21/10/2006

 

النص الكامل لمحاضرة سماحة المرجع الديني الشيخ أية الله حسين المؤيد "دام ظله"

الآفاق المستقبلية للوضع في العراق

التي ألقيت في نادي خريجي الجامعات والمعاهد العراقية

في عمان

بتاريخ 5/9/2006م

تقديم الهيئة الإدارية لفضيلة الشيخ

تقديم عضو الهيئة الأدارية الدكتور وصفي العموش.

إلى الذين ضحوا بدمائهم، لأولئك الذين جعلوا دماءهم نصبا يهدي كل ضال.

إلى شهداء الامتين العربية والإسلامية….. إلى أولئك الذين ضحوا بدمائهم من شرقها إلى شمالها وغربها وجنوبها وشمالها في العراق وفلسطين ولبنان وعلى كل أرض عربية… نقف جيمعا "قارئين سورة الفاتحة على أرواحهم جميعا".

بأسم نادي خريجي الجامعات والمعاهد العراقية نرحب بهذا الحشد المناضل الذي ما توانى في يوم من الأيام أن يقف مع أمته وقضاياها العادلة. 

أنه سماحة المرجع الديني أية الله الامام الشيخ حسين المؤيد دام ظله. فلنرحب به جميعا وأهلا وسهلا به.

أنه مرجع ديني حصل على درجة الاجتهاد المطلق في سن الحادي والعشرين، واصل على مدى أكثر من 18 ثمانية عشر عاما تدريس أعلى مراحل الفقه وأصوله في الحوازات الدينية، المصطلح عليهما بالبحث الخارجي.

يتحرك سماحته في عدة آفاق ومشاريع إستراتيجية منها:

الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب.

حوار الأديان.

حوار الثقافات

المشروع النهضوي العربي- الإسلامي.

الحوار العربي الغربي.

ينتهج منهج الوسطية الدينية، والوطنية السياسية، ويقف في طليعة الداعين والمشاركين والداعمين للمشروع الوطني العراقي، وفي طليعة القوى الرافضة للإحتلال والمعارضة للعملية السياسية الحالية في العراق.

فأهلا وسهلا به بيننا ليلقي الضوء على مستقبل العراق ومحاولة قراءته في ضوء المعطيات الراهنة وليتفضل مشكورا:

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

أشعر أيها السادة الافاضل، والسيدات الفضليات بسعادة بالغة تغمرني وانا التقي بكم في هذا المكان نادي خريجي الجامعات العراقية، هذه التسمية حينما طرقت سمعي، بدأت تعتمل في نفسي مشاعر الفخر والاعتزاز، الفخر بالعراق الذي احتضن أخوته وأبناءه العرب، مساهما في نهضة علمية حضارية عربية إسلامية.

العراق الذي كان على طول التاريخ العربي، العمق الستراتيجي للوطن العربي بأكمله…. العراق الذي كان قاعدة الحضارة الإنسانية، فأعتملت في نفسي مشاعر الفخر، بهذا العراق الذي خرج أجيالا عربية درست في جامعاته ومعاهده.

.... هذا العراق الذي يتعرض اليوم لمؤامرة تهدف إلى فصله عن الجسم العربي، وتهدف إلى قطع إنتمائه بأخوته العرب… هذا العراق الذي كان إختضانه للعروبة ولأبنائها نقطة قوة فيه، يراد تحويل هذه النقطة إلى نقطة ضعف، بعزله عن المحيط الأساسي الذي لا بد أن يتفاعل معه، وجره إلى انتماءات محلية، أو أثنية أخرى تخرج به عن سياق العروبة، وإذا خرجت به عن سياق العروبة فإنها ستخرج به عن سياق الإسلام!

وأشعر بالأعتزاز أيضا، الاعتزاز بكم، أنتم الذين تخرجتم من جامعات العراق، ومن معاهد العراق، وأحتفظتم بهذا الوفاء للعراق وطنا وشعبا. هذه المواقف العروبية التي تؤكد على الوطن وعلى الوطنية، هذه المواقف... قد يفتقدها العراق لدى بعض أبنائه الذين شحنوا شحنا طائفيا أو اثنيا لتذوب عندهم مشاعر الوطنية والانتماء إلى الوطن.

ولهذا حينما نجد أخوة عربا يؤكدون على وطنية العراقيين وعلى أخوة العربي للعراقيين، فلا نملك إلا أن نعتزبهم، وأن نضم أصواتنا إلى اصواتهم.

أيها الأخوة...

قضية أي حدث سياسي، لا يمكن أن تفهم إلا إذا وضعت في إطارها ودرست على ارضيتها ولوحظت خلفياتها.

وقد أخترت أن يكون موضوع حديثي، الآفاق المستقبلية للوضع العراقي لأن هذه القضية هي التي تؤرق الجميع، وهي التي تقلق الجميع، الوطنيون يقلقهم الحرص على مستقبل العراق، على صعيد العراق كدولة ووطن وشعب، وعلى مستقبل أجيال العراق التي تتطلع إلى الأمام…

والعروبيون يقلقهم مستقبل العراق، وما سيؤدي اليه هذا المصير! وإلى أين سيقف العراق؟ وإلى اين سينتمي، وكيف سيؤثر في المحيط العربي؟

الإسلاميون يقلقهم مستقبل العراق، وأعداء العراق أيضا في قلق من مستقبل العراق، لأننا نعتقد بأن مستقبل العالم، وصياغة مستقبل العالم، ستحدد من العراق وبالتالي فإن القلق على مستقبل العراق، هو الأرضية المشتركة التي يقف عليها الموالون للعراق، والمعادون له، ولكن كل من منطلقاته وحسب أهدافه وستراتيجياته.

ولهذا فإن الحديث عن مستقبل العراق يمثل مكانة خاصة وأهمية متميزة.

 كما قلنا قصة اي حدث سياسي، لا بد أن توضع في إطارها، ولهذا فإن الحديث عن مستقبل العراق لا يمكن أن يكون علميا وموضوعيا إلا من خلال رؤية تلامس وتقارب الإطار العام الذي يعيش فيه الوضع السياسي في العراق والمنطقة. وأن نضع هذا الحدث السياسي الهام، على أرضيته، وأن نلحظ خلفياته.

لعل نقطة البداية التي يمكن أن ننطلق منها، للحديث عن كل ذلك، هي الاحتلال! فالأحداث بدأت في صفحة جديدة، وبفصل جديد منذ الغزو الأمريكي الغاشم للعراق…. الذي أدى إلى احتلال العراق وإلى سقوط الدولة في العراق، ويخطئ من يتصور أن الاحتلال أدى إلى سقوط النظام السياسي في العراق وحسب، فهذه نظرة تسطيحية للحدث، فالاحتلال أدى إلى سقوط الدولة العراقية.

منذ الاحتلال حصل منعطف جديد ….. في العراق، وفي المنطقة وعلى الساحة الدولية. لا نريد أن نوغل في الحديث عن دوافع الاحتلال، ومنطلقاته، فهذه قضية أصبح يعرفها حتى الطفل الصغير. والكل يعلم أن هذا الاحتلال لم يكن لمصلحة الشعب العراقي ولم يكن منسجما مع الشعارات البراقة الزائفة التي رفعها المحتل وأنما خلاصة القضية، هي ان الولايات المتحدة الأميريكية بعد أن خرجت منتصرة من الحرب الباردة، اتجهت ستراتيجيتها لكي تكون القطب الاوحد للعالم، وأن يكون العالم خاضعا لقيادتها وهذا هو جوهر النظام العالمي الجديد. وسيطرة الولايات المتحدة كقطب اوحد لا يسمح بظهور منافس له، يشكل معه ثنائية أو ثلاثية قطبية يتوقف على تحويل كل المناطق الستراتيجية في العالم إلى مناطق نفوذ امريكي.

وتعد المنطقة العربية ومنطقة الخليج على وجه التحديد، من أهم المناطق الستراتيجية الحيوية في العالم. فأتجهت سياسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحويل هذه المنطقة، إلى منطقة نفوذ أمريكي بالكامل وما عادت معاهدة سايكس بيكو التي جزأت الوطن العربي إلى كانتونات جيوسياسية، ما عادت كافية في فرض الهيمنة التي تريد الولايات المتحدة الامريكية بسطها على الوطن العربي وعلى العالم الإسلامي.

وبهذا أضيف إلى موضوع التمزيق السياسي الجغرافي، موضوع التفتيت الثقافي وتمزيق النسيج الاجتماعي لشعوب المنطقة والعمل على ضمان تفوق (إسرائيل)، بنزع سلاح العرب، والقضاء على البؤر المناهضة للهيمنة الأجنبية، وعلى التيارات المناهضة لهذه الهيمنة، وأهمها تياران:

التيار القومي العروبي بكل تلاوينة والتيار الإسلامي أيضا بكل تلاوينة.

واختيار العراق كمنطلق وبداية لموقعه الستراتيجي الحيوي في قلب هذه المنطقة، ولوجود مبررات وذرائع أراد المحتل أن ينطلق منها، لأنها تجعل من العراق الساحة الاضعف، ولهذا كانت البداية من العراق…..!

فإذن منطلقات الاحتلال معروفة …. ولا نريد أن نتعمق في شرحها لأنها واضحة للجميع.

فالبداية إذن، كانت هي الاحتلال. هذا الاحتلال الذي أوجد أول ما أوجد في داخل المجتمع العراقي إنقساما سياسيا.

 صورّّّّّّّّّّّّّ هذا الانقسام، على أنه إنقسام سياسي بين نظريتين في مواجهة الإحتلال:

بين نظرية تواجه الاحتلال بمقاومة عسكرية

وبين نظرية تواجه الاحتلال بمقاومة سياسية.

هكذا صور الإنقسام السياسي في العراق بعد الاحتلال. ولكن هذا التصوير.... تصوير خاطئ!

فالإنقسام لم يكن قائما على هذا الاساس، وإنما كان الانقسام بين نظرية اختارت مواجهة الإحتلال ومشروع الاحتلال، وبين نظرية أرادت أن تحصل على مكاسب سياسية من خلال التماشي مع مشروع الاحتلال.

فالانقسام في المجتمع العراقي قائم على هذا الأساس وهذا تصدع كبير وخطير في داخل المجتمع العراقي، مهما حاول أصحاب النظرية الثانية من تغطية وتقنيع حركتهم السياسية فهي في الحقيقة أبعد ما تكون عن المقاومة السياسية.

رفعوا شعار المقاومة السياسية دون أن يشهد العراق أي مظهر من مظاهر المقاومة السياسية!

فالكثير منكم (مخاطبا الحضور) أشتغلوا في السياسة، ويعلمون أن المقاومة السياسية بمعناها الفني، لها مظاهر ولم نجد لهذه القوى التي تماشت مع مشروع الاحتلال، لم نجد لها مظهرا واحدا، من مظاهر المقاومة السياسية!

 

فإين هي المظاهرات مثلا، التي تدعو إليها هذه القوى لتطويق المحتل داخل العراق ؟

أين هي الاعتصامات المدنية التي كان يمكن أن تحرك الشعب العراقي وتوجد حراكا سياسيا بإتجاه المقاومة السياسية؟

إين هو الرفض للمعمار السياسي، أو للهندسة السياسية التي أراد المحتل تطبيقها في داخل المجتمع العراقي؟؟

وكنت اعترض في ضمن ما أعترضت عليه، وفي ضمن ما سجلته من ملاحظات على الأداء السلبي السيء للمرجعية الدينية في العراق.

قلت: لو أن المرجع أفتى بأن على كل عراقي، أن يضع لافتة على داره، أو على متجره تقول: لا للاحتلال، لوجدنا أن الامريكان حينما يسيرون في الشوارع يلتفتون يمينا وشمالا "إلى لافتات، تواجههم بالرفض لهم ولمشروعهم!

على سبيلا المثال هل يمكن ان تقاوم الاحتلال سياسيا، برئيس وزراء يقف إلى جانب رئيس الولايات المتحدة ليشكر الولايات المتحدة على تضحيتها بأبنائها من أجل تحرير العراق؟؟؟؟

هل هكذا تكون المقاومة السياسية؟

في الحقيقة لم تكن هناك نظريتان...نظرية تواجه المحتل بالمقاومة العسكرية ونظرية اخرى تواجه المحتل بالمقاومة السياسية.

وإنما الإنقسام الذي حصل في داخل المجتمع العراقي، هو انقسام بين منهجين:

منهج يرى مواجهة المحتل سياسيا وعسكريا.

ومنهج اخر يرى أن هذه فرصة للحصول على مصالح ومكاسب (طائفية، وإثنية وفئوية) من خلال مماشاة مشروع الإحتلال..... هذه النظرة مهمة جدا في تقييمنا للمستقبل الذي سيؤول إليه العراق !

وهناك من ينساق ببساطة مع مشاريع تطرحها السلطة الحالية في العراق، كمشروع المصالحة الوطنية، وبغض النظر عن ان الشرخ عميق، لأن هناك منهجين لا يلتقيان، واي حوار لكي لا يكون ضائعا لا بد أن نرفع منه التصادم والتباين في القيم السائدة لكل من المتحاورين. وأن نوحد تصورات المتحاورين حول المستقبل، وحينما، يكون هناك منهجان متباينان لا يلتقيان… حينها لا يمكننا ، لا رفع القيم المتصادمة لدى كل من المتحاورين ولا يمكن أن نوحد التصورات السياسية نحو المستقبل.

إذن...هناك إنقسام سياسي في داخل العراق، هذا الانقسام ولد أزمة كارثية في العراق، هذه الأزمة لا بد أن ندرس اسبابها، إذا أردنا معالجتها، أو تقديم رؤية في علاجها.

فلا بد أن ندرس أسبابها الحقيقية، لأنه ما لم تعالج هذه الأسباب، وما لم ترفع هذه الأسباب، لا يمكن أن ترفع الازمة. وفي نظرة منطقية موضوعية لهذه الأزمة نجد أن أسبابها ثلاثة هي ثلاثة أسباب رئيسة:-

السبب الأول – الاحتلال والتداعيات التي اوجدها هذا الاحتلال، والتي يمكن أن نلخصها في أربع نقاط هي:-

سلب السيادة العراقية.

تفكيك بنية الدولة العراقية.

هندسة العملية السياسية بعيدا عن إرداة الشعب العراقي، وفي مناخ غير طبيعي وغير مستقر.

الإنتهاكات التي قام بها المحتل إزاء العراقيين، والتدخلات التي لا تنتهي للمحتل وفي تفاصيل الوضع العراقي.

فإذن: السبب الأول: هو الإحتلال وتداعياته.

والسبب الثاني: البناء الخاطئ للعملية السياسية في العراق.....هذا البناء الذي أوجد طائفية سياسية في داخل المجتمع العراقي غير مسبوقة أبدا.

فالوضع الطائفي السياسي الموجود في العراق اليوم، ليست له سابقة في تاريخ العراق، وعلى الاقل في تاريخ العراق الحديث!…. هذه الطائفية السياسية، أوجدت داخل المجتمع العراقي، اصطفافا طائفيا وأثنيا، وتخندقا طائفيا وإثنيا، وجعلت السلطة في العراق محتكرة لمجموعة من القوى والشخصيات التي أختارت أن تتماهى أو تتماشى مع مشروع الإحتلال، وبالتالي ظلت هذه السلطة تتداول في حلقة مغلقة بين هذه القوى، والهامش الذي يجب أن يكون عريضا، هذا الهامش قضي عليه! واشترط على من يدخل في العملية السياسية، أن يدخل فيها بهندستها التي خططها المحتل، لا ان يدخل في عملية سياسية تنتزع من راي الشعب العراقي، وفي ظروف الاستقرار السياسي، وفي مناخ طبيعي، يستطيع فيه المواطن العراقي أن يفكر بشكل طبيعي وأن يعتمد ثقافة سياسية ناضجة بعيدا عن الديماغوجية الدينية، والديماغوجية السياسية، التي واجهها المواطن العراقي بعد الاحتلال.

والسبب الثالث: هو التدخل الدولي والإقليمي الذي يتعاكس مع المصلحة العراقية ويتعاكس مع المصلحة العربية. هذا التدخل الذي يقف على رأسه، التدخل الأيراني في الشأن العراقي. حيث أصبح العراق ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية، ولعمل قوى تهدف إلى إضعاف العراق، واضعاف الشعب العراقي، وتمزيق النسيج الإجتماعي العراقي

هذه القوى صارت تعمل إما بشكل مباشر، أو من خلال المجموعات التي تعمل لحسابها على الأرض العراقية...

فإذن هذه هي الأسباب الرئيسية للأزمة في العراق هذه (أزمة كارثية) تولدت من هذه الاسباب!!

نحن لا نستغرب أن تأتي القوى التي وافقت على المشروع الامريكي، أن تأتي إلى السلطة، لأن العملية السياسية بنيت على يد المحتل وبالتالي هو الذي فتح المجال لهذه القوى، وهو الذي مكنها ولا نستغرب أن تحاول هذه القوى، كما حاولت أن تضلل المواطن العراقي وأن تسير به في مسار منحرف عن المسار الحقيقي الذي يجب أن يحتفظ به كعراقي، هناك عملية شحن طائفي وأثني حصلت في داخل المجتمع العراقي.

وهناك معادلة التناسب فيها عكسي، عاطفة دينية متأججة، وثقافة دينية متدنية…. حينما يختل التوازن بين العاطفة الدينية والثقافة الدينية، يدخل على الخط، أو تدخل على الخط الديماغوجية الدينية، تضاف إليها الديماغوجية السياسية.

وهكذا دخلت على الخط ديماغوجية دينية وديماغوجية سياسية، أعتمدت على عاطفة متأججة قامت بشحنها وتصعيد وتيرتها وعلى ثقافة متدنية أبقتها كما هي دون أن ترفع مستواها. فأنساق المواطن العراقي خلف هذه القوى بتصور أنه سيدخل بوابة مستقبل مشرق جديد، وإذا به يفاجأ بإن الوضع في العراق يتداعى وينهار على كل الأصعدة وأصبح المواطن العراقي لا يستطيع أن يظفر بالقدر الادنى من الخدمات ، فضلا عن أن يفكر بمستوى سياسي راقي في حكم البلد.

القوى الوطنية كان يفترض وهي تستفيق من هول صدمة الإحتلال، أن تخرج من ذهولها معتمدة على إيمانها العميق وعلى رهانها على المخزون الوطني للشعب العراقي، ومن خلال دراسة معمقة لسنن التاريخ وقوانين الحركة الاجتماعية، كان يفترض أن تخرج من هول هذه الصدمة لتشكل لها إطار وطنيا وجبهة وطنية تجمعها لتعمل على تقديم برنامج سياسي يشكل البديل الموضوعي للواقع السياسي الموضوعي الحالي في العراق وأن تعمل على إقناع المواطن العراقي بهذا البديل، وأن تعمل على إخراج المواطن العراقي من تحت المظلات الطائفية الإثنية لينضوي تحت المظلة الوطنية العراقية الجامعة.

 وإذا كانت القوى التي أمسكت بالسلطة لا يجمعها إلا شريط محدود في حساب المصالح والارباح، دون أن تكون منسجمة في أهدافها وتوجهاتها ومنطلقاتها، فالقوى الوطنية تقف على أرض صلبة تجمعها مشتركات واسعة تشكل الثوابت الوطنية والدينية، للعراق وللعراقيين.

ولكن للأسف الشديد، ظلت هذه القوى والشخصيات الوطنية مشتتة، لا يجمعها إطار سياسي واحد، ولم تستطع أن تخرج ببرنامج سياسي موحد يتم العمل على طرحه للشعب العراقي وإقناع الشعب العراقي به.

والحقيقة لولا جهود وجهاد المقاومة العراقية الشريفة، على الرغم من بعض الثغرات التي ألمت بها، ولولا تعثر العملية السياسية التي بنيت على أساس خاطئ، ولولا افتضاح امر الاحتلال، وسقوط أقنعته ووضوح زيف شعاراته التي رفعها، لما تمرغ انف امريكا في الوحل العراقي.

بمعنى أنه إلى الان، القوى الوطنية لم تستطع أن تحدث التوازن السياسي المطلوب، كمقدمة لرجحان كفتها في المستقبل. ولا نريد طبعا أن نغمض العين عن جهاد من جاهد من القوى السياسية الاخرى، ولكن نحن نتكلم عن الحالة العامة.

اليوم تتفاعل الازمة في العراق وتتفاقم … وتدفع بالعراق إلى حافة الهاوية.

 هناك فراغ سياسي يجب أن يملأه المشروع الوطني العراقي، وهناك أيضا فراغ سياسي على أرض العراق، يجب ان تملأه الدول العربية.

العراق اليوم أصبح ساحة مستباحة لإيران، وأصبحت هي اللاعب الاقوى في داخل العراق، وأصبحت ممسكة بمفاصل حيوية في البنى السياسية والاجتماعية والدينية للمجتمع العراقي. وهذا ما كنا نحذر منه قبل الاحتلال وبعد الاحتلال. وكنا نأمل أن يكون هناك موقف عربي قوي وواضح يحدث توازنا سياسيا في المنطقة، من خلال إحداث توازن سياسي في داخل الساحة السياسية العراقية.

فإذا كانت هناك قوى تعمل و تدعم من قبل إيران ومن قبل الامريكان، كان يفترض بالمقابل أن تنشط الشخصيات والقوى الوطنية بدعم عربي، في داخل العراق لاحداث هذا التوازن!

وهذا ما لم يحصل، ولهذا اختل التوازن السياسي في داخل الساحة السياسية العراقية.

المواطن العراقي الذي تم شحنه وكما قلنا طائفيا وإثنيا ولا يزال يشحن.... هذا المواطن بدأ الان يعيد حساباته وبدأ يراجع أفكاره، وبالتالي أصبح الجو والمناخ ملائما لتحرك المشروع الوطني داخل المجتمع العراقي. وهناك مناخ دولي عربي ملائم ومنسجم مع التحرك الوطني، يجب أن تستفيد منه القوى والشخصيات العراقية. وهناك قلق كبير من النفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا القلق قلق مبرر. بإعتقادي أن النظام في إيران ليس له مشروع إسلامي عام، وليس له مشروع شيعي عام، وانما له مشروع قومي إيراني يتخذ من الإسلام والتشيع أدوات لبسط الهيمنة والنفوذ، وينطلق من سيكولوجية تحتقر العرب وتكرههم. ولهذا فإنني اعتقد أن خطر التمدد الإيراني على العراق وعلى المنطقة العربية، هو أكبر بكثير من خطر الهيمنة الامريكية، وحتى من الخطر "الإسرائيلي".

أما الهيمنة الامريكية فهناك مناعة في داخل الجسم العربي وفي داخل الجسم العراقي منها، واما "إسرائيل" فأمرها واضح (لأن موقف الشعب العربي منها واضح) ولا يمكن أن ينطلي وضعها على الناس، ولكن حينما يواجه الناس بخطاب سياسي إسلامي أو مذهبي فمثل هذا الخطاب، الذي يخفي خلفه نوايا قومية مضادة للعروبة ومضادة لوحدة المسلمين......مثل هذا الخطاب يمكن أن ينطلي على قطاعات واسعة من الناس، وهنا يكمن الخطر.....والمنطقة الآن مرشحة لاجتياح سياسي إيراني، وهذا ما كنا قد حذرنا منه سابقا.

......لهذا نحن نقول اليوم ..... أصبح هناك مناخ دولي... ملائم حتى لو توصل الغرب إلى صفقة مع إيران حول ملفها النووي، (طبعا هذه الصفقة حتما ستكون على حساب العرب)، لانها ستعطي لإيران بمقابل وقف التخصيب، دورا سياسيا كأكبر قوة إقليمية في مواجهة العرب.

لذلك ...حتى لو حصلت مثل هذه الصفقة، بما أن هناك قاعدة سياسية يعمل بها الكل، ويعمل بها الغرب، وهي أنه (لا توجد في السياسة ثقة بدون تحفظات)، فإن مثل هذا الدور يبقى متحوطا له غربيا، خشية أن ينفلت، وبالتالي هناك مناخ دولي مساعد لتحريك المشروع الوطني العراقي.

وهناك مناخ عربي أيضا ملائم، لأن الخطر الإيراني أصبح الان على أبواب الدول العربية، وهناك خلايا نائمة إيرانية (يعني من المجندين إيرانيا، للأسف عرب مجندون إيرانيا)، هناك خلايا نائمة في أغلب الدول العربية، وكشفنا بعضها، وهناك من داخل العراق مقرات لتهريب السلاح إلى دول الخليج، لهذه الخلايا النائمة.

والان اصبحت إيران تطوق بعض الدول العربية، من أكثر من بقعة (من اكثر من مكان)، ولهذا نشعر اليوم بوجود قلق عربي، لم يكن بهذه السخونة فيما سبق وهذا يساعد حركة المشروع الوطني العراقي.

القوى الوطنية العراقية يجب أن تستثمر هذا المناخ الدولي والاقليمي لصالحها، وان تستثمر الجو الجديد الذي بدأ يتنفسه المواطن العراقي.

.... سابقا أنا شخصيا حينما كنت اقف في خطبة الجمعة، وأتكلم عن المشروع الوطني العراقي، كنت أجد تذمرا عند قطاع من الذين يحضرون في صلاة الجمعة، بل كان بعضهم يعترض بعد إنتهاء الخطبة. بينما اليوم أصبح المواطن العراقي اكثر تفهما، وأقرب إلى الإصغاء للمشروع الوطني العراقي. وحينما نقول: له أن الطائفية السياسية سبب اساسي للمشكلة في العراق، اليوم بدأ يدرك ذلك.

في السابق كانوا يقولون له في بداية الاحتلال، أن هذه فرصة للحصول على الحقوق، وكانت قوى معروفة تطرح حقوق الشيعة وكنا نقول: لا يوجد شيء اسمه حقوق الشيعة! هناك شيء أسمه حقوق العراقيين، الشيعي لا يطالب بحقوق زائدة على حقه كعراقي.

فإذا لم يكن قد استوفى سابقا، حقه كعراقي من الخطأ ان نطرح مسألة أنه يجب أن يأخذ حقه كشيعي وأنما الخطاب السياسي الصحيح، لا بد أن يكون (أن الحقوق يجب أن تكون متساوية للكل بغض النظر عن الانتماءات الدينية والمذهبية والاثنية).

فعلى هذا الأساس فكرنا،  في أنه إذا لم يمكن جمع القوى الوطنية في جهة وطنية موحدة، وفي ضمن إطار سياسي واحد، على الاقل، فلتجتمع كل هذه القوى على برنامج سياسي موحد ولهذا كتبنا مسودة لمشروع الميثاق الوطني العراقي، يتضمن هذا الميثاق برنامجا سياسيا، نقاطه هي محل إجماع للقوى الوطنية (أي ليس فيه نقطة يمكن أن يختلف عليها أثنان من الشخصيات الوطنية). لأن هذه النقاط تعبر عن الثوابت الوطنية العراقية، وأجرينا إتصالات إقليمية عربية، لا تزال مستمرة من أجل الحصول على دعم سياسي عربي لمشروع الميثاق الوطني العراقي، الذي آمل أن يتم الإعلان عنه قريبا، وأن يكون منطلقا لتوحد الشخصيات والقوى الوطنية على برنامج سياسي واحد من أجل أن نعمل على تسويق هذا البرنامج شعبيا وإقناع المواطن العراقي بهذا البرنامج.

وأما مسألة المصالحة المطروحة حاليا، فهذه قضية فاشلة ولا يمكن أن ترجى منها اية نتيجة وذلك لأسباب التالية: 

أولا: لأن مثل هذه المبادرة جاءت متأخرة تماما، المصالحة إذا كان يفترض أن تتم، فلا بد أن تتم قبل بناء عملية سياسية، لا أن تأتي قوى معينة سياسية تبني عملية سياسية على مقاساتها ثم تطلب من الاخرين، القدوم على تلك المقاسات…! وهذه العملية تتم تحت يافطة المصالحة الوطنية، هذا أمر غير منطقي، هذا ليس حوارا.

أنني ارى أن هناك نوعين من الحوار:

الأول: هناك حوار يبني المجتمع.

الثاني: هناك حوار يهدم المجتمع.

والحوار يبني المجتمع حينما يكون من أجل التفاهم، وحينما يكون الحوار هو أن نفرض أفكارنا على الأخرين، فهذا ليس حوارا، وأنما نحن نحارب الاخرين ونتصارع معهم من خلال آلية الحوار. مثل هذا الحوار يهدم المجتمع والحوار الذي تستعمله السلطة اليوم في العراق، هو من النوع الثاني (النوع الهدام وليس من النوع الأول).

 

ولهذا مثل هذا الحوار غير مرشح للوصول إلى النتيجة المرجوة.

مشروع المصالحة في الحقيقة مشروع مشلول شكلا ومضمونا:

مشلول شكلا: سلطة من موقع أعلى، ومن فوقية تأتي إلى الاخرين بهذا الخطاب: من يأتي معي أرفع له غصن الزيتون، ومن لا يأتي معي ارفع في وجهه السلاح. فكيف يمكن ان تتم المصالحة من خلال خطاب من هذا النوع؟

ومشلول في المضمون: مصالحة تستبعد القوى الأساسية التي لا يمكن أن يحصل اي استقرار في العراق، إلا من خلال إرضاء هذه القوى، وتطمين هذه القوى، لو كانت هذه القوى راضية بالعملية السياسية الحالية. فلماذا ترفع بوجهها السلاح؟

ولماذا تقاوم هذه العملية، ولماذا تبتعد عن هذه العملية؟

فإذا أريد من خلال المصالحة الحالية ان تستبعد هذه القوى فكيف تتم المصالحة؟

ثم المصالحة بين من ومن ؟

بين منهجين سياسيين لا يلتقيان!!

كما قلنا: ليس هناك منهجان يلتقيان على مواجهة الإحتلال، أحدهما يتخذ السبيل العسكري والثاني يتخذ السبيل السياسي .وإنما هناك منهجان لا توجد بينهما نقطة للالتقاء.

منهج لا يريد لمشروع الاحتلال أن يقوم ومنهج آخر يريد أن يمسك بالسلطة من خلال البناء السياسي الذي اوجده الاحتلال.

فكيف تتم المصالحة بين هذين المنهجين؟

مثلا، إلى الآن السلطة مصرة على موضوع إجتثاث البعث، وعن منذ البداية كنا ضد هذه القضية، بل قبل قضية الاجتثاث، حينما أعلن عن حل حزب البعث، قلنا أن هذه القضية خاطئة.

فحتى الاتحاد السوفياتي السابق حينما أنهار، بقي الحزب الشيوعي يعمل كقوة سياسية وله تمثيل في داخل البرلمان .

ما المقصود بالاجتثاث؟

إذا كان المقصود أجتثاث البعث كفكر فالفكر لا يمكن إجتثاثه بقرار، وأنما الأفكار عادة تواجه إما بصراع الافكار أو بتلاقح الافكار وتكامل الافكار وهو الطريق المفضل.

وإن كان المقصود من الاجتثاث، أجتثاث البعثيين فهذا يساوي إلغاء المواطنة العراقية عنهم، لان معنى الاجتثاث لشخص، أنك ستعزله عن جزء من قضايا المواطنة، ولا يمكن أن يحصل استقرار سياسي في داخل المجتمع العراقي بهذه الطريقة.

 كل الثورات، حتى الثورات حينما تأتي لها مراحل. المرحلة الاولى: تعمل على استيعاب الجميع لضمان الاستقرار، ثم تبدأ في المرحلة الثانية بالتصفية السياسية، (التصفية ليس المقصود بها القتل وانما المقصود بها عمل برامج سياسية معينة لتمييز القوى) أما انك منذ البداية توجد استفراز في داخل المجتمع العراقي.....فهذه القضية لا يمكن أن تجلب الاستقرار للعراق! وليس هذا هو منطق من يريد أن يبني دولة!

فككوا بنية الدولة العراقية، وأصروا على كتابة دستور في وقت غير مناسب لكتابة الدستور، ثم ضمنوا هذا الدستور قضايا لا يمكن معها أن يجلب الاستقرار إلى البلد..... ومن العجيب أنه ما مصلحة هذه القوى في إلغاء الإنتماء العربي للعراق؟

يعني الآن لو نسأل:

ما ضر هذه القوى لو انها سجلت في الدستور أن العراق جزء لا يتجزأ من العالم العربي....!

ما هو الضير في هذه القضية؟!

هذه القضية لم تعمل إلا بناء على خطة تبغي فصل العراق عن انتمائه العربي وعن محيطه العربي. هم يبررونها بمنطق أنها رعاية للأكراد، وكيف يمكن أن تلغي أنتماء 80% من ابناء الشعب العراقي لصالح 17% ؟ كيف يمكن أن يتم ذلك. هذه القضية ديمقراطيا غير مبررة؟!

كما أن هذه الطروحات الأخيرة التي يطرحها مسعود البرزاني، هي النقيض للعملية الديمقراطية.

علم العراق يمثل سيادة دولة، يمثل دولة العراق، وبالتالي قرار العلم، يفترض أن يكون هو قرار السلطة المركزية. لا يوجد في صلاحيات الأقاليم في أي دولة من الدول….. أي لا يوجد في صلاحيات الأقاليم أن أي قضية تمس السلطة المركزية حتى في اكثر الفيدراليات تقدما أن تقرر شيء يمس ويرتبط بالدولة المركزية ككل. لأنه ليس من صلاحيات سلطة الإقليم. فما يرتبط بالدولة ككل هو من صلاحيات الدولة المركزية.

فكيف يمكن أن يتحكم 17% (هذا إذا فرضنا أن الشعب الكردي كله يتفق مع مسعود البارزاني)؟ نحن نعلم أن الامر غير ذلك، فهذا الرجل ليس سوى رئيس عصابة في شمال العراق !

وليس رئيس اقليم (رئيس عصابة في شمال العراق) ويفرض هيمنته وديكتاتوريتة على الشعب الكردي في الشمال.

ويعلم أبناء الشعب الكردي كم قتل منهم من أجل فرض هذه الهيمنة!

ويتخذ ذرائع واهية جدا وغير مبررة، ويقول:  أن هذا العلم حصلت تحت ظله قضية الأنفال!

ولكن تحت هذا العلم أيضا دافع الجيش العراقي الباسل عن نفس مسعود وجماعته. وتحت هذا العلم!

هذه ديمقراطيا غير مقبولة. أي أن قرارات دولة يتحكم بها نسبة بسيطة من أبناء الشعب، وهذا غير مبرر ديمقراطيا!

 

ولكن تواطؤ الائتلاف مع الاكراد وتخاذل القوى الاخرى الداخلة في العملية السياسية هو الذي أدى إلى تفرعن هؤلاء لكي يطالبوا بمثل هذه المطاليب، والتي تجاوزت حدود المعقول وليس حدود المقبول.

اليوم نحن بحاجة إلى العمل على أن تجتمع كل القوى السياسية على برنامج سياسي واحد، واليوم القوى الوطنية بحاجة إلى الدعم العربي، سواء كان دعما حكوميا أو دعما شعبيا. والدعم العربي ضروري للقوى الوطنية في العراق، لأنه من دون الدعم العربي، لا يمكن لهذه القوى الوطنية أن تتحرك بقوة في داخل المجتمع العراقي، لأن القوى المضادة تمتلك أقوى صنوف الدعم  المالي والسياسي والاعلامي.

 

أخيرا أود أن اقول: أن الوضع الذي نشأ من الإحتلال هو وضع طارئ، ولا يمكن لهذا الوضع الطارئ أن يشكل خطرا على المخزون الوطني والقومي للشعب العراقي. ولكننا نخشى من تاصيل هذا الوضع الطارئ....

اليوم هذا الوضع لا يزال وضعا طارئا، ولا تزال هناك مناعة في داخل المجتمع العراقي، ولكن إذا استمرت الامور على ما هي عليه اليوم، فإننا نخشى من تأصيل هذا الوضع ومن تحويل هذا الوضع إلى واقع، سيصعب حينئذ أو يستحيل تبديله أو تحويله، ومن هنا نحن نطالب بوقفة عربية وطنية قوية، من أجل المنع من تأصيل هذا الوضع الطارئ.

 

وان يبقى الوطن وأن تبقى الثوابت الوطنية هي التي تسير العراق، وهي التي تعمل على أن يلعب الشعب العراقي دوره الايجابي في محيطه العربي والإسلامي وعلى الساحة الدولية، وأنا أقول للقوى الدولية والاقليمية غير العربية التي تريد أضعاف العراق (طبعا هذا الخطاب غير موجه لإيران) أقول لهذه القوى: أن التوهم بأن ضعف العراق سيكون في مصلحتها... هذا توهم باطل!

.....العراق القوي والمستقر، هو الذي يستطيع أن يقف في وجه التمدد الإيراني، والعراق الضعيف لا يستطيع ذلك. فبالتالي إذا كان الغرب، وإذا كان الموقف الدولي حريصا على أن يقف في وجه التمدد الايراني، فعليه ان يتعامل مع القوى الوطنية العراقية لبناء عراقٍ قويً وثابت ومستقر ليتمكن من القيام بدوره التاريخي المعروف .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

وبعد إنتهاء فضيلة الشيخ من إلقاء محاضرته فتحت، ادارة المحاضرة المجال للإسئلة

الشاعر الوطني المعروف ماجد المجالي – تقدم بمداخله وسؤال قائلاً:

الشكر كل الشكر لسماحة المرجع الديني آية الله حسين المؤيد فما استمعنا إليه من تحليل واع ودقيق للحالة في العراق، هذا التحليل يوصلنا إلى زبدة خالصه: على الصعيد المحلي العراقي، لا يمكن تقسيم الحال والوضع في العراق إلا بمعسكرين ، معكسر المقاومة ومن يقف معها من أبناء شعبنا العراقي والعربي والمسلم من جهة والمعكسر الآخر الاحتلال وزبانيته وعملاؤه.

سؤالي لسماحة الشيخ: أين موقف الاخوة الشيعة العرب لماذا لا نسمع اصوات واضحة لمواجهة التمدد الايراني؟؟؟ 

 

سؤال من الاستاذ محمد البشير:

أريد أن أسال في ضوء الحديث عن القراءة للدور الايراني، كيف ترى أو تفسر الدور السوري في العراق والعلاقة الواضحة بين سوريا وإيران (الإستراتيجية) على الصعيد العراقي والعربي بإعتبار أن هناك العدو الاكبر هي (اسرائيل) وأمريكا؟

سؤال من الشاعر عزيز من العراق - ضيف على النادي- :

سماحة السيد حذرت بطريقة أو بأخرى من التمدد الإيراني كيف ترى أن الغرب يريد التمدد الإيراني؟

 

وقدم الاستاذ زياد الخصاونة مداخلة قيمة في نهاية الندوة قبل البدء بالإجابات قال فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الشكر أجمله وأبلغة لسماحة الشيخ الذي زودنا بحديث طالما كنا نحن بحاجة للاستماع إليه: وأبدأ القول بأن الشيعة العرب وكل العراقيين، هم موضع احترام كل الامة العربية.

وقبل الاحتلال لم نكن نعلم ولا نعرف ولا نشعر، بأن هناك طوائف بالعراق واكبر دليل على ذلك أن 37 شخص من المطلوبين للأمريكان هم من الطائفة الشيعية العربية في العراق، فنحن نحيي الشيعة العرب. ولكن هناك فارق بين الشيعة الاحرار الأصلاء وبين الصفويين الإيرانيين المتشيعين الخونة المجوس.

انني أريد التنويه إلى نقطتين أساسيتين:

الاولى: أن الشعب العراقي العظيم يتشبث بمختلف اطيافه وهو ما نسمعه اليوم من عشائر وطوائف العراق العظيم وهم يطالبون بعودة الشرعية لنظام الرئيس صدام حسين، الرئيس الشرعي للعراق، ويرفض المحاكمات المهزلة التي أعدت بمضمونها مسبقا.

والنقطة الثانية: ان ما طرحته المقاومة العراقية من برنامج وبنقاط متعددة من خلال منهاجها الإستراتيجي التي اعلنت عنه بعد أيام الإحتلال، والذي يطالب بطرد الإحتلال وإيجاد حكومة وطنية، إيجاد نظام ديمقراطي تعددي، وبدفع التعويضات للشعب العراقي من جراء الغزو الأمريكي الغاشم وكل القوى الدولية التي تحالف معه ويجب أن تلتف كل القوى حول هذا البرنامج السياسي للمقاومة العراقية، سيما وأن الضغط السياسي والعسكري على المقاومة العراقية يحول الآن دون أن يكون لها ذراع سياسي قوي فاعل يستطيع أن يظهر في كل المراحل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ثم قدم المحامي زياد النجداوي عضو لجنة الإسناد عن الدفاع عن الرئيس صدام حسين مداخلة قال فيها:

نشكر سماحة الشيخ على المعلومات التي اثرت نشاطنا وعملنا بالجديد، لكن إذا كان الاتصال مع القوى الوطنية العراقية على اساس إعادة الشرعية، والمشروعية إلى العراق فأنا شخصيا ضمن هذا الإطار، وأقف معه، فلتلتقي كل القوى على هذا الاساس، فإذا كان الحوار على أٍساس عدم عودة المؤسسات فإنا ضد هذا الحوار، فيجب الإعتراف بالمقاومة العراقية كممثل شرعي ووحيد للشعب العراقي، فالمقاومة لها الحق في التحدث بأسم الشعب العراقي ومع أي طرف يريد أن يفاوضها.

 

ثم قدم المناضل ليث شبيلات مداخلة قال فيها:

هذا النظام العربي الفاسد كما نرى يخوفنا من جديد من الزحف الايراني والزحف الشيعي، والذي يقفز فوق كل المنطقة إلى حزب الله في لبنان، أما ما يجري في العراق منذ ثلاث أو اربع أو خمس سنوات من تغلغل إيراني، فأنه يجري بتواطؤ النظام الرسمي العربي مع الأمريكان، وهذا الموضوع يجب أن يغطى، مخاطباً المحاضر.

 

ثم بدأ فضيلة الشيخ أية الله حسين المؤيد بالرد على الأسئلة والملاحظات التي طرحت بعد إلقاءه المحاضرة.

فرد قائلاً:

بالنسبة لسؤال أين موقف الشيعة العرب، لماذا لا نسمع أصوات واضحة ضد التمدد الإيراني؟؟

لا أدري هذا صوتي لم يكن واضحاً في ذلك؟ فأبتسم الحضور.

اعتقد من خلال محتوى ومفردات حديثي يمكن أن تنتزع الصورة عن موقف الشعب العراقي تجاه ما يدور على أرض العراق اليوم. قلنا هناك تناسب عكسي في داخل المجتمع العراقي. هناك عواطف دينية متأججة وثقافة دينية متدنية، وحينما يختل التوازن بين الثقافة والعاطفة، تدخل الديماغوجية الدينية والسياسية على الخط، نحن نعلم أن الشعب العراقي بكل شرائحه وبكل فئاته له مخزون وطني ومخزون قومي. والأخوة الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد العراقية، اختلطوا بأبناء العراق بكل طوائفهم ولا اعتقد أن أحداً منكم لمس غير ما أقول.

المخزون الوطني والقومي واضح عند شعب العراق، وهذا جاء نتيجة لتراكمات صحيحة أدت إلى أن تصاغ شخصية المواطن العراقي كشخصية وطنية ونموذج التعايش بين مكونات المجتمع العراقي هو أنموذج فريد من نوعه (خلقا وسلوكا) (وثقافة ووعيا) في تاريخ المنطقة.

لبنان الذي يضرب مثالا عادة، للتعايش بين الطوائف الكل يعلم أن التناحر بين الطوائف فيه، وصل إلى حرب أهلية استمرت ما يقارب العقدين من الزمن، وحارب فيها حتى ابن الطائفة أبن طائفته، فضلا عن تصارع الطوائف فيما بينها.

بينما الشعب العراقي وإلى قرون خلت، لم يشهد أدنى صراع داخل مكوناته، هناك نموذج فريد من التعايش بين مكونات الشعب العراقي.

أساسا الشعب العراقي هو صاحب المبادرة العالمية الأولى للوحدة في التاريخ، للوحدة الدينية مع حفظ التنوع وذلك في أيام حمورابي.

فمن المعروف حينما تذكر فترة حمورابي، تذكر على أن حمورابي أول من قدم من خلال المسلة، قضية التشريع والتقنين، ولكن هناك أنجاز آخر تم في تلك الفترة، لا يقل أهمية عن هذا الإنجاز، فحمورابي حينما أراد أن يبني إمبراطورية في العراق، لها دورها في المنطقة، ألتفت إلى أن بناء هذه الأمبراطورية يحتاج إلى وحدة سياسية في البلد، والوحدة السياسية تحتاج إلى وحدة دينية بين المكونات الدينية للعراقيين في ذلك الوقت.

فقام بأنشاء مجمع أسماه "مجمع الآلهه" جمع فيه آلهة بابل وأكد وسومر، وكان هذا المجمع أول إنطلاقة لوحدة دينية للمجتمع يبشر بها عالمياً، ولهذا نحن نعتقد أن العراقيين بكل طوائفهم بكل فئاتهم يتمسكون بالثوابت الوطنية والقومية والدينية، ولكن حينما ندرس الظاهرة سياسيا، من الواضح أن جماهير كل شعب لا يمكن أن تتحرك إلا من خلال القوى السياسية المؤثرة.

والذي حصل هو أن الاحتلال فتح الباب لمجموعة من القوى التي ترى أن مصلحتها تكمن في شحن الناس طائفيا، وبالتالي هذه القوى هي المانع الأساسي في إيجاد حراك سياسي في داخل صفوف الشعب العراقي، وذلك في مواجهة المحتل. وهي التي أوجدت هذه الحالة من الركود والجمود، ولهذا نحن لا نلوم وليس من الصحيح أن نلوم جماهير الناس، لأن التجربة السياسية الحديثة للشعب العراقي لم تصل إلى مرحلة النضج بعد، ولهذا اللوم يقع على عاتق القوى السياسية التي قًدر لها في هذا الظرف الطارئ أن تكون هي المحرك للشعب العراقي! ولكن ما دام أن هذا الشعب، يحتفظ بمخزونه الوطني والعروبي فهذا يشكل أرضية خصبة، يمكن أن تستثمرها القوى الوطنية، والتي يجب أن تدخل إلى الساحة دخولا قويا وحقيقيا، أن تستقطب جماهير الشعب نحو مشروعها الوطني العراقي.

فالمسألة هي مسألة القوى الدينية والسياسية، هي التي وقفت عائقا امام الحراك السياسي في مواجهة الاحتلال. ولو كان هناك أيضا تدخل ودعم عربي لصالح المشروع الوطني لما استطاعت القوى الطارئة أن تستفرد بجماهير شعبنا في العراق. ولتمكنت القوى الوطنية من أن يكون لها دورها أيضا في مواجهة الثقافة الوافدة، وهذا ما كنا نصر عليه في الحقيقة منذ بداية الاحتلال، وكانت لي لقاءات مع مسؤولين عرب، في بداية الاحتلال، وطرحت عليهم، ساعدونا في أن نسلب الورقة الشيعية في العراق من يد إيران، لتبقى هذه الورقة عربية ولكن للأسف لم نحصل على مساعدة في ذلك الوقت.

أما الدور السوري، فإنه يؤلمني الجواب على هذا السؤال، لإن النظام في سوريا، هو نظام قومي، يتبنى القومية العربية اعتقد أن هناك مفارقة، في أن تتبنى القومية العربية وتدخل في حلف استراتيجي مع اعدائها، هذه مفارقة لم استطع إلى الان أن اتفهمها.

فلا يمكن ان تدخل في حلف استراتيجي مع جهة سيكولوجيتها ومزاجها النفسي هو كره العرب ونظرة الاستحقار إليهم، ولها مشروع ولها استراتيجية تقف على النقيض من توجهات القومية العربية ومن الأمة العربية بشكل عام.

فالسياسي يستطيع أن يتفهم أن هناك هامشا من المصالح يقتضي نوعا من أنواع التنسيق، ولكن لا نستطيع أن نتفهم أن يكون هناك حلف استراتجيي مع جهة تتناقض في أهدافها وتصوراتها مع العروبة ومع المشروع القومي العربي.

هذه النقطة أثرت سلبيا على الدور الذي ينبغي أن تلعبه سوريا في العالم العربي.

وحول التمدد الإيراني، وهل الغرب يخشى من التمدد الإيراني؟

الانظمة العربية تخشى من التمدد الإيراني، هذا شيء أؤكده، وأنا لمسته من خلال لقاءاتي مع مسؤولين عرب كبار في اكثر من دولة. الدول العربية والانظمة العربية تخشى من التمدد الإيراني. أما الغرب فله عقدة واحدة فقط، هي التي تعوقه عن فسح المجال لإيران، وهي أن الغرب يريد (لإسرائيل) أن تكون هي القوة الاقليمية الكبرى في المنطقة، على الخصوص الولايات المتحدة الإمريكية، وبالتالي اعطاء دور لإيران كقوة كبرى يؤثر على هذه القضية، بل أني أقول أن الصراع بين (إسرائيل وإيران ) ليس صراع مبادئ، وإنما صراع جوهره من يكون القوة المؤثره الكبرى في المنطقة.

فالولايات المتحدة الأمريكية لولا عقدة (إسرائيل ) لاطلقت العنان لإيران من أجل إذلا العرب، لكن هذه العقدة هي التي تمنع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية من أن تسمح لإيران بلعب دور الدولة الاقليمية الاكبر في المنطقة.

قد تسمح لها بدور له حدود معينه في التأثير على العرب كأنظمة وشعوب بإعتبار أن إيران لها مشروع قومي، وهذا المشروع القومي لا يلتقي مع المصلحة العربية، وبإعتبار أن إيران من الناحية المذهبية أيضا، تختلف عن التوجه المذهبي العام للدول العربية وبالتالي يراد دائما المنع من قيام وحدة إسلامية بين المسلمين، أي أن يتحد المسلمون، ولهذا الثقافة المذهبية قد يشجعها الغرب ويساعد عليها. ولكن طموحات النظام الإيراني تتجاوز الخطوط الحمراء في نظر الولايات المتحدة، فهذه هي النقطة التي اردت إيضاحها.

أما بالنسبة لمشروع الميثاق الوطني العراقي فمشروع الميثاق الوطني العراقي تقوم الفكرة فيه على أساس تقديم برنامج سياسي تجتمع عليه كل القوى العراقية الوطنية السياسية، هذا البرنامج يستبطن ثمانية عشرة 18 نقطة، كثير من هذه النقاط لها ملحقات أيضاً.

هذه النقاط تمثل الثوابت الوطنية العراقية بدء" من رفض الاحتلال، والعمل على تحرير الإرادة والقرار السياسي العراقي ليصبح قراراً مستقلاً، إذ لا يكفي مثلا أن يخرج المحتل بقواته العسكرية،  ولكن يبقى قرار الدولة في العراق اسيراُ لسفارة مثلا.

فيبدأ مشروع الميثاق بهذه النقاط ليؤكد فيما بعد على ضرورة قيام دولة القانون، دولة المؤسسات وأن تكون هناك تعددية، أي أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية في البلد، وأن يكتب دستور يجسد حالة الوفاق الوطني للشعب العراقي،  لأن أي دستور، إذا لم يجسد حالة الوفاق الوطني، للشعب العراقي فلا يصلح ان يكون اطاراً للدولة والمجتمع ولكي يصلح الدستور كإطار للدولة والمجتمع لا بد أن يكون عليه اجماع من الأمة العراقية – فرد سماحه الشيخ على اعتراض احد الحضور بقول سماحته امة عراقية، ولماذا لم يقل الشعب العراقي، فقال سماحته أنا لا اخالفك الرأي ايها الأخ ولكن قلت أمة بالمعنى العراقي المحلي ( أي بالتنوع)، ولكن الأمة العراقية أو الشعب العراقي كلها عناوين لمضمون واحد.

 

هذا وقد حضر اللقاء عدد من الشخصيات الوطنية والقومية المتواجدة على الساحة الأردنية وجمع غفير من الفعاليات السياسية والنقابية والشعبية.

 

 

 إلى صفحة مقالات وأراء11