21/10/2006

 

محاكمة الأنفال والصراع بين أمريكا وإيران

 بقلم : محمد خليفة

عندما اُلقي القبض علي الرئيس العراقي صدام حسين من قِبل القوات الأمريكية أواخر عام 2003، ثار تساؤل كبير لدي الإدارة الأمريكية حول التهمة التي ستوجه إلي الرئيس العراقي صدام حسين ، فهل هو مجرم حرب، ام انه أسير حرب؟ لكن سرعان ما حسمت هذه الإدارة أمرها وقررت علي لسان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد اعتبار صدام اسير حرب. ووفقاً لاتفاقيات جنيف الخاصة باسري الحرب، فانه يجب اطلاق سراح الاسري بعد انتهاء الحرب.
وانطلاقاً من ذلك، كان يجب اطلاق سراح صدام حسين مباشرة، لان الحرب بين العراق والولايات المتحدة كانت قد انتهت. لكن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك، بل قررت الاستمرار في احتجازه، وفي نفس الوقت، كانت تفكر في عقد محاكمة له لتجعله عبرة لكل من يتجرأ علي معاندتها في العالم. وبدأ الحديث عن محاكمة صدام حول مجموعة من القضايا اولاها، ما يسمي عملية الانفال ضد الكرد في شمال العراق عام 1987، وقمع انتفاضة الشيعة في الجنوب عام 1991، واجتياح الكويت عام 1990، والحرب ضد ايران عام 1980. الاّ ان كل هذه القضايا نحّيت جانباً، وجيء بقضية منسية لم يذكرها احد وهي قضية ما يسمي مذبحة الدجيل .
وعقدت المحكمة التي كان في واجهتها قضاة عراقيون عرب وكرد، وفي خلفيتها كانت هناك مجموعة من القضاة الامريكيين الذين كانوا يحركون المحاكمة من وراء الستار. وتم اخراج هذه المحاكمة بطريقة مسرحية، فكان هناك تحكّم بعرض وقائع المحاكمة، حيث كان يُعرض منها بالصوت والصورة ما يراد ان يسمعه العراقيون والعالم اجمع، وكان يحجب منها ما يراد اخفاؤه. وهكذا جرت هذه المحاكمة واستمرت اشهراً عدّة حتي وصلت هيئة القضاة الي مرحلة اصدار الحكم. لكن هذا الحكم لم يصدر لأن الداعي الرسمي لهذه المحاكمة لا يريد لها ان تنتهي الآن، لانها لم تف بالمطلوب بعد. فبدأ الحديث عن محاكمة صدام حول عملية الانفال، واعيد فتح ابواب المحاكمة من جديد. والواقع ان اثارة هذه القضية الآن يطرح جملة تساؤلات حول المغزي من وراء ذلك، ولماذا ارادت الولايات المتحدة فتح هذا الملف بعد ان كانت قد طوته في بداية المحاكمة؟
لا شك ان فتح هذا الملف يرتبط بصراع الولايات المتحدة مع ايران حول البرنامج الذري الايراني، هذا الصراع الذي اصبحت الولايات المتحدة عاجزة عن حسمه بالوسائل الدبلوماسية او العسكرية في الوقت الذي تري نفسها فيه قد خسرت حرب العراق لمصلحة ايران، ذلك ان جريمة الانفال وقعت خلال الحرب بين العراق وايران. ففي نيسان (ابريل) من عام 1987 حدث هجوم ايراني علي مناطق شمال العراق بهدف الاستيلاء عليه، وكان هناك متمردون اكراد يدعمون القوات الايرانية في تقدّمها. وفي 16 نيسان (ابريل) قامت طائرات بالقاء قنابل من النابالم الحارق علي عدد من القري الكردية المتاخمة للحدود مما ادّي الي حدوث مذبحة في قرية حلبجة التي قُتل وجُرح فيها المئات.
وقد نفت الحكومة العراقية آنذاك ان تكون لها يد في هذه المذبحة، لكن كان هناك اعتقاد عام بان هذه الحكومة هي الوحيدة المسؤولة عنها. وفي اثناء المحاكمة الجديدة لصدام، ادلي شاهد كردي بشهادة قال فيها: ان الطائرات التي القت القنابل كانت عراقية، فسأله محامي الدفاع عن صدام وكيف عرف انها عراقية، فقال الشاهد، لأن قريته كان فيها مقاتلون اكراد، وطبعاً هذه الشهادة غير كافية لتحديد هوية هذه الطائرات. ويبدو ان هذه المسألة لن تُحسم من خلال الشهادة، بل لا بد من دليل ملموس يؤكد بشكل قاطع ان هذه الطائرات عراقية. والواقع ان الذي يملك الدليل حول هوية هذه الطائرات هو الولايات المتحدة التي كانت تراقب مجريات تلك الحرب من خلال اقمار التجسس التابعة لها والتي لم تكن تفارق سماء العراق وايران، وقد حددت هذه الاقمار هوية الطائرات التي هي ايرانية لا عراقية، وربما من اجل هذا اعيد فتح ملف الانفال لكي توجّه التهمة هذه المرة لايران لا لصدام الذي اُدين بقضية الدجيل. وربما قد نشهد مفاجآت في هذه المحاكمة التي تنحرف عن مسارها لكي يصار الي ادخال ايران كطرف متهم في هذه القضية. فاذا اُدينت فيها، فان القضية ستحال حتماً الي محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة اركان النظام الايراني الذين كانوا اثناء حدوث تلك المذبحة، والذين ما زالوا الي الآن في هرم السلطة، ومن ثم المطالبة بتسليم هؤلاء المسؤولين او فرض عقوبات دولية علي ايران اذا لم يسلّموا. وهكذا، فان الولايات المتحدة ستخلق مشكلة جديدة لايران لتضاف الي المشاكل الاخري التي خلقتها لها من قبل.
لكن هذه المشكلة الجديدة ستكون ذات بُعد انساني يرتبط بمذبحة قد حدثت وإدانة النظام الايراني فيها ستعطي انطباعاً للعالم اجمع بان ايران خطر علي المجتمع الدولي وانه يجب حرمانها قدر المستطاع من امتلاك السلاح النووي الذي تسعي الي امتلاكه، ومحكمة الانفال المرهونة بادارة امريكا ستتناول الوقائع السياسية أكثر منها العدالة والحقوق القانونية بهدف تحقيق اهداف سياسية، واهم هدف هو اسدال الستار امام المحاكم ومؤسسات حقوق الإنسان ودور ايران في قضية الانفال، وكذلك العمل علي تكريس الكراهية والانقسام والمزايدات الطائفية وتمزيق نسيج وحدة العراق.
 

 القدس العربي  

إلى صفحة مقالات وأراء10