21/10/2006

 

كلمات فقدت معانيها


التاريخ: 09/09/2006

 بقلم : خالد يوسف
 
 
الإنسانية ، يمكن أن نجعل قانون القوة قانونا يرعى الحق .. وإلا فويل لبنى الإنسان جميعا من قانون القوة العمياء .
 
على مدى التاريخ الطويل للبشر ، وعلى امتداد عمر الصراعات بينهم ، والذى يساوى عمر البشرية نفسها ، تكونت مجموعة من الكلمات ذات المعانى المتفق عليها رغم اختلاف اللغات واللهجات والمصالح والديانات والأعراق .. ومن مجموعة الكلمات المتفق على معانيها صاغ البشر ما سمى " بالضمير العالمى " .. صحيح أن هذا الضمير العالمى لم يمتلك يوما قوة عسكرية ، أو تنظيما مؤسسيا يدافع من خلاله عن المعانى التى يتبناها ، إلا أنه كان قادرا على تحريك الشعوب وزلزلة العروش ومحاصرة الطغيان المتبجح .
والخطير فى عالم ما بعد القطبين ، بل لعله أخطر ما فى هذا العالم ، أن هذه المعانى والمبادئ لم تعد متفق عليها ـ ولا أتحدث هنا عن النظم الحاكمة ولكن أيضا عن الشعوب ـ وقد حدث هذا عبر عملية طويلة لغسيل العقول .. سواء فى العالم الغربى أو الشرقى أو الدول التابعة المتخلفة ، وحتى لا نغرق بالكلمات فى التجريد نتناول بعض الكلمات التى عرفها البشر بمعان محددة لم يعد لها وجود ، أو أصبح لها معان عكسية لما تعارف عليه الناس .
 
 السيادة الوطنية
 
وهى كلمة تعنى .. بعيدا عن التعريفات المتخصصة .. حق كل مجموعة من البشر يعيشون ضمن حدود معترف بها فى دولتهم ، وفى ممارسة سيطرتهم على مقدرات هذا المحيط الجغرافى ، وفى تحديد شكل الحياة ، ونظم الحكم ، والنظام القضائى ، وتنظيم قوة عسكرية للدفاع عن حدودهم ، ووضع قواعد التعامل مع الأجانب والدول الأخرى .. .. إلخ . فما الذى بقى من هذا المعنى للدول المستضعفة فى عالم ما بعد القطبين ، ولا أسوق هنا أمثلة واضحة كأفغانستان والصومال والسودان وفلسطين ولبنان والعراق ، بل لعل من المناسب أكثر أن ينصب التساؤل على الدول الموالية لدول الاستكبار ، كالسعودية ومصر وليبيا والأردن والمغرب وتونس .. هل تمتلك هذه الدول " المعتدلة " أبسط مقومات السيادة الوطنية الحقيقية ؟!! هل تستطيع حتى تحديد ماذا تزرع ؟!!
والمصيبة لا تكمن فى اختلال موازين القوى ، بين المستكبرين والمستضعفين فقد كانت دائما مختلة ، ولكنها تكمن فى الانصياع العقلى لمنطق الاستكبار لدى الشعوب المستكبرة والمستضعفة على حد سواء ، إلا من رحم ربى من المقاومين!!
 
 حق تقرير المصير
 
وقد كان فى الماضى يحمل معنى حق الشعوب فى تحديد انتمائها ، خاصة مع بدايات تكون الدولة الوطنية على أنقاض المستعمرات بعيد الحرب الإمبريالية الثانية ، وقد أعمل هذا الحق فى انعتاق عدد كبير من المستعمرات من التبعية أو الانتماء إلى التاج البريطانى أو الهولندى أو الأسبانى والألمانى والإيطالى والبرتغالى ... إلى آخر قائمة دول السبى العالمى .. فما الذى آل إليه هذا الحق فى قاموس العولمة الجديد ؟!
فالنبتعد عن الأمثلة الصارخة أيضا .. فلسطين ، الصومال ، أفغانستان ، جزر سبتا وميليليا ، لواء الأسكندرونة المنسى وباقى الأراضى السورية على الشريط الحدودى مع تركيا .. ولنتحدث عن إقليم الباسك المغتصب رغما عن أصحابه ، وأيرلندا التى يقاتل أبناء شعبها منذ مئات السنين للتحرر من التاج البريطانى ، وأين حق تقرير المصير من شعب البوسنه ، وأين هذا الحق من الشيشان وأخواتها من الجمهوريات الإسلامية الواقعة فى أسر الكومنولث الروسى .
والأهم هو الاستخدام الجديد لهذا المبدأ وفقا لتعريفه العولمى .. فى جنوب السودان ، ودارفور ، شمال العراق .. وفى القريب مع أهالى منطقة النوبة فى مصر ، والمنطقة الشرقية فى الجزيرة العربية ، ومارون لبنان ودروزها .. فهو حق يستخدم فى القاموس الحديث العولمى باعتباره حق دول الاستكبار فى تقسيم الدول وفقا لسايكس / بيكو الجديدة ، التى لم تستقر صياغتها النهائية بعد ، والتى تحتاج لهذه الآلية لتفتيت الدول المستضعفة بعد أن كثر اللاعبون على أرض تتناقص مساحتها كل يوم فى صورة التكتلات الجديدة فى الشرق والغرب .
 
 القانون الدولى
 
وهو قانون يمثل .. على الأقل فى صورته الأخيرة بعد الحرب الإمبريالية الثانية .. حالة من الاستقرار جاءت نتيجة لتوازن القوى بين المعسكرين الغربى والشرقى ، وقد سمح هذا التوازن بدرجة من درجات تطبيق المبادئ الإنسانية ، بهدف الحفاظ على التوازن ، فكانت المبادئ المقرة فى القانون الدولى تطبق بضغط من كل طرف على الآخر .. ليس حبا فى المبادئ .. ولكن حتى لا يستقوى الآخر بما يلتهم بغيا وعدوانا ، ويعدل موازين القوى فى صالحه ، فجاءت المواقف فى مجلس الأمن ، والدعم المادى على أرض الواقع من كل طرف للمناوئين للأخر.. كمبوديا ، فيتنام ، الوطن العربى ، أمريكا الجنوبية .. فكيف حال القانون الدولى اليوم ؟!!
لقد أعلن راعى البقر الأمريكى أن القانون الدولى ومؤسساته قد أخرجا من الخدمة ، أعلن هذا فى احتلال أفغانستان ، وفى احتلال العراق ، وفى احتلال الصومال ، وفى الهجوم العسكرى على ليبيا ، وفى احتلال لبنان بقوات المارينز فى الثمانينيات ، ويعلنة الروس أيضا فى كل ما يخص الشيشان والجمهوريات الإسلامية ، ويعلنه الصهاينة فى ممارساتهم اليومية فى فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا وبالاستيلاء على الأراضى وضمها " أم الرشراش المصرية " إيلات حاليا ، وفى عدم تطبيقهم لقرارات الأمم المتحدة ، وفى رفضهم لأحكام المحكمة الدولية عن جدار الفصل العنصرى .. لقد اختزل القانون الدولى ليصبح غطاء لدول الاسكبار فى عدوانها وهيمنتها على الدول المستضعفة ، فباسمه فصل شمال العراق وارتكبت فى حق سعبه أبشع جرائم الإبادة الجماعية ، وباسمه دمرت كل مقومات الحياة فى العراق ، وباسمه احتلت أفغانستان ، وباسمه دمر لبنان ، وباسمه الآن يريدون إعادة انتاج الاحتلال تحت مظلة القوات الدولية .. فهل ثمة من قانون دولى باق .
 
 
 قاموس منتهى الصلاحية
 
وينطبق هذا الكلام على كل قاموس المصطلحات الإنسانية التى حكمت تاريخ ما قبل العولمة .. من مقاومة الإرهاب ، الذي رفضوا حتى تعريفه ، إلى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ، سواء فى زمن السلم أو الحرب ـ ويكفى أن نذكر هنا مراكز التعذيب السرية الأمريكية فى أربعة أركان الأرض ، والممارسات الأمريكية والصهيونية والروسية فى حق الشعوب تحت الاحتلال ـ لنعرف أن موتا زؤاما قد ألم بكل المعانى التى بنيت عليها هذه المنظومة ، وأن الذئاب قد تجمعوا جوعى على أجسادنا فى غيبة تامة لأى قانون أو ضمير ، وأن علينا .. وعلينا وحدنا أن نغير موازين القوة مع الأعداء .. فلم يعد من قانون سوى قانون القوة .. وبنا وحدنا ، بما نستمده من ديننا وحضارتنا

 إلى صفحة مقالات وأراء11