20/11/1427

محاكمة أمة في محاكمة رجل: إعدام العروبة

 بقلم : أحمد علوش

لم يكن الحكم على القائد المجاهد صدام حسين بالإعدام مفاجئاً، ولا مناف للتوقعات، إذ لا يختلف اثنان أن مثل هذا الحكم كان مجهزاً في أروقة إدارة المجرم بوش العدوانية، وأن الأدوات والعملاء من شعوبيين حاقدين لم يكونوا إلا واجهة للنطق فيه، أتوا  به على طريقتهم التي تحاول الانتقام من الماضي كما الحاضر فالمستقبل.

لم تكن "الدجيل" هي الحدث الوحيد في المحاكمة المهزلة بل التاريخ العربي كله، من اليرموك التي انتصرت على الروم، وحطين التي حررت القدس وهزمت الصليبيين إلى كل معاركنا المجيدة مع الاستعمار الحديث وما حفلت به من بطولات وأمجاد، لا سيما ضد الصهيونية وكيانها الغاصب على أرض فلسطين.

فالرئيس الأميركي المجرم بوش الذي اعتبر حربه على العراق حرباً صليبية، وواصل قبل وبعد الاحتلال الأميركي لبغداد حروبه على الإسلام يعتبر نفسه ينفذ وعداً توراتياً، وهو يريد الانتقام من العرب، أصحاب الرسالة وحملتها، من خلال الانتقام من مشروع العربي القومي النهضوي، ومن حامله ومجسده صدام حسين.

كما أن بوش، من خلال الوقائع على الأرض، يعمل وإدارته ليل نهار لتقسيم العراق، وصدام حسين ضمان أمن العراق واستقراره، عنوان وحدته وعروبته، كان على الدوام، في كل المحن والأزمات السيف الذي يدافع عن العرب، يذود عن حياضهم، ويرد الأذى والشرور عنهم.

لذلك كانت حرب تشرين أول عام 73 حاضرة في ذهن الرئيس الأميركي والأوساط الصهيونية التي تحركه وهو يحاكم صدام حسين ويحكم عليه، كانت صورة الجيش العراقي الذي حمى دمشق من السقوط ماثلة أمامه، وكذلك صور أطفال الحجارة، ومشهد الاستشهاديين الفلسطينيين الذين احتضنهم صدام حسين، ووحَّد خندق جهاده معهم، واقتسم وإياهم رغيف الخبز وحبة الدواء في زمن الجوع والحصار.

في المحكمة المهزلة كان الشعوبيون يسترجعون تاريخهم المقيت، كيف انشق إيوان كسرى وانطفأت نار المجوس بمولد الرسول العربي الكريم، استعادوا صورة سعد بن أبي وقاص والقادسية الأولى على قاعدة الانتقام والثأر، كما لم يغب عن بالهم أبداً صورة القادسية الثانية، ملاحم وبطولات تنتمي إلى روح الأجداد العظام، تستعيد مجدهم التليد في الحاضر المجيد.

إذن، المحكمة المهزلة، لم تكن لصدام حسين كشخص، وإنما له ولأعوانه محكمة للعرب في ماضيهم وحاضرهم، ومحاولة يائسة لحرف مستقبلهم عن مساره الطبيعي والحتمي على طريق الانبعاث والنهوض.

وفق هذا الفهم يصبح الحديث عن قانونية المحكمة وشرعيتها، وكذلك عن الحكم ومصداقيته مجرد "تغميس خارج الصحن"، وانجرار إلى مواقع ومواقف يريدها القائمون عليها، وابتعاد عن الهدف الأساس. إنها محكمة سياسية بامتياز تذهب بعيداً جداً في أعماق الماضي وفي أحداث الحاضر متجاوزة صدام حسين، لتشخص إلى صدام حسين كرمز وما يمثل في مسيرة هذه الأمة من كبرياء وعنفوان، من عز ورجولة، من بطولة ووقفه شموخ، إرادة الحق في وجه الباطل والزيف والعدوان.

جرائم صدام حسين أكثر من أن تحصى وكل واحدة منها تستحق عقوبة أن يعدم، ثم يعدم، ثم يعدم، أو عقوبة أكثر من الإعدام، إذ كان لدى المحاكم والقوانين ما هو أكثر... وبعض هذه الجرائم خطير وكبير، لا تجوز فيه رحمة ولا تنفع فيه شفقة. أما بعض هذه الجرائم على سبيل المثال لا الحصر فهي:

- فجَّر ثورة السابع عشر –الثلاثين من تموز المجيدة عام 1968 تحت شعار الرد على هزيمة الخامس من حزيران.

- أمَّم النفط ثروة وطنية عراقية من حق الشعب العراقي والأمة العربية.

- بنى العراق الجديد واستثمر ثرواته وخيراته لصالح النهوض والتقدم ورفاه العراقيين.

- ساند مادياً ومعنوياً كل حركات التحرر العربية والعالمية.

- حقَّق نهضة تنموية شاملة وثورة علمية واسعة.

- بنى القوات المسلحة العراقية كقوة ضاربة تدافع عن العرب وقضاياهم.

- حمى دمشق من السقوط عام 73.

- اتَّخذ موقفاً مبدئياً ثابتاً من كل الحلول التسووية والتصفوية للقضية الفلسطينية.

- حمى البوابة الشرقية للوطن العربي، وردَّ الأذى عن أرض العرب في القادسية الثانية.

- وحَّد خندق الجهاد الفلسطيني العراقي واحتضن الانتفاضة الباسلة وثوارها واستشهادييها واقتسم معهم رغيف الخبز وحبة والدواء.

- وقف متصدياً للعدوانية الأميركية الصهيونية في عصر الأحادية القطبية، وفي زمن الهيمنة والعولمة.

- دكَّ تل أبيب بالصواريخ، سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بواسطة صواريخ الحسين والعباس العراقية.

لكل هذه الجرائم يستحق صدام حسين أن يعدم، ثم يعدم، ثم يعدم...

قدر صدام حسين أنه أمة في رجل، وقدر الأمة أن تذبح وهي تتفرج دون أن تحرك ساكناً بينما العملاء بما أوتو فرحين.

 إلى صفحة مقالات وأراء12