20/11/1427

أصحاب الفخامة والسيادة الملوك والرؤساء العرب المحترمون

معالي عمرو موسى المحترم الأمين العام لجامعة الدول العربية

 أصحاب الفخامة والسيادة

أنا مواطن عربي من العراق أتوجه لكم برسالتي هذه منبها الى المخاطر الجسيمة المحيقة بالعراق والأمة العربية جراء مخططات الإحتلال المزدوج الأمريكي الإيراني للعراق ومذكرا بما مطلوب أن تقدمه الأمة العربية لشعب العراق وقيادته الشرعية وفق ما تمليه العقيدة الإسلامية والإنتماء القومي والمواثيق الدولية والعربية ومنها ميثاق الأمم المتحدة وميثاق الجامعة العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك وما يمليه حق الدفاع المشروع عن النفس بعد أن أصبح واضحا إن البعد الحقيقي لغزو العراق ليس مجرد احتلال أرض واستنزاف ثروات شعب إنما هو القضاء على وجود وهوية أمة وتدمير عناصر وحدتها وتحويلها الى إمارات ودويلات مبنية على أسس طائفية ومناطقية خاضعة لهيمنة الأجنبي.

 

أصحاب الفخامة والسيادة

بعد حوالي أربع سنوات على الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق لم يعد هناك من يجادل في حقيقة أن هذا الغزو والاحتلال هو عدوان عسكري سافرعلى دولة مستقلة وتهديد خطير للسلم والأمن الدولي وانتهاك سافر لقواعد القانون الدولي ومبادىْ ميثاق الأمم المتحدة وفي المقدمة منها مبدأ عدم جواز استخدام القوة ضد سلامة الأراضي والاستقلال السياسي لأية دولة.

لقد احتلت الولايات المتحدة العراق لإعادة ترتيب ما أسماه المحافظون الجدد المتحالفون مع الصهيونية العالمية بمنطقة الشرق الأوسط الكبير من خلال نشر (الفوضى البناءة) في العراق وتغليب الإنتماءات الطائفية والعرقية على إنتماء المواطنة بهدف تفكيك الدولة العراقية وتعميم هذا النموذج على الدول العربية الأخرى لتحقيق هيمنتها الإمبراطورية على الوطن العربي والعالم.

ومنذ أن وطأت أقدام المحتلين الأمريكان ارض العراق شرعت سلطة الاحتلال بتنفيذ مخططها هذا المتطابق مع مخططات إيران التي تفاخرت بتعاونها مع الولايات المتحدة لإحتلال العراق حيث صرح نائب رئيس الجمهورية الإيرانية السيد أبطحي أن أمريكا ما كان بإمكانها إحتلال افغانستان والعراق لولا مساعدة إيران.

وأدناه خلاصة بأهم الإجراءات والتدابير التي قام بها الإحتلال الأمريكي بمساعدة إيران لتقسيم العراق ونزع هويته الوطنية والقومية :

1- تدمير وتفكيك وحرق ونهب مؤسسات الدولة العراقية، بضمنها المتاحف والمكتبات والمستشفيات، بأوامر من القوات الأمريكية. وأطلق رامسفيلد على عمليات النهب والتدمير التي أوعز بها عند إحتلال العراق صفة (سلوك شعب حر).

 

2- حل الجيش والشرطة واستبدالهما بوحدات عسكرية بنيت على أسس طائفية وعرقية، وتحويل مهمات هاتين المؤسستين من الدفاع عن العراق وحفظ الأمن الوطني إلى حماية المحتل وعملائه وقمع القوى الوطنية المعارضة للإحتلال.

 

3- السعي لطمس الهوية الوطنية لشعب العراق واستئصال الفكر القومي العربي وطمس عروبة العراق. وكان أول قرار أصدره الحاكم المدني الأمريكي للعراق (بريمر) في 16 مايس / مايو 2003 بمباركة إيرانية هو قرار إجتثاث البعث الذي يهدف إلى إجتثاث الفكر القومي العربي من العراق.

 

4- فرض المحاصصة الطائفية والعرقية عند تشكيل المؤسسات السياسية العراقية في ظل الإحتلال بدءا بمجلس الحكم وإنتهاء بحكومة المالكي، وفرض البنية القبلية والطائفية انتماءً سياسيا على العراق وأهله، والسعي لإعادة تركيب المجتمع العراقي على قواعد التقسيم العرقي والطائفي

 

5- السماح للميليشيات الطائفية المرتبطة بإيران والميليشيات الكردية المرتبطة بإسرائيل بتصفية كوادر العراق العلمية والثقافية والسياسية وممارسة القتل على الهوية ونشر الفوضى وتعميق الطائفية السياسية.

 

6- تفكيك مؤسسات البنية التحتية الوطنية الصناعية والزراعية والخدمية وتحويل العراق إلى سوق للمنتجات المستوردة مما أدى إلى تدهور حاد في مستوى المعيشة وارتفاع كبير في نسبة البطالة واستشراء الفساد والرشوة وسرقة المال العام الذي لم تسلم منه حتى مفوضية النزاهة التي أنشأت لمحاربة الفساد الإداري والمالي في الدولة. وحسب تصنيف منظمة الشفافيةالدولية لعام 2006 أصبح العراق ثاني أفسد دول العالم إداريا وماليا.

 

7- إستخدام القوات الأمريكية والقوات العراقية المخترقة من قبل الميليشيات الطائفية للقوة الغاشمة ضد المدنيين العراقيين واتباع سياسة القتل العشوائي والإعتقال الكيفي والتعذيب الوحشي والعقوبات الجماعية لإرهاب شعب العراق وقتل النخب السياسية والعلمية والثقافية وإجبارها على مغادرة البلاد. والدراسة العلمية المنشورة في مجلة (لانسيت) البريطانية في تشرين الأول 2006 تشير إلى أن (654.965 ) مدني عراقي قتلوا منذ الغزو الأمريكي للعراق، هذا إضافة الى ربع مليون عراقي تعرضوا للاعتقال من الفوات الأمريكية وهناك ثلاثون ألفا منهم لا زالوا معتقلين في سجون قوات الاحتلال داخل العراق وخارجه بدون تهمة محددة وثلاثة أضعاف هذا العدد معتقلون في سجون وزارة الداخلية ويزداد هذا العدد يوميا بينما يتحول الفائضون عن طاقة إستيعاب السجون الى (جثث مجهولة الهوية) ملقاة في أزقة مدن العراق. ويشير تقرير حقوق الإنسان الصادر عن بعثة الأمم المتحدة في العراق بتاريخ 25/11/2006 الى تفاصيل مذهلة عن إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق منها تهجير نصف مليون مواطن داخليا وهجرة (1،6) مليون عراقي الى خارج العراق وإستمرار إستهداف أصحاب التخصصات والمفكرين والقادة الدينيين والسياسيين والصحفيين وإستمرار تدهور وضع النساء وتواصل إستهداف الأقليات الدينية كالمسيجيين والصابئة وقتل اللاجئين الفلسطينيين وإجبارهم على ترك منازلهم وغير ذلك من الإنتهاكات التي عادت بالعراق الى العصور المظلمة.أما تقرير اليونسيف في 21/11/2006 فإنه يشيرالى إنخفاض نسبة الإلتحاق بالتعليم الإبتدائي الى 66%، وإرتفاع نسبة الأطفال الذين يعانون من سوء التغدية المزمن الى23% من مجموع أطفال العراق ووجود 4-5 ملايين يتيم في العراق ومليوني أرملة وتسعمائة الف طفل معوق. ناهيكم عن تحول العراق الى سوق رائجة للمخدرات ومعبر لتصديرها من أفغانستان وإيران الى دول الخليج العربي.

 

8 - تواطأت الولايات المتحدة مع إيران في تسهيل تسلل مليون إيراني للإقامة في العراق وزودتهم إيران ببطاقات أحوال شخصية عراقية مزورة من أجل الإخلال بالتوازن السكاني في العراق ولنشر أفكارها وأيدلوجيتها الطائفيةالشعوبية بهدف تحويل العراق الى بؤرة للطائفية والتخلف وتصدير هذا النموذج لبقية الدول العربية. كما إستغلت إيران الوضع المضطرب الذي خلقته في العراق والمنطقة لتسريع برامجها التسليحية لتحقيق تفوق عسكري استراتيجي في السلاح التقليدي أو في المشروع النووي لكي تكون القوة الإقليمية الأولى لتفرض هيمنتها على المنطقة العربية.

 

9- ومن أجل إمتصاص النقمة الدولية على الإحتلال الأمريكي للعراق، أجرت الولايات المتحدة تغييرات تجميلية على هياكل ومؤسسات الإحتلال مدّعية إنهاء الإحتلال وعودة السيادة للعراق. وإستصدرت قرارا من مجلس الأمن (القرار1546 في 8 يونيو / حزيران 2004) ونظّمت إنتخابات محلية شكلية أفرزت هياكل تشريعية وسياسية تدعي تمثيل سيادة العراق. لكن هذا الإجراء الشكلي جاء هو الآخر مفضوحا ومتناقضا مع قواعد آمرة في القانون الدولي الإنساني. فبموجب لائحة لاهاي لعام 1907 وإتفاقيات جنيف لعام 1949 يتطلب إنهاء الإحتلال تنفيذ شروط أساسية منها إنسحاب القوات المحتلة بشكل كامل خارج الإقليم المحتل، وهذا لم يحصل. وكل ما عمله قرار مجلس الأمن 1546 (2004) هو تغيير إسم قوات الإحتلال الى القوات متعددة الجنسيات ومنحها صلاحيات لا تختلف عن تلك التي كانت تمارسها كقوة إحتلال، حيث نصت الفقرة العاملة العاشرة من القرار 1546 على (يقرر أن تكون للقوة متعددة الجنسيات سلطة إتخاذ جميع التدابير اللازمة للمساهمة في صون الأمن والإستقرار في العراق).. وإستمرت قوة الإحتلال تمسك السلطات الحقيقية في العراق عسكريا وسياسيا وأمنيا واقتصاديا ومن كل الوجوه، إضافة الى أن جميع الإجراءات الموقتة التي إتخذتها القوة القائمة بالإحتلال والمسماة (تشريعات بريمر) إستمرت في النفاذ في العراق رغم أن إتفاقيات جنيف لعام 1949 تنص على أن إنهاء الإحتلال يستوجب إنهاء هذه الإجراءات والقوانين. والخلاصة إن الإحتلال لا يزال قائما من الناحيتين القانونية والعملية، وحتى الأحزاب التي جاء بها المحتل وإدعى تسليمها (السيادة) في 28/6/ 2006 تؤكد اليوم إن نقل السيادة كان على الورق فقط وأن الإحتلال لا يزال قائما في كل مرافق الحياة في العراق.

 

10- ومن أجل إعطاء هدف تفتيت العراق الطابع الدستوري الزائف عمد الإحتلال بمساعدة

الأحزاب القادمة من إيران والأحزاب الكردية الإنفصالية الى إقرار دستور كتب مسودته الإسرائيلي (نوح فليدمان) المستشار القانوني لوزارة العدل الأمريكية. وهيأ هذا الدستورالأرضية لتقسيم العراق على أساس عرقي وطائفي من خلال تقسيم العراق الى أقاليم فيدرالية لها صلاحيات االدول. وأنكر الدستور هوية العراق العربية مثلما أنكر هويته الوطنية وركز على الهوية الطائفية لما أسماها( مكونات الشعب العراقي).

 

11- أما الإنتخابات المتتالية التي جرت تحت حراب المحتل ونفوذ الميليشيات الطائفية، فإن أبلغ وصف لها هو ما صرح به الوزير غسان سلامه المساعد السابق لممثل الأمين العام للأمم المتحدة للعراق قائلا: (لقد كانت هذه الإنتخابات إحصاء طائفيا وليست إنتخابات ديمقراطية). وقد ثبت حصول التزوير في كل تفاصيلها بإعتراف كل القوائم التي شاركت فيها، والأمريكان أنفسهم أعلنوا أن ملايين بطاقات الإنتخاب المزورة أرسلت من إيران لتملأ صناديق الإقتراع. كما ثبت فساد وتزوير المفوضية المكلفة بالإشراف على الإنتخابات.

 

12- ومن بين وسائل العمل على تدمير العراق والإساءة الى رموزه الوطنية لجأ المحتلون الأمريكان والإيرانيين الى إحالة الرئيس الشرعي للعراق ورفاقه الى محكمة صورية والحكم عليهم بالإعدام والتهديد بتنفيذ الحكم خلال الأسابيع القادمة.

 

أصحاب الفخامة والسيادة 

إسمحوا لي أن أستعرض بعض الحقائق حول محاكمة والحكم على رئيس العراق الشرعي. إن من الواضح أن هذه المحاكمة لا تهدف تسويغ الإحتلال والمساس بشخص الرئيس صدام حسين وبنظام الحكم الوطني في العراق فحسب، بل هي إستهانة أمريكية- إيرانية بالعراقيين وبالعرب وبالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني الذي يوجب محاكمة المحتلين واعوانهم على إحتلالهم غير المشروع لدولة مستقله وليس العكس.

 

لقد رأى العالم أجمع شجاعة وتحدي الرئيس صدام حسين عند النطق بالحكم عليه. وصدام حسين لا يخشى الشهادة بهذه الطريقة التي تشرفه وتخزي أعدائه، فهو منذ أن دخل ميدان النضال من أجل شعبه وأمته كان مشروع إستشهاد دائم، وإستشهاده سيكون إنتصارا له ولشعبه ولكل أحرار العالم، أو كما عبر عنه الكاتب علي الصراف بقوله (سيصبح بطلا تاريخيا نعود اليه، نزور مرقده، ونتأمل فيه، ونصلي من أجل ذكراه ونشذّبها من كل زائدة وتشويه، ليغدو إماما، هو الأول الذي يعدمه احتلال، وهو الأول الذي يسعد بإعدامه زبانية الإحتلال، وهو الزعيم العربي الأول الذي يتعرض للتعذيب بأيدي حثالات، وهو الأول الذي يسمو بقامته فوق كل ذل تعرض له في السجن، والأول الذي يرفع إصبعه بالحق ضد قضاة حقد وعمالة وزور).

 

ولكن السؤال المطروح اليوم هو هل يقبل القادة العرب بإغتيال قائد عربي أمام أعينهم بينما هم يمتلكون كل الأسانيد القانونية والشرعية والأخلاقية التي تجبر المحتل على أطلاق سراحه، ونذكر منها على سبيل المثال :

أولا: الرئيس صدام حسين أسير حرب لدى القوات الأمريكية وهذا ما إعترف به وزير الدفاع السابق رامسفيلد نفسه. والقواعد المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي، وتحديدا المادة 118 من إتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، تطلب الإفراج عن أسرى الحرب دون إبطاء بعد إنتهاء الأعمال العسكرية الفعلية . علما بأن القوة القائمة بالإحتلال أعلنت في الأول من مايس 2003 إنتهاء الأعمال العسكرية الفعلية كما أنها لم تطلب مقاضاة الرئيس الشرعي للعراق ورفاقه عن أي تهمة إدعت إرتكابهم له خلال حربها العدوانية على العراق أو خلال إحتجازهم من قبلها.

 

ثانيا : المحكمة الخاصة المشكلة لمحاكمة الرئيس صدام حسين ورفاقه شكلت بالقرار (48) الذي أصدره الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر. وتشكيل المحكمة غير قانوني إذ ليس للمحتل سلطة إنشاء هياكل تشريعية أو سياسية أو قضائية في البلد المحتل. والفقرة 64 من إتفاقية جنيف الرابعة أكدت على (ليس لقوة الإحتلال سلطة تشريعية لتغيير قانون الدولة المحتلة) وإن (على سلطة الإحتلال أن تبقي على سريان مفعول التشريعات الجزائية القائمة في الوقت السابق مباشرة للإحتلال وعلى المحاكم السابق وجودها والتي أنشأت لتطبيق تلك القوانين).

 

ثالثا : إن قيام المحتل بمحاكمة الرئيس الشرعي لجمهورية العراق ورفاقه على أعمال قاموا بها خلال أدائهم مسؤولياتهم الرسمية في إدارة الدولة قبل الإحتلال هو عمل غير مشروع وينتهك المادة 99 من إتفاقية جنيف الثالثة التي تنص على (لا يجوز محاكمة أو إدانة أي أسير حرب لفعل لا يحظره صراحة قانون الدولة الحاجزة أو القانون الدولي الذي يكون ساريا وقت إقتراف هذا الفعل). ناهيكم عن الحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها الرئيس الشرعي لجمهورية العراق بموجب المادة (23) من إتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969 وإتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1963 بإعتباره يمثل أعلى هيئة دبلوماسية في الدولة، إضافة الى الحصانة التي يتمتع بها بموجب المادة (40) من الدستور العراقي النافذ قبل الغزو الأمريكي وبموجب المبدأ القانوني الراسخ (لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بقانون ساري المفعول عند إرتكاب الجريمة).

 

رابعا : إن إدعاء الولايات المتحدة أنها سلمت الرئيس صدام حسين للمؤسسات القضائية العراقية عند إعادتها السيادة للعراق هو قول مردود قانونيا. فقواعد القانون الدولي الإنساني تعد الزامية وهي قواعد آمرة في القانون الدولي، أي لا يمكن إبطالها جزئيا أو تجاوزها، وبموجب لائحة لاهاي لعام 1907 وإتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها يعتبر العراق دولة محتلة لحد الآن، وإن قرار مجلس الأمن 1546 (2004) وتطبيقه لم يغير من واقع الإحتلال شيئا كما أن الوقائع تقول أن الرئيس صدام حسين ورفاقه محتجزون حاليا في سجن أمريكي وأن المحكمة خاضعة كليا للمحتل الأمريكي، وحتى توقيت النطق بالحكم حدد قبل يومين من الإنتخابات التشريعية الأمريكية من اجل تعزيز فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية الامريكية.

 

خامسا : إضافة الى كون المحكمة الجنائية العراقية الخاصة قد أنشئت بموجب قانون غير شرعي فإنها لم توفر الحد الأدنى لشروط المحاكمة العادلة. فإجراءات التحقيق كانت غير قانونية وشهود الإثبات إتضح زور شهاداتهم والأدلة ثبت أنها ملفقة. كما حرمت المحكمة محامي الدفاع من حق الدفاع عن موكليهم وأرهبتهم وهددت حياتهم وإغتيل منهم اربعة لحد الآن. وتعاقب على رئاسة الحكمة لحد الآن خمسة قضاة إستقال الأول لرفضه ضغوط الأحزاب الطائفية الموالية لإيران والثاني أقيل بتهمة إنتمائه السابق لحزب البعث والثالث حاقد موتور كانت له خصومة شخصية مع قيادة العراق الشرعية أعلنها جهارا في المحكمة والرابع أقاله رئيس الوزراء نوري المالكي لإنه رفض وصم الرئس صدام بالدكتاتور والخامس شاب نزق ذو سيرة غير مشرفه وكان هاربا في إيران وجيء به بعد الغزو.

 

سادسا : لقد أدان العالم ومؤسساته القانونية المهازل التي جرت وتجري خلال هذه المحاكمات التي كانت أبعد ما تكون عن تطبيق العدالة. فقد أعلن المقرر الخاص حول استقلال القضاء في المفوضية العليا للامم المتحدة لحقوق الانسان لياندرو ديسبوي في بيانه يوم 6/11/2006 ان محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين (لم تجر في اطار قانوني مطابق للمبادى الدولية لحقوق الانسان وخصوصا في ما يتعلق بحقه في المثول امام محكمة مستقلة وحيادية وفي اطار احترام حقوق الدفاع) وأضاف (ان شرعية ومصداقية المحكمة موضع تشكيك) وإن (المحكمة اقيمت خلال احتلال يرى كثيرون انه غير شرعي وتضم قضاة تم انتقاؤهم خلال هذا الاحتلال وتم تمويلها من قبل الولايات المتحدة). أما منظمة مراقبة حقوق الإنسان فقد أعلنت في تقريرها الموسع الصادر يوم19/11/2006 أن (المحاكمة كانت معيبة وبجب إلغاء حكم الإعدام ) وأضافت (كانت إجراءات المحكمة غير عادلة على الإطلاق وحصل فيها إنتهاك للحقوق السياسية للمتهمين وتدخل فاضح من الحكومة). ونفس هذا الرأي قالت به منظمة العفو الدولية وهيئات وشخصيات دولية واقليمية كثيرة.

 

أصحاب الفخامة والسيادة 

لقد واجه العراقيون تحدي الإحتلال الأمريكي والمشروع الطائفي الشعوبي الإيراني بعزيمة الجبارين وإستطاعت المقاومة العراقية أن تهزم الاحتلال الأمريكي وتدخله في مرحلة الانهيار التام. ويكفي إستذكار ما قاله هنري كيسنجر يوم 19/11/2006 (أصبح إنتصار أمريكا عسكريا في العراق أمر مستحيل) لمعرفة الحالة المعنوية المنهارة لقوة الإحتلال. ولعل أكثر ما أثار إحباط الأمريكان هو ان المقاومة العراقية توقع بقوات الإحتلال كل هذه الهزائم وهي محاصرة داخليا وخارجيا ولا سند أو ممول خارجي لها ولم تسمح أمريكا لإية دولة عربية أو غير عربية بأن يكون لممثلي المقاومة العراقية وجود سياسي على أرضها.

وبذات العزم أوصلت مقاومة شعب العراق العملية السياسية الجارية في ظل الإحتلال الى الفشل التام وأصبحت هذه العملية السياسية عبئا مضافا على الاحتلال المنهار، وتأكد أن السلطة العميلة بإشكالها المختلفة، منذ مجلس الحكم ولغاية حكومة المالكي، لم ولن تشكل بديلا لحكومة جمهورية العراق الشرعية القائمة قبل الإحتلال. وتأكد أيضا إن مقاومة شعب العراق الباسلة هي الصورة المشرقة والدليل الأكيد على قدرة الأمة على الإنتصار في صراعها ضد قوى الهيمنة الخارجية وإن الهدف الحقيقي لغزو العراق ليس مجرد احتلال أرض واستنزاف ثروات شعب إنما هو القضاء على وجود وهوية أمة وتفجير كل التناقضات فيها، وهذا يؤكد بما لا بقبل الشك أن الأمن العربي كلّ لا يتجزأ.

إن هذه الحقائق تجعل من غير المقبول أن ينشغل القادة العرب بمشاغلهم الخاصة أو أن يسكتوا علي ما تتعرض الدول العربية الأخرى من عدوان وتخريب لنسيجها الوطني والإجتماعي. فكل دولنا العربية فيها الفسيفساء الإجتماعي والديني والعرقي الذي يمكن أن يستخدمه الأعداء وسيلة لتخريب وحدتنا الوطنية والقومية وإنتمائنا الديني والإنساني. واليوم رأينا كيف تدخلت (الحوزة) في قم والنجف في إنتخابات البحرين لإعطائها البعد الطائفي مثلما رأينا تهديدات إيران بإستهداف دول الخليج العربي إذا تعرضت هي لإعتداء من دولة ثالثة!.

لقد أصبح واضحا أن شعب العراق سينتصر على الإحتلال وعلى الطائفية الشعوبية الإيرانية وأتمنى أن يكون للقادة العرب وللدول العربية وجامعتها العتيدة حصة في هذا الإنتصار. وأقترح على الدول العربية أن تتخذ من الخطوات ما يجعلها جديرة بهذا الشرف، وأقترح إعطاء الأولوية العاجلة للخطوات أدناه :  

أولا : أن تعلن الدول العربية بوضوح موقفها القانوني من الإحتلال الاميركي غير المشروع للعراق وتأكيد شرعية الحكومة العراقية القائمة قبل الإحتلال، ودعوة المحتل الى سحب قواته من العراق دون قيد او شرط وتأكيد حق العراق بالتعويض عن كل الخسائر التي لحقت به جراء الغزو والإحتلال. كذلك السعي لدى المنظمات الإقليمية والدولية ولدى الأطراف الدولية الفاعلة لتوضيح المخاطر التي يتعرض لها العراق تحت الاحتلال واتخاذ قرارات تدين الاحتلال وتطالب بانسحاب المحتل وعودة السيادة الكاملة للعراق وتأكيد حق العراق في التعويض بموجب القانون الدولي.

 

ثانيا : الإعتراف بالمقاومة الوطنية العراقية بصفتها الممثل الشرعي لشعب العراق ودعمها ماديا واعلاميا وسياسيا والسماح بفتح مكاتب لها في العواصم العربية لتعريف الأمة العربية والرأي العام العالمي بإنجازاتها وحشد التأييد لها واعتبارها قناة الإتصال بممثلي شعب العراق لحين التحرير الناجز الذي سيكون خطوة هامة نحو وحدة الأمة العربية في مواجهة التحديات المشتركة ونحو إعلاء سلطة القانون في العلاقات الدولية وردع نزعات الهيمنة. إن الإعتراف بالمقاومة يستوجب سحب الإعتراف السياسي أو الدبلوماسي بحكومة العملاء في المنطقة الخضراء.

 

ثالثا : المطالبة بالإطلاق الفوري للرئيس صدام حسين ورفاقه وجميع المعتقلين العراقيين لإن إحتجازهم هو إنتهاك للقانون الدولي، علما بأن القبول بإستمرار إحتجازهم ومحاكمتهم والحكم عليهم يشكل سابقة خطيرة يمكن ان تستخدم ضد اي قطر عربي من طرف اية قوى معادية.

 

رابعا : أن الإحتلال الأمريكي والأطماع الإيرانية في العراق هما وجهان لعملة واحدة ويجب الوقوف بوجه هذين الخطرين بنفس القوة. إن ما يجري في العراق اليوم هو محاولة لتدمير منظّم لدولة عربية وسعي حثيث لتقسيمها إلى ثلاث دويلات على الأقل. وتلعب إيران دورا مركزيا في تنفيذ هذا المخطط، بل أنها تكاد تكون الآن الطرف الوحيد الذي يطالب بتنفيذ الدستور الطائفي والإسراع بتشكيل فيدرالية الوسط والجنوب، بعد أن أعلن الأمريكان ان في الدستور بنودا لا توافق وطني عليها ومن المناسب تعديلها. لذا فالقادة العرب مطالبون بإستخدام كل الوسائل الممكنة لوقف التدخل الإيراني في شؤون العراق الداخلية.

 

خامسا : السعي لتوضيح الحقائق حول شرعية المقاومة العراقية والتفريق بينها وبين الإرهاب الذي

يستهدف المدنيين العراقيين الأبرياء والذي عادة ما تقوم به جهات إستخبارية مرتبطة بالمحتل وعملائه وميليشياته لتشويه صورة المقاومة العراقية، وإلا كيف يمكن لعاقل أن يتصور أن مجاهدا نذر نفسه لتحرير شعبه من الإحتلال يقتل أبناء شعبه!

 

سادسا: في تشرين الأول/ أكتوبر 2006 أصدر حزب البعث العربي الإشتراكي برنامجا للتحرير والإستقلال تضمن شروط المقاومة للتفاوض مع الولايات المتحدة لإنهاء إحتلالها للعراق، كما تضمن الملامح الأساسية لشكل الحكم الوطني بعد التحرير. ويمثل هذا البرنامج أساسا لمفاوضات جدية تجنب المحتل الأمريكي الهزيمة المطلقة وتسمح بإنسحاب قواته من العراق وفق الشروط التي وضعها البرنامج كما تسمح بإقامة علاقات حسنة ودائمة مع الولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفقا للاتفاقيات والمعاهدات والأعراف الدولية.

 

إن شعب العراق يكن كل الود والاحترام للشعب الأمريكي الذي عارض غزو العراق وعاقب مرتكبيه في إنتخابات الكونغرس الأخيرة، وان المقاومة العراقية بشقيها العسكري والسياسي لا تسعى لغير تحرير بلادها من الاحتلال وتحميل المحتل التبعات القانونية المترتبة على عدوانه.

القادة العرب مطالبون بأن يدعموا مقترح المقاومة العراقية وصولا الى حل سياسي يخرج الولايات المتحدة من مستنقعها في العراق ويفتح صفحة جديدة في العلاقات العراقية – الأمريكية والعلاقات العربية- الأمريكية.

والله من وراء القصد

 

الدكتور عبد الواحد الجصاني

مواطن عربي من العراق

28/11/2006

 إلى صفحة مقالات وأراء12