20/11/1427

بغداد تاج الشموخ العربي

 بقلم : د. قاسم سلام*


ماذا بعد؟ وماذا كان بالأمس البعيد؟

سؤال تسأله بغداد الجريحة اليوم وهي في ملحمة بطولية تحفز كل ذرة من ذرات الرمل العربية وتستفز كل نبتة نبتت في حياض الأمة ولتتفاعل معها الطبيعة، التي تعرف في الأمة الغيرة على الكرامة والإعتزاز بها والإنتخاء لها والتعاطي معها.. بغداد التي يتألم لما يحدث فيها كل شرفاء الأمة وأبنائها الغيورين... الطبيعة التي تفاعلت مع فرسان الأمة عبر التاريخ كله رافضة الذل والهوان، هذه الطبيعة لم تقهر إلا في عهد انظمة خنعت واستسلمت لإرادة الدخيل، واطماع المحتل، وجبروت العنجهية الأمريكية، طبيعة سمحة تفيض بالشجاعة والبطولة والميلاد المتجدد.

ترى اليوم حقد المجوس يترجم على ارض الرافدين محرقاً الأخضر واليابس، مستميتاً في الإنتقام للتاريخ الفارسي كله، الإنتقام من بغداد العروبة، بغداد الإباء والبطولة والفروسية والحضارة والتاريخ، بغداد القادسيتين.. قادسية المثنى وسعد وقادسية صدام حسين.

بغداد مدينة السلام، اليوم، الغارقة في بركة من الدماء تمارس فيها غوغائية الصفويين برعاية الفرس والامريكان والصهاينة. مساجد تحرق وتدمر وبشر، مواطنون عراقيون عرباً آمنوا بالله والوطن والأمة. احبوا وطنهم العراق وأبوا أن يبدلوا حبهم للعراق الواحد الموحد بمذلة الصفويين وعبث الأمريكان وخبث الصهاينة.. رفضوا الخنوع والقبول بسياسة الأمر الواقع وديمقراطية الموت الأمريكية وطائفية الصفويين وعنصرية عملاء الصهاينة في شمال العراق مفضلين حب العراق والأمة على كل المغريات التي برهنت الأيام أنها ليست إلا رماداً تحته نار وتذكيها الطائفية والعنصرية والصهيونية في العراق اليوم لتمتد حرائقها الى المنطقة العربية كلها إن عاجلاً أو آجلاً.

إنها نار الفتنة بكل أنواعها... فتنة يواجهها اليوم بكل شجاعة ابن العراق الحر الشريف عبر فوهة بندقية المقاومة التي آلت على نفسها إلا أن ترد الإعتبار لبغداد العظيمة ولعراق الحضارة والتاريخ مهما كانت التضحيات. إنه الرد المنطقي على الاحتلال وأعوانه الذي يجعل من كل المعاناة أوسمة شرف لبغداد.. للعراق ولكل مقاوم آلى على نفسه أن لا يقبل بغير إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة.

ولكن وبالرغم من هذا كله... بالرغم من الفعل البطولي لرجال المقاومة إلا أن بغداد تاج الأمة الذي يعلو فوق كل التيجان لأنه تاج الشموخ العربي الذي رد للأمة إعتبارها في القادسية الأولى وفي الثانية وفي أم المعارك الخالدة ومعركة الحواسم المفتوحة حتى اليوم... رد للأمة هيبتها وتاريخها المجيد معزَزَاً بلغة الفروسية وفعلها بالرغم من كل التحديات والفذلكات السياسية او الإعلامية للقنوات المؤمركة... إلا أن بغداد هذه يحق لها أن تسأل كل عربي عن دوره في مواجهة هذا التحدي الكبير الذي تخوض ملاحمه بغداد مذكرة بملاحم التاريخ العربي كله منذ يوم ذي قار والقادسية وحتى اليوم؟ سؤال يتضمن عتاباً للشرفاء والخيرين في الأمة كما فيه كشف حساب أمام الحاضر والمستقبل.. حتى يعطى لكل ذي حق حقه بعيداً عن لغة المجاملة والتصنع.. لغة بها القدر الكبير من الصدق مع «الذات» والإحساس بالمسئولية التاريخية والسمو فوق كل الجراحات.

ها هي بغداد تصرخ اليوم في وجه الأنظمة فلا «معتصم» ولا فعل «للمعتصم» الذي لا شك أنه هو الآخر يئن في قبره ويصرخ ويتمنى لو يُفتح له اللحد حتى يستل سيفه فارساً في وجه الصمت العربي الرسمي أولاً وفي وجه الجبناء الذين يدمرون اليوم بغداد كمنطلق لتدمير دمشق والقاهرة وغيرها من العواصم التي كان لها تاريخ نضالي متميز. لا شك أننا أمام مأساة وكارثة مدمرة مفروضة على العراق فالدماء التي تجري والمجازر الجماعية التي ترتكب لا تخدم العراق ولا الأمة العربية بل تستهدف الحاضر والمستقبل مصمَّمَة بفعل فاعل يحركه «الريموت» الصهيوني في إطار مخطط أكبر من العراق بأهدافه وأبعاده ومداخلاته. والمؤسف أن التحركات الأخيرة في إطار محور دمشق بغداد طهران تأتي في ظل حمى الإتهامات الامريكية لسورية وتزايد فعل المقاومة الباسلة ضد الإحتلال وعملائه وتحركات كأنها تبحث عن صك غفران!!

وبالرغم من غزارة الدماء فإن ابن العراق لن تنطلي عليه هذه التحركات ولن يحبطه استمرارية الصمت العربي وجرائم الصفويين في العراق فهاهو كعادته يهتف للعراق الواحد الموحد ولقائده البطل صدام حسين.. يهتف في وجه الكلاب المسعورة التي لا هم لها إلا تمزيق وتدمير العراق رداً على فشل المشروع الأمريكي الصهيوني الفارسي.

إنها بغداد قوية صامدة كما عهدناها.. تصرخ غاضبة في وجه العملاء والمأجورين والخدم الذين دنسوا العتبات المقدسة وكل أرض العراق.. دنسوا أرض الإمام علي والحسين وجعفر الصادق وأبي حنيفة النعمان وغيرهم من الصحابة والأولياء والمصلحين.. دنسوا بغداد مدينة الخضر والرفاعي وعبدالقادر الجيلاني. لهذا فإن بغداد تنتفض عملاقة في وجه كل العملاء وفي وجه المرجعيات الصفوية التي لا هم لها إلا تنفيذ مخطط الحقد والتخريب، مخطط «يزدجر» و«كسرى» و«الهرمزان» وأحفادهم الذين تربوا على الحقد والضغينة والفتنة مغطين كل ذلك بعمائم ظاهرها القداسة وباطنها كل «ما يعني الضد». هذه العمائم التي لا تهتز ضمائرها أمام انهار الدم التي تسيل فكم من دماء تسفك في مدينة الثورة مدينة صدام؟ وكم من قصف وتدمير للأعظمية؟ وكم من تحشدات وتجمعات ترعاها فرق الموت الفارسية الصهيونية تحت العلم الامريكي تسرح وتمرح في أحياء وشوارع بغداد مدججة بمختلف انواع الأسلحة ترسم صفحات موت بدلاً من زرع المحبة والثقة والديمقراطية التي يدعي البيت الأبيض أنه لم يأت إلى العراق إلا من أجلها ومن أجل حماية حقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة!!

كل هذا والأنظمة العربية هي الأخرى صامتة صمت الموت، ترى وتسمع لكنها لا تتكلم. وإذا ما سُئلت من قبل البيت الأبيض طأطأت له الرؤوس وحركت الشفاه بتمتمة لا تفهم إلا من قبله ولا نستبعد أن التمتمة تعني الشكر والثناء للبيت الأبيض على ما قام به من جرائم حرب ضد الإنسانية.. لمعاقبة عراق خالد ابن الوليد وسعد بن ابي وقاص والمثنى والإمام علي و«القعقاع».. عراق صدام حسين.

أما الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي فإنها أيضاً «صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ» فقدتا المقدرة على الكلام والفعل وكأنهما تمثلان حالة الرجل الذي «زعموا ان سارقاً تسور عليه وهو نائم في منزله فعلم به فقال والله لأسْكُتَنّ حتى أنظر ماذا يصنع، ولا أذعره ولا أعلمه إني قد علمتُ به» وإذا كانت هذه هي حالة الجامعة وحالة الأنظمة العربية التي تمثلها فما بالنا بمنظمة المؤتمر الإسلامي التي يدرك الجميع انها ولدت ميتة كما ان الكل يدرك أن «القابلة» هي واحدة. وان الموجّه هو اليوم واحد مهما قيل. وينطبق على هذه المنظمات «تعددت الأسباب والموت واحد» المهم أنها تظل في سياق «الحي الميت» فكيف يتوقع ان يكون لها دور جاد في قضايا العرب والمسلمين ما دامت القابلة بالأمس بريطانيا والمرضعة اليوم امريكا؟!

اما الامم المتحدة التي سكت أمينها العام دهراً لينطق وهو يغادر قائلاً «لم يكن هناك داعٍ لغزو العراق».. نعم لم يكن هنالك داعٍ ولا موجب اخلاقي ولا قانوني غير مصالح امريكا والصهاينة والفرس وهي التي كانت وراء ذلك الغزو. وهي اليوم تقف وراء كل الجرائم البشعة التي ترتكبها وتمارسها مليشيات العملاء وفلول المرتزقة المنضوية تحت إدارة المحتل، فلول المرتزقة التي تقوم بعملية الخطف والتعذيب والإعدام أمام مرأى ومسمع من العالم. ولا نعتقد، ولم يعد هناك من يعتقد ان الحكام العرب لم يسمعوا بمجزرة مدينة «جميلة» يوم الرابع والعشرين من نوفمبر 2006، كما سمع العالم وشاهد المجزرة الجماعية لمائة وخمسة عشر مخطوفاً من موظفي وزارة التعليم العالي، وكذا سجناء الداخلية وغيرها من السجون الواقعة تحت رحمة مليشيات عبدالعزيز الحكيم والسيستاني والجعفري ومرتزقة أحمد الجلبي وأوباش المالكي. هذه الفرق التي تتكامل أفعالها مع البشمركة التي تسيرها بشكل مباشر وغير مباشر «الموساد»، كل ذلك لتأجيج الفتنة وتحريك بعض الغوغاء من الذين تدربوا على أيدي الموساد والـ «سي آي إيه» والحرس الثوري الفارسي وبعض اجهزة المخابرات المسماة بالعربية للأسف الشديد!!

إنها معركة العراق ممثلاً للأمة في مواجهة الصهاينة والفرس والأمريكان، معركة تجعل العراق الذي سما عبر التاريخ فوق كل الجروح تجعله اليوم يفتح ملفاً لجميع الذين أضروا به أمام التاريخ الوطني والقومي والإسلامي، مطالباً بمحاكمة بوش كمجرم حرب ضد الإنسانية وهي من البديهيات خاصة بعد ان بدأ الشعب الأمريكي نفسه بمحاكمته ومحاكمة عصابته.

كما يطالب بمحاكمة كل الذين شاركوا في تدميره وفي زرع الفتنة، ونشر الخوف والفوضى بدلاً عن الأمن والأمان والإستقرار الذي كان ينعم به في عهد القائد التاريخي العظيم صدام حسين رئيس جمهورية العراق الشرعي.

يحق للعراق أن يتهم وأن يحاكم كل المتواطئين والمتآمرين والمترددين، كما يحق له أن يذكر أنه إنما أُحتل بتواطؤ عربي، ودمر بجهود تم توظيفها من قبل الإحتلال وعبر ارضٍ ومياه عربية ومال عربي، وأن بعض انظمة اليوم العربية التي قادت الامريكان والبريطانيين ومهدت الطريق للفرس والصهاينة لإحتلال العراق وتدميره يلتقون بفعلهم هذا مع أولئك الذين تآمروا على مصر في عهد «قمبيز» الفارسي قبل الميلاد بعدة قرون، أولئك الذين تجاوبوا مع نصيحة «فانس» الذي خان سيده فرعون مصر هارباً إلى بلاد فارس محفزاً قمبيز على إحتلال مصر، مؤكداً له على ضرورة الإستعانة «بالبدو» والتفاوض مع ملوك النبط ليساعدوه في اجتياز الصحراء فوافق اقتراحه رغبة في نفس الفرس. وبدأ «قمبيز» التفاوض معهم فكان له و«لفانس» ما أرادا. إذ تمت تهيئة كل ما يريد لتسهيل الوصول الى ارض مصر لإحتلالها.

إنها مأساة انظمة الطوائف او بعض «كبار القوم» فملوك النبط آنذاك قاموا بنفس الدور الذي قامت به بعض الأنظمة في تسهيل عملية إجتياح العراق وتدميره وإدامة الدعم السوقي والإسناد المعنوي للإحتلال وعملائه وكأنها بهذا تنتقم من العراق الذي كان دائماً سباقاً في تلبية نداء الامة مستجيباً لصوت الواجب على أي ساحة من ساحاتها.

إنها امراض الزعامة؟ او الغيرة؟ او حالة من حالات الشعور بالنقص تجعل التصرفات تتجاوز كل معقول وتتخلى عن كل الثوابت وكل حق مادي ومعنوي عام يخص الأمة تحت ذريعة المصالح الضيقة التي كانت وما تزال وستكون الحفرة التي تدفن فيها معظم الزعامات وتختفي بعض الأنظمة بعد ان يستنفذ دورها. كما هي المدخل للحرائق داخل كل ساحة بطرق وأساليب متنوعة تصمم فصولها وتحدد مخرجيها الصهيونية العالمية والبيت الأبيض وحليفهما التاريخي من أصحاب الأطماع الفارسية الذين هم اليوم الرابح الكبير داخل العراق، مهما حاولت معظم الأنظمة أن تسلك اليوم سلوك النعامة أمام الأحداث الكبيرة التي تحيط بالأمة والجرائم الجماعية المرتكبة ضد أشقائنا في العراق، وضد العراق أرضاً وتاريخاً وحضارة... حاضراً ومستقبلاً. وليس أمامنا إلا أن نقول :

إن غداً لناظره قريب

 *عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي

 إلى صفحة مقالات وأراء12