05/12/1427

الورطة الأفغانية... الامتحان الصعب لقدرات 'الناتو'

بقلم: هوارد لافرانشي*

 

كان السؤال الرئيسي الذي خيم على قمة حلف شمال الأطلسي في "ريجا" عاصمة لاتفيا المنعقدة نهاية الأسبوع الماضي هو: ما الذي ينفع الأصدقاء؟ فمع التركيز الذي انصب على العملية التي يقودها الحلف في أفغانستان، أراد قادة الدول الأعضاء من الرئيس الأميركي جورج بوش إلى رئيس وزراء كندا "ستيفن هاربر"، أن يعرفوا ما إذا كانت بقية الدول الأعضاء في الحزب ستستمر في تحمل مسؤولياتها وتقاسم الأخطار المحدقة في أفغانستان.
 
 والأهم من ذلك أراد قائدا الدولتين معرفة ما إذا كانت الدول 26 المنضوية تحت لواء الحلف ستوافق على إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان، وما إذا كانت سترفع بعضاً من القيود المفروضة على قواتها المشاركة في عملية حلف شمال الأطلسي. وفي هذا السياق، قال الأمين العام للحلف "جاب دي هوب شيفر": "مازال أمامنا بعض العمل لتوزيع مهام حلف شمال الأطلسي بالتساوي مع الأعضاء الذين تشارك قواتهم في أفغانستان". ويبدو أن القمة لم تقدم سوى إجابات جزئية عن تلك الأسئلة، فإلى غاية يوم الأربعاء، وهو يوم اختتام القمة لأشغالها، لم تعرب سوى دول قليلة عن استعدادها لإرسال قوات إضافية لتعزيز قوات "الناتو" المرابطة في أفغانستان، والتي يصل قوامها إلى 33 ألف جندي.
 
وقد وافقت دول أخرى مشاركة في تلك القوة، لاسيما ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا على التخفيف من القيود المفروضة على قواتها التي غالباً ما تحول دون مشاركتها في عمليات قتالية ضد عناصر "طالبان" مكتفية بمهمة حفظ السلام. وبعيداً عن كونه جدلاً بين مجموعة من الدول الصديقة حول تقاسم الأعباء في أفغانستان هيمن النقاش حول توزيع المهام القتالية بالتساوي بين المشاركين في قوات حلف شمال الأطلسي على أشغال القمة في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تعالج مسألة تحويل "الناتو" من مؤسسة تدافع عن أوروبا كما كان عليه الحال في الحرب الباردة إلى قوة تدخل قادرة على مواجهة التحديات الطارئة حتى تلك البعيدة عن القارة الأوروبية. وهكذا اقتصر النقاش خلال القمة على التحدي الأفغاني الذي غطى غيره من القضايا الأخرى، لاسيما وأن العديد من القادة يدركون أن نجاح مهمة الحلف في أفغانستان ضروري لمستقبله واضطلاعه بدوره على الصعيد العالمي.
 
ويؤكد هذا الطرح الأمين العام للحلف "دي هوب شيفر" الذي يقول في هذا الصدد "إن الإسهام في إحلال السلام والاستقرار في أفغانستان قضية عادلة وحيوية لأمننا الجماعي وتعزيز قيمنا المشتركة"، مضيفاً خلال الجلسة الاختتامية للقمة في لاتفيا "إننا سنقف إلى جانب الشعب الأفغاني ومعنا باقي المتدخلين الدوليين لمساعدته على بناء بلد ديمقراطي خالٍ من الإرهاب والمخدرات". غير أن الكلمة التي ألقاها "جيمس جونز" القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في القمة جاءت أكثر حذراً وأقل تفاؤلاً، حيث قال: "لقد وافقت العديد من الدول المشاركة في مهمة الحلف في أفغانستان على رفع القيود المفروضة على قواتها، وهو ما سيساعد قائد القوات على استخدام أكثر فعالية للجنود، لكن مازال أمامنا الكثير لإنجازه". وكان الجدل المحتدم حالياً قد انطلق أول مرة في شهر سبتمبر الماضي، عندما رفضت الدول الأوروبية الطلب الذي تقدم به حلف شمال الأطلسي إلى تلك الدول بإرسال بعض من قواتها المرابطة في مناطق آمنة من أفغانستان إلى المناطق الجنوبية التي تنشط فيها عناصر "طالبان".
 
وقد ظل الموضوع معلقاً بين الدول الأعضاء منذ ذلك الحين ليناقش مجدداً خلال انعقاد قمة الحلف الأخيرة بعدما أثير من قبل المسؤولين الكنديين. فقد أشارت كندا إلى أن قواتهم في الجنوب فقدت 36 جندياً منذ شهر مارس الماضي، بينما لم تفقد ألمانيا التي تملك قوة أكبر في المناطق الشمالية أي جندي من قواتها خلال السنة الجارية. وقد تطرق الرئيس بوش نفسه إلى قضية توزيع القوات داخل أفغانستان في خطاب ألقاه بجامعة "لاتفيا" يوم الثلاثاء الماضي قال فيه "إن الحلف قائم على مبدأ واضح: أي هجوم على عضو هو بمثابة هجوم على باقي الأعضاء"، مضيفاً "وذلك إذا تعلق الأمر بهجوم فوق أراضينا، أو على قواتنا المنتشرة في الخارج ضمن مهمة من مهام حلف الشمال الأطلسي". ومن جانبه وافق الرئيس الفرنسي جاك شيراك يوم الأربعاء الماضي على إمكانية نشر قواته خارج كابول على أن تدرس "كل حالة على حدة" قبل اتخاذ القرار. لكنه كان قاطعاً في رفضه لأي زيادة في عديد القوات الفرنسية المشاركة في مهمة الحلف بأفغانستان.
 
وقد عبر الرئيس بوش عقب انتهاء أشغال القمة عن ارتياحه للنتائج التي أكدت حسب قوله على ضرورة النجاح في أفغانستان وجلب الاستقرار والديمقراطية إلى البلد. ومع ذلك يقول الخبراء إن المشكلات المرتبطة بتقاسم المهام القتالية وتوزيع القوات في المناطق الخطرة ستستمر في التأثير سلباً على مهمة الحلف في أفغانستان. وفي هذا الإطار يقول "رونالد أسموس"، مدير مركز صندوق مارشال الألماني في بروكسل: "إذا لم ينجح حلف الشمال الأطلسي في تقاسم المهام القتالية في أفغانستان والتصدي للتحديات الأمنية وعلى رأسها الإرهاب المطل برأسه من منطقة الشرق الأوسط، فإنه سيخرج من دائرة النقاش ويبقى على الهامش". بيد أن الشكوك التي يجهر بها الخبراء حيال مستقبل "الناتو" وقدرته على التصدي للتحديات الأمنية المتفاقمة لا تقلل من جاذبيته على الأقل في أعين بعض الدول التي مازالت تسعى جاهدة للانضمام إليه والاستفادة من حمايته. فقد استطاع قادة "الناتو" تجاوز ترددهم وقبلوا انضمام دول مثل الجبل الأسود وصربيا والبوسنة والهرسك إلى "الناتو" كشركاء، وهو الوضع الذي عادة ما يمهد الطريق أمام العضوية الكاملة في الحلف.
 
هوارد لافرانشي*  عضو هيئة التحرير في "كريستيان ساينس مونيتور"
                         
23/12/2006

 

إلى صفحة مقالات وأراء12