21/10/2006

 

بدفع من أمريكا والكيان الصهيوني

مسعود يهدد بفصل الشمال والحكيم يشدد المطالبة بفصل الجنوب

 بقلم : عوني القلمجي

مهما قيل عن تمسك بوش بقرار البقاء في العراق، والمبررات التي يبتز بها معارضيه حول الكارثة التي ستحل بالولايات المتحدة الأمريكية إذا ما قبل بالانسحاب، فان لبوش وأقطاب حربه قدرة محدودة على تحمل الخسائر البشرية والمادية، جراء تصاعد عمليات المقاومة البطولية. ومما زاد في طين بوش بله، هو فشل جميع مشاريعه وخططه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الاحتلال. فعمليته السياسية شارفت على الموت النهائي، ومشروع المصالحة الوطنية يتقدم خطوة ويتراجع خطوتان، يضاف إلى ذلك عجزه عن الوفاء بأي من الوعود الكاذبة، حول الديمقراطية والعراق الجديد الذي سيفيض لبنا وعسلا. فمعاناة العراق وأهله بعد الاحتلال تزداد يوما بعد اخر، ولا حاجة لوصفها حيث يراها الأعمى، ويسمع بها من كان في أذنه صمم . ولذلك دعنا مما يتظاهر به بوش من قوة وإصرار على النصر، فهو في حقيقة الامر يعاني حالة من الارتباك وعدم التوازن، فتارة يعلن الانتصار في حربه على الارهاب والارهابيين، وتارة يخبر مواطينه بصعوبة الوضع في العراق ويطالبهم بالصبر والسلوان، ومرة يمدح الحكومة العراقية ورئيسها نوري المالكي ويصف الشعب العراقي بالبطل والمقدام، واخرى يلعن الحكومة والمالكي معا، ويلعن العراقيين "لانهم جاحدون ولم يقدروا تضحيات الشعب الامريكي وما قدموه من تضحيات من اجل تحريرهم من الدكتاتورية" !!!!!!.

 

بالمقابل وعلى الجهة الاخرى البعيدة، وفي الولايات المتحدة على وجه التحديد، فان جميع الحلول والخطط والاستراتيجيات البديلة التي وضتعها وصممتها العقول الامريكية والصهيونية العسكرية منها والسياسية والاعلامية، قد عجزت عن انقاذ مشروع الاحتلال من السقوط. فالمقاومة تزداد ضراوة يوما بعد اخر، ولم يعد بالامكان انهائها عسكريا، ولا الالتفاف عليها سياسيا، وكان اكثر هذه الحلول فشلا تلك الاستراتيجية التي صدرت عن مجلس الامن القومي في السابع من كانون الاول ديسمبر 2005 والتي اطلق عليها اسم “الاستراتيجية القومية للنصر” وخاصة في مدياتها الثلاث.

 

فعلى المدى الاول وهو القصير ذكرت استراتيجية النصر : “يحقق العراق تقدماً مطّرداً في محاربة الإرهابيين، وفي تحقيق معالم سياسية، وتشييد مؤسسات ديمقراطية، وبناء قوات مسلحة قادرة على تأدية وظيفتها”. لكن بوش نسى ان هذه المؤسسات التي اقامها الاحتلال خلال سنيه الثلاث، اعتمدت على المحاصصة الطائفية والعرقية، وسيطرة المليشيات عليها، وعمليات النهب والسلب والفساد وغيرها. وهذه تعتبر العدو الاول للديمقراطية وبناء الدولة الحديثة . وفي المدى الثاني وهو المتوسط، : “يتولى العراق الدور القيادي في إلحاق الهزيمة بالإرهابيين وفي توفير الأمن، بوجود حكومة دستورية تماما، وفي طريقه لتحقيق طاقته الاقتصادية” لكن ما حدث ان "الارهابيين" والمقصود بالطبع المقاومة الباسلة، هي التي الحقت ولا زالت تلحق الهزيمة بالحكومة الدستورية وجعلها اسيرة المنطقة الخضراء، الامر الذي دعا مفتي الاحتلال اية الله السيستاني، ان يصدر فتوى للحكومة، بان تترك المنطقة الخضراء وان تنزل للشارع وان يكف وزرائها عن السفر خارج العراق. وفي المدى الثالث وهو الطويل ثبتت استراتيجية النصر : “ينعم العراق بالسلام والوحدة والاستقرار والأمن، ويصبح مندمجاً بشكل جيد في المجتمع الدولي، ويصبح شريكاً كاملاً في الحرب العالمية على الإرهاب” . وما يحدث في العراق من فقدان السلام والوحدة والاستقرار والامن اصبح معروفا لدى القاصي والداني.

 

وجراء ذلك، وهنا بيت القصيد، وضع المسؤولون والخبراء في واشنطن خطط بديلة لانقاذ بوش وامريكا من مازقها، كان اهمها الشروع في تقسيم العراق الى ثلاتة فدراليات كردية وشيعية وسنية، وبدأ الاعلام الامريكي منذ حوالي الشهر، وكذلك بعض الصحف المشهورة مثل لوس انجلس تايمز والواشنطن بوست وغيرها، بالترويج لهذه الخطة البديلة تحت شعارات مثل : “تقسيم العراق من اجل انقاذه” ، او كما قالت مستشارة الخارجية في عهد كارتر ليسلي غيلب : “بان تقسيم العراق يصحح الخلل التاريخي الذي وضعه البريطانيون في عراق موحد واستبداله باقامة الدول الثلاث : كرد في الشمال وسنة في الوسط وشيعة في الجنوب”. وهذا الذي يجري ليس جديدا وانما هو استكمال لتهيئة سابقة نظمت من اجل وضع مشروع التقسيم موضع التنفيذ. وكلنا يعلم ان تقسيم العراق هو هدف صهيوني امريكي قديم، وهو اليوم يعد من اهم اهداف الاحتلال، فهو كما يعتقد الامريكيون يحقق السيطرة على العراق، ويمنع ظهور مقاومة موحدة تشمل العراق كله، كون الشمال يعد اصلا بمثابة محمية امريكية، والجنوب سيكون بيد الاحزاب الصفوية العميلة علانية للمحتل. واذا لم يكن من مصلحة امريكا تقسيم العراق، كما يقول البعض، او على الاقل في الوقت الحاضر، فان الكيان الصهيوني سيدفع باتجاه تحقيقه، فهو لن يغمض له جفن قبل ان يرى العراق ممزقا، ليس لدول ثلاث او اربع او خمسة، وانما الى اشلاء متناثرة ومتقاتلة الى يوم الدين. ومعلوم مدى سيطرة اللوبي الصهيوني على الادارة الامريكية وقراراتها، وخاصة فيما يتعلق الامر بالعراق. وفي كل الاحوال فان قانون ادارة الدولة الذي سنه الحاكم المدني السابق بول بريمر، والدستور الدائم الذي كتبه نوح فلدمان، قد اكدا بعبارات صريحة وواضحة على تقسيم العراق من خلال الاقرار بنظام الاقاليم. ويدخل ضمن هذا السياق، اي البدء بمشروع تقسيم العراق، محاولات زج البلاد بحروب اهلية وطائفية، ليجري الوصول الى البديل التالي : لايقاف هذه الحروب والاقتتال الطائفي وتحقيق السلم والامان بين الطوائف والاعراق، لابد من فصلها عن بعضها البعض ضمن دول خاصة بها، اي تقسم العراق الى دويلات طائفية وعرقية. وهذا ما يفسر اندفاع مليشيات الاحزاب الانفصالية لاشعال هذه الحروب، مثل مليشيا فيلق بدر وفرق الموت ومغاوير الداخلية التابعة للحكيم، ومثل ميليشيا البشيمركة التابعة لجلال الطالباني ومسعود البرزاني.

 

 يمكن القول دون تردد بان مسعود البرزاني لم يصدر امر انزال العلم العراقي من جميع المباني والمؤسسات في شمال العراق، ولم يهدد بالانفصال، لان هذا العلم يعود لحزب البعث أو يعود للرئيس العراقي صدام حسين، ولا حتى من اجل حاجة مسعود الى التغلب على ازمة داخلية، او امتصاص نقمة الكرد على سوء الاوضاع في شمال العراق، او رغبة مسعود في الظهور بمظهر البطل القومي للشعب الكردي، أو لازاحة منافسه التقليدي جلال الطالباني من الساحة الكردية بعد ان ورطه بمنصب رئيس الجمهورية، وحاز هو على منصب رئيس لما سمي اقليم كردستان، فهذه ليست سوى اعذار اراد البعض ترويجها لاخفاء التواطئ بين البرزاني والحكيم من جهة وبين امريكا والكيان الصهيوني من جهة اخرى على تقسيم العراق . ولم تكن مصادفة سيئة ان يصعد الحكيم في الوقت الذي كان البرزاني يهئ فيه لهذا القرار، مطالبه بفصل الجنوب عن العراق تحت شعار الفدرالية والعمل بالمثل مع فدرالية الشمال.

 

 ترى هل استقر رأي بوش وأركان حربه على تقسيم العراق، كحل لخروج أمريكا من مأزقها الخانق بعد أن فشلت جميع الحلول الأخرى من فعل ذلك؟                                    

 

يمكن القول بان كل المؤشرات، باتت تنذر، بخطر تقسيم العراق، وان هذا المخطط القديم الجديد، قد دخل على ما يبدو حيز التنفيذ. بغض النظر عن امكانية النجاح او الفشل. ويبدو ان الاوان قد آن بالنسبة لامريكا، لازالة العقبات التي كانت تعترض تنفيذ هذا المخطط في السابق، والاستعداد لفرض السيطرة على الوضع في العراق بعد التقسيم، ومنع تداعياته من الانتقال الى الدول المجاورة. او منع ايران على وجه التحديد من استغلال وجود دولة شيعية او اقليم شيعي في الجنوب، للتمدد واكتساب المزيد من النفوذ داخل منطقة الخليج والمنطقة عموما. وبصرف النظر عن وجود مثل هذه الامكانية لدى بوش وقواته المحتلة ام لا، فنحن الان امام صفحة او مواجهة جديدة مع مخطط الاحتلال، مواجهة لاتنطوي على تقسيم البلاد، وتمزيق وحدته الوطنية فحسب ، وانما زج الشعب العراقي، في حرب اهلية ، في الجنوب، وحرب عرقية في الشمال، سواء خلال عملية التحرير او بعدها، فهذه الكيانات الجديدة ستدافع عن مكتسباتها، التي حصلت عليها بكل الوسائل المتاحة .فمثل هذه الفرصة لا يمكن ان تتكرر لهؤلاء الانفصاليين، لا على المدى القريب ولا البعيد. وان من يعتقد عكس ذلك، يكون قد ساهم في تمرير عملية التقسيم بسهولة، او على الاقل في تذليل العقبات امامها ويعيق بالمقابل افشال هذا المخطط الغادر                                          

 

وعليه وكما قلنا في السابق ونكرر اليوم، بانه ليس من الحكمة السياسية تجاهل هذه المخاطر، او السكوت عما يدعيه البعض وبفسدوا به عقول عامة الناس، من ان الفدراليات هي نوع من اشكال الحكم اعتمدته دول عديدة في العالم وساعدتها في ادارة بلدانها، وخففت من عبيء السلطة المركزية، الى ان يضربوا مثلا بسويسرا او غيرها. خاصة وان هناك موجة اعلامية ضخمة، تشرف عليها اجهزة اعلام عملاقة، تدير الرؤوس وتطحن العقول، وتقلب الحقائق راسا على عقب تروج لمثل هذه الطروحات وبكثافة. ولسنا هنا بصدد دحض وجهات النظر تلك في مساحة ضيقة جدا، قد تفقد اذا فعلنا ذلك، فاعليتها او تاثيرها، ولكن يكفي القول، بان النظام الفدرالي في سويسرا او ما يشابها من الدول الاخرى، قد تم بين كيانات مستقلة اصلا، وكانت تطمح للوصول الى الوحدة، لتصب اساسا في مصلحة هذه الكيانات، وتعزز من قدراتها وتقدمها، في حين ان ما يحدث في العراق، عكس ذلك تماما. اذ يجري تقسيم العراق الموحد الى كونتونات مذهبية وعرقية بفعل فاعل، لتصب في خدمة مخططات المحتل الكونية ولا تصب في مصلحة العراق واهله او حتى مصلحتها هي.                                             

 

 هذه الاحزاب الانفصالية وان ادعت حرصها على وحدة العراق، فهي تعمل على تكريس الانفصال على ارض الواقع، وان هذه العملية كانت تجري على قدم وساق تحت سمعنا وبصرنا، لكن البعض استخف بها ولا زال تحت حجة قوية ومشروعة، كون المقاومة الوطنية العراقية طويلة القامة، وقادرة على احباط هذا المخطط السيء الذكرعاجلا ام اجلا، او ان ما يحدث ليس له قيمة، وانه لن يؤثر على عملية التحرير. وعلى الرغم من ايماننا العميق بقدرة المقاومة العراقية على احباط هذه المخططات الا ان ذلك لا يعفينا ولو للحظة واحدة عن الخطر الذي يحدق بوطننا العزيز وفي هذا الوقت بالذات، فالانفصاليون يعدون العدة وبالتعاون مع قوات الاحتلال لتقسيم البلاد والعباد، وهذا الامر يجب ان ناخذه بجدية فهو غير قابل للتقييم والاجتهادات او الوقوف مع هذا الراي او ضده، وانما يتطلب التحرك السريع لاحباط هذا المشروع وبكل الوسائل، بدا بما عبر عنه العراقيون في رفع العلم العراقي امام البيوت والمحال التجارية والمدارس والجامعات والاندية، ومرورا بالعمل على تنظيم مظاهرات شعبية تعم البلاد ضد تقسيم العراق، وانتهاءا بتصعيد عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال لاخراجه من البلاد، اذ بدون تواجد هذه القوات لما تجرأ مسعود على ارتكاب مثل هذه الجريمة والمس باكبر رمزا موحد للعراقيين، وهو العلم العراقي، او تجرأ على اطلاق التهديدات بالانفصال ولا تجرأ العميل الاخر عبد العزيز الحكيم على المطالبة بفصل الجنوب.

 

ولذلك على الانفصاليين ان يعلموا، بان عمر الاحتلال قصير، وان من يستطيع إلحاق الهزيمة بقوات الاحتلال وبأكبر قوة عسكرية في العالم، يستطيع ان يهزمكم، ويهزم كل المشاريع التي تلحق الضرر بالعراق وأهله، فالعراق لكل العراقيين عربا كانوا ام كردا ام تركمانا وسائر الاقليات الأخرى، كما انه ارض التعايش لكل الاديان السماوية والمذاهب والطوائف، وليس من حق هذه الجهة او تلك ان تمس بوحدة العراق أرضا وشعبا وعلى الباغي تدور الدوائر   

 

إلى صفحة مقالات وأراء10