21/10/2006

 

حلبجة.. هولوكوست الأكراد

 بقلم علي الكاش

 لم يكن من باب الصدفة فتح شبابيك مدينة حلبة ثانية لتهب نسائم الحقائق على هذه المدينة التي كان لها دورها الكبير في ما ووصل اليه العراق في الوقت الحاضرمن خلال أستخدامها كبوق لأعلان الحرب على العراق، ولأبعاد الروائح النتنة المتراكمة بفعل طفيليات الأنتهازية من الأكراد والألتفاف على حقائق التأريخ، رغم علمي الأكيد بأن الكثيريين ممن ارتضوا لأنفسهم الرهان على الحصان الأمريكي، سوف لا ترضيهم نتيجة هذا السباق، ولكن من اجل الحق والحقيقة فقط، سنفتح الموضوع ثانية برؤية جديدة وأنفتاح عقلي، جاهدين في الأبتعاد عن دغدغة مشاعر ألأكراد، أو مس مشاعرهم القومية، والأبتعاد عن اسلوب الأملاءات في مجال الرؤية والفهم، منطلقين من قاعدة محددة بأنه لا يسوغ لأحد إحتكار الصواب من طرف ما، مهما كانت أهميته أو ظروفه الذاتية والموضوعية .

الهولوكوست اليهودي

كلمة هولوكوست يونانية الأصل وتعني حرق القربان بأكمله، وترجمت إلى العبرية بكلمة (الشواء) وهي زعم إسرائيل أن النازيين أحرقوا في معسكر (أوسفيتز) في بولندا بين عامي 1941ـ 1944 ستة ملايين يهودي بالأفران وأبادوهم، ومن المعروف أن اليهود غالباً ما يستخدمون المبدأ الميكافيللي "الغاية تبرر الوسيلة" التي تعني أمكانية إستغلال كافة الفرص والأمكانات والوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق أهدافهم بما في ذلك إستخدام الدسائس والفتن ومحاربة التحرر الفكري، من خلال تسخير كبار الكتاب وفي مختلف مجالات المعرفة للوقوف بصفهم من خلال فن الأقناع أو الأغراءات الماية أوالشهرة، أو التنكيل بهم أن وقوفوا في الصف المعارض، كما أنهم على ممر التأريخ كانوا يشعلون فتيل الفتن والحروب والمؤمرات، مع نشر نزعات البغضاء والأنشقاق والتمزق بين بقية الشعوب، من خلال خلق وتأجيج وتوسيع النزعات الطائفية والعنصرية والمذهبية، وتشجيع الأقليات على النزعات الأستقلالية وتشتيت الشعوب والدول، إضافة الى تقويض العوامل الأخلاقية والدينية وهدم أركان المجتمعات ونشر ظاهرة الأنحلال الخلقي فيها، لقد اقتنصت إسرائيل من ألمانيا الغربية (70) بليون دولار تعويضاً، وابتزت أمريكا والغرب وتاجرت مااستطاعت بهذه المحرقة، كما ساند الرؤساء الأمريكيون اللوبي الصهيوني بالإقرار بهذه المحرقة .

ويروج اليهود لمظلوميتهم التأريخية بالأستناد الى كثير من الروايات ومنها ما جاء في كتاب "كرونولوجيا الجنس البشري" حيث يشير الى أن القائد الروماني فلافيوس سيلفا تمكن من إقتحلم قلعة الماسادا بحد حصار شديد أستمر لعدة سنوات، وكانت القلعة ملجأ لليهود المتدينيين وعوائلهم، ولما دخل الرومان نكلوا بهم أشد تنكيل، وهناك أساطير كثيرة وردت في كتاب المفكر الفرنسي روجيه غارودي .

اللأمم المتحدة والهولوكوست

أعتمدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها بالأجماع في شهر تشرين عام 2005 بأعتبار يوم (27 كانون الثاني من كل عام) يوماً دولياً لأحياء ضحايا المحرقة النازية، مع تأكيد القرار لواقعية حدوث المحرقة، معتبرةً إنها حدث تأريخي مهم في تأريخ البشرية، مدينة في الوقت نفسه كافة أشكال التعصب العنصري ومظاهر عدم التسامح الديني أو أستخدام العنف ضد الآخرين لأسباب عرقية أو طائفية، وقد أعرب الأمين العام كوفي عنان عن ترحيبه بقرار الجمعية، مؤكدا أن هذا الاحتفال السنوي يمثل تذكيراً متواصلاً بالدروس المستفادة من محنة الهولوكوست، التي تعتبر شراً لا مثيل له، وأمراً لا يمكن اعتباره جزءًا من الماضي، وأضاف عنان في بيان إنه يتطلع إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ ما طالبته به الجمعية في قرارها حول المحرقة المزعومة.

وقد أقامت الأمم المتحدة أول أحتفال لها بمناسبة اليوم العالمي لأحياء ذكرى قتلى الهولوكوست في معسكرات الأعتقال النازية تحت عنوان "الهولوكوست والأمم المتحدة" بمشاركة (2000) شخصية من الدول الأعضاء في المنظمة وبمشاركة أعضاء من المنظمات غير الحكومية وبعض الناجين من محرقة عام 1944، وألقى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان كلمة بهذه المناسبة أشار فيها الى إستذكار هذه الواقعة الأليمة والتي تستلزم تكثيف الجهود والمساهمات الى الضحايا الأبرياء وهم بالملايين من اليهود الأبرياء ومن قوميات أخرى قتلوا بأكثر الطرق وحشية وبربرية، واضاف أنان بأنه -في تلميحة مباشرة الى بعض الذين ينكرون المحرقة ومنهم أخيراً الرئيس الأيراني احمد نجادي - بأن الذين ينكرون المحرقة فأنما "بدافع التعصب" داعياً العالم الى رفض الأدعاءات الملفقة التي تنكر المحرقة في أي مكان في العالم ومهما كان مصدرها، من جهة ثانية قامت الدائرة الأعلامية في الأمم المتحدة بعدد من النشاطات، منها عقد حوارات وتنظيم أمسيات وإستضافة عدد من المختصين لألقاء محاضرات عن الموضوع إضافة الى معارض للصور، وعرض عدد من مقتنيات المتحف الأسرائيلي التأريخي الخاص بمذبحة الهولوكوست. وبمناسبة مرور ستة عقود على تحرير معسكرات التعذيب النازية، فقد عقدت الأمم المتحدة مجموعة من الأنشطة لأحياء المناسبة، والغرض منها الأعتراف بوجود الهولوكوست كحدث تأريخي، وذكر الأمين العام للأمم المتحدة إن الذكرى السنوية ستكون تذكرة هامة للدروس العالمية للهولوكوست متعهدا أن تقوم الأمم المتحدة بتعبئة المجتمع المدني لتخليد ذكرى الهولوكوست من أجل منع تكرار وقوع جرائم الإبادة الجماعية .

الهولوكوست والغرب

تعتبر المحرقة من اشد أنواع التابو السياسي قوة في السياسة الدولية، من المعروف ان الألمان قدموا عام 1951 إعتذاراً رسمياً وصريحاً عن مذبحة الهولوكوست التي أرتكبت ضد اليهود والغجر،وقام ألمستشار الألماني بعد الحرب العالمية الثانية (كونرد اديناور) بالتعهد بتقديم التعويضات لليهود المتضررين من المحرقة، وفي زيارتها الأخيرة الى إسرائيل قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بوضع أكليل من الذزهور على النصب التذكاري (ياد فاشيم) الذي يشير الى المذبحة، وذكرت أن المانيا في شخص ميركل تقدم إعتذارها الجديد عن المجزرة التي أرتكبتها بلادها ضد اليهود، وهي مستعدة لفعل أي شيء لغرض التكفير عن هذه "الخطيئة التأريخية"، مؤكدة بأن وجود إسرائيل كان وسيظل أحد أهم الركائز في السياسة الألمانية. وفي الوقت الذي يصر فيه اليهود على أن هتلر أباد حوالي (6) مليون يهودي، فأن الكثير من الدول الأوربية سنت تشريعات قضائية تحكم بالسجن والغرامة الكبيرة على كل من يتجرأ على الشك في حقيقية المحرقة، وفي الوقت الذي زار فيه البابا يوحنا بطرس الثاني فلسطين وقدم أعتذار الأمة المسيحية عن المذابح التي ارتكبها اليهود، وخاصة أنه من الجنسية البولندية وهم الذين دخلوا كطرف ثاني بعد الألمان في المذابح، فأن خلفه بيندكيت السادس عشر عزم على زيادة إسرائيل والأطلاع على متاحف المحارق النازية، وتشير الصحف الأسرائيلية الى معلومات تسربت اليها بأنه سيؤدي مراسيم تتضمن صلاة وأدعية على روح الضحايا، وربما سيجدد الأعتذار عما حدث أسوة بسلفه الراحل، ومن المعروف أنه أرسل عام 2004 رسالة الى الحاخام اليهودي الأكبر طالباً فيها التعاون المشترك والمستمر لدعم العلاقات المسيحية اليهودية، علماً أنه توجد الكثير من المؤسسات المعنية بالهولوكوست في أوربا، وتشير الأخبار الى أن رئيس جمعية منتدى الهولوكوست العالمية، وهو رئيس مجلس محافظي المؤتمر اليهودي الأوربي (فياسيسلاف كانتور) ذكر بأن مجموعة من الأساتذة الروس سيشاركون في دورة تدريبية لتدريس الهولوكوست أعدتها هيئة (ياد فاشيم) الأسرائيلية .

أما فرنسا فقد أصدرت عام 1990 قانوناً سمته "فابيوس جيسو" يقضي بمعاقبة من ينكر المحرقة وفق مقررات محكمة نورمبرغ لمجرمي الحرب لمدة لا تقل عن سنة، إضافة الى غرامة مالية تصل الى (300) ألف فرنك فرنسي، كما أصدرت ألمانيا قانونا عام 1993 حظرت فيه إنكار المحرقة. ويحكم على من ينكر المحرقة بالسجن لمدة 5 سنوات، وكذلك الأمر في النمسا وحنوب أفريقيا وكنداوأستراليا وغيرها من الدول، ومن نافلة القول أن هذه الدول لا تجرم من يسيء الى السيد المسيح أو ينكر بعض الروايات المتعلقة به، لكنها تجرم من ينكر المحرقة؟

وفي عام 2000 ألتقى عشرين رئيس دولة في السويد، تحت ما سمي بالمنتدى الدولي حول الهولوكوست، وأكدوا فيه على ضرورة تشديد الأحكانم القضائية ضد من ينكر المحرقة.

الهولوكوست والعرب والمسلمون

كان ردود الفعل العربية القديمة والحديثة تتأرجح ما بين الأعتراف بحقيقية المذبحة على أعتبار أنها طالت العرب والمسلمين أيضاً الذين جاوءا في الخانات الأخيرة من تقييم هتلر للأجناس البشرية، رغم أن الدول العربية وقفت مع هذه الداعية وتكبد العرب والمسلمون مئات الآلاف من الضحايا دون أن يكون لهم يد ولا مصلحة في هذه الحرب، بل أنها إنعكست عليهم بولادة ما يسمى بالأستعمار حيث تم تقسيم العالم اثرها الى مناطق نفوذ للدول المنتصرة في الحرب، فتوزع العالم العربي حصص بين الدول الأستعمارية، لا يزال يدفع ثمنها حتى الوقت الحاضر، وبين المبالغة في عدد الضحايا الناجمة عن المحرقة، فقد بينت الدراسات المؤخرة في بولندا أن العدد من اليهود الذي ذكر بأن البولنديون قتلوهم لا يتجاوز (250) شخصاً وليس كما زعم اليهود، وهناك من ينكر اصلاً المحرقة ويقول أن الحرب طالت الجميع بما قيهم ألمانيا نفسها، وان اليهود كانوا من أقل الطوائف التي قدمت ضحايا بسبب هذه الحرب الكونية، مقارنة بما قدمه المسيحيون والمسلمون وبقية الديانات من ضحايا وتدمير، وعلى كل حال فأن الأمر يخبو أحياناً تحت ظلال مشاكل الأمتين العربية والأسلامية لفترات طويلة لحين هبوب عاصفة من دولة أو مفكر لأضرامها ثانية،وكانت مؤخراً البالونة التي فرقعها مرشد الأخوان المسلمين في مصر محمد مهدي عاكف، والذي اعتبرالمحرقة إسطورة، ورغم أن كلامه عن الهولوكوست جاء عابراً بقوله "الديمقراطية الاميركية ليست إلا ديمقراطية القطب الواحد والعالم الواحد والوجه الواحد الذي حمل على كل من يرى غير رؤية بني صهيون في ما يخص اسطورة الهولوكوست أو المحرقة" والغريب أنه في الوقت الذي أستنكرت فيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مقولة المرشد، فأن العرب أكالوا له الكيلين فقد أنبرى العديد من الكتاب المصريين والعرب، لأستهجان حديث المرشد، فمنهم من اتهمه بانه لا يحق له الحديث بهذا الأمر لأنه واجهة حزبية وغير حكومية وآخر اعتبر شؤون مصر الداخلية اولى بالحديث من الهولوكوست، ومنهم من وجه اليه تهمة معاداة السامية، ومنهم من ذكر انه سيحرج ممثلي حزبه في مجلس النواب، وغيرها من الأتهامات التي كانت أقل رحمة من إتهامات أمريكا وإسرائيل للمرشد الأسلامي ، وقد تطور الموقف بأعتذار قدمته الحكومة المصرية من خلال صحيفة "اللواء الأسلامي" الناطقة بأسم الحزب الحاكم، بعد ضغط أمريكي عبر السفارة الأمريكية في القاهرة التي اعتبرت الكلام يدخل ضمن تابو معاداة السامية، وحمل الأعتذار توقيع وزير الأعلام المصري، الذي اعتبر كالمعتاد أن المقال يعبر عن رأي صاحبه وليس الحكومة المصرية .

ايران والهولوكوست

قال الأمين العام كوفي عنان إنه شعر بصدمة عندما شاهد التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، التي يشكك فيها في وقوع محارق اليهود المعروفة باسم الهولوكوست، والتي يطالب فيها بنقل إسرائيل من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

وذًكر عنان، في بيان مكتوب، بالقرار الذي أصدرته الجمعية العامة الشهر الماضي، والذي ترفض فيه أي إنكار كلي أو جزئي للهولوكوست، كحدث تاريخي.

كما أشار عنان إلى البيان الذي أدلى به في السابع والعشرين من تشرين الأول الماضي، مؤكدا فيه أن إسرائيل دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، تتمتع بما تتمع به الدول الأخرى من حقوق، وتلتزم بما تلتزم به من واجبات، طبقا لميثاق المنظمة.ومن المعروف أن القانون الألماني يعتبر تكذيب أو أنكار المحارق اليهودية جريمة يعاقب عليها القانون، لذا انصبت الصحف الألمانية على توجيه إنتقادات لاذعة على تصريحات الرئيس الأيراني، وتم تشبيهه بأدولف هتلر، بل اعتبره البعض هتلر الثاني، وطالبوا بمنع دخوله للأراضي الألمانية وعدم التعامل معه حسب اللياقة الدبلوماسية، وذكر رئيس المجلس المركزي لليهود كنوبلوخ "بالنسبة ليّ فأن نجادي هو هتلر الثاني" سبق للرئيس الأيراني أحمد نجادي بعد أن أشتدت الأزمة النووية لبلاده مع العالم الغربي، أن أتكأ على عصا الهولوكوست لأستمالة الرأي العربي والأسلامي لصفه، مردداً آراء العديد من الغربيين في إنكار المحرقة، ومطالباً الدول التي أرتكبت المجزرة المزعومة بأن عليها فقط أن تعوض إسرائيل وأن تقيم دولة أسرائيل على أرضها كألمانيا والنمسا وليس على أرض فلسطين، وبلا شك أن الموقف الأيراني لا يتجاوز المزايدات الكلامية فمن المعروف أن الثورة الأسلامية لم تلتزم بأعادة الأراضي التي تستولي عليها والتي من المفروض أن تعيدها الى العراق حسب أتفاقية عام 1975، كما ان الجزر العربية طنب الكبرى والصغرى وابو موسى ما تزال تحت الأحتلال الأيراني ناهيك عن عربستان والتهديد المستمرة بعائدية البحرين ومناطق عربية أخرى لها، ومن الجدير بالذكر أن الحاخام اليهودي إسرائيل وايس أيد الرئيس الأيراني في دعواه، مشيرا إلي أن ما قاله" الرئيس أحمدي نجاد ليس افتراء ولا اجتراء‏,‏ وإنما قال ما يؤمن به الكثير من اليهود وتنص عليه شريعتهم‏.‏ وأضاف أن تأكيدا لحسن نيات الرئيـس الإيراني‏,‏ وبعيدا عما وجه إليه من اتهامات لرفضه فكرة محارق النازية‏,‏ فأن الجواب الشافي علي عدم وجود عداء متأصل بداخله تجاه اليهودية‏,‏ هو وجود جالية يهودية كبيرة من الإيرانيين لم يتعرض أي منهم لأذي‏,‏ حتي في أشد الأوقات والظروف توترا‏,‏ التي من شأنها إيجاد المبرر الكافي لألحاق أي نوع من الأذى إتجاههم."

الهولوكوست في الفكر الغربي والعربي

وفقاً للقانون الفرنسي فقد تمت مقاضاة المفكر المعروف روجية غارودي بعد أن نشر كتابه ذائع الصيت "الأساطير المؤسسة للدولة اليهودية الحديثة" وغرم اكثر من (40) ألف دولار، وهو نفس الأمر الذي جرى في النمسا مع البروفيسور روبيرفوريس الذي طرد من منصبه كأستاذ في جامعة ليون، بسبب تشكيكه بوجود غرف الغاز المزعومة، وهو ما أنكره أيضاً الكاتب دايفيد ايرفنج في كتابه " إنكار الهولوكوست" الذي نشر عام 1994، وكان من اشد الكتب التي أثارت ضجة في العالم، فقد تضمن الكتاب الكثير من الدلائل التي تدحض المحرقة ومنها عدم وجود أفران الغاز في معسكر اوشفيتز الألماني، مما جعله عرضة لأنتقادات معظم الكتاب الموالين لليهود، وشنت عليه حملة نكراء كبدته ماله ومال اصدقائه، فقد دفع (1) مليون جنية استرليني للمحامين الذي دافعوا عنه.

ومن الكتب المثيرة ايضاً كتاب " صناعة الهولوكوست" الذي صدر عام 2000 لليهودي الأمريكي نورمان فينكالشتاينن والذي اكد فيه لن الغرض من المحرقة هو الحصول على المنافع المالية من خلال التعويضات، مؤكداً بأن " أفواج المتهالكين المتباكين من النساء والعجائز والشيوخ أمام لجان التحقيق مطالبين بتعويضات من المانيا والنمسا ليسوا سوى محتالين، صنعوا لنفسهم ماضياً وهمياً" وان الأمر لا يخرج عن كونه "تزويراً للتأريخ" أو "نهباً للقبور" مضيفاً بأن صناعة الهولوكوست تعتبر من اكبر السرقات في التأريخ البشري. أما الكاتب ايرفينج الذي انكر بدوره عدد ضحايا الهولوكست فقد منع من التحدث الى وسائل الأعلام أو الدلاء بأية احاديث صحفية وقد ادين في محكمة فيينا وحوكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وقد ربط الكاتب النمسا بالنازية مفيداً بأن قانون البلاد صارماً تجاه من ينكر المحرقة وان وقوع الهولوكوست سخيف للغاية، وبعد الضغط الكبير على الكاتب تراجع عن آرائه السابقة.

أما في الفكر العربي فقد كانت الكتب التي تحدثت عن ظاهرة الهولوكوست محدةدة للغاية ومنها كتاب " صرخة فلسطينية" للمؤلف الفلسطيني الأصل نضال الصالح، وقد أثار الكتاب موجة من السخط بعد نشره، فقد قدم مركز "سيمون فيسينتال" إحتجاجاً للحكومة السلوفاكية بسبب نشر الكتاب، وينكر الكتاب الهولوكوست ويعيد تصويرهم بشكل مسخ كما كان يفعل الأعلام النازي، وادرج الكتاب ضمن موجة معاداة السامية والتحريض على العنصرية وكراهية اليهود، مما حدا بالجالية اليهودية الى رفع دعوى قضائية لمقاضاة الدكتور نضال صالح وسحب الكتاب من الأسواق، ومن الكتبات المعاصرة كتاب "الهولوكوست بين الأنكار والتأييد" للمؤلف رمسيس عوض، ويتحدث عن اغتنام اليهود لموضوع الهولوكوست دعائياً للحصول على العطف الدولي والتعويضات ومن هذه التعويضات تحقيق حلمهم في إقامة دولة إسرائيل، وأقتبس المؤلف آراء العديد من المؤيدين والناكرين للمحرقة في إستعراض جميل ومن ابرزها ما جاء عن مدرسة مراجعة الروايات المتعلقة بالهولوكوست والتي أسسها الأمريكي (هاري بارنز) وتحث فيها عن الحربين الكونيتين الأولى والثانية، ونشرت أعماله وزملائه عام 1928 واعيد طبعها عدة مرات ولكن المدرسة تعرضت الى فاجعة كبرى عندما أرادت تمحيص الروايات المتعلقة بالمحرقة، حيث أحرقت مكتبتها في لوس أنجلوس بطريقة غامضة عدة مرات وآخرها عام 1987 وتم الأعتداء على أبرز كتابها، ومن المؤلفين في هذا الموضوع الحاخام اليهودي إسرائيل وايس، وسبق ان اشار الى تآلف المسيحيين واليهود والمسلمين عبر العصور والعيش بهدوء وسلام دون أن يكون هناك تمييز في التعامل، ودون وجود منظمات خاصة بحقوق الأنسان لكن الفكر اليهودي هو الذي شاب هذه العلاقة، وأعتبره مصدر عداء للعرب والمسلمين، وأكد أن الدولة اليهودية هي سبب حالات التواصل في النزاع والصراع، فدولة إسرائيل باطل ويجب أن تزول، ولا بد من إنتهاء مخاطرها المحدقة بالعالم .

هل الهولوكوست أسطورة

1-تشير الأحصائيات بأن عدد اليهود أبان الحرب العالمية الثانية لم يكن يتجاوز عدة ملايين، لذا فمن غير المعقول أن يقوم هتلر بقتل (6) مليون يهودي وهم دون هذه النسبة بكثير، مع الأخذ بنظر الأعتبار أن اليهود في الدول التي حاربت هتلر كانوا بمنأى عن المحرقة، وان اليهود في الأتحاد السووفيتي السابق والدول العربية هم اكثر بكثير من عددهم في أوربا الغريبة، وهذا ما أظهرته الهجرات المتتالية من روسيا والدول العربية الى الأراضي الفلسطسنية المحتلة.

2-أن اليهود كما هو معروف عليهم يروجون مظلوميتهم التأريخية بالأستعانة بأساطير وحقائق يتم غالباُ تهويلها بشكل يخدم أغراضهم، وهم يؤكدون في طروحاتهم بأنهم دائماً يتعرضون الى المذابح والأبادة الجماعية دون وجه حق، رغم ما عرف عنهم من دسائس ومؤامرات وصفات سيئة كالربا والبخل والأستغلال والتجارة في السوق السوداء والفضائح المالية.

3- بسبب التصرفات السيئة لليهود والتي سبق ان أشرنا لها في النقطة أعلاه، فقد ضاق الغرب بتصرفاتهم وملوًاّ من تقويمهم، لذا كانت الفرصة في الحرب العالمية الثانية موآتية للنيل منهم، وهذا الأمر ربما له وجهة نظر عند الأوربيين، ولكن العرب والمسلمين تعرضوا أيضاً لأبادة وكذلك غجر أوربا ولكنه لم يعتذر منهم أو تقدم لهم تعويضات رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تعرضوا لها.

4-تعتبر المحارق التي ادعاها اليهود وخاصة أفران الغاز وتحويل الدهون الناجمة عن حرقهم الى صابون في مصانع ألمانية، تستخدمه القوات الألمانية من بنات افكارهم ولم يثبت على أرض الواقع وجود مثل هذه الأفران والمصانع.

5-كانت الآلة الأعلامية الأسرائيلية قد سخرت كل جهودها لأشاعة القصة وصب قالب الواقعية عليها، وعرضها بشكل متواصل على الأعلام، والذي نجح في جلب تعاطف الاوروبيين وإحساسهم بالذنب تجاه اليهود، وتم التعبير عنه بدعم سياسي ومالي لا محدود لإسرائيل.

6- لجأت المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة وبقية دول أوربا لأستنفار عدد كبير من الكتاب للتراصف بصفها بدعوة تسليط الضوء على المحرقة، عبر وسائل الترغيب والترهيب، ولاحظنا كيف كان التعامل مع الكتاب المعتدلين أو الذين أنكروا المحرقة.

مفهوم الأبادة الجماعية

يعتبر رافائيل لامكين اول من أستخدم مصطلح (جينوسايد) للأشارة الى تدمير العنصر البشري بشكل تام أو بشكل جزئي ولكن جماعي، وذلك لأسباب عنصرية أودينية أو إستعمارية. وتبنت الأمم المتحدة عام 1948 إتفاقية منع الجريمة والأبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وقد وقعت ألاتفاقية من قبل الدول الأطراف الذين تزايدوا سنوياً، و في شهر كانون الأول عام 1948 دخلت الأتفاقية حيز التطبيق عام 1951 ثم إنضم العراق الى الأتفاقية عام 1959 ونصت الأتفاقية على الجرائم التي تندرج تحت تسمية الأبادة الجماعية ومنها قتل أفراد مجموعة أثنية محددة أو تشريدهم، والأستيلاء على ممتلكاتهم، والأعتداء عليهم جسدياً، أو أجبارهم على إتباع طريقة معيشية تؤدي الى إنقراضهم بشكل كلي أو جزئي، وفرض تدابير لمنع تناسلهم أو تكاثرهم، أو خطف أبنائهم بشكل جماعي لأذابة كيانهم الأثني، كما جاء في المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الاشخاص المدنيين والتي عقدت سنة 1949 بمنع الهجمات العشوائية التي تنتهك حقوق المدنيين وتعرضهم الى مخاطر جسدية او في ممتلكاتهم، كما جاء نفس الشيء في الفقرة الأولى من المادة (57) من البروتوكول الأضافي الأول لأتفاقيات جنيف والمعقودة عام 1977معتبراً الأعمال العدائية العسكرية إنتهاكاً خطيراً لأتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين. وعرفت جريمة الأبادة الجماعية بأنها " الأفعال التي ترتكب عن قصد لتدمير كل أو جزء من جماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية" من خلال قتل أعضاء هذه الجماعات، أو إلحاق اذى جسدي أو روحي خطير بأعضائها، أو إخضاعها عمداً لظروف معيشية يراد منها تدميرها كلياً او جزئياً.

كانت حلبجة منذ التسعينيات من القرن الماضي القاسم المشترك عند مناقشة موضوع الأبادة الجماعية، ولا سيما في لجنة حقوق الأنسان، وكانت منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقب حقوق الأنسان والخاضعتان بشكل ملموس لا يحتاج الى نباهة للأدارة الأمريكية أكثر من الأمم المتحد نفسها المنارين الرئيسيين لأثارة الموضوع في تقاريرهما الفصلية والسنوية، ووجهت الأتهامات حينها الى الحكومة العراقية لأسباب سياسية واضحة تغذيها الأحزاب الكردية العراقية لتحقيق الهدف من هولوكوست حلبجة، أما الأمم المتحدة فقد أرسلت فرق لتقصي الحقائق حول الموضوع للعراق وإيران ولم تتمكن من أن تثبت الفاعل، وحتى في إشارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في كلمة له في شهر سبتمبر عام 2003 ذكر موضوع حلبجة بتحفظ واضح "أنه لا يزال يتعين على الأعضاء الدخول في حوار جاد حول أفضل السبل للرد على تهديدات الإبادة الجماعية أو انتهاكات حقوق الإنسان الأخرى الخطيرة المشابهة – وهي مسألة سبق وأن أثرتها من فوق هذا المنبر في عام 1999. وكانت استجابتنا الجماعية لهذا النوع من الأحداث – في جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي ليبريا – مترددة وبطيئة مرة أخرى هذه السنة. ومع ذلك فالتهديدات “الخطيرة”، مثل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، أمور حقيقية ولا يمكن تجاهلها، والإرهاب ليس مشكلة بالنسبة للبلدان الغنية فقط. وما عليكم إلا أن تسألوا سكان بالي، أو بومباي أو نيروبي أو الدار البيضاء، وأسلحة الدمار الشامل لا تهدد فقط العالم الغربي أو الشمالي. بل اسألوا سكان إيران، أو سكان حلبجة في العراق، ويبدو أن اختلافنا هو حول كيفية مواجهة هذه التهديدات."

حلبجة الهولوكوست الكردي

"ليس بحلبجة وحدها يحيا الأكراد" أنه قول مأثور عن العراقيين الأكراد الذين كانوا مصدر إزعاج دائم لحكومات العراق بأجمعها وبأنظمتها المتباينة وتياراتها السياسية المختلفة، وعامل زعزعة الأمن والأستقرار في شماله، ومسرح لمؤمرات مستمرة ضد سيادة العراق وحكوماته بالتعاون مع إسرائيل وإيران والولايات المتحدة الأمريكية، وسنحاول إلقاء الضوء قبل وبعد بيان الحادي عشر من آذار عام 1970، فقد اصدرت الحكومة العراقية العديد من القرارات التي صبت في صالح الأكراد رغم تأريخهم التآمري على وحدة العراق وسيادته ومنها الأعتراف بوجودهم الشرعي، وعدد من القرارات الخاصة بالعفو عن المتمردين الذين حاربوا الدولة سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين، وتأسيس جامعة السليمانية وكذلك المجمع العلمي الكردي، إضافة الى إقرار الحقوق الثقافية واللغوية، حيث عمم تدريس اللغة الكردية في المدارس والمعاهد والكليات في منطقة كردستان، إضافة الى تعميم الكتب والمؤلفات في مختلف المجالات العلمية والأدبية باللغة الكردية وتأسيس إتحاد للأكراد وإستحداث مديرية عامة للثقافة الكردية إضافة الى إصدار صحف ومجلات اسبوعية وشهرية باللغة الكردية.

بعد ذلك تم إصدار ثلاثة قرارات أولهما القرار برقم (247) بتعديل الدستور المؤقت والذي أضاف فقرة جديدة الى المادة الثامنة منه وأصبح " تتمتع المنطقة التي غالبيتها سكانها من الأكراد بالحكم الذاتي"، ثم تلاه قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان برقم (33) لسنة 1974، وقانون المجلس التشريعي لمنطقة كردستان رقم (36) لسنة 1974 والحقيقية أنه بأعتراف الأكراد أنفسهم لم تحظى الأقليات الكردية في كل مناطق العالم بمثل هذه الأمتيازات سواء في أيران أو تركيا أو سوريا وغيرها، وكان بيان الحادي عشر من آذار خيمة وطنية رائدة في المنطقة، جعلت دول الجوار ممن فيها أقليات كردية تنظر بعين البغض والأستياء من هذا القرار الذي سينعكس حلماً وردياً يراود مخيلة أكرادهم، ورغم الضغوط التي مورست على الحكومة العراقية لأجهاض المشروع الجديد، لكن الحكومة مضت في طريقها دون أن يوقفها أو يهبط من عزيمتها عائق .

لم يكد الأكراد يغفون على هذا الحلم الجميل ويتمتعون بالأستقرار الذي أفتقدوه ردحاً من الزمن بسبب المعارك المستمرة وحروبهم مع الجيش العراقي، حتى قام زعماء بعض الأحزاب الكردية بتحريض أيراني إسرائيلي على تحويل الحلم الى كابوس مرعب، فقد تمردوا ثانية على الحكومة العراقية، وبدأت المعارك ثانية، وتمكن الجيش العراقي من إلحاق هزائم منكرة بالمتمردين الذين كانوا غالباً ما يلجأون الى إيران عند إشتداد الخناق عليهم، وكانت إتفاقية الجزائر بمثابة الضربة القاضية لهم، وبدأت اعمال التمرد يخف وطيسها تارة ويحمى تارة أخرى حسب الموقف الداخلي والأقليمي، الى ان شنت أيران حربها على العراق، حيث مارس الاكراد دوراً ملعوناً بالوقوف مع العدو الأيراني ضد الجيش العراقي، ولم يقفوا موقف الحياد على اقل تقدير، وإنما قاموا بتشديد هجماتهم على القوات العراقية، فأشعلوا جبهة داخلية إضافة الى الجبهة الخارجية، وكانت القرى الحدودية تزخر بالقوات الكردية المعادية للنظام والجواسيس الأيرانيين، وقد صدر قرار بعد أن يئست الحكومة العراقية من إستمالة وتحييد الأكراد في تلك المناطق بالنزوح الى عمق (15) كم عمقاً داخل الحدود العراقية بالنسبة للقرى الحدودية، وذلك بغية إبعاد المدنيين عن مناطق القتال من جهة، ولغرض تفويت الفرصة عن القوات الأيرانية للأستفادة منهم كورقة ضاغطة على القوات العراقية، ومن ثم تأمين المناطق الأدارية لوحدات الجيش الخلفية التي كانت قريبة من هذه القرى، وكذلك تفويت الفرصة من تسرب الاسرار العسكرية وحركات الجيش الى الأكراد الموالين لأيران وأخيراً تحديد حركة الأكراد المتمردين الذين كانوا يتخذون من هذه القرى اوكاراً لعملياتهم الموجهة ضد الجيش العراقي، وخاصة أن الأيرانيين تمكنوا من تدمير عدد من القطعات العسكرية العراقية من خلال ألاستفادة من الأحداثيات التي كان يقدمها ألاكراد الى قوات المدفعية الأيرانية .

رغم النداءات المتكررة لسكان هذه القرى فأنهم كانوا يرفضون النزوح الى التجمعات الحديثة التي هيئتها الحكومة العراقية لسكناهم، والتي سميت "القرى العصرية" أو "مدن النصر" بشكل مؤقت لحين إنتهاء المعارك الحربية، وهذا امر طبيعي فالكردي تعود على حياة الطبيعة وصعود الجبال ومن غير الطبيعي أن يحلوا له العيش بمثل هذه المجمعات رغم إنها توفر الأمان والسلامة لهم من اتون الحرب، ولكنهم فضلوا اصوات المدافع والقصف في قراهم على السلامة وهذا موقف مثير للحيرة ؟ وبعد يأس كبيرومتكرر ونتيجة لأشتداد المعارك في الجبهة الشمالية إضطرت الحكومة العراقية الى إخلاء هذه القرى بالقوة، ومع هذا فقد كان البعض وخاصة الرجال وكبار السن يتسللون بالعودة اليها ليلاً، وكانت مناطق حلبجة وطويلة من المناطق المتاخمة في الحدود العراقية الأيرانية لمناطق نوسود وغيرها وهي على شكل لسان ممتد في داخل الحدود الأيرانية، بل أن سكان القرى على الجانبين العراقي والأيراني بينهم أواصر قربى وتصاهر، جعلت من الصعب فصم عراها، وبدأت عملية تدمير القرى لأجل حرمان الأكراد من الرجوع اليها، وشمل التدمير البيوت والمراقد والتكيات وحتى الجوامع، وقد فتح هذا التدمير جراحاً عميقة لدى الأكراد وتم تسخيره لأغراض دعائية بتوجيه اللوم الى الحكومة العراقية دون الأشارة الى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء إتباعها هذا الأسلوب العنيف، فالحالة حرب والحرب سجال، وكما يقال لا توجد أخلاقيات في الحرب، كما أن الغاية تبرر الوسيلة أحياناً، وكانت الحرب على اشدها، والجيش العراقي يتحمل المزيد من الخسائر بسبب الأكراد وعملياتهم التي تصاعدت بشكل كبير، بحيث يذكر بعض الضباط أن الخسائر التي يتكبدها الجيش العراقي من عمليات الأكراد تزيد احياناً عن التي يتكبدها من العدو الأيراني، ولا سيما الألغام البشرية التي كانت تبتر أقدام جنود الربايا والألغام ضد الدبابات التي كانت تستهدف العجلات والمدرعات، ويعلق ضباط بأن العسكريين والمحللين الأستراتجيين يدركون أهمية تأمين خطوط الأمداد للقطعات الأمامية، وكانت تلك الخطوط مهددة فعلياً من قبل الأكراد، ويتذكر البعض كيف قام الروس أبان الحرب الكونية الثانية بمنع الألمان من الأستفادة من المدن الروسية التي أستولوا عليها من خلال أتباع سياسة الأرض المحروقة والتي تقبلها الشعب الروسي بسعة صدر لأن الحرب سببها وكذلك الرغبة في تحقيق النصر، فالحرب حرب ومستلزمات النصر عديدة والعبرة فيمن يقطف ثمار النصر، وفي الوقت الذي روج فيها الأكراد عدد النازحين بـ (750) ألف نسمة كمرحلة أولى وتضاعفت لاحقاً، فأن الأمريكان أوصلول العدد ما بين (1- 1،5) مليون كردي وهي نسبة تبدو طريفة فما هو عدد الأكراد اصلاً ؟ ليبلغ النازحون الى مدن النصر مليون ونصف، وكيف تمكنت الحكومة العراقية أن تنجز مجمعات سكنية خلال فترة لا تزيد عن شهر لأيواء هذا العدد في الوقت الذي عجزت فيه عن بناء مجمعات لأسكان عشر هذا العدد في محافظات العراق كافة، ولا سيما أن هذه المدن كانت مبنية بشكل هندسي منتظم ومواد بناء جيدة النوعية وروعيت فيها خدمات الماء والكهرباء وغيرها؟

كانت سماء شهر شباط من عام 1988 ملبدة بغيوم سوداء، ولم تكن هناك تحركات أو بوادر تبعث على القلق فالجبهة هادئة في منطقة حلبجة، وكانت حركة العجلات الأيرانية والأشخاص طبيعية، مما يعني في المفهوم العسكري هدوءًا نسبياً، لذا كانت أوامر الجيش طبيعية وتتعلق باليقظة والحذر والحراسات طبيعية، ولم يكن يدور بخلد القادة الميدانيين أن الأكراد يتعاونون مع القوات الأيرانية لفرض الطوق على حلبجة ومحاصرة القوات العراقية بداخلها ومن ثم الأنطلاق الى مدن قره هنجير عربت وسيد صادق وبيارة لقطع إمدادات الجيش العراقي وعزل القطعات عن بعضها، وكانت خطة ذكية بأستخدام أدلاء للقطعات الأيرانية من الأكراد الذين يعرفون الطرق والمسالك الوعرة بين الجبال والأودية معرفة تامة، وكان الصباح على عكس الليل فقد أدرك القادة الميدانيون خطة الألتفاف الأيرانية، وشنت هجمات عراقية مقابلة لفك الطوق، وساهم الطيران العراقي مساهمة فاعلة في تفويت الفرصة على الأيرانيين، وتشرذموا في الوديان يتبعهم الخونة من الأكراد، ويذكر الأكراد بأنه ليلة 22/2/1988 وقعت عدد من القذائف في وادي جفاتي حيث مقر المتمردين الأكراد، وكان امراً عادياً ومألوفاً عندهم، ولكن مع بزوغ الشمس وجد بعضهم صعوبة في الرؤيا وبثور وتقرحات في وجوههم وأجسادهم مع سعال شديد وحالات من الغثيان والتقيؤ وغيرها من الأعراض، وتشير رواية كردية أخرى تتناقض مع هذه الى أنه في الساعة الحادية عشر وسبع وعشرين دقيقة من صباح يوم 16/3/1988 حلقت الطائرات فوق مدينة (الكردية) على الحدود العراقية الأيرانية وأمطرتها بأكثر من (500) طن من الغازات الكيمياوية كالسارين والخردل وغاز الأعصاب، وأدى ذلك الى قتل أكثر من (5) آلاف شخص وأصابة أكثر من (10)آلاف آخرين، وتتحدث البيانات العراقية والأيرانية الى أصابات كثيرة بين صفوف قوات الطرفين، وتم أخلائهم الى الوحدات الطبية القريبة، وتشير المعلومات الى أن حوالي (5000) كردي توفوا نتيجة هذه الضربات الكيمياوية، وتعويق حوالي (10000) الف شخص آخر معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ، وتشسر المصادر الكردية الى أن استخدام النظام العراقي للأسلحة الكيمياوية بدءاً للفترة من 15/4/1987 ولغاية 9/9/1988 وكانت حلبجة آخر ضربة كيمياوية وجهها النظام الى الأكراد، وهو تأريخ غير منطقي لأن الحرب أنتهت أوزارها في 8/8/1988 وخرج العراق منتصراً منها.

وتناولت الصحف الأمريكية منذ عام 1991 توجيه الأتهامات الى العراق في الوقت الذي لاذت بالصمت قبلها دون ان تحمل أي من الطرفين العراقي والأيراني مسؤولية ما حدث، وتشير الصحف ومنها نيويورك تايمز الى أن التهم التي وجهت للنظام العراقي بشأن الأبادة الجماعية وإستخدام الأسلحة الكيمياوية في حلبجة عام 1988 قد توفرت الأدلة بشأنها، حيث تم جمع نماذج من التراب عام 1992 قرب الحفر التي أحدثها سقوط قنبلتين في قرية بيرجني الكردية من قبل فريق "منظمة مراقب الشرق الأوسط" وهي المعروفة بتوججها الأمريكي الصريح والمكشوف، وتشير التحاليل التي اجريت على التربة بمختبر بورتون نيفل في أنكلترا، بأنه وجد آثار تشير الى إستخدام غاز الخردل وأخرى غاز السارين، وفي إتهام غريب بلا أثباتات أشارت الصحيفة انه مما لا يقبل الشك أن صدام أقترف هذه الجريمة، وهو لغز لأنه لا احد ينكر أن مدينة حلبجة تعرضت فعلاً الى أسلحة كيمياوية، لكن من الذي ضربها العراق أم أيران ؟ هذا هو الأمر الذي يجب معرفته وتحديده ببراهين ثابتة وليس بأقوال وإتهامات ذات مغزى وإيماءات واضحة؟

ويدعي الأكراد أنهم تمكنوا من الحصول بعد أحداث آذار عام 1991 على (18) طناً من وثائق المخابرات والتي تتضمن معلومات مباشرة عن إستخدام الأسلحة الكيمياوية إضافة الى أشرطة صوتية ومرئية، والغريب إنها لم تعرض على الأمم المتحدة ووكالاتها أو المنظمات الأنسانية لتفكيك ألغاز المسؤولية عن أحداث حلبجة لغرض التشابك وخلط الأوراق، كما سيتضح لاحقاً .

الأستغلال الأعلامي لموضوع حلبجة

كانت حلبجة محوراً مهماً وقاسماً مشتركاً للأعلام الغربي منذ ازمة إحتلال الكويت فقد ترافق الموضوع مع هذه الأزمة لأغراض سياسية واضحة، لا تحتاج الى الكثير من الدلائل، ففي الوقت الذي صمت الأعلام الغربي عن الأحداث لمدة أقل من ثلاثة سنوات، ثارت الضجة بعد أزمة الكويت، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل إضافة الى ايران يشكلون رأسمال هذه الحملة الأعلامية، فأيران لا تزال تحلم بألصاق التهمة بالعراق وإبعاد شبح الكيمياوي عنها ولا سيما أن لها مشروعها العلمي الذي يصب في هذا الأتجاه، إضافة الى ألباس النظام العراقي الثوب الكيمياوي سيحررها من الأتهامات المزدوجة التي كيلت للنظامين، كما ان الوقت مناسب لأثارة البغضاء للنظام العراقي الذي أذاقها طعم السمّ الزعاف خلال سنوات الحرب، وازفت ساعة الأنتقام للتخلص من هذا النظام أو على الأقل إضعافه بحيث لاتقوم له قائمة بعد الحرب القادمة، وكانت الدبلوماسية المعممة موفقة في خطتها التآمرية على العراق، ففي مجال الأعلام لا بأس من الأطلاع على بعض ما أوردته وسائل الأعلام حول حلبجة، فقد ورد عن مراسل صحيفة الأوبزيرفر البريطانية "أن جلاوزة النظام العراقي أسروا احد الثوار، ولأشاعة الرعب في نفوس السكان قاموا بربطه الى سيخ وشيه حياً على النار" والحقيقة ان الكلام لايرقى مطلقاً الى الصحة فالجيش العراقي لم يعرف طوال تأريخه المجيد مثل هذه الأفعال المشينة وحاشا له ان يتبع مثل هذه الأساليب الهمجية ! واشارت تقارير السفارة الأمريكية في بغداد في برقية لحكومتها في 19/4/1988 بأن مدن النصر ضمت (1،5) مليون كردي، رغم أن هذا العدد مبالغ به كما سيتضح لاحقاً، كما أنتج روزبياني فليماً عن حلبجة سماه "جيان" عرض في مهرجان لندن السينمائي ولم يحظى الفيلم بشهرة كبيرة لضعفه من كافة النواحي الفنية من إخراج واقصة ومونتاج، و ضعف إداء الممثلين والتسرع في أنتاجه، فقد أنتج خلال ( 28) يوماً فقط في هوليود،بالرغم من أنه عرض في (20) مهرجاناً دولياً بدعم أمريكي بريطاني إسرائيلي لتشويه صورة النظام العراقي السابق، كما قد وظف غورين روبرتس منتج الأفلام الوثائقية العديدة عن حلبجة كل إمكانياته لدعم عملية تحميل النظام العراقي مسؤولية احداث حلبجة. وقامت (13) منظمة كردية بعقد مؤتمر في لندن، وأبتدأ المؤتمر بألقاء كلمات وخطب مصحوباً بعرض موسيقي للفنانة هزار الزهاوي بهذه المناسبة وقصائد للشاعرة بهية الجاف، وشددت هيلين بامبر صاحبة مؤسسة (ميدكل فاونديشن) على الأهتمام بضحايا حلبجة، اما البرفيسور دولار علاء والباحث الكردي شورش حاجي فقد تحدثا عن حلبجة عارضين صور وسلايدات كان يكرر عرضها في كل مناسبة، ومن الفعاليات ذات العلاقة المهرجان الذي أقيم في كلية الدراسات الشرقية والآسيوية في جامعة لندن بمناسبة الذكرى (17) لواقعة حلبجة والذي شارك فيه بيرفتن دوسكي والبروفيسور كيفين بويل عضو مركز حقوق الأنسان والباحث الكردي شورش حاجي والبروفيسور دلاور علاء وصلاح الشيخلي وهيرو خوشناو من الأتحاد العلمي والطبي الكردي وعدد من الفنانين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أن الأعلام البريطاني خرج مؤخراً ليحدثنا عن أرتفاع الأصابات نسب الموت في المدينة الناجم عن إرتفاع نسبة سمية لدغات الحشرات والزواحف بسبب تغذيها على رواسب الغازات القاتلة والكامنة في الأرض المنكوبة على حد زعمهم .

ونشرت صحيفة ( جيروزاليم بوست) الأسرائيلية تناغماً مع الحملة الدعائية خبر أكتشاف مصنع للأسلحة الكيمياوية جنوب العراق، وأن تحقيقات تجري بشأنه ولم تكشف الصحيفة عن نوع الأسلحة الكيمياوية الممنتجة ولم تحدد مكان المصنع بشكل محدد .

وفي لاهاي بدأت محكمة فرانس فان ارات تاجر المواد الكيمياوية المتهم بالتواطؤ مع النظام العراقي في عمليات إبادة لأنه سلم النظام العراقي مواد كيمياوية أستخدمت في حلبجة .

وكان آخر الدعايات لحلبجة أختيار القاضي رؤوف عبد الرحمن وهو من مواطني حلبجة ليكون القاضي الذي يحاكم صدام، وقد اثارت هيئة الدفاع الشكوك حول نزاهة المحاكمة، ولكن الدعاية الكردية كانت ليس لأثارة تعصب القاضي ضد صدام فحسب وأنما لتسليط الضوء المستمر على أحداث حلبجة، ونجح الأمر حيث تتناقل وسائل الأعلام خبر أن القاضي من مدينة حلبجة " التي امطرها صدام حسين بالقنابل الكيمياوية وقتل فيها خمسة آلاف كردي و من اساليب الدعاية الأخرى جعل مجلس النواب الأخير يعقد اول جلساته بنفس اليوم الي تعرضت فيه حلبجة للضربة الكيمياوية، ووقف النواب الجدد دقيقة صمت على أرواح ضحايا حلبجة، كما فرض الأكراد في ديباجة الدستور العراقي العبارة التالية".. ومستوحين ظُلامةَ استباحة المدن المقدسة والجنوب في الانتفاضة الشعبانية ومكتوين بلظى شجن المقابر الجماعية والاهواروالدجيل وغيرها، ومستنطقين عذابات القمع القومي في مجازرِ حلبجةَ وبرزانَ والانفال والكورد الفيليين، ومستلهمين مآسي التركمان في بشير،وكما في بقية مناطق العراق فقد عانى اهالي المنطقة الغربية من تصفية قيادتها ورموزها وشيوخها وتشريد كفاءاتها وتجفيف منابعها الفكرية والثقافية، فسعينا يداً بيد، وكتفاً بكتف، لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولاتمييز، ولا إقصاء."

وبالطبع روج الأعلام الأمريكي الى رواية قيام صدام حسين بقصف حلبجة متاخاً منها ذريعة لأضفاء الشرعية والجانب الأخلاقي في الحرب التي شنها عام 1991 وفي تقرير نشر في صحيفة نيويورك تايمز عام 2003 ذكر ستيفن بليتيري نقلاً عن تحقيقات اجرتها وكالة المخابرات المركزية بأن مسألة حلبجة لم تكن جريمة حرب وأنما عمل حربي، ولكونه محلل مخابرانتي وترأس لجنة حول هذا الموضوع بأن أيران أيضاً تقف وراء ضرب حلبجة بالأسلحة الكيمياوية كما سنفصله لاحقا.

لقد كان للأعلام الخارجي دوراً بارزاً في ترويج مذبحة حلبجة، كما قام الأعلام العراقي بعد الغزو الأمريكي بالسير في نفس الطريق .

الأبتزاز الكردي لموضوع حلبجة

كان الأبتزاز الكردي غير المعقول لقضية حلبجة مثاراً لأمتعاض الكثير من الأكراد وخاصة سكان حلبجة نفسها، فقد اعلنت الحكومة الكردية لأدارة السليمانية التي يحكمها حزب جلال الطالباني الأتحاد الوطني الكردستاني عن توقيف عدد من المشتبه بهم في الضلوع بأحراق النصب التذكاري لضحايا حلبجة، ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن شهود عيان أن المتظاهرين طالبوا بأعادة الأوضاع الطبيعية الى حلبجة، كما اشار بعضهم الى أن إحراق النصب يرجع الى عدة عوامل منها:

1-الأبتزاز غير الطبيعي لحادثة مدينتهم من قبل الحزبيين الكرديين الرئيسيين، رغم أن المدينة لم تشهد عمران منذ أن ضربت بالأسلحة الكيمياوية بأستثناء النصب التذكاري .

2-ان سكان حلبجة لم يحظوا بشيء من مئات الملايين من الدولارات التي أغدقها الأمريكان والأوربيون على الأكراد كمساعدات لضحايا حلبجة, فهم لم يحصلوا سوى على فقاعات هواء سرعان ما تبخرت ونزلت على شكل أمطار في جيوب الحزبيين الكرديين، ويتساءل عدد من الأكراد بمرارة :" لماذا يجعلون من المدينة تجارة يستفيد منه الساسة فقط ويحرمون اهلها من الفائدة " ؟.

3-تعاني حلبجة كما يشير الكثير من العلماء والمختصين من تلوث في الماء والهواء والتربة، وان الحكومة الكردية لم تسعى لطلب مساعدات دولية لتنقية البيئة، وإنما أنصبت جهودها للحصول على دعم مالي فقط .

4-تحتاج المدينة الى الكثير من الأهتمامات الطبية بسبب وجود عديد من المعوقين بسبب الضربة الكيمياوية، إضافة الى مشاكل عديدة في الولادات الجديدة، ولم يحظى هذا الأمر المهم بأهتمام القيادات الكردية .

5-في الذكرى السنوية الثامنة عشر على ضرب حلبجة قام عدد (7000) من المتظاهرين الأكراد في حلبجة بحرق "نصب الشهيد" والمتحف الملحق به بعد أن نهبوه ومنعوا المسؤولين من التقرب من النصب بعد اغلقوا المنافذ المؤدية اليه بالصخور والأطارات المحروقة، أثر قيام قوات البيشمركة بقتل شخص وجرح (11) آخرين بالعيارات النارية، وأكد العديد من المتظاهرين بأن حرق النصب جاء كردّ فعل للمتظاهرين بسبب أطلاق البيشمركة النار عليهم لغرض تفريقهم، مما اثار استفزازهم وغضبهم، وقد خرج عدنان المفتي رئيس المجلس الوطني الكردستاني بفتوى غريبة بأن قانون العقوبات العراقي يعاقب بالأعدام المسؤولين عن حرق النصب؟ وبرر عدم الأهتمام بالمدينة بلغز محير عندما ذكر بأن حلبجة لم تكن قبل عام 2003 تحت سلطة إدارة كردستان لذا لم تتمكن الأدارة الكردية من متابعة اوضاعها ؟ ولم يفتنا المفتي لأي سلطان كانت خاضعة؟ ولماذا؟

6-من المعروف انه مدينة حلبجة وقرب النصب التذكاري توجد لافتة كتب عليها "يمنع دخول البعثيين ً وقد قام المتظاهرون بوضع لافتة مقابلة لها كتب عليها "بمناسبة ذكرى حلبجة نمنع المسؤولين من دخولها، فتساوى البعثيون والمسؤولون الأكراد بمنعهم من دخول المدينة، كما كتبوا يافطات اخرى جاء فيها "المسؤولون الحكوميون متورطون في الفساد الأداري"

7-أدعى عدد من المسؤولين ألاكراد وجود ايادي خارجية خفية وراء ما حصل في أشارة واضحة الى تركيا وأيران، وصرح البعض بأن حلبجة تمثل مركز ثقل للحركات الأصولية المتطرفة التي تلقى دعماً من أيران، ويعتقد البعض الآخر أن تدمير النصب جاء كردّ فعل أيراني ضد الطالباني الذي عارض ترشيح الجعفري الموالي لأيران في تجديد رئاستة للحكومة.

8-طالب المسؤولون الأكراد الحكومة العراقية المؤقتة التي يمثلونها بنسبة كبيرة الأعتذار العلني للأكراد وتعويض سكان حلبجة عما لحق بهم من دمار، ونقل عن رئيس حكومة أقليم كردستان نيجيرفان بارزاني أن الحكومة العراقية مطالبة بتقديم ألاعتذار وتعويض الأكراد مادياً بسبب العمليات العسكرية التي شنها الجيش العراقي السابق ضدهم في الثمانينيات والتسعينيات، ويبدو أن المسؤول الكردي تناسى أن يقدم الأكراد الأعتذار للعراقيين جميعاً عن المواقف التآمرية التي اتخذها الأكراد منذ الستينيات ولحد الوقت الحاضر ضد الشعب العراقي، وتكبيد الجيش الآلاف من الضحايا والمعوقين بسبب الألغام التي كانت تستهدف الجنود، وتعويض العراقيين عن الخسائر المادية التي تكبدها منذ اربعين عام ونيف بسبب حروب الجيب العميل، وتأخيرهم لتنمية العراق وتطوره، وأستقراره وأمنه والوقوف مع الأيرانيين والأسرائيليين والأمريكان ضد أبناء جلدتهم والتفنن في المؤمرات ضد الحكومات المركزية المتعاقبة، إضافة الى نهب المؤسسات الحكومية أبان عاصفة الصحراء والأستفراد بممتلكات العراق منذ قدوم قوات الأحتلال، حيث فككت المصانع الحكومية ونقلت الأسلحة الثقيلة وممتلكات الدولة العراقية الى أقليم كردستان، وبهشة بليدة يستغرب بارزاني من عدم تجاوب الحكومة العراقية مع مطلبهم بتخصيص 25% من ميزانية البلاد الى أقليم كردستان؟

الدور الأيراني في حلبجة

هناك توقيت غريب يردّ في روايات الأكراد الشهود على الجريمة، وهي أن أيران حققت سبقاً صحفياً بسرعة إرسال عدد من الصحفيين مزودين بأحدث آلات التصوير لتوثيق هذه الجريمة، في الوقت الذي لم تشير أي من وكالات العالم الى الضربة الكيمياوية، وحتى الأقمار التجسسية لم تلتقطها بعد ؟ ومن المعروف أن أيران كانت تقوم أيضاً بتطوير الأسلحة الكيمياوية مثل العراق، وقد اشار الى هذه الحقيقية وكيل وزارة الخارجية العراقي رياض القيسي في جلسة غير رسمية لمجلس الأمن، مما جعل السفير الأيراني محمد حسن فادايفارد يمتعض ويذكر أن الأدلة التي كشفت عنها الأمم المتحدة في التسعينيات تشير الى حجم البرنامج العراقي للأسلحة غير التقليدية، ولكنه لم يتمكن من أتهام العراق من أستخدامها في حلبجة، ومن الغريب بمكان في إجتماع وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري مع نظيره الأيراني منوشهر متكي، أن يشكو له من معاناة الشعب العراقي المستمرة من قبل النظام السابق بسبب تطويره أسلحة الدمار الشامل، والتي أستخدمها ضد القوات الأيرانية في الحرب وضد الشعب العراقي في حلبجة والأهوار!! فقد أثبت هوشيار ما لم تثبته الفرق العلمية المتخصصة، ولم يكتف بذلك وإنما أضاف الأهوار الى جانب حلبجة؟ ولضلوع أيران في الموضوع ذكر الصحفي البريطاني ريتشارد بيستون وهو يعمل في صحيفة التايمز البريطانية خلال تغطيته لأحداث حلبجة واقعة فريدة حول استغلال أيران للحدث." عندما استخدم الرئيس العراقي السابق صدام حسين اسلحة كيماوية ضد سكان حلبجة الكردية، كان ذلك اهم خبر استطعت تغطيته، فلم يكن الغرب يعرف خفايا نظام صدام بعد، وكنت ضمن مجموعة من 3 صحافيين بريطانيين في زيارة الى طهران لتغطية الحرب العراقية ـ الايرانية، فقد دعت القوة الجوية الأيرانية الصحفيين الى زيارة جبهة الحرب، ونقلتنا طائرة عسكرية ايرانية داخل الاراضي العراقية لقرية من دون سابق انذار. لم اعلم اننا كنا سندخل الاراضي العراقية، ولا رؤية الدمار هناك "كما أعترف مؤخراً ضابط الموساد الأسرائيلي اليعازر تسافير في حديثه الى «فريميه نوفوستيه» الذي نشر مؤخراً، الى بأن «الموساد» كان ينسق نشاطه في شمال العراق مع الاجهزة الايرانية ومع الاستخبارات المركزية الاميركية, قائلاً «قدمت الاستخبارات المركزية الاميركية منذ عقود سابقة دعما كبيرا لكردستان."

في حديثه عن الأسلحة الكيمياوية يطالعنا العالم العراقي حسين الشهرستاني -الأيراني الجنسية - والذي كان له دور بارز في تصنيع هذه الأسلحة بفرية غريبة تدخل في باب عهد الولاء الى أيران البلد الأصيل، حيث يؤكد بأن النظام العراقي أستخدم الأسلحة الكيمياوية ضد الأيرانيين المدنيين والعسكرين في الحرب العراقية الأيرانية! وهذا ألامر غريب فحتى أيران نفسها لم تعلن عن أصابات بين المدنيين، ويستمرالشهرستاني في فريته فيدعي أن النظام العراقي أستخدمها عام 1984 وليس كما أدعت أيران عام 1988 ويردد الشهرستاني مقوله أسياده الأيرانيين بأن العراق استخدم الخردل والسارين والتابون، ويأتي بخبر جديد يعبر عن ولائه الكبير لأيران مدعياً ان الأيرانيين قدموا المساعدات من خلال قواتهم في حلبجة لأنقاذ عدد كبير من الأكراد الذين تم أخلائهم الى أيران، ولم يكتف بذلك وانما أتى بفرية تتناقض مع فروضه العلمية بأن النظام العراقي أستخدم اسلحة كيمياوية في ضرب مدينة كربلاء في أحداث عام 1991 وهذا ما لم تتناوله وسائل الأعلام كافة .

نشرت صحيفة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 31/1/2003 تقريراً مهماً وضعه المحلل الستراتيجي ستيفن بليتيري عن موضوع قصف حلبجة، واشار بأنه أطلع على تقارير من وكالة المخابرات المركزية تشير الى أن الأيرانيين هم الذين قتلوا أهالي حلبجة، ويجزم بأن كافة التحقيقات والتقارير السرية تشير الى ان كلا الجانبين العراقي والأيراني أطلقا غازات سامة ضمن سياق المعركة في مدينة حلبجة، مشيراً الى أن الأعراض التي ظهرت على سكان المذبحة البشرية المروعة ناتجة عن الأصابة بغاز هيدروجين السيانيد الذي عرفت به ترسانة الأسلحة الأيرانية في ذلك الوقت، وليست ناجمة عن الأصابة بغاز الخردل الذي كان العراق ينتجه كسلاح كيمياوي؟؟

في آذار هذا العام صرح خليل الدليمي، محامي صدام حسين بأنه يمتلك وثائق "تدل وتؤكد بشكل قاطع على أن الذي ضرب حلبجة هو الجيش الإيراني وبغاز السيانيد الذي لا تملكه أي دولة بالشرق الأوسط". وأضاف بأن "المخابرات الأمريكية أرسلت فريقا بقيادة أحد الجنرالات- ولا أريد أن أذكر اسمه- وهذا الجنرال كان مسؤولاً على منطقة الشرق الأوسط وإيران وقام بأخذ عينات من التربة والمزروعات والمصابين وقام بتحليلها وتبين له أن غاز السيانيد هو الذي أستخدم في ضرب حلبجة، وأن العراق لا يمتلك هذه المادة! كما جاء في تقارير المفتشين، ويضيف الدليمي بأن "هذه الوثائق هي ملك هيئة الدفاع وهي وثائق قانونية" وستعرض في المحكمة، ويؤكد الدليمي بأن الحكومة الأيرانية" ألتقت بالمحامي حاتم شاهين وبعض محامي صدام في باريس وعرضت عليهم (100) مليون دولار مقابل عدم الأشارة الى هذا الموضوع وإلقاء المسؤولية على منظمة مجاهدي خلق "، ولا شك أن محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في قضية حلبجة ستلقي المزيد من الضوء عن حقيقة ما حدث.

ملاحظات مهمة عن حلبجة

1- يؤكد العديد من الكتاب الأمريكان بأن موضوع إستغلال الولايات المتحدة الأمريكية لأحداث حلبجة له سابقة فقد أستخدمته خلال الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا، ويستغرب عدد منهم عدم إدانة الولايات المتحدة لنظام صدام حسين وتجاهل ضحايا حلبجة بل وتحريضها عدد من وسائل الأعلام لأدانة أيران خلال فترة ما قبل عاصفة الصحراء؟ وعند إجراء إستحضارات المعركة القادمة أنصبت وسائل الأعلام الأمريكية والبريطانية ومن ورائها اللوبي الأسرائيلي على إحياء الموضوع ثانية، ومن الملاحظ ان الفترة التي سبقت عاصفة الصحراء وردت أشارات أعلامية عابرة لحلبجة وعلى نحو (16) مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، واثناء الأستحضارات وردت أحداث حلبجة أكثر من (57) مرة في شهر واحد فقط، وعند اعلان الحرب على العراق ذكرت حلبجة في شهر آذار من عام 2003 ما يقارب (145) مرة، وتشير المصادر الأمريكية بأن عدد من المعتقلين العراقيين في السجون الامريكية من كبار الضباط والمهندسين في هيئة التصنيع العسكري وحملة الشهادات العليا يعانون من ضغوط امريكية شديدة لنزع اعترافات منهم عن أستخدام النظام العراقي ألاسلحة الكيمياوية في حلبجة.

2-أن إدعاءات الولايات المتحدة حول إمتلاك العراق أسلحة التدمير شامل تبين أنها أكذوبة، لشن الحرب عليه، وكذلك الأمر بالنسبة للمقابر الجماعية فهي مجرد أكاذيب ليس اكثر وعليه فأن موضوع حلبجة يدرج ضمن الأكاذيب التي اختلقتها الولايات المتحدة لأدانة العراق رغم معرفتها بأن أيران وليس العراق من يقف وراء الضبة الكيمياوية! لذا كان رد الرئيس العراقي عن إتهامه بحلبجة "سمعت ذلك من الأذاعات" وقد ولد كلامه الكثير من القلق لدى الأكراد، الذين يرون ان التهم الموجهة لصدام غير كافية لأدانته، فقد ذكر الفنان إبراهيم الحوراني وهو الذي شيد النصب التذكاري في حلبجة عام 2003 بعد الغزو "لا أعتقد أن صدام سيعدم" بسبب حلبجة.

3-يبالغ الأكراد في المدن التي تعرضت لضربة كيمياوية فبعضهم يدعي أن مناطق السليمانية وكركوك وجزء من أربيل ومناطق بهدينان وأجزاء من دهوك والموصل تعرضت للأسلحة الكيمياوية، وقدروا المدن والقرى هذه بحدود (4500) قرية وهذا أمر لم تثبت صحته مطلقاً ؟ فكم يا ترى عدد القرى الكردية إذا اعتبرنا أن 10% منها قد ضربت فعلاً حسب الدعاوى الكردية ؟ وهناك مبالغة في عدد الضحايا فرئيس الوزراء البريطاني يدعي أن عددهم (100) ألف كردي، في حين تشير أحصائيات منظمة العفو الدولية الى (5) آلاف كردي وأصابة (9) آلاف آخرين، ويطالعنا مسعود البرزاني متحفظاً على البيان الختامي للأجتماع التحضيري لمؤتمر الوفاق العربي بأن صدام أودى بحياة (182) ألف كردي الى مصير مجهول، اما وزارة البيئة العراقية التي قامت فأنها تتفق بأن عدد القتلى كان (5) آلاف كردي لكن عدد الجرحى (10) آلاف فقط ، اما محمد أبو زيد فأنه يقدر الخسائر المادية بتدمير 4000 قرية و30 ناحية و 134675 مبنى إضافة إلى البنية التحتية من مدارس ومستشفيات ومساجد ومصانع. وأن المدينة ضربت بحوالي 100 طن من المواد الكيماوية، مما أسفر عن مقتل 5 آلاف مواطن واصابة اكثر من عشرة آلاف.

 

-اعترف ضابط الموساد الأسرائيلي اليعازر تسافير بأن الحركة الكردية بادرت بالأتصال بأسرائيل منذ الستينيات باعتبار انهم مضطهدون مثلما " تعرضنا نحن اليهود للأضطهاد وبالتالي فان الدولة اليهودية تفهم مطالبهم " وقمنا بتزويدهم ببرامج ومحطات أذاعية من ثم أسلحة غنمناها من حروبنا مع الدول العربية، وأقامت أسرائيل مستوصفاً يعمل فيه أطباء أسرائيليون .

5- لماذا لم تخلى المدينة إذا كانت الأرض والجو والنباتات وحتى الحشرات ملوثة بالمواد الكيمياوبة المترسبة في التربة والمياع والعالقة في الجو .

6- أن شهادت الشهود تدل على التلقين المحرض، فالغريب أن يعرف الكثير من الأكراد أن الطائرات التي ألقت عليهم القنابل الكيمياوية هي عراقية في الوقت الذي يصعب حتى على بعض القادة تمييز الطائرات الصديقة عن المعادية، فأمرأة بسيطة لا تعرف القراءة والكتابة تدعى نجية رسول وتسكن ليس في القرية المنكوبة بل جوارها تؤكد أن الطائرات العراقية قامت بالهجوم، ورجل مسن يشكو من نظره يدعى عزيز محمود يقر بنفس الرأي، وكذلك أمرأة أمية تدعى كوسلر علي والآلاف من هذه الشهادات المزورة.

7-جرى الاستيلاء على أطنان من الوثائق من جانب الأكراد عام 1991 وتحت حماية أميركية وبريطانية تمكنوا من شحن ملفات الشرطة والاستخبارات الى الولايات المتحدة لغرض تحليلها وحفظها في مكان أمن. وقالت ساندرا هوجكنسون، رئيسة مجموعة العدالة الانتقالية في سلطة الاحتلال، ان العراقيين ظلوا يركزون على ثمانية أحداث مختلفة خلال فترة حكم صدام تمتد من قتل الأكراد الى اعدامات الشيعة منذ عام 1979، وهناك تساءل غريب لماذا تودع الملفات الى امريكا بالذات وليست جهة محايدة مثل لجنة حقوق الأنسان في الأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية طالما أن الأمر يتعلق بجريمة إبادة جماعية ؟

8-ذكر جوست هلترمان، الباحث السابق في منظمة هيومان رايتس ووتش ومؤلف كتاب سينشر قريبا حول استخدام العراق للأسلحة الكيماوية. ان الاتهامات التي تعني الأكراد معروفة على نطاق واسع خارج العالم العربي عبر أشرطة الفيديو وشهادات الناجين وخصوصا في ما يتعلق باستخدام الحكومة العراقية للغازات القاتلة ضد حلبجة، ولم يرد وجود وثائق واثباتات علمية عمن أستخدم الأسلحة الكيمياوية العراق أم أيران ؟

9-كشفت صحيفة الغارديان البريطانية بان بريطانيا قدمت للعراق الخبرات والمساعدات التقنية لمساعدته على أنتاج المواد الكيمياوية، وان احد هذه المنشئات ( الفلوجة 2) بلغت تكاليف بنائها (14) مليون جنيه أسترليني لأنتاج الخردل وغاز الأعصاب، وتشير الصحيفة الى أن وزير التجارة البريطاني (بول تشانون) أبقى الأتفاقات التجارية بين البلدين في مجال إنتاج الكولورين سراً على الأدارة الأمريكية، مبرراً الأمر بأن حظر مثل هذه الصادرات من شأنه أن يضر بالعلاقات التجارية بين بلاده والعراق، ومن الغريب أن يتحدث بلير الذي ساعدت حكومته صدام على أنتاج الأسلحة الكيمياوية أمام النقابات العالمية عن مقتل (100) ألف كردي مستنداً في ذلك الى إحصائيات منظمة العفو الدولية، متناسياً ان حكومته هي التي ساعدت العراق بهذا الشأن .

10- كان للنمسا والمعروفة بموقفها المؤيد لأسطورة المحرقة ودورها الفاعل في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين دور كبير في أستضافة عدد من المصابين الأكراد على أراضيها لغرض معالجتهم من الأعراض الكيمياوية وبطريقة ملفتة للنظر لتشبيه فعل صدام بأكراد حلبجة بفعل هتلر باليهود في المحرقة .

11-هناك تساؤلات مشروعة حول أحداث حلبجة يشير اليها العديد من السياسيين والعسكريين في العراق، منها أن الأكراد كانوا يداً فاعلة في الهجوم الأيراني على حلبجة، ولم يكتفوا بكونهم أدلاء أذلاء وأنما قاموا بأسناد القطعات الأيرانية، وأن المدينة كانت شبه خالية من الشباب كما يتضح من القتلى وأعمارهم والصور التي نشرت، والتي صور فيها القتلى من الشيوخ والنساء والأطفال لأغراض دعائية، ولكن المقابر تتكلم بلغة المعقول وليس الصور، وأن أعمار القتلى ظاهرة غريبة بحد ذاتها، تحتاج الى المزيد من الدراسة والتمحيص؟

12- يبدو أن الأكراد مازالوا غير مستعدين بعد لمحاكمو صدام عن ضرب حلبجة لأفتقارهم الأدلة الكافية، وهذا السبب الذي حداهم الى تأخير محاكمته عن حلبجة، وتجري في حلبجة وغيرها من المدن الكردية تلقين عدد من الأكراد ما يقولونه في المحكة عن الموضوع، وإلا كيف يمكن تفسير محاكمة صدام حسين عن مقتل (128) شخص، في حين أن قتلى حلبجة (5000) شخص، كما ان التهمة الأولى بان ضعفها وضعف شهادات الشهود وسخافة تلقينهم، وهذا سيجعل الأكراد يتداركون الأخطاء في محاكمة حلبجة، ورغم الأطنان من الوثائق التي يدعي الأكراد الحصول عليها من المخابرات والأستخبارات العسكرية، ورغم تسخيرهم الكثير من الكتاب مثل كنعان مكية وغيره لأثبات الواقعة على العراق وتبرئة أيران، فأنه الوثائق كانت غير كافية، والتسجيلات الصوتية لا تصلح لأن تكون شاهداً في المحكمة، لأمكانية دبلجتها والتلاعب بها بسهولة وهذا ما جهل المحاكم الأوربية لا تأخذ بها كدليل في عصر التطورات التقنية، ورغم مرور اكصر من عقد ونصف عن احداث حلبجة، فلم يتمكن الأكراد من الحصول على أعترافات صريحة من القادة العسكريين الميدانيين تؤيد أن قواتهم ضربت حلبجة، بما في ذلك رئيس أركان الجيش السابق نزار الخزرجي الذي ذكر بأنه لا توجد معلومات عنه أو عن وزير الدفاع عن الموضوع، ثم أين الطيارون الذين ضربوا المدينة كما يزعم الأكراد والأيرانيون، وهل تبخروا من العراق وهل ماتت ضمائرهم جميعاً دون أن يصحو أحدهم من غفوته ويعترف بأن له يد فيما حصل، وخاصة أن الرئيس جلال الطالباني أستدعاهم الى الشمال بعد تعرضهم الى الأغتيالات على يد قوات بدر الموالية لأيران ؟ وهل أن أستهداف الطيارين العراقيين المشاركين في الحرب العراقية الأيرانية، يدخل في مجال وأد الحقيقة قبل خروجها؟ وهل مثل هذا التناقض يخدم أحد الأطراف المتصارعة على الساحة العراقية .

13-إذا كان العراق قد ضرب فعلاً حلبجة وليس أيران أو أشتراك الطرفين بأستخدامها، لماذا عصي ألأمر على الأمم المتحدة رغم الفرق التي أرسلتها للمنطقة، ولم تتمكن من تحديد الفاعل ؟ ولماذا لم تعاقب أي من الطرفين بتهمة الأبادة الجماعية، حسب أتفاقية منع الجريمة ؟ اليس من خلال الأطلاع على على الأتفاقية وبنودها نفهم بسهولة بأنها لا تنطبق على العراق، فالحكومة العراقية لم يجبرهم على العيش بطريقة تهدد تكاثرهم ونسلهم ولكن لأبعادهم عن شبح الحرب، بمعنى المحافظة عليهم وليس العكس؟

14- لماذا يغض النظر عن الجنود العراقيين الذين أصيبوا من جراء الضربة الكيمياوية في حلبجة، ويسلط الضوء على القتلى الأيرانيين والجرحى، وهل يدخل هذا في مجال العدل وتصوير الحقائق ونقلها للرأي العام؟ أم التحييز الواضح لطرف وأي طرف؟ يضمر كل العداء للعرب ! ثم كيف يمكن تيرير الأصابات بين الجنود العراقيين إذا كانت قياداتهم العسكرية فعلاً ضربت حلبجة، ولماذا لم توجه القيادة العراقية جنودها الى إرتداء أقنعة الوقاية، او ترسل وسائل الوقاية من الضربة الكيياوية كالعجلات والوحدات الكيمياوية المتخصصة الى حلبجة .

15- أن النظام السابق قد أنتهى ولا حاجة لألقاء التهم جزافى على العراق فالعراق باقي والأنظمة عاجلاً أم آجلاً تذهب وتطوى، وأن الحقائق يجب أت تظهر بوضوح للرأي العام سواء كانت تدين النظام العراقي السابق أو ايران او كليهما، وقتلى حلبجة شهداء في جنات خلد وضحايا مجزرة مروعة، لكن ليس من الأنصاف أن تتاجر الحكومة الكردية بهذه المأساة الأنسانية بطريق لا تعبر عن أية قيمة أو أحترام لهؤلاء الشهداء الأبرياء، وأن كانت حلبجة قد ضربت بالأسلحة الكيمياوية فأن العراق بأكمله ما عدا الشمال قد ضرب عام 1991 بالأسلحة الممنوعة دولياً، ولم يضخم أحد الموضوع رغم نشره في وسائل الأعلام، بما معنى أن مأساة حلجة هي جزء من مأساة العراق بأجمعه، وأن التقارير تشير الى الولايات المتحدة الأمريكية المدافع الحالي عن الأكراد أستخدمت اليورانيم في حرب الخليج الثانية من خلال (940000) قذيفة أي بما يعادل (7) أضعاف القوة التدميرية التي تعرضت لها هيروشيما وناكازاكي في الحرب العالمية الثانية، وأن عدد المصابين بالأمراض السرطانية من جرائها تزايد الى (10931) شخص في نهاية عام 1991؟ ويذكر البروفيسورالألماني سيغ غونتز بأن حوالي نصف مليون عراقي مصاب بأمراض ناجمة عن أستخدام اليورانيوم من قبل الأمريكان، مع ملاحظة أن (130) ألف جندي أمريكي مصاب بأعرض شبيهة لما يعانيه سكان حلبجة من صعوبات في الجهاز التنفسي وأمرض الكبد والتعب الشديد وأرتاغ الضغط وغيرها من الأعراض.

16- في الحرب الأخيرة ضرب العراق أيضاً بالأسلحة الممنوعة دولياً بأستثناء منطقة كردستان ولم تدمع عيون الأكراد على أشقائهم العرب، وضربت مؤخراً الفلوجة بالقنابل الفوسفورية ولم يعلق الأكراد رغم أنهم يترأسون نصف الحكومة الحالية تقريباً عن الموضوع أو يستذكروا شهداء الفلوجة كما أستذكروا شهداء حلبجة، ولم يطالبوا بتعويض أهالي الفلوجة عن هذه الضربة، كما طالبوا بتعويض أهالي حلبجة، انه نفس الأمر يتكررمن منذ الهولوكوسي اليهودي فقد تناسى العالم مذابح الغجر التي رافقت المحرقة، وركزوا على اليهود، والأكراد يتناسون ما تعرض له العراق، ويستذكرون حلبجة فقط، أنه زمن العمي الوطني الذي حلّ بالعراق.

إلى صفحة مقالات وأراء10