27/12/1427

رسـائل حـب إلى صـدام حسـين

 بقلم :عبد الله الحوراني

 الأخ الحبيب / الرئيس الشهيد والزعيم الخالد صدام حسين .

·          يا شموخ النخيل في أرض الرافدين .

·          يا دفق الفراتين ، وخيرهما .

·   يا قنديلاً لا ينطفئ نوره ، لأن زيته من شجرة الزيتون التي باركها الله في كتابه العزيز، وكرَّم بها وديان الأرض العربية وجبالها فملأها بها .

·          يا فخر الجماهير العربية ، وعنوان عزتها وكرامتها .

·          يا من تحولت كلماته ونداءاته حمماً تحرق الغزاة والمحتلين في العراق وفلسطين .

·          يا قدوة لكل حملة المبادئ والرسالات المؤمنين بانتصارها .

·   يا من يؤرق طيفه وذكره كل الخونة والعملاء ، ويقض مضاجعهم ، ويطيل ليلهم الحالك .

·   يا حلماً وردياً يملأ مخيلات الأطفال في فلسطين والعراق ، وفي كل أرض العرب ، فتزهو أمانيهم بمستقبل وعدتهم به ، ووعدوك أن يحملوا طموحهم إليه حتى يحققوه .

 

*****

 

 

شرف للموت أن تَطعَمَه             أنفسٌ جبارة تأبى الهوانا .  

ـ 1 ـ

نبكيك ؟ ..  نعم . تبكيك منا العيون والقلوب والجوانح والعروق . فهل نفيك حقك!!

نرثيك؟ ..   نعم . لك القوافي كلها والقصائد والمعلقات والكلمات فهل تكفيك !!

نفديك؟ ..   نعم . أرواحنا كلها كانت تحوم حولك ، وتتسابق لتفديك ، وتدعو الله أن يبقيك ... لكنك يا أبا الفداء ، ويا سيد الشهداء أبيت الا أن تكون أنت الفدائي لا المفتدى ، فزدت الدين في أعناقنا ، وجعلتنا أسرى محبتك .

نفتخر بك؟..نعم . وهل في حياتنا المعاصرة صورة للعز غير صورتك ؟، ومواقف للرجولة ترقى لرجولتك ؟، ومعاني للشرف والمبادئ والقيم والمثل بمستوى ما جسدته بطولتك ؟ فزدتنا فخراً بك ، نباهي بك الأمم ، وتتباهى الأمم بك حتى الموت ، كان يرتعد خوفاً وارتباكاً وهو يراك تتقدم نحوه بشموخك وكبريائك ، بعد أن أرعبت الخونة من حولك . كان خجلاً كيف يتصرف معك ، هل يستقبلك أم يهرب منك ، لكنه أطمأن حين رأى في استقبالك شرفاً له يزين به صفحات الخالدين لديه.

نترحم عليك؟..نعم . فقلوب الملايين من أبناء أمتك العربية ، ومن شعوب العالم ، أطفالاً ورجالاً ونساءً ، تشخص إلى الله تستسقيه الرحمة عليك والمغفرة لك ، فأنت المؤمن الصادق الأمين الذي حظي برضاء شعبه وربه ، ونال الشهادة الأبهى التي أجلسته مع العليين في جنان الخلد .

أنت لم تمت يا سيدي ، لقد غادرنا جسمك فقط ، وأصررت على ألا تضمه غير أرض العراق التي تحمل عبق التاريخ والحضارات ، ليمتزج جسدك بهذا العبق، ويزيده ثراء . أما روحك الطاهرة فقد انطلقت من جسدك لتسكن ملايين الأجساد وتبث فيها روح الصمود والنضال ، وكأنك بموتك وهبت الحياة للآخرين . ومن يهب الحياة لغيره فهو لا يموت .

*****

 

 

 

ـ 2 ـ

 

هل كان يجب أن تستشهد أيها الحبيب حتى تكتشف الأمة قيمتك فيها ، ومكانتك بينها ، فتنطلق الملايين باكية عليك ، هاتفة باسمك ، معاهدة إياك على الوفاء لك ولمبادئك وأهدافك ، بعد أن أدركت أنك عشت لها واستشهدت في سبيلها ، وراحت تتسابق في التعبير عن حبها لك وإيمانها برسالتك . أطفال يولدون فيحملون اسمك ، وشباب وأطفال ونساء ينتحرون حزناً عليك، ومشاركة لك في آلامك ، وأملاً في اللقاء بك عند رب العالمين . قرى وبلدات وشوارع وساحات تعيد تسمية نفسها باسمك لتظل ساكنا مع أهاليها إلى الأبد . ملايين من صورك باتت تملأ البيوت والأزقة والحارات لتظل صورتك ملء العيون في كل زمان ومكان . ألوف مؤلفة من المقالات والرسائل والأشعار والأغاني والندوات والخطابات والإذاعات والفضائيات تتحدث عنك ، وعن تاريخك وبطولاتك ومواقفك وقراءَتك الصحيحة لواقع هذه الأمة وكيفية تحقيق أهدافها وبناء مستقبلها ، وتشخيص أعدائها وأعداء الإنسانية ، وكيفية مواجهتهم . وفلسطين بالذات ، أرضها وشعبها، كانت الأكثر افتقاداً لك ، وحزناً عليك . فقد كنت الأكثر إيماناً بقضيتها ، ووفاءً لها وعملاً واستعداداً من أجل تحريرها . إذ لم تغب عنك وأنت تخطو خطوات المجد نحو سلم الشهادة ، فكانت حريتها وعروبتها آخر ما نطقت به . وقد أدرك أهلها أن فلسطين وقضيتها ، وموقفك الرافض لأي مساومة عليها ، أو التسليم للعدو الصهيوني الأمريكي باغتصابها ، كان السبب الرئيسي لما جرى لك وللعراق العظيم .

لم تكن الأمة على وعي كامل بأبعاد المخاطر المحدقة بها والتي حاولت توعيتها عليها ، ولا بأهمية الأهداف التي حددتها لها ودعوتها للتوحد من أجل تحقيقها ، ولا بأبعاد المؤامرات التي تحاك ضدها ، والمعارك التي خضتها ضد أعدائها من إمبرياليين أمريكيين واستعماريين غربيين ، وغزاة صهاينة ، وأطماع وأحقاد قومية فارسية . ولم تصغ جيداً لتنبيهاتك لها على هذه المخاطر ، ولم تستجب لدعواتك من أجل بناء الأمة وتوحيد موقفها لدرء هذه الأخطار ، ولم تتفهم ـ كما يجب ـ مشروعك النهضوي القومي العربي الذي بدأته ببناء العراق القوي الموحد كمنطلق لتحقيق هذا المشروع . بل إن بعض الأطراف ممن ينتسبون زورا لهذه الأمة ، وخاصة حكامها ، كانوا جزءً من المؤامرة عليك وعلى العراق العربي والمشروع القومي     ـ كما تآمروا من قبل على الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الذي حمل المشروع نفسه ـ ووضعوا أنفسهم في خدمة المستعمر ومخططاته ، ليحافظوا على كراسيهم ومصالحهم الشخصية ودويلاتهم ومشيخاتهم المصطنعة .

بالتأكيد كان هذا الوضع يغضبك ويقلقك ، لكنه لم يثنك عن أهدافك المبدئية ، ورسالتك القومية والإنسانية . بل زاد من قناعاتك وإيمانك بصحة أهدافك ، وزاد من إصرارك على المضي في طريق التضحيات . ووضعت نصب عينيك أن الأمة بحاجة إلى من يوقظها ويوعيها ، وأنها بحاجة إلى مثل ورمز يشكل قدوة لها ، فكنت أنت هذا الرمز ، بشموخك وكبريائك وأنت في الأسر ، وأمام المحكمة . وكان استشهادك البطولي هو الصدمة التي هزت الأمة ، وأشعلت فيها نيران الغضب ، واستنفرتها ودعتها للنهوض من أجل الدفاع عن شرفها وأرضها وعروبتها واستكمال الرسالة التي ضحيت أنت والشرفاء الذين سبقوك في سبيلها .

وعندما رأيت هذا الحراك الشعبي الهائل بين جماهير الأمة وشرفائها، وشرفاء العالم ، الذي أحدثته مبادؤك ومواقفك وبسالتك أمام أعدائك وأمام الموت ذاته ، ازددت اعتزازاً بنفسي، ويقينا بصحة مواقفي . حيث كان لي شرف الوقوف معك ، وإلى جانبك منذ البداية وحتى اليوم وإلى الأبد . حين كنت في موقع قيادة العراق والأمة ، وحين كنت مختفياً ، ثم وأنت بين قضبان السجن ، وأمام محاكم الخونة والعملاء . لم تحرفني أو تزعزع مواقفي انتقادات البعض لك ، وتهجمهم عليك ، أو انتقادهم ولومهم لي على هذا التقدير لك ، والإيمان بك ، الذي يملأ أعماقي ، وعلى الحب الذي أبديه لك في رسائلي وكتاباتي وندواتي ومحاضراتي . وها هو الثبات على المبادئ والمواقف يشكل مصدر فخر واعتزاز لأصحابه ، ويعيد الكثير من اللائمين والمنتقدين إلى صوابهم ، ويدفعهم إلى الندم ، والاعتذار عن أخطائهم .

*****

 

ـ 3 ـ

 

هذا الغضب الجماهيري الذي يملأ أرجاء الأرض العربية ، ويمتد إلى كل شعوب العالم وقواه الشريفة . ليس وفاءً لشخصك فقط ، ولا غضباً مما جرى لك فحسب ، وإنما هو تجسيد للمعاني والقيم التي مثلتها ، وتمسك بالمبادئ التي نشرتها ، وإصرار على الصمود والتحدي الذي كنت رمزاً له ، وتعبير عن صحوة الأمة ، وتنبهها لما حذرتها منه ، ودعوتها لمواجهته. وهذا ما أردت الوصول إليه حين اخترت الطريق الصعب الذي انتهى بالاستشهاد العظيم . فها هي الأمة تدرك اليوم ـ وإن كان ذلك جاء متأخراً كثيراً ـ أن ما قلته لها ، وما دعوتها إليه ، وما فعلته من أجلها ، كان سليماً وصحيحاً.

قلت لها ، ـ وخططت لذلك ـ إن معركة العراق ستغير وجه العالم ، وستمرغ أنف الغزاة الأمريكيين في الوحل ، وهذا ما يجري في العراق الآن ، وستحرك شعوب العالم ضدهم، وستزعزع الوجود الأمريكي في كل مكان . وهذا هو ما يجري اليوم في أمريكا الجنوبية ، وامتداداً إلى شعوب أوروبا وأفريقيا وآسيا . وأتذكر ما رأيته بعيني ، وفي وقت مبكر منذ أوائل التسعينات أثناء العدوان الثلاثيني على العراق ، وبعده . زرت بصحبة الرئيس الشهيد ياسر عرفات العديد من الدول الأفريقية . كانت الجماهير الأفريقية الفقيرة العارية التي لم تر صدام حسين ، ولم تسمع عنه إلا القليل ، تستقبلنا بالهتاف لياسر عرفات ولصدام حسين . وكانت الجلسات مع رؤسائها ومسؤوليها يدور معظم الحديث فيها عن صدام حسين ، يسألوننا عنه، ويحملوننا التحيات له ، يقولون لنا إن ما يفعله صدام حسين في مواجهة أمريكا إنما يفعله باسمنا جميعاً ، ويتمنون لو كان في مقدورهم وإمكانياتهم أن يفعلوا مثله ، ويدعون له بالنصر .

وضعت نصب عينيك تحرير فلسطين ، للتخلص من المشروع الصهيوني الاستعماري الذي يمثل الخطر الأكبر على الأرض العربية والمشروع القومي العربي ، وخضت كل المعارك العربية، ودعمت الثورة الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني ، ووجهت صواريخك إليه ، ورفضت الاعتراف بوجوده على الأرض العربية ، وحذرت الأمة وحكامها من الاستسلام لهذا العدو أو التسليم بوجوده . ولكنهم للأسف الشديد لم يستمعوا إليك ، وبدلاً من أن يقفوا في وجه هذا العدو ، وقفوا في وجه العراق ، وتآمروا عليه ودمروا قوته . وها نحن نرى ما يفعله الاحتلال الصهيوني في فلسطين وشعبها ، والدور الذي لعبه في التحريض على غزو العراق ، وتفعله أجهزة الموساد الإسرائيلية في العراق من تدمير ونهب حضارته وآثاره التاريخية ، ومن تأجيج نار الفتنة الطائفية والعرقية فيه ، وملاحقة المقاومة العراقية البطلة .

نبهت الأمة للمخاطر والأحقاد والمطامع الفارسية التي تحملها إيران ضد الأمة العربية وأرضها ، والتي تغطيها بأكاذيب دينية مذهبية تقسيمية ، ووقفت في وجه هذا الخطر في معركة دامت ثماني سنوات وحميت الأمة منه . لكن الأمة لم تكتشف حينها حقيقة هذا الخطر ، وانخدعت بأكذوبة الثورة الإسلامية التي ادعاها ملالي العمائم السوداء . والآن يتكشف الدور الإيراني التقسيمي المذهبي في العراق وامتداداً إلى بلاد الشام والجزيرة العربية ، وحتى المغرب العربي .

نصحت الأخوة الأكراد في شمال العراق بألا يضعوا مصيرهم ومصير قضيتهم بيد الأمريكان والصهاينة ، والأطماع الإقليمية ، ومنحتهم حكماً ذاتياً يحفظ قوميتهم وثقافتهم وتراثهم ويعزز انتماءَهم لأرضهم العراقية وشعبهم العراقي ، ولكنهم للأسف الشديد وقعوا في الفخ الذي حذرتهم منه .

*****

 

ـ 4 ـ

 

بعد أن أيقظ استشهادك الأمة على هذه الحقائق ، وأزال الغشاوة عن عيونها ، واتضحت لها مصداقيتك قولاً وفعلاً ، فإن البكاء عليك وحده لا يكفي ، ولا الاعتذار منك ، أو الندم على التقصير بحقك وحق الأهداف القومية يكفي . والوفاء لك ليس في الافتخار والاعتزاز بموقفك فحسب . فمقياس الوفاء والإخلاص لك هو الوفاء للأمة وأهدافها ، والوفاء للعروبة وتاريخها ، والوفاء للمقاومة وبطولاتها ، والوفاء لفلسطين ومقدساتها وعروبتها . هذا هو الامتحان الذي وضعتنا أمامه ، والأسئلة التي طرحتها علينا ، وطلبت منا ألا نكرر الخطأ في إجابتنا عليها . لم نعد بحاجة لمزيد من الوقت ، أو البراهين والإثباتات لنكتشف أهداف وأبعاد الغزو الأمريكي، أو مخاطر الوجود الصهيوني ، أو ضعف وعجز الحكام العرب وتواطأهم مع أعداء الأمة ، وتعزيزهم للنزعة القطرية لدى المواطن العربي لقتل الانتماء القومي العربي ، ودفن فكرة الوحدة العربية . لم تعد مخاطر التقسيم الطائفي والمذهبي ، الرامية لتدمير العروبة والإسلام ، خافية على أحد . لنلاحظ أن كلمة الوطن العربي غابت عن تعابيرنا وإعلامنا وثقافتنا اليومية ، وأصبح تعبير الشرق الأوسط هو المتداول بيننا ، وهو تعبير ابتدعه الاستعمار الأوروبي أولاً، والأمريكي تاليا ، لاستبعاد فكرة الوحدة العربية ، ولتثبيت الوجود الإسرائيلي في قلب المنطقة ، وتكريس البعد الإقليمي بديلاً للبعد القومي .

ولنلاحظ أيضاً الضبابية التي باتت تحيط بمفهوم الأمة . فبعد أن كانت كلمة الأمة مقرونة بصفة العربية ، ومرتبطة بوحدة الأرض واللغة والتاريخ والتراث والحضارة . باتت تائهة بين مفهوم عربي وإسلامي ، وبل وغلب عليها التفسير الإسلامي . مع أن الله سبحانه وتعالى حين بعث رسالته للعالمين عبر نبيه الكريم محمد (صلعم) شرف الأمة العربية باختيار نبيه منها ، وبوصفها في كتابه العزيز بأنها خير أمة أخرجت للناس ، لتحمل رسالته إلى أمم الأرض الأخرى وشعوبها ، لتنشر الإسلام بينها ، وهي أمم وشعوب اعتنقت الإسلام كعقيدة إيمانية إلهية، ولكنها ظلت متمسكة بانتمائها القومي ولغتها وتاريخها وتراثها .

ولنلاحظ كذلك تراجع وتفتت الحركة القومية العربية بأحزابها وقواها وهيئاتها ومثقفيها وأدبياتها ونضالاتها . وهذا التراجع ينعكس اليوم خطراً على الفكرة القومية العربية ذاتها ، التي باتت غائبة عن وعي أجيالنا الشابة . وذلك هو جوهر الخطر الذي يتهدد مستقبل الأمة . خاصة وأن هذا الغياب يتعزز يوماً وراء يوم نتيجة غياب الثقافة القومية ومؤسساتها ونتيجة وجود فضائيات مهمتها نشر الثقافة القطرية ، وسياسات الحكام العرب الموالية للغرب . وفضائيات أخرى وجدت لإفساد العقل العربي . وصرفه عن همومه اليومية وقضاياه الوطنية والقومية ، وكذلك تعدد الفضائيات المذهبية والطائفية التي تكرس الفرقة القومية . بينما لا نجد فضائية قومية واحدة تعني بنشر الثقافة القومية ، والفكر القومي ، ووحدة قضايا الأمة التحررية والسياسية والاقتصادية ، وتربية الأجيال العربية الصاعدة على هذه المفاهيم . وهذا قصور كبير يحسب على أطراف الحركة القومية العربية ومنتسبيها أفراداً وأحزاباً ومثقفين وأصحاب رؤوس أموال .

*****

 

ـ 5 ـ

 

ولمواجهة كل هذه التحديات ، وحتى لا يموت المشروع القومي مع استشهاد الرئيس صدام ، كما حدث له من تراجع بعد استشهاد الرئيس عبد الناصر ، واشتداد التآمر على العراق وعلى صدام حسين باعتباره كان الوريث القيادي لعبد الناصر في حمل راية المشروع القومي ، فإننا يجب أن نستفيد من حالة الغضب واليقظة والوعي التي تسود الأمة الآن نتيجة مواقف الرئيس صدام وصموده وشموخه حتى في لحظات الاستشهاد . وهنا يكمن الوفاء للشهيد صدام حسين ، وللشهيد عبد الناصر ، وللأمة العربية وقضاياها ، ولكل شهدائها . وردنا يجب أن يكون عملياً مبرمجاً ، لا نظرياً فقط أو مجرد خطابات وشعارات أو إقامة مؤتمرات أو تجمعات تحمل مسميات قومية ، ولكنها لا تعكس المضمون القومي ، ولا تملك برنامجاً أو مشروعاً قومياً . وكلامي هنا موجه لكل وطني أو قومي عربي شريف ، أيا كان انتماؤه الحزبي        ـ وطنيا أو قومياً ، أو تقدمياً أو إسلاميا عربياً ـ أو شخصيات مستقلة .

‌أ.     أبدأ حديثي بالتوجه للبعثيين العراقيين ، وأبناء القوات المسلحة العراقية الأبطال ، بكل فروعها وأجهزتها العسكرية والأمنية . فأنتم أول المطالبين بالوفاء لقائدكم الشهيد الخالد ، ولرسالته التي حملها وضحى في سبيلها . انتم مطالبون بالوحدة ورص الصفوف سواءٌ كنتم داخل العراق أو خارجه . والالتفاف حول قيادة الحزب ممثلة بخليفة الرئيس الشهيد الرفيق المناضل عزت إبراهيم الدوري ، قائد الحزب والمقاومة والقوات المسلحة . من ابتعد منكم عن الحزب ( ولا اقصد هنا بعض الانتهازيين ) وتخلى عن دوره النضالي في الحزب أو في القوات المسلحة المقاومة ، فقد جاءَته الفرصة ليكفر عن قصوره ، فروح الشهيد البطل تناديه وتستنخيه . ومن غادر منكم العراق لأسباب غير أمنية ، وبإمكانه أن يعود فليعد . وإن تعذرت عودته فإن وجوده في الخارج لن يعفيه من دوره النضالي . فمن كان بإمكانه أن يقدم دعماً مادياً أو معنوياً لنضال المقاومة في الداخل ، فواجبه ألا يقصر . أما الذين لا يملكون ما يقدمونه ، فعليهم أن ينظموا عملهم وصفوفهم ، ويكونوا رسل الحزب والمقاومة والعراق الأصيل في الخارج ، سياسياً وإعلامياً وثقافيا ، على الصعيدين العربي والدولي .

‌ب.   وحديثي ثانيا موجه لكل الوطنيين العراقيين الشرفاء من كل الأحزاب والهيئات والمنظمات . ومن كل القوميات ، عرباً وكرداً وتركمانيين ، وآشوريين وآكاديين . ومن كل الطوائف والمذاهب ، مسلمين ومسيحيين . فهذا أوان وحدتكم الوطنية التي كانت دوماً عنوان مجد العراق وفخره وقوته ، ونبذ التعصبات العرقية والطائفية والمذهبية التي جاءَكم بها الاحتلال الأمريكي والفارسي ليقسم العراق ويدمره ويلغي دوره القومي ، وتراثه التاريخي والحضاري . وها أنتم ترون إلى أين أوصلت العراق هذه السياسات التي يغذيها الغزاة وأعوانهم الحاقدون على عراق التاريخ والحضارة ، والطامعون بأرض العراق وثرواته . فوفاءً للعراق العظيم ورسالته الخالدة ، ولقائدكم الشهيد البطل الذي ضحى من أجلكم ومن أجل العراق والأمة ، أدعوكم إلى التوحد في مقاومة المحتلين بكل أطيافهم ومطامعهم من أجل تحرير العراق ، والتمسك بوحدة أرضه وشعبه ، ورفض سياسات المحاصصة والتقسيم العرقي والمذهبي ، فالتنافس اليوم يجب أن يكون على البطولات والتضحيات ، وليس على المناصب والحصص .

‌ج.    وحديثي ثالثاً موجه إلى العشائر العربية في العراق ذات التاريخ البطولي المجيد ، منذ توحدت تحت راية واحدة نسجتها هند بنت النعمان بن المنذر ، ويقال إنها كانت نفس الألوان الأربعة التي يتكون منها علم العروبة والعراق، وهزمت جيوش الإمبراطورية الفارسية في معركة ذي قار قبل الإسلام . وحين توحدت ـ مع أن بعضها لم يكن قد دخل الإسلام بعد ـ في معركة القادسية الأولى تحت راية الإسلام ، مؤكدة انتماءَها العربي وولاءَها لأرضها العربية ، لمواجهة الاحتلال الفارسي وتحرير أرضها منه ، ثم كررت ذلك في معركة القادسية الثانية في ثمانينات القرن الماضي وتصدت للأطماع الفارسية الصفوية في أرض العراق ، وحمت الأمة العربية وأرضها وثرواتها من الأطماع الإقليمية الإيرانية الفارسية ، ولم تستمع حينها لكل الدعوات المذهبية التي حاول النظام الصفوي الفارسي في إيران أن يستقطبها على أساسها ليدفعها إلى خيانة وطنها ، وشرفها العربي ، وقيادتها العربية الأصلية ، لكنها خاضت معركتها على أساس انتمائها الوطني والقومي ، وحققت النصر المبين للعراق وللأمة العربية ضد الطامعين من دعاة المذهبية والطائفية . ولم تكن الوحدة الوطنية والقومية لشعب العراق وقبائله وعشائره في مواجهة الاحتلال البريطاني في ثورة العشرين وما تلاها من نضالات ، أقل من وحدتها في القادسيتين الأولى والثانية .

هذا هو التاريخ المشرف لقبائل العراق العربية في وجه الغزاة أيا كانت أسماؤهم ودياناتهم ومذاهبهم وقومياتهم . وهذا ما نذكرهم به وندعوهم للتمسك به وفاءً لعراقهم وعروبتهم وتاريخهم . ووفاءً للعهود التي قطعوها لقائدهم الشهيد الخالد صدام حسين بالدفاع عن العراق وحمايته ، حين التقى بشيوخ العشائر قبل الغزو . وتنفيذاً للوثائق التي وقعوها قبل عدة أشهر مطالبين بالإفراج عن قائدهم ، الأسير وقتها ، ورفاقه ، وما أعلنوه وقتها من التزام بالنضال والمقاومة حتى يتحرر العراق .

‌د.    وحديثي الرابع ـ وإن كان يعز عليّ أن استخدام هذه المسميات ـ فنحن العروبيون لم نعرف في تاريخنا معنى للطائفية أو المذهبية ، والإسلام الصحيح أيضاً لم يعرف المذهبية السياسية فهي دخيلة عليه . حديثي الرابع هو للأخوة الشيعة العرب ، وبصورة أدق أصحاب المذهب الجعفري الذي نجله ونجلهم ، وهو حق لهم كحق أصحاب المذاهب الأربعة الأخرى . لكني أدعوهم للانتباه للتشويهات والتحريفات التي تحاول المذهبية الصفوية الفارسية وأتباعها من المرتزقة تلويث صورة مذهب الإمام جعفر الصادق بها ، وحين تحاول إيران الفارسية أن تستغل انتماءَها للمذهب الصفوي لبسط سيطرتها ونفوذها على الشيعة العرب وعلى العراق ، وأن تفرض عليهم ، من خلال مرجعياتها الدينية الفارسية ، مفاهيمها المذهبية .

وهنا أنبه أصحاب المذاهب السنية الأخرى إلى التفريق بين أخوتهم في العروبة والإسلام من الشيعة العرب ، وبين الشيعة الفرس الصفويين ومرتزقتهم ، وأحذرهم من الخلط بين الفريقين . فالخطر الذي يستهدف تمزيق العراق والسيطرة عليه هو بالإضافة إلى العدو الأمريكي والصهيوني ، العدو الفارسي الصفوي ، وأن هذا العدو يشكل خطراً على الإسلام الحقيقي بمذهبية الشيعي والسني . وبالتالي فإن العرب سنة وشيعة مدعوان للنضال معاً ضد الغزو المذهبي الصفوي الإيراني لحماية العراق والعروبة والإسلام الحقيقي .

وما أدعو عرب العراق ، بسنتهم وشيعتهم إليه ، أدعو كل أولئك العرب الذين امتد إليهم النفوذ الإيراني سواءٌ في بلاد الشام أو في منطقة الخليج العربي . أن يعوا مخاطر هذا النفوذ والوجود على عروبتهم وعلى الوحدة الوطنية في أقطارهم . فالمذهبية التي تسعى لنشرها إيران في هذه المناطق لا علاقة لها بالإسلام أو مذاهبه الصحيحة ، إنها مذهبية صفوية وصناعة فارسية ، هدفها تقسيم الوطن العربي وبسط نفوذها ، وكأنها تريد الانتقام من العرب لأنهم حملوا رسالة الإسلام التي أطاحت بالإمبراطورية الفارسية . وإن الأموال التي تنفقها إيران في هذه المناطق ، وفي سوريا ولبنان وفلسطين ، بحجة دعم المقاومة ، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي والسياسة الأمريكية ، إن هي إلا لتعزيز الدور الإيراني . ونشر أفكارها في هذه المناطق لخدمة المصالح الإيرانية . وعلى هذه القوى العربية السياسية والشعبية أن تتفهم هذه الحقائق ، وأن ترصد الوقائع التي تجري على الأرض في بلدانها وفي العراق ، وأن تستذكر الدور الذي لعبته إيران ضد العراق في حرب الخليج الأولى في التسعينات ، وفي مساعدة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، وما يفعله عملاؤها ومرتزقتها اليوم ضد المقاومة العراقية ومن ذبح للعرب والفلسطينيين في العراق ، ومن تعاون مع المحتل الأمريكي ، وفي الوقت الذي تدعي فيه نصرتها ودعمها للشعب الفلسطيني ومقاومته ، وفي الوقت الذي تقدم فيه نفسها لشعوب العالم على أنها دولة معادية للسياسة الأمريكية والصهيونية .

هـ.  ورسالتي الأخيرة هي لك أبناء وأطراف الحركة القومية العربية ، إلى كل المؤمنين بالفكرة القومية ، والوحدة العربية ، في كل أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. بعثيين ، وناصريين ، وكل القوميين العرب . أحزاباً ومنظمات وشخصيات مستقلة . مثقفين ومفكرين وسياسيين وإعلاميين . نقابات مهنية أو اتحادات شعبية . إلى كل الذين استفزهم اغتيال الشهيد البطل صدام حسين ، وتفهموا الأسباب الحقيقية التي من أجلها استشهد صدام حسين ، الممثلة بالدفاع عن فلسطين والأمة العربية والمشروع النهضوي القومي العربي الذي حمله . ..... إلى كل هؤلاء أقول : إن الطريق إلي حماية العروبة ، والفكرة القومية ، واستنهاض الأمة العربية للدفاع عن نفسها ، وتحقيق أهدافها في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية وبناء الديمقراطية ، هو في إقامة جبهة قومية موحدة تضم كل هذه القوى والفعاليات ، وتضع مشروعاً موحداً تعمل على أساسه ، وفق برنامج محدد ، داخل كل قطر عربي ، وعلى مستوى الوطن كله ، لتحرير الأرض العربية من الوجود والنفوذ الأمريكي الصهيوني ، وحماية الوطن العربي من المطامع الإقليمية المذهبية والفتن الطائفية ، وتحقيق المشروع النهضوي العربي .

*****

 

ـ 6 ـ

 

 

يوم نفعل ذلك ، سنثبت أننا مناضلون حقيقون ، وأننا قوميون صادقون ، وأننا لسنا مجرد أصحاب شعارات وهتافات . وحينها نكون وفينا بعهدنا لأمتنا ، وللشهيد الخالد صدام حسين ، وأخيه الشهيد الخالد جمال عبد الناصر ، ولكل شهدائنا . وسترتاح أرواحهم ، وترفرف فوقنا داعية لنا بالنجاح والتوفيق في خدمة أمتنا العربية ، وأجيالها القادمة

إلى صفحة مقالات وأراء12