21/10/2006

 التاريخ لن يرحم قادة الأكراد

  بقلم : إياد محمود حسين


 في المحكمة الأولى لصدام قال المدعي العام ذو الميول الطائفية، إن الذين قتلوا في الدجيل لم يقتلوا إلا لكونهم شيعة. واليوم نسمع في المحكمة الثانية إعادة الألحان النشاز القديمة مرة أخرى، فالمدعي العام يحمل في تفكيره نفس المبادئ الطائفية، ويكرر التهمة ذاتها في محاكمة الأنفال، فهما الاثنان من طينة واحدة، فيقول إن هؤلاء المائة والثمانون ألف كردي لم يكن لهم ذنب إلا إنهم أكراد. بينما إن منظمة حقوق الإنسان شككت بهذا العدد الضخم، وقالت ربما يصل عددهم إلى خمسون ألف فقط.

 لقد اشمأزت أذواقنا من سماع أنغام هذه الاسطوانة الأمريكية الغربية المشروخة، التي تطرش الأذان من صخب أدواتها الموسيقية، والتي عنوانها عشاق ومحبي (أهل البيت) الأبيض التي يرددها دوما الحكيم وبطانيته في حسينياتهم وخطبهم الدينية، وهذه الحثالات لن تتوقف عن أسماعنا هذه الألحان الفاسدة، التي أكل عليها الدهر وشرب، إلا بعد إن تنتصر المقاومة بأذن الله على هؤلاء الطغاة الدكتاتوريين الجدد، وتؤسس المحاكم الثورية الحقيقية ضدهم، وبعدها سيطالب المدعي العام الثوري الشرعي بإعدام الذين تلطخت أيديهم بقتل أكثر من ثمانون ألف مواطن عراقي الذين لم يكن لهم ذنب إلا لكونهم من أهل السنة. سيقف الطالبانى في قفص الاتهام يوما ما، فالتهم التي سوف توجه ضده كثيرة، ومن أهمها إن عصابات جلال الطالبانى هي التي اغتالت بدم بارد تسعة من أساتذة جامعة السليمانية العرب خلال الفترة من كانون الثاني إلى 16 حزيران 1981 لا لشيء إلا لأنهم عرب.

أصحاب الطائفية من الصفويين الحاقدين على كل عربي توارثوا أحقاد سوداء دفينة في نفوسهم المريضة، وعقولهم المتعفنة، لأنها تعيش ثأرات تاريخية تقطر سموما، ويروج لها أصحاب العمائم النتنة الفارسية الأصل. هؤلاء الذين يسيرون المواكب المليونية من اجل التعبير عن حزنهم العميق لمقتل بعض من أئمتهم، ليس هدفهم البكاء واللطمية بقدر ماهو الانتقام من المواطنين العراقيين السنة. لقد تخدرت عقولهم بأفيون القصص الخيالية حول كيفية مقتل هؤلاء ألائمة الكرام، حتى وصلت الخرافات في عقول هؤلاء البشر إلى ابعد حدود اللاعقلانية. يقول لنا ابن الشجري في كتابه (الامالي) عندما يشير إلى إن الندب والنواح على الحسين ليس انسيا أو ارضيا فحسب، بل هو طقس مقدس أتت أحداثه في عالم أخر، حيث يشير إلى إن أهل المدينة كانوا يسمعون نواح الجن على الحسن. فأبن الشجري يروي لنا في كتابه نواح وبكاء الجنيات لكي يتوصل في نهاية الأمر إلى قداسة شخصية الحسين.

وألان جاء دور عرض مسرحية الأنفال بدون حلبجة على مسرح المنطقة الخضراء، التي تحوي الدوائر الحكومية جميعها ومن ضمنها المحكمة الطائفية الثورية المقدامة. وأبطال هذه المسرحية الذين شاركوا في تجهيزها وإخراجها وكتابة السيناريو لها هم قوات الاحتلال بالتحالف مع قادة الأكراد، ومحبي (أهل البيت) الأبيض. وقد اكتفت أمريكا بعرض المشهد الأول عن عملية الأنفال، وتغاظت عن المشهد الثاني الذي عنوانه عملية حلبجة، لان الأحداث الدراماتيكية في هذه المسرحية تدين الإيرانيين.

ووفق مطالعات مستندة إلى وثائق أمريكية، وشهود أمريكيين منهم الكاتب الأمريكي الشهير جوناثان راندل في كتابه (امة في شقاق) كشف الحقيقة في دور الطالبانى في مساعدة الحرس الثوري الإيراني المجرم على دخول حلبجة أثناء الحرب العراقية – الإيرانية. ويقول راندل (انه مابين الأنفال وحلبجة شهر واحد، فأن البشمركة الكردية التابعة للحزبين المتحالفين (برزاني طالباني) أصبحت على بعد اثني عشرة كيلومترا من مدينة راوندوز التي لا تبعد عن بغداد بأكثر من خمسين كيلومترا، فهل كان على بغداد إن ترفع العلم الأبيض، أو إنها تقدم الحلوى لمارقين يعملون بكامل الغدر خلف جبها تم الوطنية). وجاء أيضا في تقرير معهد كارلابل الحربي التابع لقيادة الجيش الأمريكي في بنسلفانيا، حيث اثبت في التقرير مسؤولية ضرب الغاز مناصفة بين العراق وإيران.

وجاء في شهادة الأستاذ ستيفن بلتير في كتابه (حرب العراق وإيران) بعد زيارة ميدانية لمدينة حلبجة (إن معظم الضحايا في حلبجة كانت شفاهم تميل إلى اللون الأزرق الداكن، وهو ناجم عن استخدام غاز محدد، هو غاز السيانور الذي تمتلكه إيران ولا يمتلكه العراق، أما عوارض غاز الخردل الذي يمتلكه العراق فمختلف تماما عن مؤثرات غاز السيانور) أما مستشار الرئيس الأسبق ريغان السيد جودوانسكي فقد ذكر بعد زيارة ميدانية لحلبجة إلى إن غاز الذي استعمل في حلبجة كان من النوع الذي تمتلكه إيران وهو هيدروجين السيانيد، أو كلوريد السيانوجين.

أما بالنسبة للأنفال فأن القيادة الكردية تعلمت فن الكذب والخداع والتضليل والتطبيل في مأساتهم الكاذبة، ويحاولون دوما فصل النتائج عن مقدماتها، ويضعون اللوم على القيادة العراقية، ويجعلون من أنفسهم الأبرياء المظلومين الذين تلقوا كل هذا البطش والقسوة والقتل الجماعي من قبل الجيش العراقي بلا سبب.

من الواجب على كل باحث منصف دراسة الأسباب والنتيجة بكل موضوعية، وان لا يفصل النتائج عن مقدماتها، ويقدم الشواهد على نتائجها ويستسيغها، ويهمل الشواهد على مقدماتها. فالأنفال حادثة مؤلمة مثل حادثة مدينة الفلوجة التي دمرت عن بكرة أبيها من قبل قوات الاحتلال الأمريكية بعد احتلال العراق. فحادثة الأنفال يمكن إن تحدث في كل الحروب، والتاريخ يقدم لنا أحداث كثيرة شبيهة بأحداث الأنفال، وهي إبعاد السكان المدنيين من مناطق الاقتتال. ويجب علينا إن نثبت هنا حقيقة لا يمكن نكرانها، إن ما حدث هناك كان نتيجة لسبب أقدمت علية الأحزاب الكردية عندما تحالفت مع الإيرانيين، وأقدمت على إدخال الجيش الإيراني إلى داخل الأراضي العراقية، وهذا العمل يعتبر خيانة عظمى يعاقب عليها وفق القانون العراقي المعمول به.

وثم إن هجوم الجيش العراقي كان موجها بالأساس ضد الميليشيات الكردية المقاتلة، وان اغلب القتلى ليسوا من المدنيين، بل أكثرهم من هؤلاء المتمردين الخارجين على القانون، والتي قاتلت إلى جنب الأعداء من الإيرانيين.

وهذه الحقيقة تحاول الأحزاب الكردية التغطية عليها وإخفائها، والادعاء إن جميع الضحايا من المدنيين العزل الأبرياء. ونحن لاننكر من سقوط بعض الضحايا الأبرياء من جراء هذه المعارك. وقد حصل أكراد الأنفال على مساكن وتعويضات ومعونات بعد انتهاء الحرب وتوقفها.

مع العلم للحقيقة والتاريخ إن الميليشيات الكردية كانت تمنع المواطنين الأكراد المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ بقوة السلاح من مغادرة قراهم التي هاجمها الجيش العراقي، وعرضتهم لجريمة القتل من اجل إن تتاجر بدمائهم فيما بعد، وتبكي وتنوح أمام المجتمع الدولي من اجل تحقيق بعض المكاسب السياسة على حساب الأخلاق والضمير، بحجة إن نظام صدام ارتكب أبشع جريمة في التاريخ الإنساني الحديث في الابادة الجماعية. وأطلقت في دعاياتها عبارة (الهلوكوست الكردي) مع العلم إن الجيش العراقي قد طلب من الأهالي العزل الرحيل من مناطق الاقتتال، واستجابوا للرحيل، بينما بقيت قلة صغيرة من المواطنين الأكراد رفضت النزوح، وبقيت في مناطقها، مما اضطر الجيش العراقي إلى إخلائها بالقوة.

لقد كان من المفروض إن يقف كل من الطالبانى والبر زاني وميلشياتهم في قفص الاتهام لتوجه لهم التهمة بجريمة الأنفال، لأنهم كانوا السبب الرئيسي على استفزاز الجيش العراقي، وعلى ما حدث بعدها، لان أياديهم ملطخة بدماء الشعب الكردي، وليس الجيش العراقي.

وألان بعد التحرير الأمريكي للأكراد، وتوزيع الحصص الطائفية على المستضعفين والمظلومين من الطرفين في المعادلة العراقية، وفرض شروطهم على مجمل القرار العراقي، يحلو للقيادة الكردية التبجح ولو كذبا بفردوس الحرية والديمقراطية النابضة التي يعيشها الأكراد في المدن الكردية، والتي لا تضاهيها ديمقراطية حقيقية في العالم قاطبة، وأصبحت هذه القيادة والشوفينية المتعجرفة إلى حد التفاخر والتمني لان تنتقل هذه التجربة الرائدة إلى كل دول منطقة الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى أمريكا جاهدة لا نشأه وتكوينه.

بينما الواقع في شمال العراق يعطي لنا صورة معاكسة ومغايرة لما يدعونه، فالأكراد يهبون ألان وبتواتر ضد الهيمنة العشائرية لحزبي الطالبانى والبرزاني، وأجهزتهم القمعية من مخابرات واسايش التي جهزت مقدما، وأصبحت على استعداد لإجهاض أي تحرك شعبي كردي يطيح بهم وبكياناتهم الإقطاعية الفاسدة المحشوة باللصوص وقطاع الطرق سابقا، وكانت أول انتفاضة للأكراد هي ثورة وهيجان أهالي حلبجة، والتي قمعت بالحديد والنار، وبعدها انتشرت الانتفاضات والاحتجاجات والمظاهرات في جمجمال والسليمانية وجامعة اربيل من قبل الطلبة الأكراد. لقد سقط الكثير من الشهداء الأكراد في هذه الانتفاضات، ناهيك عن مئات المعتقلين.

ربما بعض المخدوعين من الشعب الكردي المسكين والمخدوع لا يصدق إن شريحة كبيرة من الشعب الكردي يحبون صدام، ويفضلونه على قادتهم العشائريين الذين اهتموا بمصالحهم الشخصية والعشائرية أولا على مصالح العشائر الكردية الأخرى، وهموم ومشاكل الأكراد وكيفية حلها وعلاجها.

هؤلاء القادة لا يهمهم شيء سوى شركاتهم وحساباتهم في البنوك العالمية، وقصورهم في أوروبا. لقد بات الأكراد يحنون إلى نظام صدام ويفضلونه على نظام حكم الإقطاع العشائري المتمثل بحكم الإمارتين الشمالية العائدة لعشيرة البرزانى والجنوبية العائدة لعشيرة الطالبانى.

أليس هذا أمر عجيب في زمن العجائب والغرائب وخاصة في عراقنا الجريح؟. ولكن العجب يزول عندما يعرف السبب، ومن أهم أسباب الحسرة والألم والندم هي التجربة القاسية والمريرة التي مر بها الأكراد بعد سقوط النظام الوطني السابق، وشدة المعاناة التي يلاقيها بسبب ظلم وجبروت وقسوة ووحشية وبطش الميليشيات الحزبية الكردية ضد أبناء جلدتهم، وقد خرجت المظاهرات في مدن شمال العراق وهي ترفع صورا لصدام، وهذا خير دليل على إن الأكراد شعروا بالندم على تأييدهم لهذه القيادات الكردية العشائرية، وأصبحوا ألان يعيشون معاناة حقيقية، والخوف والرهبة في قلوب الأكراد من بطش وسيطرة النظام الكردي الحالي، وازلامه البشمركة ودكتاتوريتهم الجديدة. فالحالة الأمنية متدهورة في المدن الكردية بسبب الأجهزة الأمنية القمعية وظلمها، وهناك ألان يقبع في سجون الميليشيات الحزبية تقريبا 200 كاتب ومثقف ومفكر وباحث كردي في سجون الإمارتين.

إنني أقول الحقيقة للقادة الأكراد إن العد التنازلي للهيمنة والسيطرة الحزبية على زمام الأمور في المناطق الكردية الشمالية وخاصة كركوك والموصل قد فلت، وان أطماع قادة الأكراد بدأت بالتلاشي والسقوط إلى المنحدر العميق في مستنقع إلا عودة، وانقلب السحر على الساحر، بعد إن كانوا يطمعون بضم الموصل واقضينها ونواحيها العربية والمسيحية إلى ما يسمى بإقليم كردستان.

لو كان هؤلاء القادة أذكياء وعقلاء لاكتفوا بالمحافظات الثلاث، ولكن التعصب والعناد الكردي المشهور الذي يعشعش في قلوبهم هو الذي قاد الأحداث لكي تصل إلى هذا المنحدر الخطير في ثورة المواطنين الأكراد. لقد جعلوا كل الطوائف العراقية في شمال العراق تقف ضد أطماعهم التي لا حدود لها، ليتهم اخذوا الدروس والعبر من المقاومة الشديدة في مدينة الموصل العربية، وطرد الأكراد منها، وربما سيصل الحال وينتقل عما قريب إلى مدينة كركوك، ويصبح مصير الأكراد فيها مثل ما يحدث لمصير الأكراد في الموصل. وهل هذه القيادة الكردية تأخذ الدروس والعبر قبل فوات الأوان؟.

إن التاريخ لن يرحم العملاء والخونة الذين خانوا وطنهم وساعدوا الكفرة على احتلال العراق، وتدميره وتفريق شعبه وتشريدهم من بيوتهم وأراضيهم. لقد كانوا هؤلاء خير الأداة لتمزيق العراق حسب الطائفية التي يؤمنون بها بأسم العراق الفيدرالي الجديد. ومصيرهم حقا سيكون في مزبلة التاريخ، وتلاحقهم الشتائم واللعنات من كل صوب، كما تلاحق ابن العلقمي. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. صدق الله العظيم.

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء10