05/01/1428

  

الاحتلال الأميركي يخطط لعراق بلا شعب

 بقلم : هيفاء زنكنة
 

 

   ما لا يراه العالم هو أن القتال الأساسي في العراق هو ما بين الاحتلال من جهة ومقاومة الاحتلال من جهة ثانية. أما كل اقتتال آخر فهو مختلق.

          تتوالي ضجة نشر التقارير والبرامج وتشكيل اللجان من قبل الغدارة hGlvd;dm للتخلص من المأزق الذي ورطت نفسها فيه. آخرها تقرير لجنة بيكر ـ هاملتون. ولم تقدم اللجنة، على الرغم من كل الضجة الإعلامية التي صورتها بأنها لجنة المعجزات، جديدا. بل إن نتائجها وتوصياتها المستندة إلى تغيير طفيف في اللغة مشابهة إلى حد كبير بنتائج تبادل الزيارات ما بين الغدارة hGlvd;dm ومستخدميها من المنخرطين بالعملية السياسية في العراق. قد تكون هذه التوصيات، مفيدة إعلاميا بالنسبة إلى الرأي العام الأميركي إلا أن أهميتها تقل تدريجيا وهي تنتقل، نظريا، إلى الرأي العام الأوروبي. أنها، عموما، مثل الحبوب المسكنة للآلام داخل مجتمعهم وأنظمتهم وهي غير صالحة كعلاج.

         وتضمحل أهمية توصيات اللجنة إلى حد لا تساوي فيه حتى الورق الذي كتبت عليه عندما تصل الواقع العراقي. أنها مثل التوصيات العديدة التي خرجت بها عشرات اللجان المشكلة إما من قبل الغدارة hGlvd;dm أو بإشرافها ودعمها سواء قبل الغزو أو في مرحلة الاستعمار الجديد، محكوم عليها بالفشل الذريع على الرغم من الاجتماعات المرتبة بشكل رائع والتحركات المنظمة وصرف المال وتأجير المستشارين في "الشأن العراقي وشؤون الشرق الأوسط" والزيارات الميدانية وحشد الأجهزة الإعلامية لتغطية الحدث. وأسباب الفشل عديدة، جوهرها هو محاولة المستعمر تغييب الشعب العراقي عن عراقه بل وإلغاء وجوده. وتعاملهم مع العراق وكأنه خلق لحظة الغزو وسكانه هم كل من دخل إلى العراق مع القوات الغازية طمعا في الغنائم والسلطة والانتقام، بأي شكل وبأي ثمن.

         وتأتي توصية اللجنة لغدارة الاحتلال بعدم الانسحاب الفوري من العراق كنصيحة طبيب يوصي مريضه المصاب بالغنغرينا في ساقه بتأجيل عملية البتر مدة عام، أملاُ في تحسن الحال. ولعل هذه هي الصورة الأوضح لانتقائية المستعمر (بكسر الميم) وعنصريته فيما يراه ويخطط له. أن عنصرية المستعمر وعمله على إلغاء الآخر، أي الشعب العراقي المقاوم للوجود الاستعماري في هذه الحالة، هي التي دفعته إلى تشكيل لجنة سارعت للقاء بنحو 170 شخصية بدءا من بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، مرورا بعدد من ساسة الاحتلال العراقيين وعدد من السفراء ومسؤولين بارزين آخرين من الدول المجاورة للعراق ومن داخل الولايات المتحدة. كلهم، بلا استثناء، لا يمثلون الشعب العراقي ولا علاقة لهم بالمواطن العراقي، باستثناء اضطهاده والتنكيل به وحرمانه من حق الحياة.

         يقول الفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون (1925 ـ 1961) الذي عايش حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي بأن الاستعمار يستغل، بلا وازع أخلاقي، كل الأساليب الممكنة، أو يلعب على كل الحبال، ليكرس وجوده وسياسته في البلدان المحتلة. ففي كل بلد إفريقي مستعمر (بفتح الميم) تم تقسيم المجتمع إلى مجموعات دينية مختلفة تتناحر فيما بينها، بينما يقف المستعمر وأعوانه على مبعدة وهم يقهقهون فرحا لنجاح مشروعهم.

         وهذا هو بالضبط ما يحدث في العراق اليوم. فكم من الناس يتذكر اليوم سبب غزو العراق؟ القلة القليلة من الناس. لم يعد هناك من يتذكر ذريعة أسلحة الدمار الشامل وتهديدها العالم كله وقدرتها على استهداف بريطانيا خلال 45 دقيقة. ما يعرفه العالم هو ما يراه من خلال أجهزة الإعلام إخباراُ وتصريحات، وما يتلقاه معظم الناس، عبر الإعلام، هو تكريس لمصطلحات التفرقة المتغيرة حسب رغبات بوش وبلير مثل "السني المتطرف" و"الشيعي المتطرف"، فضلا عن الصورة السوريالية، الخارقة لكل مفهوم، التي حاول الاثنان رسمها، أخيراُ في مؤتمرهما الصحافي المشترك في واشنطن، عن حكومة المالكي عندما وصفاها بأنها حكومة علمانية. وهو نعت يماثل في غرابته وشططه وصف حكومة الفاتيكان بأنها حكومة علمانية!

         ما يراه العالم إعلامياً هو قتل العراقيين لبعضهم البعض. ما يقال هو أن السني يقتل الشيعي، والشيعي يحرق السني ويهدم مساجده، وما ينشر هو أن الانتحاري السني يفجر نفسه في الباصات ومواقف السيارات، وأن الشيعي الراديكالي يحرق الكنائس ويقتل المسيحيين ويروع الآشوريين واليزيديين. وان النساء في الجنوب مهددات والرجال لصوص، أما في الشمال، في مدينة كركوك تحديدا، فيقال لنا الكل يهاجم الكل. العرب والتركمان والأكراد. والمفخخات تنفجر وسط الأسواق. ما يراه العالم هو أن كل من يقاوم الاحتلال هو صدامي تكفيري من جماعة القاعدة وان مقاومة الاحتلال هي رجس من عمل الإرهاب يستهدف ديمقراطية العراق الجديد!

         إن ما لا يراه العالم هو أن مقاومة الاحتلال وطنية شرعية تستقطب دعم الشعب العراقي المناهض للاحتلال. إنها مقاومة الحرية ضد العبودية والخنوع. وأنها مقاومة باسلة تعتمد بالدرجة الأولى على قدرات أفرادها وتضحيتهم بحياتهم. ولعلها المقاومة الوحيدة في تاريخ الشعوب وحاضرها التي تقف وحيدة بلا دعم من دولة أو منظومة كما كان حال ثورات التحرر الوطني سابقا. أن ما لا يراه العالم هو أنها المقاومة المستهدفة مباشرة من قبل أقوى قوة عسكرية في العالم وعملائها المحليين وبميزانية مادية ضخمة فضلا عن تسخير أجهزة الإعلام والترويج الدعائي ومثقفي الاحتلال، واستخدام الجيش الثاني أي المرتزقة من جميع أصقاع الأرض الذين بلغ عددهم 100 ألف شخص، أي ما يوازي قوات الاحتلال الأميركي تقريبا، حسب الواشنطن بوست يوم الأربعاء الماضي. أنها من تستهدفه القواعد الخمس العملاقة والخمسين الأخرى المتوزعة في بلادنا والأقمار الصناعية وأجهزة التصنت المزروعة والكاميرات الليلية وطائرات الاستطلاع والعملاء العراقيين وغير العراقيين.

         إن ما يراه العالم هو تشويه المقاومة المتعمد وتصويرها بأنها المسئولة عن جرائم الاحتلال بأنواعها من القتل العشوائي والمفخخات والتفجيرات عن مبعدة وحملات المداهمة والاعتقال والتعذيب واغتصاب النساء إلى قتل الأطفال بتهمة الإرهاب، متناسيا بان الإرهاب الأكبر في بلدنا هو إرهاب الاحتلال. وما لا يراه العالم هو العمليات العسكرية المتطورة الناجحة ضد العدو التي تجاوزت معدل العملية الواحدة كل 15 دقيقة، وكانت عملياتها العسكرية المستهدفة للعدو يوم إعلان تقرير بيكر ـ هاملتون أفضل رد على عنصرية المحتل المغيبة للشعب العراقي ومقاومته. حيث أعلن الجيش الأميركي في بيان له عن مقتل عشرة جنود أميركيين في أربعة حوادث متفرقة يوم الأربعاء في أرجاء العراق. وأضاف البيان "إن عددا منهم قتل اثر انفجار عبوات ناسفة زرعت على جوانب الطرق وسقط آخرون في عمليات قتالية".

         لقد خطط الاستعمار الجديد صورة العراق الحالية وفق المحاصصة الطائفية والعرقية لكي يضعفه وينفرد بالسيطرة على أهله وامتصاص ثرواته. ويصور كتاب بول بريمر عن العام الذي قضاه في العراق كحاكم فعلي، كيفية تأجيجه شعلة الطائفية والعرقية البغيضة بين مستخدميه من الساسة العراقيين. أقول تأجيجه الشعلة وليس إشعالها لأن الساسة العراقيين يتحملون المسؤولية التاريخية في إذكاء شعلة الضغينة الطائفية والعرقية ومن ثم استمرارها عبر الميليشيات والعصابات المبنية على تشابك المصالح المادية والنفعية السياسية والرغبة بالانتقام الشخصي والجماعي.

         وما لا يراه العالم هو أن القتال الأساسي في العراق هو ما بين الاحتلال من جهة ومقاومة الاحتلال من جهة ثانية. أما كل اقتتال آخر فهو مختلق. وليس بإمكان العالم رؤية الحقيقة لان إرهاب الاحتلال الشرس يقوم يوميا بتصفية كل صوت عراقي وطني مناهض للاحتلال يحاول نقل الحقيقة إلى العالم الخارجي. فكان مشروع تصفية وترويع وإرهاب الصحافيين العراقيين والعرب والأجانب والأصوات المستقلة العاملة في أي مجال إعلامي من أولويات الاحتلال. هكذا بات على العالم الخارجي تلقي المعلومة والخبر والتحليل، غالبا عبر تمريرها بمرشحات الاحتلال المختلفة إن لم يكن بعدساته.

إن سنوات الاحتلال المريرة والتكلفة البشرية الهائلة التي تجاوزت 650 ألف شهيد وخراب البنية التحتية وتحطيم الدولة ونهب الثروة الطبيعية تثبت، بما لا يقبل الشك، بان مشروع الاستعمار الجديد هو إبادة الشعب العراقي أو تفريغه من مواطنيه. وقد نجح منذ عام 2003 وحتى الآن بإجبار عشرة بالمائة من سكان الشعب العراقي على الهجرة خارج الوطن، وهم من خيرة المثقفين والمتعلمين، فكيف الخلاص؟

         إن الخلاص يبدأ بخطوات بسيطة للغاية وهي الاعتراف بحق الشعب العراقي في مقاومة المحتل بكل السبل الممكنة وهو حق مشروع قانونيا وأخلاقيا وتدعمه قرارات الأمم المتحدة. الخطوة الثانية هي دعم المقاومة العراقية خاصة من الناحية الإعلامية، وإطلاق المسميات الصحيحة عليها وعلي عملياتها. ولنكن واضحين، إعلاميا على الأقل، فمن يضحي بحياته في عملية تستهدف قوات الاحتلال هو شهيد وليس إرهابيا. والجهة التي تستهدف قوات العدو هي مقاومة وليست "مسلحين" كما يحلو للبعض تسميتها. إن مقاومة التضليل الإعلامي المحيط بالوضع السياسي والعسكري والاقتصادي وطرح الأسئلة بصدد المبادرات والتخطيطات على اختلاف ألوانها سيساعد على رؤية الاحتلال وأفعاله والمقاومة وعملياتها بوضوح. إن فعل المقاومة في العراق، كما هو في فلسطين ولبنان، هو فعل الدفاع عن النفس وحق الحياة بعزة وكرامة.

         ولعل من المفيد أن نذكر أنفسنا بان أوليات المحتل، مهما حاول عملاؤه المحليون التطبيل والتزمير له، هي الدفاع عن مصالح أميركا وبريطانيا واستثماراتها وأمنها وليس الشعب العراقي. وهذا هو جوهر الاستعمار دائما. وها نحن نراه اليوم كما كان في الجزائر عنصريا مقيتا لا يقيم لحياة الشعب المحتل وزنا بل يتخفي خلف عملائه ضاحكا مقهقها لنجاحه في تفرقتهم

إلى صفحة مقالات وأراء12