24/12/1427

  

صدام يقهر رهبة الإعدام

 بقلم : الأستاذ فهد الريماوي*

 شهيدنا الحي أبا عدي

 السلام عليك شهيداً مقيماً في جنات النعيم، ومشعلاً خالداً في قلوب الملايين، ورمزاً راسخاً في ذاكرة الرافدين، وعنواناً شامخاً في اعالي التاريخ، وصنديداً عنيداً تحدى رهبة الاعدام حتى الرمق الاخير.

 الرحمة لك حسينياً تختاره كربلاء الثانية، وعلوياً يغتاله الخوارج الجدد، وعُمرياً تخترقه خناجر المجوس، وعثمانياً تتكالب عليه سيوف المخادعين، وعباسياً يغشاه تتار القرن الحادي والعشرين، ومعمدانياً يحز رقبته اليهود إرضاء لشهوات "سالومي رايس".

 نودعك بالقبلات الحرى، ولا نشيعك بالعبرات الساخنة.. نزفك بالزغاريد والتراويد والاناشيد، ولا ننعاك بمفردات الاسى واللوعة.. فالشهداء احياء عند ربهم يرزقون، والعظماء اقمار سرمدية لا تغيب الا لتشرق من جديد، والابطال انهار جارية لا تنحسر الا لتفيض مرة اخرى.
نهايتك بداية، ومساؤك صبح، ويومك غد، وذكراك شهد، وقيامتك وعد، ووصيتك خارطة طريق، وشجاعتك مضرب الامثال، فليس في امتنا من لا يعترف لك بالبسالة والاقدام، وليس في عالمنا من لا يقر لك بالتحدي والعناد، وليس في زماننا من لا يعتبرك "قوة مثال"، ويكنّ لك كل الاعجاب.. يُستثنى من ذلك الخونة والجهلة واشباه الرجال.

 حياتك رحلة اسطورية بدأت من الصعب وانتهت الى الاصعب.. اسقطت المنطق الرمادي واختارت الحدود القصوى.. حفلت بالغرائب والاعاجيب كما توزعت بين الحكم والالم.. بين الثورة والعثرة.. بين النصر والاسر.. بين البؤس والنعيم.. بين الارادة الفولاذية والظروف القاهرة.

 شهادتك عرس قومي وأممي يليق برجل ملأ الدنيا وشغل الناس، وببطل ركب الصعب وعشق المجد، وبفارس وقف في وجه الصليبيين الجدد، وهم من بعد نصرهم سوف ينكسرون، وهو من بعد هزيمته حياً سوف يهزمهم راحلاً، فامبراطورية اليانكي على وشك الافول، وغزوات بوش توشك ان تغدو لعنات تلطخ وجهه الصبياني البليد.

 عند المنعطفات الحادة، وامام الهول واللحظات المروعة، وبين يدي النازلات والمفاجآت المفجعة، تختلط المشاعر، وتتداخل الافكار، وتضطرب وظائف الحواس الخمس.. فيأخذ الحزن طعم الفرح، ويستعير الموت بهجة العرس، ويكتسب الرثاء نشوة الغناء، ويرتدي الفراق حلة اللقاء، وترتوي الابتسامات برحيق الدمع الهتون.

 الموت حق - يا ابا عدي- فكل نفس ذائقة الموت، ولكن للعظماء موتهم الاستثنائي ورحيلهم المدوي،
فشتان بين من يعانق الموت في ساحات المجد وحلبات النضال، وبين من يموت على فراشه كما يموت البعير.. شتان بين من يرتاد الموت مرفوع الرأس وشامخاً كما الجبال، ومن يموت خائناً وطنه وذليلاً كما الإماء.. شتان بين من يخلّف بعد موته سيرة تعطر دفاتر التاريخ، ومن يترك عاراً مخزياً يطارده الى يوم الدين.

 وكما ان للشجعان والفرسان حياتهم الخاصة المفعمة بالعناء والعلياء، لهم موتهم الخاص والمفجع والطالع من اعماق المأساة.. فقد مات نابليون منفياً، ومات كيندي مقتولاً، ومات عبد الناصر مقهوراً، ومات غاندي مغدوراً، ومثلهم مات الليندي ولوثر كنج وجيفارا وانديرا ولومومبا وعلي بوتو وغيرهم من صناع التاريخ الذين كلما كانت حياتهم ارحب واخصب، كلما كانت خاتمتهم افدح واصعب.

 يا لمهابتك في حضرة الموت، ويا لصلابتك بين يدي الجلادين، ويا لعزة نفسك وهي تجود بٌّآخر الانفاس، ويا لعذاب المشنقة التي سمعتك تهتف للعروبة، وتنتخي لفلسطين، وتختم الحياة بالشهادتين، وتطبع قبلة الوداع على وجنة المصحف الشريف، اخر رفيق لك في مشوارك الوعر والطويل.
 يا لمجدك وانت تغادر امتك صبيحة عيدها الاضحى.. عيد التضحية والعطاء والفداء، كأنك تنوب عن اسماعيل في التضحية بالذات، فليس في عرب الخنوع من يفتديك، وليس في عالم اليوم الجاحد من ينصرك، وليس في "ماخور" الامم المتحدة من ينصفك، رغم ان اسباب العدوان الانجلو- امريكي عليك قد تكشفت عن اوهام واكاذيب، ورغم ان ابسط قواعد الحق والعدل والضمير الانساني كانت تقضي باعادة الاعتبار اليك، والقاء التبعة على الغزاة المعتدين.
ولكن ماذا نقول في عالم غاب عنه الكبار وحضر فيه الصغار، من امثال بوش وبلير وشيراك.. ماذا نقول في عربان حكامهم اقزام اشتعلت في قلوبهم نيران الحقد والثأر والجاهلية الجديدة.. ماذا نقول في عراق ضيّع عقله، وفقد رشده، وترك للعملاء ان يديروا دفته، وللاعداء من الفرس والروم واليهود ان يتلاعبوا بمصيره ومستقبله.. ماذا نقول - اولاً لا آخراً - في إعلام عربي بعضه معقول، ومعظمه كافر وفاجر وداعر يُلبس الباطل لبوس الحق، ويضع الزيف في موضع الحقيقة، ويعرض شامتاً ومتهافتاً وقائع اعدامك واصوات المتحاملين عليك، ومشاهد التفاف الحبل على عنقك.

 ورغم انك بقيت ذلك الصدام المقدام حتى في حومة الاعدام، ورغم انك ضربت المثل في رباطة الجأش واحتقار الجلادين العملاء، الا ان الشامتين والحاقدين اصروا على فضح نفوسهم الدنيئة، ودواخلهم الطائفية البغيضة، حين تنكروا لابسط مبادئ الدين والخلق وحرمة الموت وحقوق الانسان، وتقصدوا تقديم شريط اعدامك كهدية او عيدية لطائفة واحدة يتاجرون بها ولا يعبرون عنه.. مثبتين بأثر رجعي انك ما كنت ظلمتهم حين لاحقتهم في وقت سابق، وانما انفسهم كانوا يظلمون، وموطنهم كانوا يخذلون، واسيادهم كانوا يخدمون.. ذلك لانهم تكشفوا عن عملاء مزدوجين شكلوا "حبلاً سُرياً" جمع ما بين اوغاد واشنطن واحقاد طهران.

 ولكن صبراً ابا عدي، فان للباطل جولة، وللظالم يوماً، وتلك الايام نداولها بين الناس، فالمقاومة الباسلة - التي بنيتها ورعيتها - سائرة على درب الانتصار، ولعل روحك التي تحررت من الجسد ان تنفخ جمراً في عزائم ابطالها الغر الميامين،
ولعل جريمة اغتيالك التي ارهقت عيد الاضحى ان تحفزهم على المسارعة في الانتقام من الاعداء والعملاء والدخلاء الذين سيكون يومك عليهم اشد من يومهم عليك، وثأرك منهم اضعاف ثأرهم منك، وشماتتك فيهم ارفع واوسع  من شماتتهم فيك.

 صبراً يا شهيد العيد، فان مسكم قرح فقد مس القوم قرح اشد منه، وان نالكم كرب فقد نال الاعداء كرب اصعب منه، وعلى الباغي سوف تدور الدوائر، ولن تكون خاتمة بوش الا مخزية، ولن تكون نهاية بلير الا مزرية، ولن تكون آخرة المالكي والحكيم والجعفري والربيعي الا مفزعة اين منها آخرة نوري السعيد.

 وداعاً ابا عدي، فقد آن للمولى القدير ان يسترد وديعته، وآن للمشوار الصعب ان يبلغ نهايته، وآن للاسد الجريح ان يجد راحته، وآن للفراق الحزين ان يقول كلمته، وآن للاجل المحتوم ان يدق ساعته، وآن للتراب العراقي ان يحتضن سنديانته، وآن للنفس المطمئنة ان ترجع الى ربها راضية مرضية.. وإنا لله وإنا اليه راجعون.

 رئيس تحرير صحيفة المجد الأردنية *

إلى صفحة مقالات وأراء12