21/10/2006

 

وجها الاحتلال وبوصلة المقدس في العراق

 بقلم : على الصراف

الشواهد التي تقول إن العراق يخضع لاحتلالين أكثر من بيّنة. فغير الاحتلال الأمريكي، هناك الاحتلال الإيراني أيضا.
لهذا السبب لم تستطع المقاومة العراقية ان تحتفل كثيرا بانتصار حزب الله ضد العدوان الاسرائيلي، ربما لانها كانت ترى فى علاقاته مع ايران وجه الاحتلال الآخر.
ولهذا السبب، فى المقابل، كانت تظاهرات التضامن المليونية مع حزب الله ، التى قام بها اتباع ايران فى العراق، مجرد عملية نَصب، -بالنجفي: حلاوة بجدر مزروف -، لان التضامن الصادق مع حزب الله كان يقتضى الانخراط فى مقاومة الاحتلال الامريكي، لا العيش تحت إبطه.
هكذا، اذن، تجد المقاومة العراقية نفسها، بين هذين الاحتلالين، مرغمة على التعامل مع عدوين لكل منهما تداخلاته، ولكن لكل منهما حساباته الخاصة أيضا. وهذه -التداخلات والحسابات- ليست بالضرورة متناغمة او متوافقة حتى حيال الموقف من المقاومة نفسها، رغم انها تبدو لكلا هذين العدوين .. عدوا مشتركا.
تفاوت الارتباطات والتداخلات بين القوى الفاعلة فى العراق، يضفى على المشهد الراهن مقدارا كبيرا من علامات التمزق والفوضي، حتى ليصعب على أكثر حكماء السياسة حكمة ان يخرج منها بتصورٍ واضحٍ حول ما اذا كان يمكن اعادة ترتيب الخارطة السياسية لتخدم هذه الوجهة او تلك.
يجب الاعتراف أيضا ان المقاومة العراقية ليست موحدة هى نفسها، وذلك حتى وإن بدا أن الوطنيين، من مناضلى الاحزاب التى لم تلوثها الطائفية، هم الذين يشكلون القوة الرئيسية لهذه المقاومة. ومن يدري، فان التشكيلات المتفاوتة للمقاومة، قد تكون هدفا قائما بذاته، لحمايتها وضمان ديمومتها.
ما يهم فى هذا الخضم هو ان،..
1- المقاومة لا تخاض بالسلاح وحده. السياسة يجب ان تكون عنصراً مكملاً لما يمكن أن يفعله السلاح.
2- لا يمكن كسب المعركة على جبهتين فى آن واحد. وإذ يمكن تحييد هذا الطرف، وتأجيل ذاك، واستدراج ذلك، فان تركيز الجهد على ما يفترض انه العدو الرئيسى يمكن أن يساعد فى اختصار المعركة والاقتصاد فى تكاليفها.
3- خوض المعركة على جبهتين، انما يشتت القوى ويزيد من تعقيدات الفوضي، ويوفر فرصاً لقوى الاحتلال لكى تلعب لعبة التحييد و التأجيل و الاستدراج .
4- هزيمة احد الاحتلالين، اذا ما تركزت الجهود حوله، يمكن ان تسرّع فى هزيمة الاحتلال الآخر، او فى الأقل، تُضعف قواه، وتوفر مساحةً كافية لاسترداد الوطنية، بدلا من الطائفية، كمعيار للعلاقات بين القوى والاحزاب.
5- الاحتلال الايراني، قد يبدو طفيلياً يعيش على بقرة الاحتلال الامريكي، مما يغرى بقتله أولاً، الا انه كأى طفيلى طائفي-سياسى لن يضعف او ينهار قبل ان يموت مصدر امداده بالحياة.
6- هناك تعايش جلى بين الاحتلالين، ولكن يمكن كسره، وكسر التواطؤ الضمنى بينهما، بالتركيز على واحد منهما.
7- المشروع الصهيوني-الامريكى هو العدو الأساسي. وهزيمته يجب ان تكون هى الهدف الأول والأوحد الآن. وكلما كانت الهزيمة بيّنة أكثر، كلما كانت ثمارها السياسية أنضج. كل جهد يذهب فى غير هذا الاتجاه سيكون جهداً ضائعاً.
8- عندما تنتصر الوطنية العراقية على هذا العدو؛ عندما يسقط ثور هذا العدو، فان الطائفية ستنهار من تلقاء ذاتها، و تكثر سكاكينها من تلقاء ذاتها. وعلى أى حال، فاذا وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للانسحاب، فان الكثير من عملائها سوف ينسحبون ويسحبون طائفيتهم معهم.
9- دفاتر الحساب مع العملاء يمكن ان تُفتح لاحقا. الكلب بوجود سيده ينبح أكثر. ولكن اذا فرّ السيد، سيفر كلبه معه.
اذا كانت هذه الملاحظات تساعد فى اجلاء بعض غموض الصورة، فان التمييز بين الاحتلالين، قد يجلوها أكثر.

العراقيون لا يثقون بايران. ولهم أسباب جديرة بالاعتبار فى ذلك. وحتى ولو بدت إيران عدواً لعدوهم فان طموحاتها الاقليمية لا يمكن أن تجعلها صديقاً للوطنيين العراقيين.
المسألة، من وجهة نظر المصالح الاستراتيجية الايرانية، لا علاقة لها بالثأر من حرب الثمانى سنوات، ولا بالانتقام من النظام السابق.
لو كانت المسألة مسألة انتقام، فالحقيقة هى ان معظم أركان النظام السابق يرزحون تحت نير السجون. والذين يرغبون بالانتقام منهم يستطيعون ان يشفوا غليلهم منهم، فى أى وقت، وهم فعلوا الكثير من أعمال الاستشفاء بالحقد عندما كانوا يعرضونهم للتعذيب. فلماذا، إذن، فرق الموت والمجازر الجماعية ضد المدنيين؟ ولماذا، إذن، الدفع فى اتجاه تقسيم العراق على أسس طائفية؟ ولماذا، إذن، النهب المنظم لثروات البلد؟ ولماذا، اذن، يتم تحويل مؤسسات الدولة الى حسينيات تابعة لهذا الطرف أو ذاك؟
من الواضح تماما، ان الحرب التى يشنها أركان حكومة المليشيات الطائفية، بكل جماعاتها وعصاباتها وتنظيماتها المسلحة، ليست حربا ضد فلول النظام السابق ، ولكنها حرب ضد العراق؛ ضد بقائه دولةً موحدةً مستقلة؛ ضد نهضته كقوة إقليمية، ضد ان تكون له مصالح وطنية خاصة به، وضد ان يكون له أى دور استراتيجى فى توازنات المنطقة وعلاقاتها الاقتصادية المستقبلية. وكل ذلك، من اجل ان يكون تابعاً وملحقاً للطموحات الامبراطوية الصَفَوية. السيستانى والأصفهانى والشهرستانى وغيرهم من جنود الباسدارانى ، لا يستطيعون ان ينظروا الى العراق ككيان مستقل، قائم بذاته. وهم لم يوقّعوا اتفاقات التعاون مع ايران الا لتحويل العراق الى زريبة فارسية تحت نير آيات الله الذين يتخذون من الإسلام نفسه خدعةً وتقيةً لمشاريعهم التوسعية.
المشروع الايرانى فى العراق ليس أقل سوءا، بالأحري، من المشروع الامريكي. وكلاهما، على أى حال، شريك بالمجازر نفسها. انهما يتصارعان وينهشان من جثة هذا البلد، كل لحسابه الخاص. وليس من المستبعد أبدا ان يتوصلا الى اتفاق شراكة فيما بينهما لتقاسم الحصص فى العراق، على غرار ما تفعل أحزاب المليشيات بـ مصروف الجيب الذى يتركه الاحتلال لها.
وجود العراق، ككيان سياسى مستقل، هو الذى يتقلب، يمنة ويسرة، بين كفتى الميزان.
قد يبدو للوهلة الأولى ان التخلص من الاحتلال الامريكى أسهل، فى آخر المطاف، من التخلص من احتلالٍ له، بين العراقيين انفسهم، موالين ومأجورين وأتباع، فتتبدل الأولويات، وتتقدم المعركة ضد الاحتلال الايرانى على المعركة ضد الاحتلال الامريكي. ولكن الحقيقة ليست كذلك.
الوطنية العراقية، والانتماء العربى للعراق، جديران بالكثير من الثقة بأنهما سيكونان كفيلين فى دحر المشروع الصَفَوي. لقد هُزم هذا المشروع من قبل. وسيهزم مليون مرة، الى ان تتعلم ايران الدرس، بانها تخدم مصالحها الاستراتيجية أكثر، اذا نظرت شرقاً، وأعطت ظهرها للعراق، وتخلت عن ميولها المرضية، غير المستقيمة تاريخيا، والمستحيلة إجتماعيا، للهيمنة على العراق.
الثقة بالوطنية العراقية وبمعطيات التاريخ تبرران تماما ان تسمو الاحزاب الوطنية العراقية فوق المخاوف من التهديد الصَفَوي. ولا شيء يمنع بالتالي، من السعى الى تحييد طهران، بدعوة رجال دين مقاومين شرفاء مثل محمد حسين فضل الله والسيد حسن نصر الله نفسه، وربما كان هناك مثلهم الكثير فى ايران، الى التدخل والوساطة لدفع عملاء طهران فى بغداد الى الكف عن
قتل المدنيين، والكف عن ملاحقة المقاومة ضد الاحتلال الامريكي. بل وحضهم على قبول الوطنية العراقية كمعيار للتعايش السياسى بدلا من طائفيتهم الدموية البغيضة.

هزيمة المشروع الامريكي-الاسرائيلى فى العراق أولى سياسيا، وأجدر استراتيجيا، وأقرب الى القلب بالنسبة للمعانى التحررية التى شكلت الكثير من ثقافة العراقيين القومية.
إذا هُزمت أمريكا فى العراق، ستُهزم اسرائيل فى المنطقة. وسيُهزم معها كل الخونة الذين تواطأوا على احتلال وتدمير العراق. وستفتح صفحة جديدة فى تاريخ المنطقة. صفحة تغيير كلية وشاملة، ستجرف الاستبداد، كما ستجرف التخلف والانحطاط القيمى السائد فى منطقة تحول الكثير من زعمائها الى خدم ومطايا لرعونة الصليبيين الجدد، منبوذين حتى من الذين يستخدمونهم.
هل يُصوّر الفاشيون الجدد فى واشنطن الهزيمة فى العراق على انها هزيمة كونية لن تقوم بعدها للولايات المتحدة قائمة؟
حسناً. فليكن. وضعٌ كهذا انما سيجعل فرائص واشنطن ترتعد على مصالحها فى غير العراق، كلما سقط لها المزيد من الجنود، وسيجعل قوتها أكثر هشاشة بكثير مما تبدو.
هذه هى المعركة.
وهنا أرضها.
ومنها يبدأ المستقبل.
وهكذا، فكلما تلقت قواتها ضربات أشد، كلما أصبح ميلها الى البحث عن مخرج مشرف أكثر استعدادا لتقديم تنازلات، وكلما صار بامكان المفاوضات ان تثمر نتائج سياسية أفضل.
الحديث الذى ما يزال يدور فى واشنطن عن انقلاب عسكرى أمريكى ضد سخف حكومة نورى المالكى وتفاهة برلمانه، قد يكون اعترافا ضمنيا بالفشل، الا انه يمكن ان يكون مدخلا أيضا لإجراء عملية كنس وتنظيف شاملة.
لقد أثبتت الوقائع، ان الولايات المتحدة ليست سوى نمر من ورق عندما يتعلق الأمر بالقتال ضد فصائل مقاومة. وربما يكون من المفيد تماما اقناعها بارسال المزيد من الجنود الى العراق بدلا من الهرب بسرعة. فالهزيمة يجب ان تبدو كهزيمة، لكى يدرك هذا النمر ما معنى السقوط من فوق.
صحيح ان البيت الأبيض مليء بالحمقي، إلا ان الحكمة لن تنقص الولايات المتحدة -هذا البلد الرائع من مليون زاوية أخري-، لكى يعترف بأخطائه ويحاول تصحيحها. على الأقل، لكى ينجو بمصالحه فى كل مكان آخر.
الحماقة تضر، الا انها فى بلد كالولايات المتحدة لن تستمر طويلا.
ولأن المقاومة ضد هذا العدو أكثر نفعا من الناحية الاستراتيجية، فانها مقدسةٌ أكثر.
ومقدسون، أيضا كل أولئك الذين يشاركون فى هذه المعركة.
ومقدسٌ نصرهم... حتى ولو جاء من حزب الله .
فهذا حزب مقاومة وطنية، وليس بالضرورة وجها من وجوه إيران. وحتى ولو كان، فانه وجه يستحق، بالقليل من الحكمة، ان يُوظّف لكى يرى وينقد ويغسل عارَ ما تفعله الوجوه الأخري.
هذه هى بوصلة الوطنى والشريف والمقدّس.
أم هل ضاعت البوصلة؟

 العرب أونلاين

 

إلى صفحة مقالات وأراء10