06/02/1426

 

في الذكرى الرابعة لأسر الرئيس صدام حسين:

آسروه يقعون في أسر المقاومة الوطنية العراقية

بقلم : حسن خليل غريب

منذ ثلاث سنوات استبشر الاحتلال الأميركي خيراً، وكبَّر عملاؤه وتجبَّروا، وأصيب الصادقون في هذه الأمة بالهلع، وكانت لكل منهم أسبابه ودوافعه.

 

ما هو الخبر؟

لقد أسرت قوات الاحتلال الأميركي صدام حسين.

في مكانه وزمانه، وبمعزل عن استشراف للمستقبل، لم يكن أيٌّ من تلك الأطراف يمتلك رؤية لما سوف تصل إليه الأمور، سواءٌ أشكَّلت خبراً سعيداً لأعداء صدام حسين، أم شكَّلت خبراً لا يُسرُّ محبِّيه، إلاَّ الذين كانوا مطمئنين إلى أن صدام حسين أصبح جزءاً عضوياً من مؤسسة المقاومة الوطنية العراقية، يرتبط مصيرهما معاً، فإذا استمرت تستمر حياة صدام حسين، فيعيشان معاً، وإما أن تتراجع فيعني تراجعها موتاً للإثنين معاً.

كان جورج بوش، ووزير دفاعه، يتخيلان ويرسمان أفضل الطرق للاستفادة من عملية الأسر، وتفاءل منظرو مشروعهما الفكري، كما تفاءل معدُّو استراتيجية احتلال العراق، ومنَّى كبار ضباط الاحتلال أنفسهم بالنجوم والنياشين والجزاءات المادية التي سيغدقها عليهم أصحاب الشركات الكبرى، ليقدمها لهم أركان إدارة جورج بوش. كلٌّ راح على حلمه يغني وتسابقوا على ادِّعاء الفضل في اعتقال الرئيس، وراهنوا على أن العقبة الوحيدة قد انزاحت عن موقعها.

ولن ننسى، أم الرئيس بوش، التي تكون قد نهضت من نومها على الخبر السعيد، ليعزِّز آمالها بأنها لم تُولد، وفي فمها ملاعق الألماس، إلاَّ لتسمع الأخبار السعيدة التي تمنع أحلامها من أي خدش يتركه خبر سيئ.

ولن ننسى أحلام أباطرة طهران، الذين طالما حلموا بكل أنواع الأحلام المزعجة لوجود حامي الحدود الشرقية للأمة العربية حياً.

بعد مرور ثلاث سنوات، تغيَّرت وقائع الأمور وتبدَّلت.

بعد مرور ثلاث سنوات، تقلَّصت أحلام من حلم بالمغانم التي ستدرها إسقاط ورقة رابحة أصبحت بأيديهم، وعادت الثقة إلى نفوس الصادقين وفرحوا ببقاء صدام حسين حياً. وكان السبب من وراء تلك المتغيرات هو أنهم جميعاً عجموا عود هذا الرئيس واختبروا قوة شكيمته، وصلابته، وعزيمته، التي فاجأت جوقة الأعداء، وعزَّزت ثقة الأحباء بالرئيس الذي راهنوا على قوة مبادئه التي آمن بها، كما آمن بأنه لن يضعف بالدفاع عنها حتى ولو كان الموت ثمناً لها.

فهل تحوَّل الرئيس صدام حسين إلى مأزق للاحتلال الأميركي، وانهارت ببقائه حياً حتى الآن آمال أعدائه، سواءٌ منهم القابعين في طهران أو القابعين من الخونة على صدور العراقيين كصخرة ثقيلة؟

بعد مرور ثلاث سنوات تحوَّلت نقطة الضوء في مخيلات الواهمين والمغرورين إلى نقطة سوداء تنتشر بسرعة لتصبح سحابة إحباط واسعة. فكان السبب هو صدام حسين، بحيث نجزم أن الاحتلال يتمنى الآن لو أنه لم يستطع أسره، فهو مأزق حقيقي سواءٌ أبقي حياً أم ميتاً. وسواءٌ أبقي حراً في خندق المقاومة، أم كان أسيراً في سجون الاحتلال.

لقد اختار رأس الإدارة الأميركية، بعد أن أرغمته المقاومة الوطنية العراقية، على الاعتراف بالهزيمة، أن يضع، من دون مسوِّغ أخلاقي أو إنساني، صدام حسين على طاولة المساومة. ولمساومة إدارة جورج بوش الآن عدة اتجاهات، من أهمها وأكثرها إلحاحاً هو الضغط على المقاومة العراقية تحت معادلة مرفوضة، إبقاء صدام حسين حياً في مقابل إيقاف المقاومة، وهي المعادلة التي لم يرفضها صدام حسين فحسب وإنما كان خياره الموت في مقابل بقاء المقاومة مستمرة أيضاً. فأسقط بخياره الحاسم هذا أحلام الضاغطين، والمستسصعبين لأن يقدِّم إنسان من لحم ودم، حياته في مقابل المحافظة على سيادة بلده وكرامة أهلها. وما توَّقف المقاومة إلاَّ موت لمحرك الدفاع عن الكرامة والسيادة.

أما المقاومة فتعرف أن إصرار صدام حسين على خروج الاحتلال من العراق هو الشرط الوحيد والكافي لتستريح من بعدها بنادق الثوار.

أما الوجه الثاني من وجوه المساومة، فهو ما يعمل أباطرة طهران على وضعه على طاولة المساومات بينهم وبين أباطرة إدارة جورج بوش، بصيغة معادلة تقوم على منحهم تنفيذ الحكم بإعدام صدام حسين مقابل تخفيف آلام الهزيمة الأميركية بمساعدة جنود الاحتلال الأميركي للنجاة بحياتهم. وتلك حيلة لن يستطيع تاجر البازار الإيراني أن يُغبِّر منها على طواحين سماسرة النظام الرأسمالي الحاكم في أميركا. ويحلم أباطرة طهران الجدد بمساومتهم تلك أن يصيبوا عصفورين بحجر واحد:

الخلاص من قائد جبهة الدفاع عن الحدود الشرقية للوطن العربي،

والخلاص من غريم أميركي يريد أن يطبق مشروع الشرق الأوسط الجديد على طريقته التي تتعارض مع طرائق الإمبرطور الإيراني.

أما الوجه الثالث للمساومة، وهو ما نحسب أنه سيكون الوجه الأكثر واقعية، فهو القائم على أن تكون المحافظة على حياة الرئيس صدام حسين، بادرة حسن نية سيفرضها مالكو الشركات الكبرى على إدارة جورج بوش ليستفيدوا منها بعد اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي المهزوم طمعاً بالحصول على عقود اقتصادية في العراق بعد تحريره.

أيٌّ من تلك الاحتمالات وارد، ولكل احتمال نجد رداً عليه، سواءٌ أكان عند الرئيس صدام حسين أم كان عند المقاومة العراقية، والرد يستند إلى استراتيجية واحدة لا تتأخر خطوة واحدة ولا تتقدم، سواءٌ أكانت نتائجها الشهادة أم الحياة حتى النصر، وهي واضحة وضوح الشمس، وتقول:

إن كرامة العراق وسيادته هي المكيال الأوحد التي يكيل بها صدام حسين ومقاومته الحلول، ولا مكيال آخر عندهما، فما أحلى النصر ما دامت الكرامة تتوِّج هامة العراقيين، وما أحلى الموت كثمن للدفاع عنهما، والرئيس صدام حسين يسير على رأس القافلة غير هيِّاب بملاقاة المنون.

وإذا كان دخان النصر العراقي قد تعالى من مداخن المقاومة العراقية، وشكَّل سحابة وصلت لتغطي سماء أميركا، فاسألوا صدام حسين عن سرها، ولن تتلقوا جواباً آخر غير أن صدام حسين، الذي وصفوه بالديكتاتور، هو القائد الأب الذي ألَّف مع رفاقه وشعبه سيمفونية ثورية متكاملة يلعب فيها كل نغم منها دوره الكامل مع النغم الآخر. فكانت تلك السيموفينية، التي يجتمع العالم في كل يوم لسماع ألحانها، من أداء أم المقاومات في العالم، المقاومة الوطنية العراقية، إلاَّ أن من سيئاتها أنها أزعجت كثيراً إمبراطور الشر في أميركا، وأباطرة الشر في إيران، وعملاءهما في العراق.

ففي ذكرى أسره الرابعة نتوجَّه إلى الرئيس صدام حسين ورفاقه في الأسر، ورفاقه في خندق الشرف، وكل فصائل المقاومة العراقية، وإلى الشعب العراقي البطل، بتحية الإكبار والإعجاب، ونقول لهم: إنكم أنتم أصبحتم آسري الاحتلال، بكل ألوانه وأشكاله وروائحه وإفرازاته، وسيقدمهم العالم الحر أمام محاكم الجرائم ضد الإنسانية، كما يُشاع عن إحالة رامسفيلد إلى محكمة مماثلة، بفضل صمودكم وتضحياتكم وبطولاتكم التي شهد لها البيت الأبيض قبل أن تشهد لها بيوت السواد المنتشرة في أرجاء الوطن العربي وفي بعض زوايا الإقليم المجاور.

16/ 12/ 2006

 إلى صفحة مقالات وأراء12