21/10/2006

 لا أمن من دون سلام ولا مصالحة من دون صدام

 بقلم علي الصراف
 
alialsarraf@hotmail.com

 يقول مثل إنجليزي: إذا وجدت نفسك في حفرة، فأول ما يجب أن تفعله للخروج منها هو التوقف عن الحفر. فإذا كانت الفوضى العارمة والعجز الإداري وأعمال الانتقام العشوائية التي تعم العراق، بعد كل هذه السنوات، دليلا على الفشل، فان أول شيء يجب فعله لإحراز أي نجاح، هو الاعتراف بالفشل.

لا يشترط أن يعني ذلك انسحابا فوريا لقوات الاحتلال، ولا انقلابا على حكومة أحد، ولا قتلاً لهذا ولا ملاحقةً لذاك.

فقط: وقفة ضمير لأغراض التأمل، وقفة تبدأ بالقول لقد ارتكبنا جميعا بعض الأخطاء. فإذا كان من الشجاعة الاعتراف بها، فمن البسالة تحمل المسؤولية عنها، والسعي للعثور على صيغة ما تطوي الصفحة وتضمن عدم تكرارها.

يجب الاعتراف أيضا، انه في وضع دموي كالوضع الراهن، يجب أن يتحلى الجميع بالاستعداد، ليس لتبادل الاتهامات، ولا لإلقاء اللوم على الآخرين، وإنما بالبدء بتجريم الذات، نقدها، بتواضع المخلص الراغب بالانطلاق من نقطة بداية أخرى. وهي نقطة تبدأ بالاعتراف بالآخر؛ بحقه المتساوي في الوجود؛ بضرورة بقائه داخل المعادلة الكبرى لبناء وطن؛ بقبوله كشريك يتمتع بحقوق لا تزيد ولا تنقص عن حقوق الآخرين؛ وبالكف عن النظر إليه كعدو.

فإذا كانت أعمال القتل الجبانة التي يمارسها العراقيون ضد بعضهم شيئاً يندى له الجبين ويكلل الجميع بمشاعر الخزي والعار، فأول ما يجب فعله، حتى من جانب السياسيين الذين يقولون انه لا علاقة لهم بها، هو أن يعترفوا بأنهم، كجزء من حالة الفوضى، مسؤولون عن كل ما يجري.فالانتقام لا يصنع بلدا، والقتل لا يؤسس لنظام، والطائفية لا تبني شرعية. وفي دوامة العبث، فالدم لابد وان يستسقي الدم.
من دون شعور حقيقي وعميق بالعار والخجل، ومن دون رغبة صادقة بالاعتذار من الآخر، وتوسل مغفرته، والبكاء على كتفه، فان أحدا لن يستطيع الخروج من هذا المستنقع، كما إن أحدا لن يخرج منه منتصرا على حساب الآخرين.

ما من مجتمع وقع ضحية حرب أهلية، وارتكب مخاز كمخازي العراقيين، انتهى بانتصار طرف ضد آخر. المعادلات عادةً ما تعود لتستقر، كما يستقيم الماء في الأواني المستطرقة. ومثلما حدث في مجتمعات همجية أخرى، فان النتوءات التي تخرج عن هذه المعادلات غالبا ما تُلفظ ويُتبرأ منها ويُستفرد بها.

أخذا، في نظر الاعتبار، نهايات كهذه، فان السياسيين العراقيين يحسنون لانفسهم صنعا إذا نظروا الى يومهم ليس من نقطة ما في الماضي، وإنما من نقطة ما في المستقبل.

اليوم إذا توفرت فرصة للاعتذار والتسامح وطي الصفحة، من موقع الشراكة في الخطأ والمساواة في الجريمة، فغدا قد لا تتوفر مثل هذه الفرصة.

يجب الاعتراف، على سبيل المثال، إن المجيء الى السلطة على دبابات العم سام، لم يكن شرفا رفيعا، في نظر الكثير من العراقيين. وبما ان هؤلاء ليسوا أجانب، ولا يمكن حرقهم بالجملة، ولا شطبهم من المعادلة، فلربما يحسن التخلي عن هذا "الشرف" والنظر اليه بشيء من الخجل. أي شيء آخر سيعرقل البدء من نقطة انطلاق أخرى. وسيكون نوعا من الإصرار على مواصلة الحفر.

يجب الاعتراف أيضا، انه مثلما ارتكب النظام السابق، أخطاء (أو جرائم بشعة ومروعة ومخيفة وتستحق كل أنواع الصراخ واللطم والعويل)، فقد ارتكب نظام العم سام وحلفاؤه من قادة المليشيات الطائفية، في ثلاث سنوات ونصف، ما يعادل أضعاف ما ارتكب النظام السابق في غضون ربع قرن، وكأنهم يخوضون سباق تسلح على أعمال القتل.

صحيح، أن أحدا لا يقوم اليوم بعدّ الجثث، ولا بإحصاء قتلى أعمال القصف للمدن والبلدات، ولا الأسلحة الكيميائية، ولا الاعدامات العشوائية، ولا المقابر الجماعية الجديدة، ولا أعمال التعذيب في "الحُسينيات" الحكومية، ولكن فقط الأغبياء هم أولئك الذين يظنون أن أحدا لن يقوم بكشف دفاتر الحساب في المستقبل.

يجب الاعتراف أيضا، بان الطائفية شيءٌ مخزٍ. شيءٌ يجعل من كل ذي عمامةٍ يبدو كما لو انه مراحيض عمومية.

يجب الاقتناع، أيضا، أن الطائفية وان كانت ستاراً مؤقتا سمح بتوفير قاعدة شعبية مؤقتة، فان وطنية العراقي هي "نعرته" الغالبة وهي التي ستنتصر في النهاية. وهذه "النعرة" إذا وقفت على أرجلها مجددا فإنها ستُسحق "النعرة" الطائفية وتقلب عمائمها كما لم ينقلب شيء من قبل. فما مبرر المغامرة؟

يجب الاعتراف أيضا إن العراق شيء، وإيران شيء آخر. هذا تاريخ. وذاك تاريخ آخر. هذه قومية. وتلك قومية أخرى. فإذا بالغَ سادة الطائفية بالشطط في الولاء لأولياء أمرهم في قم، فان العراقيين، او جزءا كبيرا منهم على الأقل، لن يجدوا في ذلك متعة عظيمة.

يجب، أيضا، استعادة بعض المنطق في العلاقة مع الماضي.

إذا كان الرئيس صدام حسين ديكتاتورا، فالديكتاتورية، بالتعريف، هي هيمنة على الجميع.

لا يستطيع الديكتاتور أن يكون ديكتاتورا وطائفيا في الوقت نفسه.

صدام، لكل أولئك الذين يعرفونه، كان شديد الوطأة على أفراد أسرته أكثر بكثير مما كان على غيرهم. وهو، بهذا المعنى، لم يكن سُنيا بالمعنى الطائفي. ولدى العراقيين الآلاف من الأدلة على انه لم ينظر الى العراقيين كطوائف، بل كعراقيين، وبطبيعة الحال، فقد كانوا في نظره عراقيين أكثر كلما كانوا يدينون بالولاء له أكثر.

إذا كانت هذه هي الحقيقة، أفليس من أبشع العار وأكثره جللا اضطهاد السُنة بزعم انهم كانوا ركيزة للنظام السابق؟

أفلا تكشف هذه المفارقة المفزعة أن الطائفيين، أزاحوا "الدكتاتورية" ليحلوا محلها شيئا أبعث على القرف وتَقَزُز البدن مما يمكن أن تفعل أي ديكتاتورية. ألا يُشكل تحويل الصراع على السلطة من "صراع فوقي" (ضد نظام) الى صراع اجتماعي عملاً تخريبياً من أعمال الخيانة العظمى؟
ثم إن نظام صدام لم يكن كله حلبجة. سخافة كهذه لا يمكن أن تعيش الى الأبد. ببساطة، لانه كان نظام تأميم النفط، والحكم الذاتي للأكراد، والجبهة الوطنية، والمشروع النووي، والتوازن الإقليمي ضد إسرائيل، والخدمات الصحية المجانية، والإصلاح الزراعي، وثورة التقنيات الحديثة، والتصنيع المدني والعسكري، والتعليم (الابتدائي والثانوي) الإلزامي، والتعليم الجامعي المجاني، وحركة الأعمار...

هذا النظام لم يكن كله حلبجة. في حين ما يزال نظام مماليك السيد زلماي خليلزاد لا يعدو كونه... ماذا؟ (هل يكفي القول: انحطاط شامل وتفاهة مطلقة؟).

مع ذلك، لا بأس. يمكن طي الصفحة. يمكن التخلي عن الجمل.. بما حمل. فبما ان صدام لم يكن كله حلبجة، وبرغم ان خلفاءه حولوا العراق كله الى فلوجة، فقد يحسن الاعتراف بان هذا الرجل ما يزال، بشخصيته الباسلة وبماضيه شديد التنوع، ذا نفوذ وتأثير يمكن استثمارهما لبدء مصالحةٍ لن تبدأ، كما يجب أن تبدأ، إلا به. فحتى ولو نُظر إليه بصلاحيات تمثيلية تخص قبيلة من العراقيين (الوطنيين فقط)، فلسوف يكون من المفيد الاعتراف انه شيخ هذه القبيلة، وهي لن تُصغي لأحد كما تُصغي له. وهي قبيلة من السعة وقوة المبرر بحيث يحسن الاعتراف أيضا انه لن يحل الاستقرار من دونها.

ومن لا يحلو له الاعتراف بأحقية صدام في تمثيل قبيلة الوطنيين العراقيين، فليثبت لنا شطارته. صدام، وهو في سجنه يجرؤ على أن يقول للأمريكيين "إطلعوا برّه". والشاطر هو من يغلبه في مواجهة الاحتلال. هذا هو مهر الوطنية الأول. وهذا هو عنوانها الأول.

والأمن، إذا كان يتطلب سلاما اجتماعيا وسياسيا شاملا، قائما على أعمدة مشروع استقلال وطني، فهذا لن يتحقق مع بقاء الاحتلال.

فتعالوا الى كلمة سواء بيننا. ولنطو هذه الصفحة.

يمكن للسادة في البيت الأبيض، من ناحية أخرى، ان يُلقوا باللوم، في فشلهم، على أخطاء كثيرة. ولكنهم إذا شاءوا الخروج من الحفرة، فلسوف يحسن بهم الاعتراف بما هو واضح على الأقل. فالعراق لم تكن لديه أسلحة دمار شامل، ولا كان على صلة بتنظيم القاعدة، ولا كان له أي شأن بتفجيرات 11 سبتمبر، وإذا كان نظامه دكتاتوريا، فانه ليس الوحيد في العالم، والنظام الذي جاء بعده يرتكب بشاعات أكثر وحشية، وهو نظام فاشل بكل معنى من معاني الكلمة، ويشكل ارتماؤه في أحضان طهران خطرا استراتيجيا على متطلبات الاستقرار في المنطقة ليس بأقل من خطر امتلاك إيران لأسلحة نووية، واثبت قادة مليشيات هذا النظام، بكل صورة من الصور، انهم ليسوا أكثر من لصوص ومنافقين وليس من الصعب الكشف عن تحويلات النهب اليومية التي يقومون بها، ثم انهم ارتكبوا جرائم حرب ضد أبناء شعبهم تكفي لتشكيل محكمة نورمبيرغ ثانية.

والحال، صحيح ان هناك في واشنطن من يزعم ان "هزيمة الولايات المتحدة في العراق ستعني هزيمتها في كل مكان في العالم"، إلا أن هذا الزعم يجب ألا يغطي الحقيقة.

والحقيقة هي أن الوطنيين العراقيين، وإن كانوا يريدون بالفعل هزيمة قوات الاحتلال في العراق، إلا انهم لا يريدون "هزيمة الولايات المتحدة في كل مكان في العالم". معركة الاستقلال والحرية والسيادة الوطنية شيء، و"هزيمة الولايات المتحدة في العالم" شيء آخر.

في الواقع، فان من مصلحة العراق الوطنية نفسها أن تظل الولايات المتحدة قوية، عزيزة وكريمة. على الأقل لتساعده في أعمال إعادة البناء وفي تسوية مشكلات الديون، وإعادة ترتيب علاقاته الإقليمية. ومثلما يوجد بين حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة من لا يوافقونها على كل شأن من شؤون سياساتها الخارجية، فلربما ما يزال هناك متسع يكفي للبحث في شؤون التحالف والصداقة مع حفظ الحق بالخلاف والاختلاف.

لا أحد، بين الوطنيين العراقيين، يريد أن يهدم المعبد. ولكن لا أحد بينهم يريد أن يرى وطنه محتلا.

الذين يريدون هزيمة الولايات المتحدة هم فقط أولئك الذين، في واشنطن، يريدونها أن تبقى كقوة غزو لتقهر شعباً في وطنه، فتقهر نفسها معه.
ثم، أليس من حق أبناء هذا الوطن أن يكونوا سادة أنفسهم ومصيرهم؟
أليس من حقهم أن يكونوا أحرارا لا عبيدا؟

إذا كانت الحرية استحقاقا وجدارة، فقد قدم العراقيون، وما يزالون يقدمون، الدليل تلو الدليل، بدمائهم، على انهم يستحقونها، وعلى أنها جديرة بهم. فمن خلل الرماد نهضوا. ومن خلل الفقر والحرمان رفعوا قاماتهم وقاوموا. وسيظلون يقاومون إلى أن يوقن سادة واشنطن انهم ارتكبوا بحق هذا البلد خطأً، وان الوقت قد حان لإصلاحه.

والإصلاح ليس مستحيلا، بما في ذلك إقامة نظام جديد يطوي صفحة الماضي، ويعفو به الله عما سلف، إنما على أسس مصالحة وطنية لا تستثني أحدا. فيكسب الجميع ولا يُهزم أحد. وهنا...،

فإذا كان لا بد من مدخل، فصدام، هو الباب والمدخل.



 

 إلى صفحة مقالات وأراء11