30/11/1427

 

أميركا والعراق: دوافع الكابوس.. وآليات العلاج! 

 بقلم: هنري كيسنجر

 

 

 لكل سياسة خارجية عندي ثلاثة مكونات؛ أولها أن تبدأ بتحليل الوضع كما هو متذكرا بأنك لا تستطيع أن تبتكر وضعا مثاليا. وثانيها، أن يكون لديك هدف استراتيجي، فتسأل نفسك ما هي مخططاتك؟ وهل خططتَ للنهاية؟. أما ثالثها فيكمن في الإجابة عن سؤال ما هي الإجراءات التي تحتاج إليها للانتقال من النقطة التي أنت فيها إلى النقطة التي تريد الوصول إليها؟

 


وأسوق ذلك كمدخل لتناول الشأن العراقي بمشهده الشائك، لأنك لا تستطيع أن تجلس في فراغ وتقول إنه سيكون من الأفضل عدم الوجود في العراق فيكون الموقف أقرب الى محجَّم بدرجة ما بفعل من الواقع الموضوعي. صحيح أن الناس قد يختلفون حول تعريفات وتصنيفات الواقع الموضوعي، وصحيح أننا ربما نلحظ أن الصحافيين وأساتذة الجامعات مثلا قادرون على التركيز على أفضل النتائج، فيما يكون صنّاع السياسات مسؤولين أيضا عن أسوأ النتائج، ولذلك هناك بعض التجارب التي لا يستطيعون تجريبها، لا لأن الهدف غير مرغوب فيه، لكن لأن نتائج الفشل ستكون درامية.
 

والى ذلك ففي رأيي، أن ما قلت به في المدخل السابق أعلاه هو ما يمكن أن أسميه ملامح لوحة لإطار العمل الذي من خلاله، يمكن رسم السياسة الخارجية. أما على صعيد المشهد الأميركي بتداعياته الكثيرة والملحة، فمن الواضح أننا بحاجة إلى مقاربة ثنائية يشارك فيها الحزبان، مثلما هو من الواضح جدا، ومع الحالة العراقية، أننا في وضع صعب جدا لأننا نحارب تمردا وسط حرب أهلية. وبدون شك، فقد وقعت أخطاء كبيرة، لكن ذلك لا يساعدنا الآن كي نركز عليها، لذلك فإن ما يجب تجنبه هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني.

 

ومن هنا فعلينا أن نتجنب وضعا نكون فيه الطرف الوحيد الذي يسعى إلى إطفاء الحرائق بدون الوصول إلى مصادر الاشتعال. ولعمرك فهذه مهمة صعبة جدا.

 

والى ذلك فنحن بحاجة إلى أن نضع العراق ضمن السياق الدولي. ولعلي أذكر هنا الى أنني قد حثثت لسنتين على خلق مجموعة اتصالات دولية، فيما لا أزال مقتنعا بأن ذلك سيكون واحدا من العناصر التي تشكل مقاربة ستجبر الناس على طرح أهدافهم عبرها ورؤية ما إذا كان ممكنا بلورة الأمور حولها.

 

ولذلك علينا ألا نكتفي بدعوة إيران وسورية بل حتى دعوة بلدان أخرى مثل الهند وباكستان وبالطبع روسيا. وهذا بحد ذاته يخلق إطار عمل لتدويل القضية إلى حد ما. هذه الطريقة لن تحل المشكلة بحد ذاتها لكنها ستساعد على تحديدها.

 

وهناك بالطبع التساؤل القائم والمشروع، وفحواه: هل وصلنا إلى النقطة التي علينا أن نختار للعراق أمرا من اثنين: الديمقراطية أو الاستقرار؟ الإجابة نعم. بل إنها حقيقة واقعة، وتقديري هنا أنه كان تصرفا ملائما أن تقف أميركا مع الديمقراطية. فأميركا لا تستطيع أن تذهب إلى منطقة ما لتقول إن كل ما نريده هو الاستقرار. لكن يجب تعديل الفترة الزمنية، التي في أثنائها يمكن تحقيق الأهداف ودرجة مشاركة أميركا بشكل مباشر فيها، وفق التجربة والظروف.

 

في المقابل علينا أن نتذكر أن عملية الانتخابات في بلد مثل العراق، محكوم عليها أن تفرز أحزابا طائفية تستمر في الصراع الذي ظلت تخوضه تاريخيا. ولذلك فمن الخطأ التفكير بأنك تستطيع أن تكسب الشرعية من خلال عملية الانتخابات. ومع كل التمنيات الطيبة في العالم، كان التركيز على الانتخابات، مثلما نرى الآن أن ما قد ترتب عليها هو عنصر تعميق للنزاع الطائفي. إنه من غير العدل أن نطلب من الحكومة التي ظهرت نتيجة لعملية كهذه أن تتصرف كحكومة وطنية، مثلما علينا أن نتذكر أن تنامي النظام الديمقراطي، حتى في الغرب قد مرّ عبر مرحلة ولادة الأمة. ولذلك فإن حرق مراحل هذه العملية أدى إلى تشويه أهدافنا وتحويلها إلى ما نراه الآن.

 

والشاهد هنا أنه يمكن القول إن فرصة إيجاد طرف سياسي في العراق قادر على تحقيق الاستقرار أصبحت متأخرة الآن، ذلك لأننا وإذا أخذنا احتلال ألمانيا واليابان مثلا ، لوجدنا أن هذين البلدين لا يصلحان أن يكونا نموذجا للعراق. ففي كلا البلدين لم تتعرض مؤسسات الدولة للتغيير باستثناء ربما 10% من المسئولين في القمة، هذا بالنسبة لألمانيا، أما في اليابان فحتى نسبة التبديل كانت أقل من هذا الرقم. ولم تكن هناك مشكلة أمن داخلية في ألمانيا أو اليابان. لذلك فهما بعيدان جدا عن أن يكونا نموذجا لهذا الوضع.

 

وحتى لا يصدر في شأني اتهام بالتناقض، يجب التأكيد أنني أيدت غزو العراق، ولكن هذه الانتقادات هي من صديق لإدارة بوش ويحترم الرئيس، ويقيني أن البعض يحاول الآن أن يضعوني ضمن خانة الصامتين على طول الخط. علما بأني بقيت صديقا لا يتفق مع القرارات التكتيكية للإدارة الأميركية ولكنه يوافق على الأهداف.

 

وعودة للعراق، وللتساؤل حول النتيجة التي سيترتب عليها الوضع فيه، أظن أن نظاما كونفدراليا بصلاحيات محدودة جدا هو الذي سينتج في الأخير.

 
أما عن المؤتمر الدولي وتفضيلي له كآلية، فالسبب هو أن للكثير من البلدان مصلحة في تجنب حالة الاضطراب الشديد السائدة في العراق التي يمكن أن تنتشر بسهولة. والى ذلك، وإذا ما أخذنا إيران مثلا، فبغض النظر عن الدوافع التي تحرك طهران للتدخل في العراق، فإنها لا تريد بروز حكم مماثل لطالبان، فيما تخاف تركيا من بروز دولة كردية مستقلة. ولا أحد يريد دولا مستقلة تماما. والسؤال هو كيف يمكنك تسيير كل ذلك؟ هذا ليس من اختصاص حقل العلوم السياسية، لأنه أمر يجب أن يعكس التوازن القائم بين القوى وتوازن المصالح. النظام المرجح ظهوره في العراق هو كونفدرالية لوحدات تتمتع باستقلال ذاتي كبير، فيما يمكن القول إن الوضع الحالي في شوارع بغداد لا يمكن القبول به، وفكرة جون ماكين في توسيع عدد القوات الأميركية غير مستساغة لكن ذلك لا يعني أنها خاطئة. علينا أن نقوم بمجموعة من الإجراءات. فأولا علينا أن نتجنب الوضع الذي تجد الدول المعتدلة نفسها معه في حالة فزع، وعلينا أن نخلق توازنا. فنحن لا نستطيع تجنب ذلك، وهذا يعني أن التوازن يجب أن يكون على مستوى المنطقة وعلى مستوى العراق. فأنت لا تستطيع أن تحقق توازنا في العراق إذا لم تتمكن من تحقيق توازن في المنطقة ككل.
 
وأذكر هنا أنني بقيت على استعداد للتحدث مع الرئيس حول أفكاري. بالطبع، طالما نحن نظن أننا ننتصر، وطالما ظل الآخرون يخبرونه أنه في طور الانتصار، فإن لديه كل الأسباب التي تجعله يلتزم بالاستراتيجية الموصى بها. أنا مقتنع بأن الرئيس بوش سيقوم بما هو الأفضل لأميركا. ويمكن القول إن الأهداف التي طرحها الرئيس في خطابه الخاص بولايته الثانية صحيحة، وعلى الولايات المتحدة أن تفتخر بأهداف الرئيس القومية. لكن هل يمكن تحقيقها خلال فترة حكم رئيس واحد؟ الجواب هو لا. إذ يمكن تحديد الاتجاه، لكن التطبيق يتطلب فترة تاريخية أطول.
 

أما إجابتي على التساؤل حول ما إذا كانت تلك السياسة هي عودة إلى السياسة الواقعية للبيت الأبيض مع التبدل الحالي في الاتجاه؟ جوابي هو أنني لم أقبل يوما التمييز بين الواقعية والمثالية. فأي سياسة أميركية واقعية عليها أن تتضمن عنصرا مثاليا. وحينما تدرس شخصيات تاريخية مثل بسمارك الذي كان سياسيا يستند أساسا إلى توازن القوى، فإنك ستجد أن استراتيجيته كانت مبنية على مبدأ فرادة بروسيا. لذلك فإنه كان هناك دائما عنصر من الإيمان، والإيمان الأميركي هو أن قيمنا الديمقراطية صحيحة بشكل مطلق. وما يحدث منا الآن مبني على أساس الإيمان. وتلك ليست حقيقة تاريخية، لكنها أداة إيمان غير منفصلة عن الهوية. وبالنظر للتاريخ نجد أن الرؤساء العظام يمتلكون هذا المكون في ذواتهم. لكن حال امتلاكك لذلك العنصر، يكون عليك كرجل دولة أن تحوله إلى واقع خلال فترة محددة من الزمن.

 
وذلك الطرح يعيدني حقيقة الى ما كتبتُه ذات مرة عبر مقالة قلت فيها إن الفرق هنا هو أنك تؤدي سياستك الخارجية وكأنك نبي أو رجل دولة، حيث وفي الحالة الأولى سيكون أي مثل أعلى تطرحه صحيحا بشكل مطلق، ولذلك تجد أن عليك تنفيذه الآن. لكن كرجل دولة، وحينما تقول إن فكرة ما هي صحيحة، فإن عليها، أي الفكرة، أن تتنامى وفق الظروف القائمة. والمشكلة هي أن من يظنون أنفسهم أشبه بالأنبياء يتسببون بوقوع كوارث واضطرابات جمة، بينما تكمن المشكلة مع رجال الدولة في أنهم يستطيعون أن يتسببوا في وقوع حالة كساد. فكيف يمكن إيجاد التوازن ما بين هذين المشوارين؟ هذا هو الإشكال.
 

عليّ أن أؤكد أخيرا أنني غير متخوف من وجود أكثرية ديمقراطية في الكونغرس. فخلال وجودي في الإدارة الأميركية لم أعرف شيئا سوى أكثرية ديمقراطية في الكونغرس. أنا لا أظن أنه خارج قدرتنا أن نعمل بشكل فعال لوضع سياسة خارجية من قبل الحزبين، إذ أنه ليس هناك من خيار آخر بغض النظر عمن فاز بالانتخابات.

 

 إلى صفحة مقالات وأراء12