03/02/1426

الانتحار على أسوار بغداد : إستراتيجية تأكيد الهزيمة الأمريكية

 مقالة لكاتبها

لابد للكاتب أن يبدأ بالسلام على روح سيد شهداء الأمة، الذي أبقاهم "المحتلين" أسرى مقولته الملهمة "سنجعلهم ينتحرون على أسوار بغداد"... وهاهم بعد أربع سنوات لا زالوا عالقون في معركة بغداد ولم يحسموها... ولن يحسمونها، والكاتب من موقعه وبعثيته، وما درس وحلل و كتب وقدم عندما كلفه الرفيق القائد قبل الاحتلال والأسر، وما استمر به وعليه... سيكتب على خط المشروع النهضوي والرد المقاوم والشهادة الحق لسيد شهداء الأمة ومدرسته البعثية النضالية المتفوقة بعد الشهادة، التي ستشكل بحد ذاتها مدرسة بعثية وعراقية وعربية وإنسانية لها ما بعدها دروسا وعبرا ومواقفا للاستنهاض العربي واستشراف مستقبل الأمة كما أرادها البعث العربي الاشتراكي.

 

إعلان النصر، ستراتيجية النصر، التحذير من الهزيمة... عناوين مفصلية في تتابع الخطاب السياسي المأزوم لجورج بوش بعد الاحتلال وحتى الآن، وعلامات فارقة لهزيمة ستراتيجية الاحتلال الأمريكي في العراق المقاوم. لقد أعلن بوش المأزوم المهزوم ستراتيجيته الجديدة في العراق، بعد طول مخاض وتعدد أراء وتنوع دراسات وكثر تداخلات وتشعب محادثات، فإذا به لا زال عالقا على أسوار بغداد، وبغداد عاصمة  وحدة العراق، ومجد صدام حسين، ونهضة البعث ومنعة المقاومة هي نقطة الاستهداف في الستراتيجية الأمريكية الخائبة الموعودة. فالإنجاز ألاحتلالي بمساعدة العملاء خونة العراق وبتسهيل إقليمي إيراني و عربي رسمي متآمر، هو ولا يزال "المنطقة الخضراء" المحاصرة عارا فاضحا و خوفا دائما وانهيارا ماثلا، وما تبقى... موتا ودمارا ونهبا وتهجيرا للعراقيين على امتداد وطنهم.

 

لقد خيب بوش ظن مريديه وحلفائه المتآمرين في أكثر من عاصمة عربية، مثلما خيب ظن دمشق أيضا، لكنه أكد على حقيقة حاول ويحاول الكثيرين الالتفاف عليها، ألا وهي أن غزو العراق واحتلاله... وإسقاط حكمه الوطني قد تطلب أمريكيا و"إسرائيليا" تجميع متناقضات على مسطح مصلحة مشتركة ضيق، كان لإيران الشعوبية الدور الأكبر فيه ولا زال، سواء من حيث الدور المباشر أو الدور الموكل للقطائها الطائفيين، حيث أن الدور الإيراني تجاوز ادوار أنظمة عربية تعرض لها بوش في خطابه، من حيث الاتفاق المسبق على إحلال حكم طائفي محل الحكم الوطني الشرعي في العراق المحتل. فإذا كانت أنظمة عربية حددها بوش قد تآمرت بتسهيل الغزو والاحتلال سياسيا ولوجستيا، فان الدور الإيراني "كان لازما قبل الغزو وكان لازما بعد الاحتلال"، حيث أن حلفاء الاحتلال وعملاؤه العراقيون هم أولا حلفاء إيران وعملاؤها.

 

انه وقبل دخول الكاتب بالتفاصيل والتحليل والرد على ستراتيجية بوش الجديدة في العراق المقاوم، لابد من ختم البعد العربي في تلك الستراتيجية:

 

تأكيد لازمة الدور الإيراني وظرفية الدور الرسمي العربي:

كان البعث قد اشر وفصل وحلل ادوار أنظمة عربية بعينها، وهي ذات الأنظمة التي تحدث عنها حصرا بوش محذرا من خطر ستراتيجي سيداهمها، إذا ما هزم المشروع ألاحتلالي الأمريكي في العراق. وهذه الأنظمة تماهت مع المشروع ألاحتلالي الأمريكي في العراق بحكم عمالتها التاريخية ودورها الوظيفي المعطى في ستراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة، لكنها كانت ناقصة الفعل بسبب من دور ها المسبق تصميميه أمريكيا فيما بعد الاحتلال من جهة، وبسبب من ضعفها البنيوي إما نتيجة لمعارضة سياسية وترهلات مؤسسية (مصر)  أو تآكل عقيدي (السعودية) أو ضعف اقتصادي (الأردن). هذه الأنظمة الثلاث الرئيسية كما سماها بوش، شكلت أدوارها اللاحقة في خدمة المشروع ألاحتلالي أهمية نسبية، عندما انجلت خطورة اللعبة الطائفية كما اتفق عليها أمريكيا مع إيران قبل الاحتلال، وكما مارسها عملاء إيران لاحقا بعد الاحتلال، بما استدعى "ضرورة ظرفية" لاستدراج "طائفية مقابلة" في محاولة مستمرة خائبة لإنجاح العملية السياسية في العراق المحتل. وهذه الأنظمة مضافا إليها بقية منظومة مجلس التعاون الخليجي، ستشكل قواعدا يرتد إليها الاحتلال الأمريكي، في حالة ضرورة سحب قواته أو بعضها من العراق عند فرضية انفلات روابط التفاهم الأمريكي مع إيران فيما يخص احتلال العراق، بسبب من ضغط "إسرائيلي" محتمل بضرورة ضرب المفاعلات النووية الإيرانية دونما تأخير. لقد اشر بوش ذلك الاحتمال، عندما تضمنت ستراتيجيته الجديدة الخائبة تموضعا صاروخيا أمريكيا للتقاطع في دول عربية شرق أوسطية.

 

عندما كانت أراضي وأجواء وممررات مائية وموانيْ بحرية لدول عربية تحت تصرف قوات الغزو تمهيدا لاحتلال العراق من اتجاهات الغرب والجنوب، فستكون هذه الأراضي وما عليها من منشاءات وقواعد ومطارات وموانيْ، قواعد ارتداد لقوات الاحتلال الأمريكي المنسحبة كلا أو بعضا من العراق سواء في حالة الهزيمة الأمريكية الماثلة في العراق المقاوم، أو سواء في حالة إجراءات التحوط قبل الضربة المفترضة لإيران من قبل الولايات المتحدة و  أو "اسرائيل". وفي كلتا الحالتين تكون تلك الأنظمة العربية مرتهنة الإرادة والقرار والكرامة منذ إنشائها أو وصولها للسلطة. وبالتالي فالخطر الستراتيجي الداهم كما لوح به بوش وحذر منه تلك الأنظمة، إنما هو مرتبط بتكوينها أولا، وقبل ارتباطه بتطورات سياسية وعسكرية أعقبت احتلال العراق وانطلاق مقاومته الظافرة التي تهزم المشروع ألاحتلالي الأمريكي.

 

المؤشر الرمزي للانتحار على أسوار بغداد والهزيمة الستراتيجية الأمريكية :

الستراتيجية الجديدة التي أعلنها بوش المأزوم والمهزوم في العراق المقاوم، تشكل تقدما تكتيكيا مفترضا، له تحشيده التعبوي المحدود والدعم السياسي المستنفذ، في نطاق ستراتيجية خاسرة ومهزومة، أمام ستراتيجية شاملة ومركبة لها منظور مقاوم ومطاول وعنيد، صاغها البعث بأبعادها السياسية وتقابلها القتالي المستمر حتى التحرير الشامل، بما يضمن الاستمرارية والتصعيد والانتشار، وبما يهيئ للجبهة المقاومة الوطنية، وبما يرجح استمرارية المقاومة المسلحة على حساب تأزيم الإقليم، وبما يشرعن وطنيا وعربيا وإنسانيا قائمة الأهداف والمستهدفين، شاء من شاء ورفض من رفض داخل العراق وخارجه. وهذه الستراتيجية المقاومة غير محسوبة على عوامل خارجية داعمة، لأسباب موضوعية حددها منهاج المقاومة منذ البداية، وبالتالي فهي غير مرتهنة وليس لها مساومة مفترضة، بحيث أن برنامج التحرير والاستقلال للبعث ومقاومته الوطنية، كان له اشتراطاته الواضحة والتي تسمح بحجب البرنامج أمام المنهاج السياسي والستراتيجي للمقاومة حتى تنضج ظروف فرض الشروط التي حددها البرنامج.

 

لقد أكد الموقف ألاستشهادي غير المسبوق للرفيق القائد صدام حسين، التزام البعث ومناضليه ومقاومته الوطنية وكل المقاومة العراقية المسلحة بثوابت المقاومة والتحرير، وبالتالي كان للاستشهاد دلالاته النضالية والمبدئية والوطنية والقومية، برفض الاحتلال وما نتج عنه وما افرزه، واستمرار مقاومته قتاليا حتى تحقيق النصر وإنجاز التحرير. مرة أخرى يتحول ما يفترض انه فوز للاحتلال وعملائه إلى إنجاز تكتيكي محدود، تستتبعه ردة في المشروع السياسي للاحتلال، حيث أن الاغتيال المدبر والمسبق للقائد الشهيد صدام حسين لم يمنح الاحتلال والرئيس بوش ولا السلطة العميلة في العراق المحتل ما يعولون عليه في إطلاق ستراتيجيتهم الجديدة الخائبة، فإذا بهم لا زالوا ينتحرون على أسوار بغداد ولم يحسموا معركتها بعد، وإذا باستراتيجية بوش الجديدة تعمل الحشد مرة أخرى،  وتتصادم مع الكونغرس، وتطلب مساعدة الأنظمة العربية المرتجفة ترهيبا، من اجل فرض السيطرة الأمريكية العسكرية على بغداد التي لا زالو ينتحرون على أسوارها منذ التاسع من نيسان 2003.

 

البعث ومقاومته الوطنية قد قرءا ستراتيجية بوش الجديدة الخائبة، على ضوء  التحرك الأمريكي الرئاسي المضاد منذ تقديم تقرير لجنة دراسة العراق وكشف توصياتها، والتي كانت ذات تعميم وتعدد لا يتفق وما كان البعث والمقاومة قد خبره على ارض الواقع، من تعنت الرئيس الأمريكي واستناده إلى فضاء غير واقعي فضفاض، يناور على الزمن المتاح ولو كان محدودا، ويتمسك بخيارات عقائدية عقيمة بداء ومهزومة لاحقا، كانت سببا في ترشيح ودعم الجمهوريين بقيادة المحافظين الجدد للرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية عام 2000 وما صاحبها من إشكالات دستورية معروفة. ولقد تأكد للبعث ومقاومته الوطنية مثلما تأكد لكل المقاومة العراقية المسلحة، أن اجتماعات الرئيس المأزوم والمهزوم بوش في عمان وما تلاها في واشنطن مع العملاء العراقيين، كانت هي أساس لإملاء مكونات الستراتيجية الأمريكية الخائبة في العراق، على السلطة العميلة وممثلي الطائفة الشعوبية والطائفية المستدرجة المقابلة، وعلى أنظمة التآمر العربية المسماة أعلاه... على أمل تعميق ونشر التخندق الطائفي إقليميا، بما يحقق مستوى من الاستقطاب المفترض، لإشراك فعلي عربي وإقليمي بتحمل الهزيمة الأمريكية في العراق المقاوم وتداعياتها المحسوبة وغير المحسوبة، على أساس من تقابل سياسي ابتداء، يستند إلى تصنيف طائفي على مستوى إقليمي متداخل في موضوعي الهزيمة العسكرية الأمريكية في العراق والمواجهة المفترضة مع إيران على خلفية مشروعها النووي.

 

إن هذا الخلط المقصود وما يحقق من فوائد آنية للولايات المتحدة، لا ينطلي على البعث ومقاومته الوطنية، فالاستهداف ألبعثي المقاوم لا يمكن أن يتغير، حيث أن المنهاج المقاوم كان متفوقا في منظوره الستراتيجي ومتحسبا منذ البداية لكل المناورات السياسية للاحتلال في العراق والإقليم،  فكان تأزيم الإقليم وهذا ما هو حاصل وسوف يتعمق، سببه بداية، تأمر الأنظمة العربية  مع الغزو وتحالف إيران المباشر وغير المباشر معه ، وسببه المستمر... والخارج عن تأثير الولايات المتحدة، الانطلاق المصمم للمقاومة واستهدافاتها الستراتيجية والمرحلية المدروسة، والتي أفشلت العملية السياسية في العراق المحتل... بما أزم الإقليم، وكذلك العلاقة بين المتحالفين  مع الولايات المتحدة بغزوها واحتلالها للعراق.

 

لقد جاءت الستراتيجية الجديدة مبنية على أساس التمسك بالفعل العسكري، مؤملة الخروج من حالة الانتحار المستمرة على أسوار بغداد، ومستهدفة تأمين بغداد احتلاليا وسياسيا، بما يحقق القفز لمستويات متقدمة من تفعيل العملية السياسية الخائبة والمرتدة في العراق، وبما يخفف من احتقان العلاقات بين حلفاء الاحتلال في العراق   على قاعدتي التقابل بين الطائفية الشعوبية والطائفية المستدرجة،  وبما يخلق إسلاما سياسيا متقابلا طائفيا وفي الوقت ذاته متعاونا مع الاحتلال وحليفا للولايات المتحدة في الإقليم.

 

سوف يكتشف بوش ويكتشف معه كل من هو في إطار هذه الستراتيجية الخائبة، حليفا أو متآمرا أو عميلا، أن معركة بغداد مستمرة والانتحار على أسوارها حالة ملازمة لبقاء الاحتلال، وان معركة بغداد سوف تحسمها المقاومة وتسقط السلطة العميلة على طريق دحر وهزيمة الاحتلال.

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء12