغيرها من اقاليم الارض لا تختلف عن اسباب انتشاره في دول قارةاسيا واقاليمها .

 

5. من الغرابة ان يغفل الاسقف بنديكت وهو يتكلم عن العنف، عن ذكر الجرائم اللانسانية المخجلة للذاكرة المسيحية والتي ارتكبتها الفاتيكان وبابواتها عبر التاريخ، وتناسى ملايين الضحايا اللذين قتلوا باسم الرب، ولتثبيت سلطة الكنيسة الكاثوليكية وتصفية خصومها من مسيحيي المذاهب الاخرى، وتناسى جرائم محاكم التفتيش، وضحاياها من العلماء والمفكرين اللذين عذبوا حتى الموت في اقبية الفاتيكان لطرحهم نظريات علمية وفكرية صحيحة، لكنها تناقضت مع المعتقدات المتخلفة السائدة في الفاتيكان في تلك المرحلة.

ان خطورة القضية وتعقيداتها وابعادها وما قد تحمله من اشكاليات ومخاطر على امن وسلامة المنطقة العربية بشكل عام وعلى امن وسلامة النصارى العرب بشكل خاص تتطلب تثبيت النقاط التالية:

 

الاولى : ان احترام النصارى العرب للقيم الانسانية الراقية التي يحملها الدين الاسلامي الحنيف، والدورالمهم لهذا الدين السماوي في تثبيت معاني الاخلاق وقيم الثقافة والانسانية، وقناعاتهم في تاريخ الاسلام والمسلمين، قناعات راسخة ومتجذرة كتجذرحبهم للارض العربية، ولن تغيرها طروحات رجل يجهل تاريخ المنطقة كبندتكت السادس عشر.  

لقد كان النصارى العرب وسيبقون جزء من الامة ومقاتلين اوفياء لقيمها، وان تاريخهم وعطائاتهم معروفة وموثقة، قائمة اسماء اللذين ساهموا في الدفاع عن الامة العربية، وساهمو في اغناء حضارتها ونشرها طويلة، وسنقتصرعلى ذكر اسماء المقاتلين عن كرامة الامة ووحدتها فقط امثال هاني بن مسعود الشيباني، وجول جمال، والرفيق ميشيل عفلق وانطون سعادة، وجورج حبش والرفيق طارق عزيز وجورج حاوي ووديع حداد وفارس الخوري وناجي علوش وابراهيم علوش وبطرس البستاني، وابراهيم اليازجي، ونايف حواتمة وكمال ناصر، والمئات من المفكرين والسياسيين على امتدا الوطن العربي.

 

الثانية: على الاخوة العرب المسلمين ان يدركوا ابعاد هذه التصريحات وعلاقتها بالمخطط الخبيث المعادي للعروبة والاسلام، والعمل على تفويت الفرصةعلى اعداء الامة من خلال التمسك باسس الوحدة الوطنية والقومية ومقوماتها، والحفاظ على امن وسلامة ابناء عمومتهم العرب النصارى، وترسخ الوحدة الوطنية والقومية، وغلق الفرص امام مصممي هذه المخططات الحاقدة، وعليهم ان يدركو تماما بانهم الاقرب والاحب لاخوانهم وابناء عمومتهم شركائهم في الوطن والقومية من الاسقف بنديكت وامثاله. وعليهم ان يتاكدوا بان طروحات الاسقف بنديكت لا تعبرعن ارائهم و قناعاتهم بل على العكس من ذلك تماما، فانهم يشجبونها ويدينونها بقوةلانها تمثل اساءة اليهم قبل ان تسىء الى ابناء عمومتهم، وانها تسىء الى تاريخهم وتراثهم العريق.

 ان اقل ما يمكن ان يقال عن طروحات الاسقف بنديكت، انها طروحات مدانة ومرفوضة ،لاسيما انها صدرت عن شخص يفترض به احترام المسؤولية، وتتعارض مع قيم المحبة والتسامح التي تدعو لها الديانة المسيحية، وان عليه ان يعتذرلا من مسلمي العالم بل من مسيحييه ايضا وخاصة من النصارى العرب لقيامه بظلم واهانة ابناء عمومتهم وجيرانهم واخوانهم ورفاقهم وزملائهم.

ان الرد الاكثر فعالية على هذه التصريحات يكمن في سعينا جميعا لترسيخ مرتكزات وحدتنا الوطنية والقومية ورفع وتائر المقاومة العربية والاستمرار في نهج المصير الواحد وان نجعل من المساجد والكنائس مدارس لتعزيز الشعور الوطني ومراكز لتوطيد الوحدة الوطنية والقومية.

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء 11