08/06/1429

من أوراق المغدور البروفسور عمر ميران رحمه الله

الحروب الكردية لم يكن سببها التمييز العنصري أو القومي

 بقلم البروفسور عمر ميران

 

ان كل انسان محب للانسانية ولشعوب هذه الارض، يؤمن بأن للشعب الكردي قضية عادلة ويجب ان يتم حلها بصورة عادلةٍ وشاملةٍ وبدون اي تأخير. كما ويجب ان يتم التعاون وبصورة مباشرة مع اصحاب القرار بشأن هذه القضية العادلة وبشكل سلمي بما يضمن تحقيق المصالح لكل الشعوب التي تتعلق بقضيتنا العادلة.

 

ولكن ومع الاسف فقد حدث وان تَسَيّدَ وتسلط على رقاب الشعب الكردي اناسٌ مجرمون مأجورون يقومون بدور الوصي على شعبنا (وما كان شعبنا يوماً قاصراً على الاطلاق) فصادروا رأيه واخذوا يقررون نيابةً عنه ويتصرفون وكأن لديهم تفويضاً عاماً. وماهم الاّ مجموعة من قطاع الطرق الذين تم احتضانهم من جهات أجنبية لما لمسوا فيهم القابلية على الاجرام والخيانة!!. فمنذ ان بدأت القضية القومية الكردية مع بدايات القرن العشرين (حالها من حال كل القضايا القومية في المنطقة) والخونة والعملاء ممن سموا انفسهم قيادات الاكراد وهم يستأثرون بالقرار ويسوقون ابناء شعبنا الى حروبٍ دمويةٍ مع الحكومات المتتالية وذلك لتحقيق مصالح ومآرب شخصية بحجة انهم يدافعون عن القضية الكردية، والحقيقة انهم يقومون بكل ذلك تنفيذاً لمخططات اجنبية خارجية الغرض منها اضعاف المنطقة وابقائها في احتراب دائم وحالة لا استقرار تعاني منه كل شعوب هذه المنطقة.

 

وخير مثال على ذلك هو وضع أكراد العراق. فلقد قامت زمرةٌ من الاكراد المرتبطين بجهات اجنبية لها مصالح في تدمير المنطقة واشعالها وابقائها تدور في اوار حروب دامية أشبه ماتكون بحرب طويلة الامد والمستفيد الوحيد منها هو تلك الجهات (كأسرائيل)، كما كان الخاسر الوحيد منها بالدرجة الاولى هو الشعب العراقي بكل قومياته.

 

ان الحزبين الكرديين "المسيطرين على رقاب ابنائنا ماهم الاّ اداة لتنفيذ تلك الجريمة الحقيرة بحق شعوبنا، علما انهم يستغلون مشاعر ابناء الاكراد لتنفيذها وهم بذلك يضعون الاكراد بين المطرقة والسندان. فما كان على الحكومات المتعاقبة الاّ الرد على التحرشات التي كان يقوم بها الاكراد الابرياء المسيرين من قبل تلك الزمرة العميلة الخائنة للشعب، فقادة تلك الحزبين كانوا يشعلون النار ويهربون خارج العراق الى الدول المجاورة والى دول اوروبا التي كانت تؤيهم ويتركون أولادنا في خضم المعارك والقتال الشديد واكبر دليل على ذلك ان كل افراد تلك الزمرة لم يقدموا شهيدا واحدا على ارض تراب الوطن الغالي في قتالهم ضد الحكومات العراقية! خلافاً لما يدعون، وكانوا يعودون الى الجبال عندما تهدا المعارك وتنطفيء نار الحرب التي اشعلوها هم وبتوجيه وتمويل من اسيادهم وبالتالي يدخلون في مفاوضات مفروضةٌ شروطها من الخارج وذلك كلما ارادوا اضعاف الحكومة العراقية. فلو راجعنا تاريخ العراق على مدى القرن الماضي، لوجدنا ان هؤلاء العصابات طالما اشعلوا نار الحرب كلما كانت هناك منعطفات تاريخية مهمة يمر بها العراق، فمثلا الحروب في العهد الملكي وحروب بداية الستينات وبداية السبعينات وبداية ونهاية الثمانينات!!! فلو راجعنا الاحداث المهمة التي كان يمر بها العراق في تلك الفترات لعرفنا ارتباط التحركات الكردية بالاحداث التي كانت تمر بها المنطقة عموما والعراق خصوصاً.

 

واما بالنسبة للقتال الذي نشب بين الحزبين العميلين في التسعينات والذي راح ضحيته الالاف من ابناء شعبنا الكردي المبتلى بهؤلاء المجرمين الخونة، فقد كان ذلك القتال بمثابة حرب اهلية كردية كردية، فلو كان قادة تلك الحزبين أمناء على القضية لما ابتدأوا بها ولما استمروا لفترة تقارب نصف عقد من الزمن!! وهو مالم تشهده كل حروبهم ومعاركهم مع الحكومات المتعاقبة في العراق. وهذا مايدعو للاستغراب حيث كان القتال في الشوارع والمدن الرئيسية وأمتلأت الشوارع بجثث الأبرياء من الاكراد وهو أمر جديد على الشعب الكردي حيث انهم قد اعتادوا على الحرب في الجبال ضد جيش العراق. ولنا جميعاً ان نتصور حجم الفاجعة والمأساة التي مني بها الاكراد من جراء ذلك الاقتتال الداخلي الذي صوّر بل وفضح كلا الحزبين (أو بالاحرى قياديي تلك الأحزاب)

 

واما بالنسبة للعملية الغادرة التي قام بها افراد العشيرة المسيطرة على احد تلك الحزبين العميلين ضد اكبر منافس شريف لهم وهم عشيرة السورجيه، وكيف ان البارزانيين قاموا بمداهمة قراهم وقتلهم وذبحهم بل وابادتهم عن بكرة ابيهم حيث قُدِرَ في حينها عدد القتلى بالالاف، ويمكن التعرف على حقيقة القصة من اي كردي شريف. فما كان من الذين تبقوا من ابناء السورجية الاّ ان داهموا قرى البارزانيين واخذوا بالثأر العشائري وذلك ردا على ماقاموا به المجرمون من البارزانيين واختطفوا الالاف منهم وتم قتلهم ودفنهم جماعياً!! فيما بعد في اماكن بعيدة عن قراهم. ان هذا الاقتتال انما يمثل بشاعة وسوء تصرف هؤلاء المتسلطين على رقاب الشعب الكردي.

 

البعض يتساءل.. كيف كان يجب ان يكون البديل؟ والجواب سهل جداً. فمن خلال دراسة معمقة لتاريخ المنطقة وشعوبها يتبين بأن الاكراد وعلى مر العصور والمراحل التي مر بها تاريخنا لم يكن لنا عداء (قومي) مع اي من شعوب المنطقة المحيطة بنا. ولم يكن هناك احتراب على الاطلاق ولا تمييز عرقي ابداً، وان الذي خلق ذلك العداء والاحتراب بنجاح وجدارة هو الطرف الكردي وذلك من خلال قياداته المصنوعة في الخارج والمدعومة منه والمرتبطة بأجنداته ومخططاته المعروفة للجميع.

 

فكان يجب على الحكومات ان تلجأ في محاولاتها لحل تلك القضية البسيطة والمعقدة في نفس الوقت الى القيادات الوطنية التي كانت تظهر وتطالب بالحل السلمي للقضية. ولكن مثل تلك الشخصيات كانت تتم محاربتهم وتصفيتهم من قبل أجهزة الموساد المنتشرة منذ الخمسينيات ومن قبل قيادات تلك الاحزاب العميلة. وما المناضل عبدالله اوجلان الاّ مثال حي على تلك الشخصيات التي ظهرت في تركيا، كما وان دور الحزبين العميلين معروف ومكشوف في تحديد مكان وتحركات ذلك القائد ومن ثم القاء القبض عليه. واما بالنسبة للشخصيات العراقية فلقد كان هناك الكثير منهم في اربيل ودهوك والسليمانية وحتى البعض منهم من عائلة البارزانيين انفسهم الذين كانوا يعلمون مايقوم به رؤساؤهم وأفراد عائلتهم وعشيرتهم. وكل الشعب الكردي يعرف كيف كانت تتم عمليات تصفية الشرفاء المخلصين لشعبهم وقضيتهم العادلة والصاق تهمة التصفية بالحكومات.! (ان القضية الكردية هي قضية بسيطة حسب كل المعايير لأنها قضية قومية معروفةٌ اهدافها وكان بالامكان حلها على هذا الاساس، ولكنها معقدة  لأن قياداتها قد ارتبطت بدول أجنبية معادية لكل المنطقة وبالتالي ربطت مصير قضية عادلة  بجهات أجنبية وأقليمية كانت تملي شروطها من خلال هؤلاء العملاء مما يؤدي الى عرقلة الوصول الى حل، فكلما ابدت الحكومة مرونة في حلها تمت المطالبة بسقف أعلى من الشروط مما جعلها معقدة وشائكة ومتشعبة، فتم تصويرها على انها مسألة عصية عن الحل)

 

ان أخطر الجرائم التي قام بها هؤلاء العملاء هي عملية نشر الوعي السلبي! وذلك حيث انهم وبدلاً من ان يقوموا بالعمل على نشر حب التآخي والسلم الحقيقي وتقويته لكونه كان قائماً لقرون عديدة بين شعوب المنطقة فأنهم قاموا بعكسه وعملوا على نشر الكراهية وافشائها بين ابناء شعبنا تجاه كل ماهو غير كردي! وبالنتيجة فأن ذلك سينعكس على سلوكيات شعوب المنطقة وتبدأ تبادل ذلك العداء والكره لشعبنا الكردي البسيط المسالم المحاط بكل تلك الشعوب، اي ان نتيجة ذلك العداء سوف يعود سلباً على شعبنا وامتنا الكردية ومن كل الجهات (وهذا ماتريده دول الشر في العالم).

 

والمصيبة الأكبر والخطأ القاتل هنا هو ان الكثير من المتعلمين والمثقفين من ابناء الشعب الكردي وحيث يفترض انهم واعون لكل ذلك، لكنهم لاشعورياً أخذوا يرددون بل ويروجون من حيث لايعلمون (وقد يكونون متعمدين في أحيان اخرى) على تعميق تلك الكراهية بين شعوب المنطقة وتصويرهم، بل وتركيزهم على أن القتال هو بين الاكراد والشعب العربي،! وان العرب يريدون أبادة الاكراد، وما الى ذلك من الترهات! وغرسهم لبذور حقدٍ بالتاكيد انها  لن تثمر الاّ حقداً اعمى وشراً مستطيراً تتناثر شضاياه وشراراته بدون تمييز وسوف تحرق اول ماتحرق غارسها  مما تؤدي الى أحراق اهلها. لأن الحقد والكراهية والشر تقتل صاحبها اولاً وقبل كل شيء.

 

ان هذه الشريحة المتعلمة وبدلا من ان تقوم بتوعية القريبين منهم من ابناء عشائرهم وفضح وكشف المؤامرة وتعرية هؤلاء الاقزام المستأسدين على رقاب شعبنا وذلك بما يستمدونه من قوى الشر الخارجية، فأنهم انما يقومون بما يخالف الضمير الحي ومايدعو اليه الحق والعدل وهم بذلك يمنحون تلك القيادات العميلة قوة اضافية يضيفونها الى طغيانهم الذي اذا ما استفحل وانتشر وخرج عن السيطرة فسوف لن يُجْدِ نفعاً اي عملٍ في المستقبل للتخلص من هؤلاء. فأن من واجبنا ان نبين لابناء شعبنا ان قتال ابنائنا لم يكن يوماً موجهاً للقوميات والشعوب، ولكنه كان بين فئات مسلحة مخدوعة (نعم مخدوعة ومغرر بها) من قبل قيادة عميلة كانت تستغل قضية عادلة، وبين جيش نظامي يمثل حكومةً شرعيةً وفق كل المقاييس، وماكان على هذا الجيش الاّ تنفيذ الاوامر العسكرية الصادرة له من قياداته السياسية التي كانت ترى في هؤلاء "القادة" خونة للوطن وعملاء للأجنبي.!!

 

ولو كان هناك قتالٌ عرقي بين قوميتين لكان من الاجدى أولاً القضاء على مئات الالوف من الاكراد الذين يقيمون في بغداد وغيرها من المحافظات والمدن الجنوبية، وهم يسكنون في مجمعات تُعْرفُ وتكنى بقوميتهم (مثل حي الاكراد الموجود في أكثر من محافظة).

 

لكن وفي حقيقة الامر فأن قتال ابناء شعبنا الكردي كان يحدث كلما طلبت الدول الاستعمارية من عملائها في المنطقة، وليتم اضعاف الحكومات او الضغط عليها باتجاه او بآخر، أو لألهاء الشعوب من أجل تمرير مؤامراتٍ اخطر وأعظم.

 

ان المؤامرة كبيرة، منفذوها مجرمون قتلة بامتياز لايتورعون عن القيام بأخس الاعمال تنفيذاً لرغبات ومخططات صانعيهم.

شبكة البصرة

 إلى صفحة مقالات وأراء10