20/11/1427

خياراتنا وخياراتهم
 الإدارة الأمريكية بين الخيارات الصعبة والبدائل المستحيلة

 

 بقلم : سعد داود قرياقوس

(1) خيارات الادارة الامريكية

اثارت هزيمة الحزب الجمهوري في الانتخابات الاخيرة، وفقدانه السيطرة على قرارات السلطة التشريعية، موجة عاتية ومتوقعة من آراء وتحليلات سياسية، تناول طارحوها تأثيرات اعادة توزيع مقاعد الكونغرس على مسارات الاحتلال الامريكي للعراق ومستقبله. ومع تقديرنا لجهود من كتبوا، وحقهم في طرح رؤيتهم، الا ان مضامين غالبية ما اطلعنا عليه من مساهمات باستثاء القليلة منها، طغى عليها حماس عاطفي، وتبشير بالانهيار السريع لمشروع الاحتلال، وحتمية انسحاب القوات الامريكية القريب من الاراضي العراقية، وسواها من التكهنات والتحليلات غيرالموضوعية والمالبغة في تفاؤلها.

 

واذا كان تضمين بعض المساهمات الفكرية قدرا من الحماس يشكل ضرورة تتطلبها الجوانب المعنوية للمعركة، الا ان الافراط في الحماس والتفاؤل، والتسرع في تقديم تكهنات خاطئة وغير موضوعية، خطوة لا تخلو من مخاطر، لكونها تقدم قراءة خاطئة لطبيعة الصراع وآفاقه المستقبلية.

فمعظم ما كتب عن الموضوع من مساهمات حجّمت وبشكل خاطىء ومبالغ فيه من قدرات وامكانيات العدو "الادارة الامريكية"، وتغافلت عن طرح الخيارت السياسية والعسكرية العديدة المتاحة للادارة، وقدمت هزيمة الجمهوريين، وفوزالديمقراطين كأعلان عن نهاية الاحتلال، وانكماش ادارة بوش وعجزها عن الحاق الاذي في شعبنا.

لا شك في ان نتائج الاقتراع، وبقدرتعلق الامربالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية، حملت رسالة واضحة من الناخب الامريكي الى ادارة بوش، هذه الرسالة تضمنت عدة دلالات مهمة. اولها، تراجع تأثيرما اطلقت عليه الادارة "الحرب على الارهاب" على خيارات الناخب الامريكي، وفشل سياسية ترهيبه. وثانيا، تراجع ثقة نسبة كبيرة من المقترعين الامريكان في قدرة فريق بوش على معالجة الوضع المتفاقم سوء في العراق.

 

ومع ان نتائج الانتخابات حُسبت فوزا للحزب الديمقراطي واستراتيجيته الانتخابية، الا أن من الحَقَ الهزيمة بإدارة بوش والحزب الجمهوري هم ابطال المقاومة الوطنية العراقية، ونجاحهم في احباط جميع المخططات السياسية والعسكرية لسلطة الاحتلال وعملائها. فلولا تضحيات ابطال العراق والامة العربية، لكانت اكاليل النصر تكلل هامات الرئيس الامريكي التافه واعضاء ادارته عوضا عن ما يعتريهم حاليا من خذلان وتراجع، وطغيان شعورالاقتراب المؤكد من حافة الهاوية.  

 

ان اعادة ترتيب مقاعد الكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي، ومن دون التقليل من اهمية فوزالديمقراطيين على المعادلات السياسية الامريكية، لن تؤدي في تقديرنا، الى احداث تغييرجذري في السياق العام للاحتلال، وفي  نهج الادارة وسياستها في العراق. ولن تقود الى انسحاب عسكري امريكي سريع، اوخلال ما تبقى من عمر الادارة، كما يتكهن به البعض، ولعدة اسباب بديهية :

الاول، يستند على الجوانب الدستورية لتوزيع الصلاحيات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة. فجميع القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والامن القومي مناطة بالسلطة التنفيذية التي يمثلها الرئيس ومجلس الوزراء حصرا، وفقا لفقرات الدستورالامريكي. سيطرة الديمقراطين على الكونغرس لن تغيرمن هذه المعادلة، فصلاحيات الرئيس الامريكي لم تتغير، وجورج بوش ما زال رئيسا للسلطة التنفيذية، والقائد العام للقوات المسلحة الامريكية، ومازال مسؤولا عن تصميم وتنفيذ السياسات الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة.

وثانيا، ان تورط الادارة في حربها مع شعب العراق وخسائرها اليومية الكبيرة لا يشكلان مانعا يحول دون توسيع الادارة من نطاق الحرب، ورفع مستوى هجماتها العسكرية على شعب العراق، او حتى الدخول في مغامرات عسكرية اخرى. فادارة نيكسون على سبيل المثال، وفي قمة تورطها العسكري في فيتنام لم تتردد في شن حربين عدوانيتين على شعبي لا وس وكمبوديا. هذه الادارة كسابقاتها، مشبعة في فلسفة تؤمن باهمية دورالحروب والصراعات الدولية في المحافظة على المعدلات العالية للرفاهية والاستثمار، والنمو

الاقتصادي للدول الصناعية.

ثالثا: لن ناتي بجديد اذ طرحنا بان الولايات المتحدة دولة تملك قدرات اقتصادية وعسكرية هائلة، ولها تاثير حاسم على عملية صنع القرارالدولي، ولذلك فانها تملك هامش مناورة كبير، ومرونة على تغييرمساراتها السياسية والعسكرية، وقدرة على امتصاص الضربات. هذا لا يعني انها دولة غير قابلة للهزيمة باي شكل من الاشكال، بل دولة ذات قدرات كبيرة تمكنها من التعامل مع خسائرها في المدى القصير، وامكانية على تأخيرموعد سقوطها النهائي. من المؤكد ان هذه السمات لا تقلل من حجم واهمية انجازات فصائل المقاومة العراقية عسكريا وسياسيا، بل على العكس من ذلك تماما. ان سمات القوة والجبروت لن تلغي الحتمية التاريخية لهزيمة الاحتلال التي آمنا بها، وطرحناها منذ المراحل التي سبقت الاحتلال.

ورابعا واخيرا، ان انسحابا امريكيا سريعا، او خلال ما تبقى من عمرالادارة سينسف مصداقيتها، وينهي آمال الحزب الجمهوري، واليمين المحافظ في استرداد السيطرة على الكونغرس، والاحتفاظ بالبيت الابيض، بعد ان سبق للادارة وان اعلنت في اكثرمن مناسبة بان الانسحاب من العراق لا يشكل خيارا للادارة قبل تحقيق النصرالكامل؟!

 

لا جدال في ان هيمنة الحزب الديمقراطي على قرارات الكونغرس قد تقود الى تغييرات مهمة على صعيد السياسات الداخلية، وقد تنجح في تجميد برامج البيت الابيض الاقتصادية منها والاجتماعية. الا ان تاثيراتها على السياستين الخارجية والدفاعية، واهمها الموقف من احتلال العراق تبقى ضئيلة ان لم تكن معدومة. فاقصى ما يمكن ان يحققه الحزب الديمقراطي، اذا افترضنا اختلاف موقفه عن موقف الادارة، لن يتجاوزعرقلة او تأخير جزئي لمشاريع المصادقة على ميزانيات الدفاع والتخصيصات العسكرية. وحتى هذا الدور يبقى دورا محدود الفاعلية لسببين. الاول: ان مخصصات الدفاع ونفقات الجيش الامريكي في العراق للعامين القادمين قد سبق وان صادق عليها الكونغرس، واصبحت قانونا نافذا من الصعب الغاءه. والثاني: ان حجب الدعم المالي والمعنوي عن افراد القوات المسلحة الامريكية في العراق، وتعريض امنهم للمخاطر، احتمال مستبعد. فلا يوجد في الولايات المتحدة الامريكية حزب، او شخصية سياسية قادرة على المغامرة والمطالبة بحجب الامدادات العسكرية والمالية عن القوات الامريكية المتواجدة في العراق.

 اذن اقصى ما يمكن ان يقوم به الديمقراطيون هو التاخير الجزئي، واثارة الصخب الاعلامي حول برنامج الادارة وخططها العسكرية، او حتى المطالبة بوضع سقف زمني لسحب القوات، دون امتلاك القدرة الفعلية على تغيير مسارات مشروع الاحتلال بشكل جذري، في ظل احتكار بوش وفريقه لقرارات السلطة التنفيذية.

الملاحظ ان المتفائلين في انتصارالحزب الديمقراطي على غريمه التقليدي، قد اغفلوا بشكل انتقائي جملة من الحقائق، منها: ان تباين مواقف الحزبين من احتلال العراق لا يعدوا كونه خلافا على آليات ادارة الاحتلال، وليس خلافاعلى شرعية الحرب، اوضرورتها للامن الاقتصادي للولايات المتحدة. فالحرب على العراق، والسيطرة على ثروته النفطية، وتقسيم وحدة شعبه، لا تشكل اهدافا لاحد الحزبين دون الآخر، بل انها اهداف اساسية لمشروع الهيمنة الامريكي، ولتحقيق حلم بناء الامبراطورية الامريكية. ثم ان المشروع الذي يطرحه الحزب الديمقراطي لحل الازمة الامريكية في العراق، لا يقل خطورة عن مشروع المحافظين المحدثين. تفاصيل مشروعهم سبق وان طرحها السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، الرئيس المرتقب للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، ويرتكزعلى حل الازمة الامريكية في العراق من خلال تجزئته الى ثلاثة اقاليم تتمتع بقدركبيرمن الاستقلالية، وصلاحيات لا مركزية، الى جانب حكومة اتحادية تقتصر صلاحياتها على اصداروتنظيم النقد الوطني، وادارة العلاقات الخارجية، وادارة الثروة النفطية، وتوزيع وارداتها على الاقاليم الثلاث وفقا لمعيارالكثافة السكانية!. كما انهم اغفلوا حقيقة ان مشروع بايدن التقسيمي لا يتضمن انسحابا عسكريا امريكيا من العراق، بل يقترح اعادة انتشارالقوات الامريكية، وتمركزها في قواعد ثابتة بعيدة عن المراكز السكانية دون تحديد سقف زمني لا نسحابها.

من الجديران نذكر بان مشروع الديمقراطيين لحل الازمة في العراق يتطابق والى حد كبير مع مفردات مشروع بيكر – هاملتون وفقا لما سرب من معلومات عن تقرير اللجنة.

 

ماهي الخيارات المتاحة امام الادارة الامريكية لحل ازمتها في العراق،

في ظل تصاعد وتائر المقاومة الوطنية، وازدياد فعالية نشاطها المسلح؟

وفي ضل فشل مشروع ادارة الاحتلال؟

لا شك في ان ادارة بوش تواجه واحدة من اعقد الازمات التي واجهتها الولايات المتحدة واشدها صعوبة. انها ازاء ازمة بالغة الخطورة، ذات تاثيرات مباشرة على الموقع الدولي المتميز للولايات المتحدة، وعلى معادلات الصراع الدولي. ازمة ذات تبعات جادة على مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية وعلى نفوذها السياسي آنيا ومستقبلا.

قبل استعراض الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة امام صناع القرار الامريكي، دعونا اولا نحدد باختصار ابعاد وملامح الازمة الامريكية في العراق. مازق الادارة يتلخص في وصول مشروعها في العراق الى مرحلة الازمة او مرحلة "انحسار الخيارت الفعلية". فكل الخيارات المتاحة لها، والمعروض جانب منها ادناه، تنتهي امام حاجز المقاومة الوطنية الصلبة، وامام تصميم شعب العراق وقواه السياسية الوطنية على افشال مشروع تغييرهويته الوطنية والقومية. ملامح ازمة الادارة تتلخص بالاتي :

 

1. عجز الادارة عن القضاء على المقاومة المسلحة، اوالحد من تصاعدها وانتشارها، وبالتالي فشلها في تقليل خسائرها البشرية والمالية.

2. فشل مراهنة ادارة بوش على "العملية السياسية" ونتائجها، وبالتالي اخفاقها في خلق "النظام السياسي الديمقراطي"، الذي سعت لتاسيسه في العراق، وتقديمه كنموذج متطور بديل لانظمة المنطقة السياسية؟  

3. تعطل مشروع الشرق الاوسط الجديد وتراجعه، وفشل خطة المحافظين المحدثين في نشر كوارث احتلال العراق الى الاقطارالعربية الاخرى، واخفاقهم في تغييرخارطة المنطقة السياسية وفقا لتصوراتهم.  

4. فشل الادارة في تحقيق المناخ الملائم للمباشرة في جباية استحقاقات الاحتلال الاقتصادية من خلال خلق فرص استثمارية مضمونة وطويلة الامد لرؤوس الاموال الامريكية والاجنبية.

فبعد ما يزيد عن ثلاثة اعوام ونصف من سلسلة طويلة من التغيرات السياسية على مشروع الاحتلال، واستخدام جميع الوسائل العسكرية، وحملات القتل والقمع والترهيب والترغيب وشراء الذمم، وبعد انفاق ما يقارب من 320 مليار دولار، تجد الادارة الامريكية نفسها مضطرة مرة اخرى لاعادة النظر في استراتيجيتها، وادخال تعديلات على مسارات مشروع الاحتلال، كمحاولة للتخلص من عناصرالفشل السياسي والعسكري.  

ازاء الموقف المتزايد تعقيدا على الصعيدين السياسي والعسكري في العراق المحتل، فان الادارة الامريكية تواجه ثلاث خيارات اساسية يتضمن بعضها بدائل متعددة، لكل خيار، وسنوضح التكاليف والفوائد النسبية لكل منها. هذه الخيارات وان اختلفت تفاصيلها وحلولها ومزاياه وخسائرها الا انها تشترك في خاصية كونها تنتهي في نهاية المطاف في مربع الفشل والهزيمة.

سنقدم ادناه عرضا موجزا للخيارات المتاحة امام الادارة الامريكية دون تحديد راي ثابتا، او التكهن في الخيار الاكثر احتمالا للتبني. من المهم ان نوضح بان الخيارات المطروحة ادناه تعكس جانبا مما يفكر به المحللون الاستراتيجون الامريكان، ولا تعبر باي شكل او صيغة عن راي كاتب هذه المساهمة.   

 

الخيار الاول

اول الخيارات المتاحة امام ادارة بوش لمعالجة ازمتها في العراق، يتمثل في استمرارالادارة على نهجها الراهن، المستند على مفردات "استراتيجية تحقيق النصر في العراق"، التي اقرها مجلس الامن القومي الامريكي في اكتوبرعام 2005، مع ادخال تغيرات جزئية على خطط الاحتلال العسكرية والسياسية، كرفع حجم القوات الامريكية والاجنبية في العراق واعادة انتشارها، وتغيير صيغ الاشتباك مع المقاومة العراقية وتصعيدها. الى جانب ادخال تغييرات سياسية جزئية او شاملة على حكومة المالكي الفاشلة، اواستبدالها بحكومة جديدة.

تبنّي هذا الخيار يفرض على الادارة توفيرجملة من المستلزمات، منها :

الاستمرارفي بناء القوة العسكرية والامنية المحلية، مواصلة تصعيد الاستقطاب الطائفي المطلوب لتركيز مشروع الاحتلال، الاستمرار في عملية دفع اطراف عربية مؤثرة الى المشاركة في العملية السياسية، الابقاء على معيار المحاصصة الطائفية، بالاضافة الى مواصلة العمل على تطوير مبادرات سياسية عربية – اسلامية تساعد الادارة على تخفيف ازمتها السياسية، وتقليل خسائرها المادية والبشرية. ان هذا الخياريمثل ببساطة وسيلة للبحث عن فرصة لاعادة الحركة لمشروع الاحتلال.

 

تبني الادارة لهذا الخيار يوفرلها، وخاصة في الامد القصير،الفوائد والمزايا النسبية التالية :

* يتيح للادارة فرصة زمنية تساعدها على اعادة ترتيب اولوياتها، واعادة تنظيم برنامج الاحتلال، ويعيد لها فرص امكانية تحقيق النجاح وتحقيق الاهداف.

* تفادي الادارة الاعلان عن سقوط مشروع الاحتلال وهزيمة قواتها وميليشيات عملائها، وبالتالي تفادي تحمّل تبعات المسؤولية التاريخية لهزيمة المشروع الامريكي.

* هذا الخيار يمكن ادارة بوش من نقل ملفات احتلال العراق الى الادارة القادمة، جمهورية كانت ام ديمقراطية، وبالتالي ضمان استمرارمخطط المحافظين المحدثين في العراق الى اطول فترة ممكنة.

* اتاحة اطول فسحة زمنية ممكنة للشركات الامريكية القريبة من اركان الادارة، اوالمملوكة من قبلهم لتعظيم ربحيتها ونهبها لثروة العراق النفطية.

 

مقابل هذه الفوائد النسبية لتبني خيارالاستمرارعلى النهج الراهن، فان لهذا الخيار كلفه ومخاطره الجدية على الادارة وعلى مصالح الولايات المتحدة، اهمها:

* استمرارتصاعد وتائرالخسائرالآلية والبشرية لقوات الاحتلال، واستمرار  هدرموارد مالية هائلة.

* تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية على الادارة، وزيادة حدة الانتقادات الموجهة لها، وتعريض العلاقات الامريكية مع دول العالم واقاليمه الى المزيد من التأزم. فاستمرار تدهور المشهد العراقي، ولاسيما استمرارالنزف البشري العراقي يغذي النقمة المتصاعدة على الادارة الامريكية في المنطقة والعالم، و يلحق اضرارا في مصالحها الاقتصادية والتجارية.

* الابقاء على الصيغة الحالية لادارة العراق المحتل، ولاسيما في ظل حالة فشل الادارة في تحقيق تقدم جدي، قد يزيد من مخاطرخسارة الحزب الجمهوري للبيت الابيض في انتخابات الرئاسة القادمة.

 

الخيار الثاني

السيناريوالثاني المتاح اما صانع القرارالسياسي الامريكي يتمثل في  الانسحاب الكلي من العراق خلال أمد قصير او متوسط، وتسليم جميع الملفات الى احد الاطراف التالية: الدولة العراقية الراهنة ومؤسساتها التشريعية الامنية والعسكرية وميليشياتهاالمسلحة، او الى حكومة عراقية جديدة مدعومة من قبل الاقطارالعربية والاسلامية والامم المتحدة، او تسليمها الى حكومة عراقية جديدة ضمن اطار مشروع اتفاق سياسي وامني مع كل من ايران وسوريا، مع توفيرغطاء عربي ودولي لضمان شرعيتها وديمومتها.

ان اكبرصعوبة تواجهه عملية تبني هذا الخيار" الرهيب " تكمن في انه يتناقض كليا مع المواقف المعلنة للادارة الامريكية، وتاكيدات بوش المستمرة على ابقاء القوات الامريكية في العراق حتى يتم "تحقيق النصر". وتعهده في انه لن يسحب القوات طالما كان رئيسا للولايات المتحدة!

 

ومع صعوبة القيام بهذا الانعطاف الحاد، الا ان قدرات الادارة السياسية والاعلامية تمكنها من تبريراتخاذها هذه الخطوة الدراماتيكية.احدى التبريرات التي يمكن طرحها وتسويقها، تستند على فكرة ان الادارة غدت لا تملك ما يمكن ان تقدمه لشعب يلغي نصفه وجود النصف الاخر!؟ وان ليس من مهامها اومن مصلحتها التدخل في اتون حرب اهلية !؟ لذلك فان الانسحاب آن اوانه بعد ان تم "اسقاط الدكتاتورية، وتهيئة مناخ بناء الدولة الديمقراطية"، وبعد اكتمال عملية بناء القوات المسلحة العراقية. الادارة تستطيع كذلك تحميل العراقيين مسوؤلة التدهور الامني والفشل السياسي. انه باختصارخيار" لننقذ الجنود الامريكان ولنحافظ على الموارد الامريكية، ولتسقط احجارالبناء العراقي حيث تسقط ".   

من المؤكد ان تبني هذا الخيار يتطلب توفير جملة من المستلزمات، ابرزها، تأمين الحماية لحلفاء الولايات المتحدة واصدقائها في المنطقة، وتحديدا حماية انظمة كل من السعودية والكويت والاردن من تبعات التدهورالامني المحتل في العراق بعد انسحاب القوات الامريكية، وضمانة عدم قيام ايران بغزو العراق او جزء منه، وتأمين السيطرة على حقول النفط العراقية، وعقد اتفاقات مع سوريا والاحزاب الكردية على ترتيبات أمنية في شمال وغرب العراق، بالاضافة الى ضرورة توفيرمنطقة محمية للمنسحبين من الاراضي العراقية بعد جلاء القوات الامريكية، وانشاء قواعد عسكرية دائمة في شمال العراق.

ان خيارالانسحاب الامريكي الشامل من العراق كغيره من الخيارات الاخرى يتضمن جوانبا سلبية واخرى ايجابية. اهم المزايا النسبية لهذا الخيار تتلخص في :

 

* وقف الخسائر المالية والبشرية الامريكية الهائلة الناجمة عن العمليات العسكرية والسياسية في العراق.

* يخفف الضغوط الداخلية والخارجية على الادارة، ويحسن من احتمالات احتفاظ الجمهوريين بالبيت الابيض في انتخابات الرئاسة المقبلة، واستعادة سيطرتهم على الكونغرس في 2008.

* انسحاب القوات الامريكية وفقا لرؤية الادارة يقود الى انحلال الدولة العراقية، وانقسام الشعب العراقي الى ثلاثة مكونات على اقل تقدير. بالتاكيد ان لتفتيت وحدة شعب العراق فوائده وضروراته لمشروع الهيمنة الكوني الامريكي، وللمشروع التوسعي الصهيوني.

* واخيرا ان الانسحاب الامريكي من العراق يوفرلادارة بوش مرونة كبيرة في التعامل مع الملف النووي الايراني دون الالتفاف الى مخاطرالتعرض الى هجمات انتقامية ايرانية، اوهجمات الحركات العراقية المرتبطة بالنظام الايراني.  

 

اما الجوانب السلبية لخيارالانسحاب وكلفته فيمكن تلخيصها بالاتي :

* ان الانسحاب الامريكي وبصرف النظرعن عنوانه وغطائه وصيغة تقديمه، يمثل هزيمة سياسية وعسكرية للقوة الكونية والاقتصادية الاعظم، ويشكل تراجا كبيرا لمشروعها في المنطقة. ولا جدال ان لهذه الهزيمة انعكاساتها الكبيرة والمؤثرة على هيبة الولايات المتحدة وموقعها الدولي، وتاثير سلبي على مصالحها الاقتصادية.

* خروج القوات الامريكية من العراق سيخلق بكل تاكيد فراغ سياسي وامني قد يغير موازين القوى وتوزيعها في المنطقة لصالح اعداء الولايات المتحدة، ويحجّم تاثير ومواقع حلفائها، ويهدد امنهم وديمومة انظمتهم. هذا الفراغ السياسي، وفقا لتقديرات خبراء الادارة، قد يتم ملئه اما من قبل ما يطلقوا عليه " المنظمات الارهابية الاصولية". او من قبل ايران وحلفائها في المنطقة. سيطرة اي من هذين الطرفين تحمل الكثيرمن المخاطرعلى امن واستقرار المنطقة والعالم.

*الانسحاب الامريكي من العراق يعني التخلي عن حقول النفط العراقية، والتي يعتبرها المحافظون المحدثون مكون اساس من مكونات الامن الاقتصادي الامريكي، كما تشير اليه وثائق مشروع القرن الامريكي الجديد. تخلي الادارة عن حقول النفط العراقية وسيطرة اعدائها عليها سيخلق تهديدات مستقبلية للامن الاقتصادي الامريكي، ولاستقرارالاقتصاد الدولي ونموه.

 

* الجانب السلبي الاخر للانسحاب الامريكي الطوعي من العراق يكمن في انه يخلق مخاطر على امن الكيان الصهيوني الحليف الاقوى للادارة الامريكية.

ويعزز من ايمان الشعب العربي في فعالية استخدام السلاح ضد اعداءه.

 

الخيار الثالث

الى جانب الخيارين السابقين، الابقاء على السياقات الحالية لادارة الاحتلال عسكريا وسياسيا، اوالانسحاب الفوري او السريع من العراق، فان هنالك تشكيلة من البدائل المتباينة المزايا والكلف والنتائج، والتي تشكل في مجموعها خيارا ثالثا متاحا للادارة الامريكية للتعامل مع مازقها في العراق. هذه البدائل، ومع تباين تفاصيلها وآلياتها، الا ان جميعها يستند الى فكرة الابقاء على السيطرة العسكرية والسياسية الامريكية على شعب العراق.

 

ابرز البدائل المطروحة على الادارة تختصر بالبدائل الخمس التالية :

اولا: ترتيب انقلاب عسكري تنفذه مجموعة من ضباط الجيش العراقي السابق تتكون من ضباط مفصولين من الخدمة سواء قبل الاحتلال ام بعده، وضباط الجيش المعد من قبل سلطة الادارة. الفكرة تقوم على سيطرة مجموعة مختارة من العسكريين العراقيين وبمساعدة القوات الامريكية واسنادها غيرالمنظور في السيطرة على السلطة السياسية، والمؤسسات الامنية، واعلان حالة الطواري، واقالة الحكومة وحل البرلمان وتعليق الدستور. أمل الادارة الامريكية من اتباع هذا الخيارلا يتجاوزهدف تحقيق السيطرة الامنية على مدن العراق بمخالب عراقية جديدة، بعد ان عجزت عن تحقيقه بالوسائل الاخرى.

هذا الخيار بكل تاكيد ليس بالخيار السهل. صعوبته لا تكمن في الجوانب اللوجستية او الفنية لتنفيذ الانقلاب، بل في ابعاده السياسية. فنجاح الانقلاب العسكري وتاييد الادارة لـ"حكومة طواريء" سيخلق اولا فجوة كبيرة في تبجحات الادارة في بناء عراق ديمقراطي مستند على مبداء مشاركة  

السلطة وتداولها عن طريق صناديق الاقتراع، وتأسيس دولة مستقرة تستند الى دستور ثابت معبرعن حقوق جميع ابناء شعب العراق. محبذي هذا الخيار يبررون موقفهم مستندين الى معادلة " وجوب تحقيق الاستقرار الامني اولا ومن ثم بناء الديمقراطية"! الانقلاب العسكري برأيهم يقود الى حالة من الاستقرار الامني، ويضع حدا لنشاط الميليشيات المسلحة ويساعد على توفير المناخ المطلوب لتأسيس مؤسسات ديمقراطية مستقرة. اما الصعوبة الثانية لتنفيذ هذا الخيار فتتمثل في ردود الفعل المحتملة من ميليشيات الاحزب والقوى التي سيعزلها الانقلاب، ويهدد مكتسباتها الاقتصادية، ويصادر سيطرتها الامنية على بعض المدن.

 

ثانيا: سحب القوات الامريكية والاجنبية الاخرى من المدن والمراكزالحضرية الى قواعد عسكرية ثابتة وموزعة على كافة انحاء العراق، مع تأمين الحماية العسكرية الكاملة لحقول النفط وانابيب نقله.

اتباع هذا الخياريتطلب تسليم جميع الملفات الامنية والسياسية للحكومة العراقية وقواتها المسلحة، مع تأمين الاسناد العسكري لها في حالة المواجهات الكبرى مع ما تطلق عليهم الادارة " المتمردون"، او في حالة تعرض اراضي العراق لمخاطرغزو اجنبي. هذا الخيار يوفر للجانب الامريكي ميزة الاحتفاظ بحقول النفط العراقية، اوحمايتها من مخاطرالاقتتال الداخلي. بالاضافة الى انه يتيح لها آلية لتقليل خسائرها المادية والبشرية. الا انه من جانب اخر، قد يقود الى تدهورامني كبير، واحتمال سيطرة المتمردين على مراكز المدن بسبب افتقار الدولة امكانيات السيطرة على الوضع الامني.

 

ثالثا: اعادة توزيع السلطة بين المكونات العراقية على اسس جديدة، وتسليم السلطة الى لاعبين جدد بعد تحقيق مصالحة عراقية. تحديد عضوية الفريق الجديد لن تستند على المحاصصة الطائفية او السياسية، بل سيتم اختيارعناصر" تكنوقراطية" غير منتمية سياسيا للاحزاب التي تسيطر على الدولة والحكومة، لكنها مدعومة من قبلها. استنادا للفكرة المطروحة، فان السلطة الجديدة تمارس مهامها باشراف عربي- اسلامي- دولي وبحماية عسكرية امريكية مباشرة مع استخدام الاجهزة الامنية العراقية. اشكالية هذا الخيار تكمن في انه لن يحظى بموافقة حلفاء الادارة الحاليين ولا يوفر ضمانة لتحقيق الاستقرار الامني ونجاح مشروع الاحتلال.

 

رابعا: التفاوض مع المقاومة الوطنية العراقية والانسحاب من العراق وفق برنامج زمني محدد وشروط سياسية وعسكرية متفق عليها. هذا الخيار وان كان سيقدم للادارة الامريكية ما تحتاجه لحماية هيبتها وعدم الظهور بمظهر المهزوم عسكريا، ويوفر لها الكثير من الخسائر المادية والبشرية، الا انه يواجه صعوبات كبيرة. فتبني هذا الخيار يعني التخلي عن جميع او معظم حلفاء الادارة الحاليين، وسحب السلطة السياسية منهم وتسليمها الى المقاومة الوطنية. هذه الخطوة بالتاكيد لن تحظى بموافقة الفاقدين لمواقعهم السياسية ومتكتسباتهم الاقتصادية الكبيرة، الامر الذي سيؤدي الى صدام مسلح واسع مع تلك الاطراف وخاصة المرتبطين منهم بالحكومة الايرانية.

هذه الاطراف اصبحت تملك قوة بشرية وعسكرية لا يستهان بها بعد الدعم الامريكي العسكري وبعد التسليح الايراني المكثف لها. لا شك في ان الادارة الامريكية تملك القدرة على التقليل من التهديدات التي قد تشكلها هذه الاطراف على الوضع الجديد من خلال اتفاقيات محددة مع الجانب الايراني.

 

خامسا: من اكثرالخيارات المتاحة امام صانع القرارالامريكي خطورة على مستقبل العراق، هوخيار تقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم كحل نهائي للفوضى الامنية المستشرية، وايقاف الاقتتال الطائفي المتصاعد، ولتقليل حجم الخسائر الامريكية، والتمهيد لانسحاب عسكري امريكي كلي او جزئي من العراق.

تنفيذ هذا الخيار يتطلب ايضا الاتفاق مع دول الجوار وخاصة سوريا وايران،

لضمان عدم سيطرة ايران على العراق عسكريا او عدم احتلالها لحقول النفط العراقية، وما قد يؤدي الى تدخل عسكري امريكي جديد في المنطقة، ربما يكون اكثر حجما وسعة من حجم التواجد العسكري الراهن.

 

من الواضح ان جميع الخيارات المطروحة اعلاه تبقى ناقصة وغيرمجدية ولن تقود الى حل ازمة الادارة طالما استمرت في نهجها التعسفي الراهن.

مصير الخيارات والبدائل اعلاه لن يكون افضل من مصير الخطط السابقة للادارة. فجميع المشاريع السابقة فشلت في تحقيق اهدافها بسبب تجاوزها  لثوابت المقاومة العراقية ولحقائق ومسلمات وطنية اساسية.

لقد كثرالحديث مؤخرا، ولا سيما اثرالانتخابات الاخيرة، عن توصيات تقرير لجنة بيكر- هاملتون بشان العراق، فبالغ الكثيرين، واستناد على ما سرب من تلك التوصيات، في تقدير اهميتها على مستقبل مشروع الاحتلال ومستقبل شعب العراق، وتفائل آخرون بشكل غير مفهوم لنا في نتائجها.

ان التغيرات التي قد تحملها توصيات لجنة" بيكر– هاملتون" بصرف النظر عن مضمونها وعن خطورتها، ولوا افترضنا التزام الادارة بها، ليست التغيير الاول الذي اضطرت الادارة الى ادخاله على مشروع احتلالها الفاشل منذ ولادته، فلقد سبق لها وان ادخلت تعديلات وتحويرات عديدة على استراتيجيتها، كانت اخرها تلك التي طرحتها في " استراتيجية تحقيق النصر في العراق " الصادرة عن مجلس الامن القومي الامريكي خريف عام 2005. قبول الادارة لتوصيات لجنة بيكر- هاملتون لن تكون بالتاكيد المحاولة الاخيرة لانقاذ مشروع الاحتلال، وان مصيرها لن يختلف عن مصير ما سبقها من محاولات انقاذ مشروع الفشل والخيبة.

 

(2) خياراتنا الوطنية

 ازاء البدائل السياسية المتاحة امام الادارة الامريكية المشاراليها اعلاه، فان الخيارات الوطنية المتاحة امام شعب العراق لمجابهة الاحتلال واهدافه كانت ومازالت محدودة، ومتجسدة في خيارالمقاومة بكل صيغها ومستوياتها، واهمها واكثرها فعالية صيغة التعرض المسلح لقوات الاحتلال. نهج المقاومة المسلحة لم يكن خيارا عدوانيا اختاره شعب العراق، بل واقع دفاعي مشروع فرضة العدوان الامريكي المسلح على شعب العراق من دون اي مسوغات قانونية او اخلاقية. انها الوسيلة الفعالة الوحيدة المتاحة لشعب العراق وقواه الوطنية لدحرالعدوان وانهاء حالة الحرب التي فرضتها ادارة بوش على شعبنا.

 

ان اهمية المقاومة كـخيار وحيد لاسترداد سيادة العراق، واسترجاع كرامة شعبه، وضمان حقوقه، برهنتها تجربة المرحلة المنصرمة من الاحتلال. فمشروع المحافظين المحدثين التوسعي في العراق والوطن العربي لم يبلغ مرحلة الازمة والتراجع جراء ما يطلق عليها " المقاومة السلمية" او "العملية السياسية"، بل نتيجية الجهد القتالي لرجال المقاومة الوطنية وتضحياتهم وانتصاراتهم، ونتيجة مفردات برنامجهم السياسي المعبرعن مصالح شعب العراق. من انهك سلطة الاحتلال وقواتها، وافشل خططها، واجبرها على ادخال تغييرات امنية وسياسية متتالية على مشروع الاحتلال؟ هي المقاومة الوطنية المسلحة. هذه مسلمة وطنية غيرقابلة للاجتهاد والمساومة، وحقيقة تدركها وان لم تعترف بها علنا الادارة الامريكية وحلفائها.

ان الضرورات الوطنية، ولا سيما ضرورة انهاء الاحتلال واسترداد سيادة العراق والحفاظ على وحدة اراضيه تحتم على شعب العراق وقواه السياسية المناهضة للاحتلال، التمسك في خيارالمقاومة كآلية وحيدة لدحرالاحتلال، ورفض جميع خيارات ومبادرات المساومة لعدم جدواها. من المؤكد ان التمسك في خيارالمقاومة المسلحة لا يلغي دورالعمل السياسي الوطني اويقلل من اهميته، الا ان دورالفعل السياسي المسلح، يبقى دورا مكملا وليس بديلا لخيارالمقاومة المسلحة ضد قوات العدو المحتل. ان التجربة التاريخية لحركات المقاومة الوطنية تشيرالى ان اهمية العلاقة التكاملية بين الجهدين المسلح والسياسي تزداد مع نضوج برنامج المقاومة، وتصاعد حجم انجازاتها العسكرية، واتساع رقعة سيطرتها الجغرافية، وتراجع قوة المحتل الاجنبي. وانطلاقا من فهم هذه الحقيقة التاريخية، فان تكامل الآ ليتان العسكرية والسياسية للمقاومة الوطنية العراقية باتت ضرورة وطنية ملحة لا يمكن تجاوزها اوالتهاون في تحقيقها.

 

 ثمة بديهية نرى من الضروري تثبيتها وتذكيرالمهتمين في الشأن الوطني العراقي بأهميتها. ان تمسك شعب العراق وقواه الوطنية في خيارالمقاومة المسلحة، والايمان في حتمية انتصارالمقاومة، واندحارمشروع الاحتلال، لا يشكلان ضمانة لتحقيق انتصار تلقائي لفصائل المقاومة العراقية على قوات العدو المحتل، بل ان انتصارها النهائي يتطلب تعبئة مجموعة من المستلزمات العسكرية والسياسية. فدحر عدو متغطرس ذي قدرات عسكرية ومالية هائلة، وتاثير سياسي فعال على متغيرات الصراع الدولي، وهيمنة شبه مطلقة على المؤسسات الدولية والاقليمة، وسيادة تامة على مواقف حكومات المنطقة وقراراتها، لن يتم عبرخطاب سياسي مغالي في تفاؤله، وفي تحجيمه لقوة العدو وقدراته وامكانيات حلفائه، او من خلال قراءة سياسية خاطئة لمواقف الادارة الامريكية، او فهم منقوص للتغيرات المحتملة على خطة الادارة وسياقاتها. والاهم من كل ذلك ان الاحتلال لن تنهيه مبادرات وعروض تفاوضية منفردة، ولن تهزمه مبادرات قائمة على اهداف ونوايا خاطئة، بل عبر برنامج وطني شامل مستند على الثوابت الوطنية، ومعبرعن المصلحة الجمعية لشعب العراق. برنامج تقوده المقاومة الوطنية العراقية، وتساهم في اغناء مفرداته وتنفيذه جميع القوى والشخصيات السياسية الرئيسية المناهضة للاحتلال.

 

لاجدال في ان اهم مستلزمات انتصار المقاومة، وهزيمة قوات الاحتلال يكمن في ضرورة توحيد فصائل المقاومة ضمن قيادة واحدة، وتوحيد الحركات والقوى السياسية المناهضة للاحتلال او تقريب مواقفها ونشاطاتها. ان طرح موضوع توحيد الموقفين القتالي والسياسي وتكاملهما لا يشكلان مجرد شعار تعبوي، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة الصراع مع المحتلين. ففي ظل التباين الكبير في امكانيات طرفي الصراع، واختلال ميزان القوى لصالح سلطة الاحتلال، فان وحدة الصف الوطني المقاوم والسياسي ستقلص من حجم الفجوة، وتعيد لمعادلة الصراع توازنها، لا بل ورجحان كفة مقاومة شعب العراق الوطنية.

 

ان الهزيمة النهائية والحاسمة للاحتلال وقواته لن تتحقق وكما اشار السيد الرئيس المجاهد صدام حسين مؤخرا، الا بعد انطباق نصفي العراق والاشارة هنا واضحة المعنى. هذا الانطباق في تقديرنا لن يتحقق الا بعد انتهاء حالة الشللية السياسية، وحسم الصراعات الجانبية، وتجاوزعقد الماضي واشكالياته، واتفاق جميع القوى السياسية على مفردات برنامج وطني متكامل يعالج التحديات السياسية لشعب العراق سواء خلال مرحلة مقارعة العدوالمحتل، او مرحلة اعادة بناء الدولة الوطنية.  

قد يطرح البعض بان توحيد مواقف القوى الوطنية المناهضة للاحتلال، ضمن مشروع سياسي واحد هدف غير قابل للتحقيق عمليا خلال المرحلة الراهنة، او قد يراه آخرون شرطا غير ضروري لانتصار المقاومة. ومع تقديرنا لحق الاخرين في طرح رويئتهم الا اننا لا نتفق معهم اطلاقا حول صواب مواقفهم بهذا الخصوص. فاذا كان جمع كل القوى المناهضة للاحتلال في عنوان سياسي واحد مسألة تواجه عقبات، فان التقاء غالبيتها امر قابل للانجاز اذا ما تجاوز مسؤولو الحركات السياسية المناهضة للاحتلال بعض الاشكالات الثانوية، والتخلص من مخلفات فشل تجاربهم السابقة، والارتقاء الى مستوى التحديات التي يواجهها شعب العراق وتضحياته. من المهم ان نثبت ان الدعوة لوحدة الصف الوطني لا تعني بالضرورة دعوة لتاسيس تنظيم سياسي جديد اخر يضاف الى العناوين السياسية القائمة، بل دعوة لتطويرتجربة الجبهة الوطنية والقومية والاسلامية، وتوسيع تحالفاتها وتصعيد نشاطاتها.

الى جانب توحيد الموقف السياسي الوطني المناهض للاحتلال، فان الالتزام في الثوابت الوطنية وعدم التفريط بها اوالمساومة عليها وعدم التنازل عنها وعن اي من حقوق العراق الوطنية والتاريخية، يشكل المستلزم الثاني المطلوب توفيره للتعجيل في تحقيق الانتصار الكامل للمقاومه، واندحار الاحتلال وتصفية اثاره. ان احدى المخاطرالتي تواجهها قضيتنا الوطنية تكمن في مبادرات التفاوض التي تطرحها اطراف ثانوية تدعي كونها تمثل فصائل مقاومة او داعمة لها. المخاطرلا تكمن في فكرة المفاوضات مع سلطة الاحتلال، بل في دوافع وطبيعة الجهات الطارحة لتك المبادرات ومبررات تقديمها. ان التمسك في مبداء احقية فصائل المقاومة الوطنية الاساسية في تحديد طبيعة وشروط وتوقيت المفاوضات، وكذلك تحديد الفريق المخول بالتفاوض قضية محسومة وغير قابلة للنقاش؟ كما وان التمسك في موقف وطني موحد من موضوع التفاوض مع الاحتلال مسالة لا يجب تجاوزها.

 إلى صفحة مقالات وأراء12