21/10/2006

 الرئيس صدام: عندي تعليق وحتى لو أردت أن تقفل الميكرفون فالكلام ليس للدعاية وانما لتوضيح الحقائق.



 هكذا بدأ الرئيس الأسير حديثه في جلسة أمس 12/9/2006 من المحاكمة المهزلة :


في هذا القفص تعرفون الناس الذين قادوكم . وتعرفون اذا كانوا رجالا يخوفهم الكلام او التهديد . دعوني ابدأ بنفسي . ليس هناك أي قوة في الارض قادرة على ان تهز شعرة من شاربي بالباطل ولكن بالحق .. اصغر صاحب حق يخيف صاحب الباطل. لقد اعتمدنا بقناعة ان نحترم من يحترمنا وهو حق علينا وواجبنا نحو الاخرين وواجبهم نحونا. لاحظت انه في هذا اليوم حصلت تجاوزات كثيرة . وللاسف من يوضع في القفص فإن اصغر جبان يمكن ان يتجاوز عليه.

في 1975 عندما حصلت مبادرة الجزائر بواسطة بو مدين ويمكن ان يكون بطلب من شاه ايران لجس النبض اذا كان عندنا استعداد ، وحين زارني ادريس ابن الملا مصطفى يعترض على تنفيذ الحكم الاذتي في 1970 ويطلب تأجيله . التقيت بالجزائر بشاه ايران الله يرحمه (الرحمة للميت مهما تكون اعماله ). وقبل ان يصل صدام الى العراق كانت 120 الف قطعة سلاح قد وقعت على الارض والاحصائية موجودة. هذا يعني انه بين العراقيين ليس هناك مشكلة . حصلت مآسي . أي حرب تعمل مآسي . ودائما يحصل شيء ضمن المتوقع واشياء غير متوقعة . في الشمال بدأ القتال سنة 1961 من ايام عبد الكريم قاسم الله يرحمه. ثم توقف القتال مع ثورة البعث في 1968. لم ترق قطرة دم .

(يروي قصة عبد الرزاق النايف وابراهيم الداوود، ويبدو القاضي مستمتعا بالاستماع ويعلق انه كان يريد ان يسأله عن ذلك ) .

لم ينهب قلم رصاص واحد من اقصى جنوب العراق العظيم الى اقصى شماله. لم تكن هناك مشكلة بين العراقيين كعرب وكرد . لو كان هناك مشكلة لما رميت 120 الف قطعة سلاح بمجرد صدور بيان صحفي عن الاتفاق مع ايران . (يريد ان يقول ايضا ان ايران هي التي كانت تدعم الاكراد – الدورية ). هذه هي ملاحظتي وكذلك احس كثرة التجاوزات وما أظن يهون عليكم التجاوز.

القاضي – هل حدث تجاوز ؟
الرئيس صدام – انتم ترون وتسمعون .

ويعود الى مكانه .

**

ربما كانت التجاوزات التي يشير اليها الرئيس صدام حسين هي ان المشتكين الاكراد كانوا ينهون كلامهم بالشماتة والدعاء على الرئيس صدام وكان المترجم يترجم ذلك ولكن قبل ان ينهي كلامه كان القاضي يطلب منه عدم الاستمرار ، وقد بلغت التجاوزات مبلغا ان المدعي العام نفسه طلب من رئيس المحكمة ان يمنع المشتكين من الحديث في غير قضيتهم .

استمعت المحكمة المهزلة في جلسة 12/9/2006 الى اربعة شهود رجال ، تحدثوا عما يسمى (انفال واحد ) في عام 1988 عن قصف قراهم وهروبهم واعتقال عائلاتهم واخذهم الى سجن نقرة السلمان في جنوب العراق ثم العثور على هويات الاحوال المدنية الخاصة بهم في مقبرة جماعية في الحضر قرب الموصل في شمال العراق .

الملاحظات :

1- كان المدعي العام يعرض بعد انتهاء كل مشتك من روايته صور هويات مطموسة المعالم ومتغيرة اللون ويقول انه يعرض ما يثبت صدق الشهادة . مع ان الهويات بحد ذاتها لا تدل على انها حقيقية او انها اخذت من مقابر او ان اصحابها قد قتلوا من قبل الحكومة وهنا ينشأ سؤال ايضا : اذا كانوا قد قبروا في مقابر جماعية من قبل السلطات فلماذا تركت هوياتهم معهم للدلالة عليهم ولماذا لم تنتزعها منهم مثلا طالما انها تدفنهم في مقابر جماعية وليست فردية للتعريف بهم ؟ ثم لماذا وجدت هويات بعض الاحياء داخل المقابر مع ذويهم ؟ مما يدل على ان العثور على الهوية ليست دليلا على وفاة صاحبها . ثم ان المشتكين ليس لديهم شهادات وفاة توضح بيان سبب الوفاة وانما لديهم حجج وفاة اخرجتها لهم محكمة السليمانية ! وليس هناك تقاير طبية الخ . وقد اوضح محامي الحق الخاص ان سبب ذلك انهم كانوا يعتقدون بامكانية رجوع ذويهم اليهم ولهذا لم يكونوا يستخرجون شهادات وفاة ثم بعد العثور على الهويات استخرجت لهم المحكمة حجج وفاة .

2- تبين ان جميع المشتكين استلموا هذه الهويات من (محكمة السليمانية ) في عام 2004 وانهم لم يستلموا رفات ذويهم ومنعوا من زيارة المقبرة بحجة ان الطريق وعر وخطر !!

وفي هذا المجال علق الرئيس صدام حسين مقترحا الاستعانة بخبراء من دول محايدة وليسوا امريكان قائلا :

الحديث عن هويات ويجري عرضها وحديث عن رفات وجمعها . اذا ترون وضع العراق تعرفون اكثر مني لأنكم تعيشون في بغداد وانا في السجن . واقترح الاستعانة بخبراء دوليين محايدين . هذه الورقة وهل كانت مدفونة وهذه الرفات . هل وجدت في نفس هذه التربة ؟ وكم عمر الرفات وهل تعود لنفس الشخص ؟ فإذا وجدتم ان هذا من شأنه ان يوضح جانبا من هذا المقترح .

وهنا قال القاضي ان المحكمة سوف تستدعي الخبراء وسوف يتمكن المحامون والمتهمون والادعاء وهيئة القضاء من توجيه كل مايريدون من اسئلة .

الرئيس: انا قصدي الا احرج احدا ولكن هل هناك من يعتمد على استقلاليته في العراق اليوم ؟ يجب ان يكون الخبراء من دول محايدة.

3- كشف المحامون عن وجود تناقضات صارخة بين شهادات المشتكين امام قاضي التحقيق وبين شهاداتهم اليوم . ولكن كان المشتكون يتمسكون بأنهم لم يقولوا امام التحقيق ما سجل ووقعوا عليه في حينه وان ما يقولونه امام المحكمة هو الصحيح.

4- كان بعض المشتكين اثناء الفترة التي تدور حولها المحاكمة (1977-1988) صغار السن احدهم لايتجاوز 10 سنوات.

5- بعضهم كان يخدم في قوات البيشمركة في تلك الفترة مما يجعله خصما غير نزيها.

6- مع ان كافة المشتكين اقروا بأنهم هربوا الى ايران في وقت القصف ، وان ايران سمحت بدخولهم الحدود وآوتهم ولكنهم كانوا حريصين على القول انه لم يكن هناك تواجد ايراني في المنطقة .

7- لم يوضح احد كيف ان ذوي المشتكين وقد اعتقلوا في جنوب العراق انتهوا فيما بعد الى مقبرة جماعية في الحضر وهي منطقة في شمال العراق ؟ واذا كان المطلوب دفنهم في مقابر جماعية فلماذا لم يدفنوا في الجنوب ؟ كما لم يوضح احد لماذا عاد بعضهم من سجن نقرة السلمان في الجنوب ولم يعد البعض الاخر . ولا ندري لماذا كان المدعي العام حريصا على ان يشير على خارطة تبين المسافة بين قرى المشتكين ومنطقة الحضر ، حيث ان المعتقلين من ذويهم نقلوا الى الجنوب اولا كما يدعون .

8- روى احد آخر المشتكين قصة عن كلاب سوداء نبشت قبر طفل صغير مات في نقرة السلمان ودفن هناك (ولا ندري لماذا كلاب سوداء ! هل الكلاب البيضاء مثلا لا تنبش القبور اذا كانت جائعة ؟) ثم كيف ان شقيقة الطفل حين رأت المنظر اصيبت بالجنون وماتت (هل الجنون يؤدي الى الموت؟) . ثم لم يناقش احد كيف شاهد (السجناء) هذه المشاهد ولم يسأل احد اذا كان الدفن تم في داخل السجن ليتمكن السجناء من رؤية كل هذا ؟

9- رغم ان المشتكين يدعون عدم انتسابهم الى البيشمركة وصغر سنهم اثناء الاحداث ولكنهم كانوا يصفون المعارك بين الجيش العراقي وبين قوات المتمردين البيشمركة باسلوب عسكري احدهم يقول موقع قريتنا كان (استراتيجيا) والاخر يقول (هوجمنا من محورين ) وآخر (هوجمت القرية من ثلاث اتجاهات ) وهكذا .

10- حين كان المحامين يستجوبون المشتكين محاولين اثبات ان ايران تدخلت في نقل البيشمركة واهالي القرى حين انسحابهم الى الجبال تدخل المدعي العام معترضا على عدم جدوى الاسئلة بهذا الاتجاه لأنه اذا التجأ الاكراد الى
ايران فهذا لايثبت شيئا ، لأن النظام نفسه اودع طائراته لدى ايران اثناء حرب 1991. ولكن فات على المحامين ان يذكروه ان العراق حين فعل ذلك كانت الحرب ا لايرانية العراقية قد انتهت اما لجوء الاكراد الى ايران فقد كان في وسط معمعة الحرب .

11- في محاولة من المشتكين (بتلقين بدون شك) لاثبات ان (التهمة) هي استهداف الاكراد بسبب انتمائهم العرقي (وهو توصيف جريمة الابادة الجماعية التي تدور حولها المحاكمة) كانوا يصرون على ان الجيش العراقي (العربي) هو الذي قصف قراهم وليس الافواج الكردية التي كانت تنتمي الى القوات العراقية تحت اسم (افواج الدفاع الوطني) لأن الاعتراف بهذا ينفي التهمة من الاساس . ولكن رد على هذه المحاولة اللواء الركن صابر عبد العزيز وكان مديرا للاستخبارات العسكرية في وقتها قائلا :

كان الثقل الرئيسي في هذه العملية (انفال 1) لافواج الدفاع الوطني . وكانت عدد التشكيلات العسكرية في الفيلقين الاول والخامس قليلة بسبب الحرب مع ايران وانشغالها في قواطع اخرى فكان الاعتماد كله على افواج الدفاع الوطني في تلك الفترة وقد وصل عدد افرادهم الى اكثر من 350 ألف فرد في جحفلين الاول والخامس ويؤلفون 250 عشيرة ورئيس عشيرة او فخذ . في المقابل كان عدد كل افراد البيشمركة من كل الاحزاب الكردية 15 الف مقاتل في حين يقاتل مع الدولة 350 الف مقاتل كردي . اذن كان عدد الذين يقاتلون الدولة 2% من شعبنا الكردي.

وعلق اللواء الركن سلطان هاشم وزير الدفاع بقوله ان الامر ا لصادر لي وهو موجود في اضبارة الدعوى وقد رأيته بنفسي اثناء التحقيق يقول ان الدفاع الوطني هو الذي يتقدم وكنت انا قائد الفيلق حينذاك فهل كنت اخالف مرجعيتي العسكرية ؟

وفي نفس المجال اقترح الرئيس صدام ان تستخدم المحكمة في وثائقها التي سيقرأها الناس بعد 100 و200 سنة كلمة (متمردين) بدلا من (بيشمركة التي تعني الفداء) وقال موجها الكلام للقاضي : هات لي دولة في العالم يقف فيها افراد ضد الدولة ولايسمى تمردا .

وقد رفض القاضي ذلك . و اثار الاقتراح هوجة استنكار من المدعي العام ومن محامي الحق الخاص الكردي الذي افتخر بأن البيشمركة حاربت الدكتاتورية . ( تذكروا انهم كانوا يحاربون منذ 1961 قبل عشرين سنة من تولي الرئيس صدام مقاليد الحكم ، فكان يجب على القائل توضيح أي دكتاتورية يحاربون ام انهم كانوا متمردين على كل انظمة الحكم ؟ - الدورية) ورد عليه الرئيس صدام بصوت عال بانهم عملاء الصهيونية والموساد وسوف يسحق كل من ... (قطع البث عن بقية حديثه).

12- من الملاحظ ان الحقيقة ضاعت بين الترجمة واملاء القاضي على كاتب المحكمة فقد كان المشتكون يتحدثون بالكردية فيترجم المترجم ويعيد القاضي الاجوبة باسلوبه هو الذي يختلف احيانا ويتناقض مع ماترجمه المترجم . وهكذا فإن ما ينتهي في سجلات المحكمة ليس بالضرورة مايقوله الشاهد او المشتكي. اضافة الى انه كما يبدو هناك مشكلة في التلقي والسماع فقد كان القاضي الذي يصر على اعادة الاسئلة التي يسمعها من المحامين باسلوبه على المترجم ولاحظنا ان القاضي احيانا يعيد الاسئلة بشكل آخر وليس ما اراده المحامي او موكله .

13- على اعتبار اغلب المشتكين ان لم يكن كلهم يحسنون العربية وكان هذا واضحا على استعجال البعض الرد على الاسئلة قبل ان تترجم الى الكردية ، فقد لاحظنا ان القاضي يوحي احيانا للمشتكي بالاجوبة . ويجري هذا حين يسأل المحامي سؤالا فيرد عليه القاضي بأن سؤاله غير منتج وانه يستطيع ان يجيبه عنه بدلا من المشتكي ويجيب عليه ثم حين يصر المحامي على توجيه السؤال الى المشتكي نرى المشتكي يجيب بنفس جواب القاضي . وقد حدثت هذه كثيرا . والمطلوب من المحامين الامتناع عن الاصرار على سؤال المشتكي بعد ان يتبرع القاضي بالاجابة !! ومن الملاحظ ان القاضي يتبرع بالاجابة عن المشتكي في كثير من الاحوال وهذا شيء عجيب حيث ان غرض المحامين من تكرار الاسئلة مثلا بشكل مغاير هو ايقاع المشتكي في التناقض ومعرفة حقيقة اجاباته وقد فوت القاضي بإسلوبه هذا الكثير من الاسئلة المهمة .

14- تجاوز القاضي في جلسة اليوم في الالحاح على احد المحامين بسؤاله (هل كنت تشتغل في الاجهزة الامنية ؟ لأن اسئلتك امنية وتحقيقية) وحين تفادى المحامي السؤال اكد القاضي : لا والله اريد اعرف ) حتى نبهه احدهم الى جانبه فصرف النظر . ولا ندري هل القاضي يقصد ذلك في جو الاغتيالات التي طالت المحامين ام انه لا يعرف ان جزءا من واجب المحامي هو استجواب الشاهد بطريقة ذكية وماهرة من اجل استخلاص الحقائق منه او على الاقل ايقاعه في التناقض او الكذب من اجل الطعن بشهادته ؟ التحقيق جزء من عمل المحامي .


 دورية العراق

 إلى صفحة مقالات وأراء11