25/11/2006

 

الموقف من حكم الإعدام على صدام حسين

 بقلم: د. إبراهيم علوش

الحكم الصادر ضد الرئيس صدام حسين هو حكم جائر بكل ما للكلمة من معنى، ولكنه حكم متوقع لأنه يصدر عن محكمة تجري في ظل الاحتلال لمقاوم بطل أثبت طوال جلسات المحاكمة أنه لا يتمتع بالشجاعة الفائقة فحسب، بل بثبات المبدأ والاستعداد للتضحية وبقدرة فائقة على إدارة المواجهة داخل المحكمة بحكمة ووعي وحسن تقدير.

وقد أغبن صدام حسين حقه في الحقيقة، فلم تأخذ مقاومته ما تستحقه من دعم وتقدير.

ففي هذا الزمان الذي تدور فيه المواجهة بين تيارات ليبرالية متغربة من جهة، وبين تيارات إسلامية من جهة أخرى، وبسبب الخلافات السابقة بين حزب البعث في العراق واليساريين العرب، والتفتت الذي يسود الحركات القومية العربية، ومنه الخلاف ما بين جناحي حزب البعث، كثيراً ما ينزع البعض إلى تجاهل البطولة الفذة التي أبداها الرئيس الشرعي للعراق صدام حسين ورفاقه في القيادة العراقية خلال جلسات تلك المحكمة المهزلة وقبل وبعد العدوان على العراق. فمقاومته وموقفه خارج معادلات كل تلك القوى إما بسبب حسابات أيديولوجية أو بسبب رؤى تنظيمية عصبوية ضيقة.

ولكن الحقيقة هي أن صدام حسين بموقفه الصلب وإيمانه الذي لا يتزعزع بالمقاومة يخدم مصلحة الأمة لا العراق فحسب، ولذا فإن تبني قضيته واجبٌ على كل من يناصر المقاومة العربية بغض النظر عن توجهه العقائدي وانتمائه السياسي، فمعركة المحكمة ليست إلا فصلٌ من فصول الصراع الذي تخوضه الأمة ضد قوى الهيمنة الخارجية. وقد رفض الرجل أن يساوم على ثوابته القومية العربية خلال سنوات الحصار على العراق، وخلال العدوان، وخلال المحاكمة... ولو فعل، فإنه ما كان لأن يتعرض لما يتعرض له اليوم من تهديد بالقتل ومن اضطهاد وسوء معاملة تمثل إهانة لشرف كل عراقي وعربي ومسلم عندما تدخل الولايات المتحدة لتعتقل وتحاكم الرئيس الشرعي لدولة عربية هكذا.

وها هو صدام حسين يحاكم اليوم لأنه كان يمتلك مشروعاً قومياً نهضوياً مقاوماً، لأنه قصف تل أبيب بالصواريخ، ولأنه حاول أن يجعل من العراق قاعدةً للنهضة القومية، ولأنه رفض الانجرار إلى مستنقع "العملية السياسية" ووحل "الشرق أوسطية"، ورفض توطين الفلسطينيين في شمال العراق مقابل رفع الحصار عن العراق، ولأنه مثل عائقاً جباراً أمام السيطرة الإمبريالية على النفط. فلا يجوز أن ننسى أن صدام حسين يحاكم اليوم بسبب موقفه السياسي المقاوم وانحيازه لمصلحة الأمة، وقد ثبت أن الذين كانوا ينتقدون صدام حسين من ما يسمى "المعارضة العراقية" انتهى معظمهم إلى أحضان الأمريكان وحلفائهم، وأنهم انكشفوا كأدوات قذرة في مشروع تدمير العراق وتفكيك الوطن العربي.

كما ثبت أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، ولا علاقات مع "القاعدة". وها هي أوراق التين الواهية التي حاولت الولايات المتحدة أن تغطي بها عدوانها على العراق تتساقط الواحدة بعد الأخرى أمام الشعب الأمريكي نفسه. ومع أن المراجع الأمريكية نفسها تدل أن السلاح الكيميائي المستخدم ضد الأكراد في حلبجة لم يكن العراق يمتلك مثله، يحاكم صدام حسين في ما يسمى قضية "لأنفال". وليست كل القضايا المفتعلة الأخرى بأكثر صدقية على كل حال...

وقد ثبت أكثر من كل شيء أن العراق كان يتعرض لمؤامرة وأن قيادة صدام حسين كانت عائقاً أمام تحقيقها، وأن تقدم المشروع الطائفي التفكيكي في العراق ومشروع "الشرق أوسطية" في الوطن العربي كان يتطلب إزالة الحكم المركزي القوي من العراق.

والسؤال ليس ما إذا كان إعدام القائد المقاوم صدام حسين سيتسبب بحرب أهلية في العراق، لأن مشروع الحرب الأهلية بدأ الإعداد له منذ بدأ إحلال الهويات الطائفية العفنة محل الهوية الوطنية والقومية الجامعة في العراق، مع العلم أن إشعال نيران الحرب الأهلية جارٍ على قدمٍ وساق كما نرى... قبل إلقاء القبض على صدام أو صدور الحكم بإعدامه. صدام كمناضل عقائدي لا يفت في عضده أن يعدم في سبيل قناعاته، وموقفه هذا ملهمٌ لكل الشرفاء في هذا الوطن، السؤال هو: هل محاكمة صدام مشروعةٌ أصلاً؟ ومن الذي يجب أن يحاكم من هنا؟ بكل بساطة، بغض النظر عن انتمائنا، علينا أن نقف جميعاً للتضامن مع صدام ورفاقه من أجل العراق ومن أجل مصلحة الأمة ومن أجل العدالة على هذه الأرض.

أما إذا أعدم صدام فعلاً، فإن ذلك يصبح ثأراً لا بد من سداده في رقبة كل عراقي شريف، بغض النظر عن خلفيته الطائفية، وهو بالضرورة ثأرٌ من المحتل وأعوانه، مرة أخرى، بغض النظر عن خلفيتهم الطائفية.

 إلى صفحة مقالات وأراء12