11/11/1427

شهادتي أمام المحكمة "محسن خليل"

 بقلم: محسن خليل*

(شهادة امام المحكمة الدولية الشعبية) التي عقدت في القاهرة

انتهاكات بوش وبلير للقانون الدولي في المجال الاقتصادي

سأركز شهادتي حول انتهاكات بوش وبلير للقانون الدولي في المجال الاقتصادي .هذا الجانب الحيوي والمهم الذي يعد احد الاهداف الاساسية للأحتلال ، فالغزو الامريكي لم يسفر عن أحتلال العراق عسكريا فحسب وأنما احتلاله اقتصاديا . وكما ارتكبت انتهاكات قانونية في المجالات السياسية والعسكرية والانسانية ، حدثت مثلها في المجال الاقتصادي .وباختصار شديد أتحدث في النقاط الاتية:

1- تعويضات الحرب الجائرة التي فرضها بوش وبلير على العراق تحت غطاء قرار مجلس الامن 687 المؤرخ في 3\4\1991:

قدم (2,6)مليون طلب تعويض الى لجنة التعويضات بلغت قيمتها (350)مليار دولار،وهي تعادل عشرة اضعاف الناتج المحلي الاجمالي للأقتصاد العراقي،ويتطلب تسديدها ،رهن الثروة الوطنية وتعطيل التنمية وأفقار الاجيال الحالية والقادمة لعقود طويلة .

انجزت لجنة التعويضات تسوية طلبات قيمتها (48,93) مليار دولار دفع منها فعلا (18,77) مليار دولار من برنامج النفط مقابل الغذاء ، وبقي (30,2) مليار تمثل ألتزاما على العراق تسديده، ولا زالت طلبات قيمتها (71,6)مليار تنتظر البت والحسم فيها من قبل اللجنة .
يلاحظ على مسألة التعويضات الانتهاكات الاتية :
· أفتقارها الى الشرعية القانونية ،لصدورها من مجلس الامن وهو لا يملك سلطة فرضها بموجب صلاحياته المبينة في ميثاق الامم المتحدة ،وتعد من صلاحيات محكمة العدل الدولية حسب الميثاق .
· طغيان الطابع السياسي عليها لفرضها بقرار سياسي من مجلس الامن بينما يفترض أن تصدر بقرار قضائي صادر من محكمة العدل الدولية
· أن أقرار العراق بدفع التعويضات تم بسبب أذعانه للضغوط المشوبة بالاكراه الناجمة عن العمليات العسكرية للولايات المتحدة وبريطانيا لم يكن ناتجا عن قناعته وحرية أرادته.
· المبالغة في حجم طلبات التعويض ،ولدى العراق أدلة على أن جزءا"كبيرا منها غير حقيقية وصرفت محاباة لدول ساندت العدوان الامريكي عليه.
هذا ما يتعلق بالتعويضات الواجبة على العراق ،الا أن الطرف الاخر من المعادلة يخص التعويضات التي يحق للعراق المطالبة بها في ضوء أحتلاله غير المشروع وغير القانوني الذي تم بقرار من بلير وبوش ، وما ادى اليه الاحتلال من تدمير لبنيته التحتية وخسائر بشرية وتنموية لحقت بالجيل الحالي وستنال الاجيال القادمة من الشعب العراقي .
قدرت الاموال اللازمة لأعمار العراق بما يتراوح بين (100 -600) مليار دولار .ان المطالبة بهذه التعويضات ،والاجراءآت اللازمة للتحقق من مبالغها والجهات المسؤولة عنها ، يتعذر عمليا تحقيقها مادام الاحتلال غير الشرعي قائما والسيادة الوطنية مغيبة والاستقلال معلقا عن طريق احلال حكومات (وطنية) ظاهرا ومرتبطة بالاحتلال واقعا ولا تملك فعليا استقلالية القرار الوطني والسيادة الفعلية .
لذا فان موضوع التعويضات المستحقة للعراق مترابط عضويا مع موضوع التعويضات المطالب بها ،ولا يمكن النظر الى واحد منها دون النظر في التعويضات المقابلة .

2 – قيام سلطة الاحتلال بالغاء القوانين الاقتصادية المعمول بها في العراق خلافا لتعليمات أتفاقية لاهاي لسنة 1907 التي تنص (أن على قوات الاحتلال المحتلة احترام القوانين المعمول بها في البلد المحتل ).وقد أصدر الحاكم الامريكي بول بريمر مجموعة اوامر وقرارات وتعليمات أستهدفت تغيير بنية الاقتصاد العراقي والغت كل تشريع وطني يتعارض معها وابرزها الامر رقم (39) لسنة 2003 الخاص بالاستثمار الاجنبي والتعليمات المتعلقة بخصخصة (200)شركة مملوكة للدولة .أجاز قانون الاستثمار هذا للأجنبي تملك المشروعات في كل القطاعات بنسبة (100%) وتحويل أرصدته من العملات الصعبة والارباح الى خارج العراق بنسبة (100%).كما أجاز أستئجار العقارات لمدة (40) سنة في محاولة للالتفاف عل قوانين منع الاستثمار الاجنبي في القطاع النفطي .
أتفاقية لاهاي تجيز للقوات المحتلة الانتفاع بالمباني العامة والعقارات وغيرها من المرافق (دون تحويل في طبيعتها) لكن أجراءآت بريمر هذه أحدثت تغييرا في طبيعة الاصول العامة وفي هيكلتها .

3- فرضت سلطة الاحتلال على الحكومة العراقية توقيع أتفاقية مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2005 يتم بموجبها شطب جزء أو كل ديون العراق الخارجية مقابل تعهدات تنفذها الحكومة تهدف الى اجراء تغيير في طبيعة وهيكل الاقتصاد العراقي أبرزها:تشريع قانون جديد للبنك المركزي العراقي يمنع تدخل الحكومة والبرلمان في سياساته ،اعادة هيكلة مشاريع القطاع العام،تحرير التجارة الخارجية ،تحرير الاسعار،عدم تقييس الاسعار والاجور،خصخصة الاراضي الزراعية المملوكة للدولة ،الغاء الدعم الحكومي لأسعار السلع الاساسية كالوقود والبنزين ، التمهيد لألغاء البطاقة التموينية التي يعتمد عليها بصورة أساسية اكثر من (80%) من الشعب العراقي.
كل هذه الاجراءآت باطلة من وجهة نظر القانون الدولي .وقد حذر المدعي العام البريطاني اللورد كولد سميث بلير من بطلانها في مذكرة وجهها له بتاريخ 26\3\2004جاء فيها(أن فرض اصلاحات أقتصادية هيكلية كبرى قد لا تكون طبقا لصلاحيات يعطيها القانون الدولي ) .

تجدر الاشارة الى أن اعتراف قرار مجلس الامن (1483) لسنة 2003بكون الولايات المتحدة وبريطانيا قوة احتلال، لا يوفر لسلطة الاحتلال الغطاء القانوني لأجراء التغييرات في هيكل الاقتصاد العراقي: أولا لأن هذا الاعتراف ليس من أختصاص مجلس الامن في وقت أعترف فيه امين عام الامم المتحدة بان الحرب على العراق غير شرعية وغير قانونية.وثانيا أن القرار المذكور الزم قوة الاحتلال (الزاما صارما بواجباتها وفقا للقانون الدولي ) وهذا الاخير لا يجيز أجراء التغييرات الهيكلية .وثالثا لا يعتد بصدور بعض قرارات التغيير بأسم الحكومات التي شكلها الاحتلال،فوفقا لقوانين الحرب فان الحكومة التي تسمى أنتقالية لا تزيد على ان تكون حكومة دمية. ولما كانت الولايات المتحدة دولة عدوانية محتلة ،فان لها ان تشكل حكومات دمى أذا أرادت لكنها تظل هي المسؤولة عن تصرفات هذه الحكومات وتتحمل تبعاتها .

يضاف الى ما تقدم أن الدليل العسكري الميداني للولايات المتحدة رقم (27-10)لسنة 1956 نص على(ان سيادة الاراضي المحتلة ليس من حق القوة المحتلة) وفي مادته 358 جاء (ان الاحتلال لا حق له في نقل السيادة) .هذا يعني ان المحتل الذي لا يملك السيادة لا يحق له نقلها الى حكومات تحت الاحتلال .

4 - استيلاء سلطة الاحتلال على اموال العراق وعائداته النفطية :
قدرت الاموال العراقية التي أستولت عليها سلطة الاحتلال بنحو (57)مليار دولار موزعة كالأتي :
21 مليار دولار قيمة الرصيد المتراكم من اموال برنامج النفط مقابل الغذاء .
4 مليار دولار لدى البنك المركزي العراقي .
6 مليار دولار لدى البنوك التجارية والمقرات الرئاسية.
13 مليار دولار مجمدة لدى دول مختلفة .
3 مليار مجمدة لدى الولايات المتحدة .
كما قدرت عائدات النفط التي استولت عليها سلطة الاحتلال (74) مليار دولار موزعة كالأتي :
10 مليار دولار عوائد صادرات سنة 2003.
18 مليار دولار عوائد صادرات سنة 2004.
32 مليار دولار عوائد صادرات سنة 2005 .
4 مليار دولار أضافها تقرير لجنة المساعدة المسيحية الى عوائد سنة 2003
مجموع المبالغ المتراكمة والعوائد النفطية يبلغ (131) مليار دولار .
اين ذهبت هذه المبالغ الضخمة ؟وكيف صرفت ؟
لا توجد أجوبة لدى سلطة الاحتلال أو حكومتها ...

5 – المسؤولية المباشرة لسلطة الاحتلال عن تفاقم المشكلات الاقتصادية وتعاظم معاناة المواطن العراقي واصابة الاقتصاد الوطني بالشلل التام وتوقف الاستثمارات وعمليات أعادة الاعمار.والامثلة البارزة في هذا الصدد،عجزها وعجز حكومتها الدمية عن معالجة ازمة الكهرباء والوقود والماء والخدمات الصحية. علما أن لدى العراق 94 محطة كهرباء بطاقة 8500 ميكاواط هبطت الى 4000 ميكاواط بتأثير الحصار ، وكان بأمكان سلطة الاحتلال اعادة اصلاحها وتاهيلها بكلف محدودة وبوقت قياسي لو أرادت ، ولكتها لم تفعل.كذلك لدى العراق 14 مصفى للنفط بطاقة 700 ألف برميل يوميا ، وقد تعرض بعضها للتخريب بتحريض من قوات الاحتلال وكان ايضا بالامكان أصلاحها وتأهيلها بكلف محدودة وبوقت قياسي بدل استيراد منتجات نفطية بقيمة 6 مليار دولار سنويا من دول الجوار .

تجاوز معدل التضخم حسب المصادر الرسمية نسبة 30% سنويا . البطالة أرتفعت الى 60% والبعض يرفعها الى 70% بسبب تسريح اعداد هائلة من الجيش والاجهزة الامنية والموظفين المدنيين .وحسب بيانات وزارة العمل العراقية يوجد (9)مليون شخص تحت خط الفقر يشكلون نسبة (33%) من السكان ،و(16,2)مليون من ذوي الدخل المحدود يمثلون نسبة (60%) من السكان.

وقد أدى رفع أسعار الوقود الذي أقدمت عليه الحكومة الشهر الفائت بمعدل يتراوح بين (200% - 500%)الى ارتفاع حاد في أسعار المنتجات الزراعية والمواد الغذائية واجور النقل،كما أرتفعت أسعار المنتجات النفطية في السوق السوداء بمعدلات تزيد على (2000%) .

6 - أجهز الاحتلال على الدولة العراقية ودمرها تدميرا كاملا كمؤسسة ونظم ادارة،كدستور وتشريعات،كجيش وأجهزة أمنية،كممتلكات عامة،وكموارد .
المجتمع يدار حاليا بدستور يستند الى قانون ادارة الدولة المؤقت الذي أصدره بريمر وتم وضعه بأشراف الخارجية الامريكية ونقابة المحامين الامريكية وصاغ لمساته الاخيرة نوح فيلدمان .

ان الفقرة 43 من مقررات لاهاي لسنة 1907 حول تنظيم الصراع العسكري منعت بصورة مطلقة أي تغيير في القوانين الاساسية مثل قانون الدولة اثناء مدة الاحتلال. وهذا المنع تضمنه حرفيا الفصل 363 من الدليل العسكري الميداني للولايات المتحدة رقم (27-10)لسنة 1956 .

أن قرار مجلس الامن رقم (1638) في 9\11\2005 مدد الاحتلال الى 31\12\2006،وهو أمر لا يقع ضمن أختصاصات مجلس الامن ،لانه لا يملك سلطة انتهاك قوانين دولية نافذة ولا تغييرها ،وحتى لو حاول مجلس الامن تفويض الولايات المتحدة أنتهاك قوانين الحرب في العراق ، فأن ذلك يجعل الدول المصوتةعلى القرار معينة ومحرضة على جرائم حرب الولايات المتحدة وتتحمل مسؤولية الاشتراك فيها .وأي قرار لمجلس الامن ينتهك بنود القوانين والاتفاقيات الدولية ،يعد من وجهة النظر القانونية باطل تمام البطلان .

كلمة أخيرة :

في الوقت الذي أحي فيه الجهود الخيرة لهيئة المحكمة واتحاد المحامين العرب والجمعيات العربية الاعضاء فيه التي أعدت لتنظيم وأنعقاد هذه المحكمة ، ومع قناعتي التامة بأهميتها ومساهمتها في تعبئة الراي العام ضد أنتهاكات بوش وبلير وشارون للقانون الدولي وتجريمهم كمجرمي حرب، ألا أنني أرى ضرورة أن تخطو المحكمة وأتحاد المحامين العرب خطوة الى الامام بنقل محاكمة بوش وبلير وشارون الى المحاكم الدولية؟ كنت أتمنى لو أن لدينا دولة عربية تتطوع لرفع دعاوى ضد بوش وبلير أمام محكمة العدل الدولية لأن اختصاص هذه المحكمة الترافع بين الدول،وحيث أن هذا التمني غير واقعي فأني أتساءل أمامكم والجواب لديكم،هل توجد أمكانية لدى هيئة المحكمة واتحاد المحامين العرب لبلورة مشروع يتولى رفع دعاوي ضد بوش وبلير أمام المحاكم الامريكية والبريطانية أوامام المحكمة الجنائية الدولية طالما يتعذر أيجاد دولة تتبنى الفكرة أمام محكمة العدل الدولية؟


 د. محسن خليل* - آخر سفير وطني للعراق في القاهرة
 

 إلى صفحة مقالات وأراء12