18/02/1426

إعدام صدام... تفتيت العراق بحكم المحكمة:
محكمة يجيز قانونها للقاضي التحيز ضد المتهم والشاهد يشهد بالهاتف

او الفاكس ... وتدين المتهم علي نواياه
قرار سياسي جاء ليخرج بوش من ورطته وقانون غريب

 في تحميله رئيس الجمهورية كل ذنوب الشعب

 

المحاميان محمد منيب وعصام الغزاوي
هذا تلخيص لمرافعة قدمتها هيئة الدفاع عن الرئيس العراقي الاسير صدام حسين للحكم الذي اصدرته محكمة الجنايات العراقية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في القضية المعروفة بالدجيل، وقد اقرت محكمة التمييز العراقية حكم الاعدام الذي اصدرته المحكمة الجنائية، حيث تقدم المرافعة الكثير من مظاهر الخلل في النظام العراقي الجديد تحت الاحتلال، وان صدور القرار جاء من اجل انقاذ الرئيس الامريكي الذي خسر حزبه الغالبية في الكونغرس، حيث كانت شعبيته متدنية لادني درجاتها. وتنتقد المرافعة حيثيات القرار وقانون المحكمة الذي اكد علي ان محاكمة صدام سياسية في طبيعتها وليست قانونية. وتظهر القراءة عجائب القضاء ونظامه في العراق الجديد.
لم يكن متوقعا ان يصدر احكام بقضية الدجيل في 5/11/2006 بالطريقة التي تمت فيها، كما لم يكن متوقعا مثل هذه الاحكام التي صدرت بحق (الرئيس) صدام حسين ورفاقه.
ولولا تصريحات جواد المالكي ـ رئيس وزراء العراق الحالي ـ والتي جاءت في اعقاب تصريحات جورج بوش لكانت الامور قد استقرت علي ان هناك جلسة اخري علي الاقل، خصوصا وان العالم قد شاهد ان فريق دفاع صدام حسين ورفاقه لم تتح لهم فرصة تقديم شيء ولم تعط لهم فرصة المرافعة الشفوية... بل ورفضت المحكمة استلام المذكرات المكتوبة... وما استلمته قررت تجاهله وعدم الرد عليه بحجة ان المحامين استخدموا دائما تعبيرا (السيد الرئيس صدام حسين) وهذا بالطبع أحد الاخطاء التي وقعت فيها المحكمة وبالتأكيد ليس الخطأ الوحيد.
ولكن وقبل الاستطراد في الاخطاء او القضايا التي واكبت النظر في ما عرف بقضية الدجيل... علي القارئ الكريم ان يتذكر ان انتخابات الكونغرس الامريكي كانت مقررة في يوم 7/11/2006 وان الحزب الجمهوري ورئيسه الهمام كان في ادني مستويات الشعبية الانتخابية حسب استطلاعات الرأي في ذلك الوقت... وكان أحد أهم اسباب انحطاط هذه الشعبية هو ما يحدث بالعراق خصوصا مع اعلان ادارة بوش منذ عام بعدم وجود اسلحة دمار شامل بالعراق... واستمرار عمليات القتل اليومية بشوارع المدن العراقية المختلفة فضلا عن استمرار وصول التوابيت التي تحمل جثث الجنود الامريكان وبشكل يومي الي واشنطن.
فكان علي بوش ان يجد ورقة جديدة يلعب بها في الوقت الضائع من ايام الحملة الانتخابية، في محاولة استعادة لبعض الشعبية علها تفيده، ولم يكن هناك سوي الدم العراقي وخصوصا لو كان نازفا من عروق صدام باصدار الحكم بالاعدام عليه ورفاقه، ولهذا فقد سربوا عبر اشخاص ومؤسسات واجهزة خبر ان عن جلسة 5/11/2006 هي جلسة النطق بالحكم وقبلها بحوالي ثلاثة ايام فقط فجاء تصريح المالكي ليقطع كل شك حول مسار هذه المحاكمة، حيث اعلن بوضوح انه سيصدر حكم الاعدام بالطاغية صدام بل وسينفذ فورا... هكذا كان المشهد من الايام السابقة علي صدور الحكم.

صدمة الحكم
ورغم ان الشارع العربي قد صدم صدمة شديدة بهذا الحكم غير المبرر ومن قبله بالطريقة التي سارت عليها المحاكمة الا انه ما زالت هناك اسئلة ينتظر المواطن العربي الاجابة عليها، خصوصا تلك الاسئلة المتعلقة بما ارتكبته المحكمة من اخطاء اثناء سير المحاكمة من ناحية... وكذلك طبيعة التفاصيل النهائية التي اوردت لكي تبرر الحكم الصادر بحق الرئيس صدام حسين ورفاقه... والنقاط الاساسية التي سيستند عليها الدفاع في اعداد اللوائح التمييزية والنقض علي هذا الحكم... ثم كذلك السؤال الاصعب... هل سيتم تنفيذ هذا الحكم؟
ودعونا نتذكر معا اولا قضية الدجيل.. في 8/7/1982 قرر صدام حسين ان يقوم بزيارة مفاجئة كعادته لواحدة من المدن العراقية البعيدة عن اضواء العاصمة وخدماتها والتركيز الاعلامي عليها... ووقع الاختيار علي مدينة الدجيل... وعندما وصل موكبه رحب به المواطنون من بداية مدخل البلدة/الرئيس، وتوقف الموكب قليلا لكي تقوم احدي نساء البلدة بطبع كفوفها بدم الذبائح التي ذبحت علي شرف الرئيس فوق السيارة التي كانت تقله... ومضي بعض الوقت بأحد مساجد المدينة وخرج ليتحرك الموكب مرة اخري... وما ان اقترب من بساتين المدينة الكثيفة حتي انطلقت زخات من الرصاص باتجاه السيارة المدموغة بالدم التي كان يفترض وجوده بها وتصدي الحرس المرافق لمصدراطلاق النيران ثم جاءت القوات الامنية المختلفة للتعامل مع الموضوع، وشمل ذلك تمشيط البساتين بحثا عن المشتركين في محاولة الاغتيال هذه والبحث عن الاسلحة المستخدمة، واكتشاف اوكار ومخابئ اخري لاية اسلحة او معدات يمكن ان تستخدم في مثل هذه الحوادث، وبالطبع قد تم القبض علي العديد من المواطنين الذين تم التحقيق معهم وافرج عن معظهم واحيل 148 شخصا الي محكمة الثورة في ذلك الوقت التي قضت باعدامهم لانتمائهم لحزب الدعوة المحظور في ذلك الوقت ومحاولة اغتيال رئيس الجمهورية.
وهنا ينبغي ان يعرف المواطن العربي تاريخ حزب الدعوة والذي ينتمي اليه جواد المالكي رئيس الوزارة الحالي ورئيس الوزارة السابق ابراهيم الجعفري وهو رئيس حزب الدعوة.

تاريخ حزب الدعوة وعضوه المالكي
حزب الدعوة كان مناهضا لنظام حكم البعث واتخذ من ايران مقرا رئيسيا له، ولتدريب كوادره واعضائه وباعتبار ايران مصدرا لجلب السلاح والمتفجرات... ولا يخفي علي القارئ ان الحرب العراقية ـ الايرانية كانت قد اندلعت من عام 1980 (وبغض النظر عن المخطئ والمصيب في هذه الحرب)، الا ان دولة كانت في حالة حرب مع دولة اخري فاذا قام حزب تابع لاحدي الدولتين وبتعاون مع الدولة اخري، ووصل به الامر الي محاولة اغتيال رئيس الجمهورية فاننا نترك للقارئ الكريم الحكم علي الوضع... ونؤكد فقط اننا لا ندين احدا بسبب موقفه السياسي فهذا حق ينبغي ان يكفل للجميع، لكننا مرة اخري نتساءل عن حزب سياسي يتواجد في دولة تعيش حالة حرب، ويحارب في صفوفه وضد دولته التي يعتبر نفسه من رعاياها، خصوصا وان من اعلن عن هذه المحاولة الفاشلة في هذا الوقت كان رفسنجاني رئيس الجمهورية الايرانية الاسبق ومن دمشق.
والأنكي من ذلك ان حزب الدعوة قد اعلن مسؤوليته عن محاولة اغتيال طارق عزيز اثناء زيارته لجامعة المستنصرية وقام افراده ايضا بالقاء القنابل علي موكب جنازة لمن استشهد من الطلاب في ذلك الوقت... بل واعلن عن مسؤوليته عن تفجيرات مؤسسات وحافلات نقل وحافلات مدارس يستخدمها ويتعامل معها المواطن العراقي البسيط.
ولهذا فان التساؤل البسيط والعميق في ذات الوقت هو ماذا كان يمكن ان يفعله رئيس الجمهورية وهو يتعرض لمحاولة اغتيال... ومن فان الامر لا يعدو في النهاية ان يكون سوي محاكمة سياسية لقادة نظام حكم العراق بل ان قانون المحكمة ومن اصدروه لم يخجلوا من التأكيد علي هذا، ففي الصفحة الاخيرة رقم 18 عدد جريدة الوقائع العراقية رقم 4006 والمنشور به قانون المحكمة في 18/10/2005 تحت عنوان الاسباب الموجبة ورد نص:
ان الهدف من محاكمة صدام هو لأجل اظهار الجرائم التي ارتكبت في العراق منذ 17/7/68 لغاية 1/5/2003 ضد الشعب العراقي وشعوب المنطقة، وما تمخضت عنه من مجازر وحشية، ولغرض وضع القواعد والعقوبات التي تدين مرتكبي هذه الجرائم في محاكمة عادلة عن جرائمهم .
فلن يضحك القارئ العربي او يبكي، فلهذا الغرض صدر القانون حسبما ورد علي لسان من أصدره منشورا بالمواقع العراقية، وعندما تتم مراجعة النص نجد ان الهدف هو ادانة هؤلاء الأشخاص وليس محاكمتهم هذا ما ورد نصه.
فمن الواضح للجميع انهم، اي القضاة والمحامون في المحكمة الجنائية يرون في هذه المحاكمة محكمة سياسية وليست محكمة قانون. فالقانون يقرر... بل ان القاضي قرر في اسباب الحكم في الصفحة السادسة ما نصه الاستنتاج بوجود مظاهر تجيز للقاضي ان يكون ضد صدام حسين، في الواقع فان كل المواطنين العراقيين ان لم يكن لهم اقارب وأصدقاء مباشرة، واهل البلد عامة تعرضوا لمعاناة خلال عهد صدام حسين، وهذا الواقع الاحصائي يجعل من كافة القضاة في العراق ان يتنحوا عن اي دعوي بحق اركان في النظام السابق . مما يعني ان التحيز موجود ضمنا بين كل السكان الذين عانوا من ممارسات النظام السابق.

عندما يتحيز القاضي ضد المتهم
تري ما الذي يمكن استنتاجه من هذا القول سوي انه اعلان واضح من القاضي بأنه متحيز ضد صدام حسين... فأي محكمة هذه؟ واية احكام تلك؟
ولينظر القارئ لهذا النص الوارد صفحة 123 من الحكم شرط توافر المسؤولية: وقد توافر في مواجهة المتهم صدام حسين من خلال كونه رئيسا اعلي ليس للمتهمين برزان وطه وعواد فقط وانما هو رئيس اعلي لمن يعملون بإمرة هؤلاء، بمعني انه اذا كان بامكان الرئيس ان يأمر مرؤوسيه المباشرين، فمن باب اولي تمكنه من ان يأمر مرؤوسي اولئك المرؤوسين .
اي ان رئيس الجمهورية مسؤول عن مخالفة شرطي المرور لمقتضيات وظيفته... اي لو اخطأ طبيب في احدي العمليات لكان صدام مسؤولا عن ذلك، ولو لم يقم عمال نظافة بغداد بوظائفهم لازالة القمامة من الشوارع فان هذا يجعل الرئيس مسؤولا عنها... هل ترون لأي مدي يريدون البحث عن سبب ولو كان غير معقول او منطقي لادانة الرئيس صدام.
ليس هذا فحسب، اليكم هذا النص الوارد في الصفحة 91 وما تلاه... تقول المحكمة في حكمها (انها اطمأنت لشهادة الشهود الذين سمعوا عن فلان او علان ولم ير واحد منهم شيئا بل انه وصل الامر الي ان الحكم يقبل شهادة السماع عن فلان وعن فلان اي يا ليتها سماع مباشر حتي يمكن ان تكون هناك شبهة صحة وطبعا جميع الناس متخصصين وغير المتخصصين يعرفون انه لا يوجد في مثل هذه القضايا الهامة او حتي المخالفات البسيطة شهادة سماعية مباشرة او غير مباشرة عن مصدر آخر.
بل ان قانون المحكمة القاعدة رقم 60 من قواعد الاجراءات الخاصة بالمحكمة تنص وبالمخالفة لكافة القواعد والقوانين من الاعراف المحلية والدولية علي الآتي:
(تقبل المحكمة اداء الشهادة بالتلفون او بالوسائل المرئية او بغيرها من الوسائل).
أيمكن لهذا امام محكمة تطبق القانون ومقتضياته؟ هل سمع احدكم عن شهادة بالتلفون او بالفاكس او عن طريق شريط فيديو؟ ارجو لمن علم بذلك فليخبرنا حتي لا نظل علي جهلنا واشكركم علي اضافة بعض المعلومات المفيدة لنا حيث ان اساتذة القانون وفقهاءه قد درسونا غير ذلك.
بل ان الامر وصل حدا قررت فيه المحكمة في ان صدام في الاحكام الصادرة في عهده (في صفحة 124) (وانما قام بنفسه باصدار الاوامر لارتكاب بعضها (جرائم) وخاصة فيما يتعلق بقتل من صدر حكم الاعدام ضدهم من محكمة الثورة).
تخيلوا جميعا الي اي مدي وصل الامر... ومثل هذا القول لا يمكن ان يأتي بحكم بدون دليل واضح لا لبس فيه... يحتاج الي امر مكتوب... وللقارئ الكريم ان يتخيل ان كافة الاتهامات المنسوبة الي صدام ومن معه تستدل عليها المحكمة بهذه الطريقة ودون خجل، ووصلت الامور ذروتها عندما تحدثت المحكمة في اسباب الحكم عن نوايا صدام ورفاقه ورغم ادعاء الجميع الايمان بالله ورسالاته وأهم ما يقتضيه هذا الايمان هو اليقين بأن النيات لا يعلمها الا الله عز وجل.
واعتمادا علي المنطق والقانون فلا بد من الاستناد علي وقائع لاثبات الجريمة في حق شخص ما... ولا يمكن الاعتماد علي النوايا لاثبات الجرائم فقد ورد في صفحة 121 من الحكم ما نصه: فهو اول من يعلم بنية ارتكاب القتل العمد ضد الانسانية لدي النظام والسلطة والحزب .
ان الامر هنا وكما ترون قد تجاوز حدود معرفة نوايا صدام نفسه الي حد اليقين لدي المحكمة من ان صدام كان يعرف نوايا العاملين معه هل يمكن فهم او تحليل هذا الحكم المستند علي مثال ما ذكر؟
القارئ الكريم طبعا، يعرف ما حدث في الفعل، ومع كل ما تابعه العالم علي شاشة التلفاز مثل طرد المحامين دون وجه حق من قاعة المحكمة ومنعهم من حقهم القانوني للاطلاع علي المستندات والرد عليها بل واعطاء المحامين اوراقا مغايرة عن تلك الموجودة تحت يد المحكمة مثل الشهود.
واذا ما اخذنا في الاعتبار اغتيال اربعة محامين اثناء سير المحاكمة لدفع الآخرين لعدم اكمال واجبهم المقدس في الدفاع فلكم وحدكم الحكم الآن حول مجريات هذه القضية حكم الاعدام فيها.
وبالطبع يبقي السؤال الاساسي هل سيتم تنفيذ حكم الاعدام بصدام حسين؟
ارجو ممن يعرف الاجابة الاتصال بنا وله الشكر الجزيل.
عن هيئة الدفاع عن الرئيس صدام حسين

 

القدس العربي 28/12/2006

 

إلى صفحة مقالات وأراء12