21/02/1428

طارق عزيز: إذا تكلم البعثي أنصت الضمير

 بقلم : صلاح المختار

من شاهد المجاهد الكبير طارق عزيز في مشهد الزنا المسمى محكمة ترسخت في ذهنه صورة واقعية، مناقضة للصورة الكاذبة التي روجتها فضائيات عهر الضمير، فالبعثي اليوم كما رآه العالم هو بطل هذا الزمان، الذي ندرت فيه البطولة وسادت على مسارحه المبهرجة جيف بيع الكرامة والرجولة. والبعثي اليوم هو حارس المبادئ العظمى والمتمسك بقيم الأمة العليا وفي مقدمتها قيم الفروسية والاستشهاد دفاعا عن الكرامة الانسانية وقدسية الوعد واحترام العهد . والبعثي اليوم هو الرمز الأعظم للثبات على الأرض برأس مرفوع تصدمه العاصفة فيصمد ويتحمل ضرباتها الموجعة حتى تمر، وقد فشلت في إسقاط ورقة واحدة من شجرة البعث الراسخة الجذور، مع أن كل أشجار العالم  تقريبا قد تكسرت جذوعها وتناثرت فروعها.

بعد أن رأى العالم كله صدام حسين  وهو يتحول من قائد للشعب العراقي إلى إمام كل المجاهدين في كل القارات الخمس، وسيد أهل الكلمة الحرة التي لا تباع ولا تشترى، وفارس الإنسانية  الأشجع والألمع والأروع، في أبعد قرية أفريقية وأصغر حي برازيلي وأفقر منزل هندي، وهي، أي الإنسانية، تصارع أسوأ وحوش التاريخ وأقسى  مدمني القتل في الزمن الحاضر في عواصم الغرب الهمجي، بعد أن رأى العالم كل ذلك يأتيه فارسه  صدام ليمرغ أنف أمريكا في وحل الانحطاط والسقوط والبربرية والفشل المدوي. لقد هندس صدام حسين ثم فجر أعظم مقاومة في التاريخ كله وضعت أمريكا ومشروعها الكوني أمام مأزق الفشل الحتمي وكانت تلك لطمته الأولى على وجه منبع كل شرور عصرنا، ثم جاءت لطمته الأخرى لأمريكا من خلال محاكمته هو لها وسخريته الدرامية من خرفانها، كالقاضي الأغبر.

حينما انفردت أمريكا بالعالم، بعد غياب الدب الروسي وانغماس التنين الصيني في لعبة التكنولوجيا، مزقت أمريكا قناع التحضر والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحيوان، وظهر الوحش الأمريكي بلا تزويق، فرأيناه في أبو غريب يرقص على أشلاء الضحايا، ويتفنن في العاب تقطيع أجساد البشر وأرواحهم ببطء، تحت أضواء هوليوود، لدرجة أنه صور مشاهد عهر الضمير الأمريكي في أبو غريب بوقاحة من ظن أنه منتصر حتماً وأن جرائمه ستمر دون انتباه. كان اخصاء العالم بكافة شعوبه وحكوماته هو الهدف الأمريكي المعلن، لأن الاخصاء هو ضمانة جفاف أرحام نساء الأرض وتوقف إنجابها للأبطال والقديسين والشهداء. لكن عراق صدام حسين  كان يخبئ لأمريكا مفاجئة المفاجآت، فكما صدمت أمريكا العالم بوحشيتها، غير المسبوقة على الإطلاق في كل تاريخ الإنسانية، صدمت أمريكا بحقيقة مذهلة وهي أن أرحام نساء العراق لا تعقر ولا تكف عن الإنجاب أبداً مهما قطعت هذه الأرحام.

فحينما يموت شهيد برصاص بلد الجريمة المنظمة أمريكا تجد قوات الوحوش الغازية مئة طفل عراقي بدل الشهيد الواحد  تنبت لهم الشوارب ويحملون البنادق، قبل أن يبلغوا العاشرة من عمرهم، ملتحقين بجيش تحرير العراق العظيم، لتصبح ثورة العراق المسلحة ضد الوحش الأمريكي ثورة دائمة بنوعية ثقب أسود يبتلع كل ما تأتي به أمريكا إلى العراق من تكنولوجيا وأموال ووحوش لا يربطها بالبشر إلا شكل الوجه.

كان صدام حسين يصرخ دوما: أيها المناضل إذا ضعفت لديك المبادئ فتذكر قيم الرجولة، هذا ما كتبه صدام على جدار السجن قبل أن يصبح رئيساً للعراق، وها هو اليوم يرى أبناء العراق لا يقاتلون بقيم الرجولة وحدها بل أيضا يعيدون إنتاج المبادئ، في دورة إنتاج جعل منها الاحتلال أبدية، تتضاعف في كل واحدة منها عوامل الكرامة والدفاع عن الحرية والاستقلال والاستعداد للاستشهاد، بالارتباط مع ازدياد وحشية أمريكا في العراق. والخصب في بلد البعث (لا تنسوا أن تموز هو اله النماء والخصب والبعث في أساطير العراق) هو قانون مطلق فما أن يظهر عدو منازل للعراقيين حتى يتحول ضعيفهم إلى عملاق لا يقهر، ويصبح عملاقهم رمزا لفروسية تجتذب آلاف الناعسين والمنكفئين على أعتاب ذاتهم، فينخرطون في عملية صنع التاريخ.

هل نظرتم في وجوه طارق عزيز وطه ياسين رمضان وبرزان التكريتي وهي تتلألأ ببريق الشرف والرجولة النادرة ؟ هل كانت ولادة أسطورة جلجامش في العراق محض صدفة؟ هل كانت ولادة إمبراطورية آشور، والتي كانت القوة الأعظم في العالم وقتها، في العراق صدفة، وهي أول وأعظم إمبراطورية وضعت أسس العلم العسكري في العالم؟ هل كانت ولادة أول حرف وأول عجلة وأول فلك وأول رياضيات وأول طب وأول حضارة وأول قصيدة حب وأول قانون في العراق مجرد صدفة كونية عابرة؟ أم أنها نتاج خصائص عراقية موجودة في التكوين العراقي العظيم؟ هل قيام خمسة حضارات رئيسية متعاقبة في العراق صدفة لم تحدث في أي بلد آخر؟

هذا العراق أنتج صدام، كما أنتج جلجامش وهو الذي أنتج هارون الرشيد وألف ليلة وليلة، وأوصل العرب والإسلام إلى الصين ونشره هناك. ومع صدام، وبفضل المناخ الذي أعاد تشكيله صدام، ولد أعظم أبطال العراق في العصر الحديث في زمن خلا من البطولة في العالم، ولد طارق عزيز وطه ياسين رمضان وبرزان التكريتي وعشرات الأبطال من أسرانا فك الله أسرهم، وقادة مقاتلون كبار مثل عزة الدوري القائد الميداني للمقاومة العراقية حفظه الله ورعاه، وعشرات القادة المجهولي الاسم الآن،غالباً، والذين يصنعون فجر الحرية في العراق المحتل بمقاتلتهم للاحتلال.

وطارق عزيز من بين هؤلاء الأبطال الذين يمسكون بجمر المبادئ القومية العربية والكرامة الإنسانية، في زمن أصبحت فيه تنظيرات (الفنانة) هيفاء وهبة النبع (الفكري) الرئيس لثقافة رسمية أنجبت عملاء الاحتلال، الذين نراهم يعتلون صهوة رئاسة جمهورية وهمية، وهمية كملابس الإمبراطور، هذه الثقافة التي تتركز تعاليمها في ترقيص الضمير، كما ترقص هيفاء مؤخرتها لمن يدفع أكثر على موائد القمار وفي غرف مظلمة كظلمة وجه عميل يخفي وجهه خلف قناع معتم.

قالوا عند أاسر إمام المجاهدين صدام حسين أنه كان منهارا وضعيفا، وأول من نهق بذلك كريم شهبوري الملقب بموفق الربيعي، وإياد علاوي وبقية المدفونين في زبالات الاحتلال. ونشرت صحيفة الجلبي صورة مزورة للسيد الرئيس تظهره وقد جلس قبالة الجلبي، كي يرفع الجلبي قيمته ويقول لقد جلست مع السيد الرئيس، لإشباع عقدة نقص القيمة والإحساس بالدونية! لكن ما أن بدأ مشهد الزنا المسمى محكمة حتى تبين للعالم أن أكاذيب شهبوري والجلبي وعلاوي ما هي إلا دور رسمته لهم مخابرات الاحتلال! فصدام حسين كان وما زال كما هو بطل زمانه بلا منازع وأحد أهم أعمدة التاريخ الإنساني بكامله.

وقالوا للعالم بصوت عال، بعد أن دمر صدام حسين أسلحة الخداع الشامل التي صنعتها أمريكا والفضائيات التي تدين بالولاء لـ(مفكرة) عصر بوش الابن هيفاء وهبة، أن صدام هو الاستثناء في فروسيته وان أقرب رجاله إليه خانوه وسيشهدون ضده! ومن بين الأسماء التي ذكرت طارق عزيز (حاشاه وفك الله أسره ومنحه الصحة والعافية). لكن تدمير أسلحة الخداع الشامل لم يحصل فقط بفعل ضربات صدام حسين بل استمرت الضربات تترى، وظهر البطل العزيز طارق عزيز ليطرق بكفيه القويتين، رغم وهن المرض والتعذيب، أبواب العالم ليصحوا من كان ضميره نائما، ويعيد رسم صورة عراق أرادوا أن يشيطنوه بتشويه صورته.

لقد وقف رجل المهمات الصعبة المهيوب طارق عزيز ببجامته، التي نطقت قبل لسانه، لتقول للعالم: هاهي أمريكا الداعرة لا تحترم حتى حرمة الإنسان في لبسه! هاهي أمريكا سارقة الدنيا تحرم طارق عزيز حتى من البدلة الرخيصة الثمن! ها هي أمريكا المصابة بداء الافتراس تخرق ابسط حقوق الأسير وهي أن يظهر بشكل لائق عند محاكمته! أمريكا الداعرة، أمريكا السارقة، أمريكا الموبوءة فعلت ذلك عمداً وهي تظن، وظنها هو أبو الآثام، أن إظهار طارق عزيز بالبيجاما أمام العالم سيشوه صورته لأن ثقافة هيفاء وهبة وتعاليم هيفاء وهبة، التي يتمسك بها بوش والكونغرس الأمريكي، كما كان يتمسك أنصار الثورة الثقافية في الصين بتعاليم ماو تسي تونج، ثقافة هيفاء وهبة هذه ترى الإنسان بلباسه وليس بعقله، بردفيه وليس بوعيه، بما يملك من دولارات وليس بما يملك من شرف واستقامة وكفاءة.

هل تعلمون لم أصرت أمريكا على أن يظهر القائد العظيم طارق عزيز بالبيجاما وبخلت عليه ببدلة؟ انه الانتقام من صورة العراق العظيمة في العالم، فطارق عزيز كان وما زال واحداً من أعظم شخصيات العالم، وهو بعد صدام حسين العراقي الأشهر والأكثر احتراماً في العالم، خصوصاً في الغرب، نظراً لخصاله الحميدة وكفاءته النادرة وخلقه الرفيع وشخصيته الفذة. ولكي اختصر لكم المسألة يجب أن أذكركم بما قاله جورج بوش الأب عن طارق عزيز لتفهموا لم حاولوا الآن إذلاله، لكنهم خسئوا فطارق عزيز هو من بين قلة من شخصيات العالم التي يتشرف كل أمريكي وفرنسي وهندي وألماني بمعرفته ومصافحته.

في أعقاب آخر اجتماع عقد بين وفد عراقي برئاسة طارق عزيز وكان وزير خارجية العراق، ووفد أمريكي برئاسة جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا وقتها (في عام 1991) لمناقشة الأزمة واحتمال الحرب، رمى طارق عزيز رسالة بوش الأب، الموجهة إلى السيد الرئيس صدام حسين، على وجه بيكر  لأنها تضمنت تهديداً للعراق ورئيسه فسقطت على الطاولة أمامه وقال له: نحن لا نقبل التهديد والوعيد من أحد أياً كان. ونهض العزيز طارق تاركاً قاعة الاجتماع وبقي بيكر جالساً فاغراً فاه، بغباء عظيم وطرق كلمات طارق عزيز تطرق رأسه الفارغ، لأنه لم يفهم العقلية العراقية ولن يفهمها. هذا الموقف علق عليه بوش الأب قائلا: "تمنيت لو كان لدي وزير خارجية مثل طارق عزيز". طارق عزيز هذا، الذي صفع بيكر ورئيسه بوش بحزم وأنفة عراقية مشهورة، وقع في أسر بوش الابن الذي يعرف تلك القصة، لذلك، وبما أن معين ثقافة بوش الابن  الوحيد هو تنظيرات الفنانة (المفكرة) هيفاء وهبة، وهي تختلف عن ثقافة والده المحنك، التي كان مصدرها ناقر الطبلة في حفلات الترقيص الأمريكية الشهيرة هنري كيسنجر، فقد قرر بوش أن يتصرف بطريقة السكرتير الشخصي لهيفاء، أي الانتقام، فحرمه حتى من بدلة يظهر فيها في المحكمة!

العزيز طارق حفظه الله، ورغم شدة مرضه والتعذيب الذي تعرض له، لقن خروف المحكمة الممنوح درجة قاضي درساً جديداً جعل مرضه العصبي يشتد فتزداد رجفة خده الأيمن، وطير عزيز برقية أخرى إلى بوش يذكره فيها أنه قال له محذراً قبل الغزو بأن شعب العراق ليس لديه ورود لاستقبال الغزاة الأمريكيين بل يوجد الرصاص فقط لاستقبالهم، ويلفت نظره إلى أن أمريكا تنتحر الآن في العراق. كانت شهادة طارق عزيز شهادة للتاريخ ثبت فيها أن البعث ليس بطولة فقط بل هو أيضا قيم سامية وذكاء وخبرة لا يملك حتى جزء منها بوش وبلير وكل قادة الغرب الذين أيدوا غزو العراق. ولذلك نتحداهم جميعا أن يقفوا وقفة العز والتألق التي ظهر بها طارق عزيز، وهو في بيجامته، إذا تعرضوا لصفعة كف وليس للتهديد بالموت، فالقتلة الذين يحكمون أمريكا وبريطانيا جبناء إلى حد الموت خوفا من رؤية ظلهم لأن قاعهم النفسي مأبون ومأفون ومجنون!

وقالوا أن صدام حسين استثناء بطولي من قاعدة فرضتها أمريكا وهي أن رجال العالم قد تم اخصائهم واستعبادهم، لذلك أريد من مشهد الزنا المسمى محكمة أن يلغي هذا الاستثناء، بمحاولة قتل صورة البطل الأسطوري صدام حسين لإقناع البشرية التي تغتصبها أمريكا أن زمن ثقافة صدام حسين وجيفارا، ثقافة التحدي حد الاستشهاد، قد ولى إلى غير رجعة، وساد عصر الخرفان والبعران، الذي يفرض فيه حكاما عملاء أمريكا الخصيان، الذين يبيعون الشرف والمبادئ كلما لوحت لهم أمريكا بفخذ هيفاء وهبة أو تنظيراتها العبقرية، التي لخصتها في كراسها الشهير المعنون: (كيف تصبح قوادا في ثلاثة دقائق).

لكن هذا القول أسقطه رجال المهمات الصعبة أبطال البعث، الذين اثبتوا بالملموس أن الإنسانية تبقى تصنع أبطالها وفرسانها حتى لو اغتيل جيفارا وصدام، فبعد أن أعاد صدام حسين الأمل للإنسانية في التحرر من البربرية الأمريكية وقف طارق عزيز، رغم مرضه الشديد، وحرمانه الأشد حتى من بدلة لائقة رخيصة الثمن، ليؤكد ان البعث هو حارس الكرامة الإنسانية والحرية وفروسية أصحاب المبادئ في عصر الفساد والإفساد المنظمين الذي فرضته أمريكا على العالم.

طارق عزيز رفيق صدام حسين الوفي للوطن ورموز الوطن، والمحلق فوق رهبة الموت وقف مهابا ومهيوبا ببيجامته البسيطة وبجسده الذي أضعفه المرض والتجويع المنظم والتعذيب الجسدي والنفسي، وقال كلاما، بصوته القوي وجسده النحيل وبصره المشوش وأسنانه المتساقطة من جراء السجن والتعذيب، كان صفعة قوية بوجه النخبة الأمريكية الحاكمة، وضربة هزت المنضدة الرئاسية في المكتب البيضاوي الذي مارس كلنتون الجنس فوقها مع مونيكا.

طارق عزيز بطل من هذا الزمان، الذي تندر فيه البطولة ويكثر فيه خصيان السلطان، دخل التاريخ من باب أصعب وأخطر من الباب الذي دخل منه طارق بن زياد، الذي أطلق اسمه على طارق عزيز اعتزازا بشجاعته التي جعلت منه أحد أبطال التاريخ العالمي، لكن طارق عزيز يبدو أكثر شجاعة وتماسكا وأعظم صورة من طارق بن زياد، لان ابن زياد كان يمارس بطولته في زمن أسهل وأقل تعقيدا، أما ابن عزيز فأنه يواجه عالما فيه وحش قاتل اسمه أمريكا لم يكن موجودا في زمن طارق بن زياد، أحنى له الهامة قادة هذا العصر الأقوى ماديا من العراق بمئات المرات، لكن طارق عزيز رمز العراق المقاوم لم يحني هامته لأمريكا ورفض المساومة معها واحتقر العقلية التي تفكر بها النخبة الأمريكية الحاكمة والمسيطرة.

ولئن كان ابن زياد قد فتح الأندلس فأن ابن عزيز قد فتح أبواب العالم وقلوبه للعراق المقاوم  بوقفته الشجاعة والأخلاقية، التي أقنعت العالم بأن الأمة العربية مازالت بخير وأنها لم تهزم، ولم تهرم ولم ترغم، بل تحدت أمريكا وبصقت في وجه ديكتاتوريتها الفاشية، وأن أرحام نساء العرب مازالت معطاءة وكريمة في ولادة الرجال العظام كالرحم الكريم لوالدة طارق عزيز.

إن الرحم الذي ولد منه البعثيون، وهو الحزب، بصفتهم أعظم فرسان عصر ساد فيه الخصيان، من أمريكان وجحوش الأمريكان، ما زال يلد البطل تلو البطل ويعوض عن استشهاد رجل أو ماجدة بمئة فارس ومئة ماجدة، وحينما يغيب قائد، أو يغيب، يملأ فراغه عشرات القادة العظام، فالبعث ليس حركة بونابارتية أو انقلابية تصنع تاريخها بفعل الصدفة أو المبادرة الفردية العابرة، بل هو ضرورة تاريخية وحتمية عملية جعلت من الحزب مصنع التخطيط والتربية الحزبية والتقاليد العريقة في العمل. لذلك فأن الإنسانية بخير وان الشر الأمريكي مهزوم لا محالة وان مبادئ الحرية والعدالة وكرامة الإنسان مازالت هي المحرك لإنسان القرن الحادي والعشرين، وليس ردف هيفاء وهبة، أو بريق الأصفر الرنان، اللذان يعبدهما كل من جلس في البيت الأبيض أو قاعة الكونغرس أو امسك قلما في "النيويورك تايمز".

نعم انه عصر البطولة الذي أطلقه البعث تحقيقا لنبوءة القائد المؤسس للحزب احمد ميشيل عفلق رحمه الله، الذي كان مؤمنا برسوخ عظيم ودون يأس أو تردد منذ الأربعينيات في القرن الماضي بأن العرب سيصنعون عهد البطولة الجديد، وسينهضون مرة أخرى، وأخرى، ويبنون دولتهم الواحدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.

أيها الضمير الحي في نفس كل إنسان: اترك تحزبك، وأجل انحيازك، وانسي أحكامك المسبقة واسأل نفسك، وأنت ترى صدام وطارق وطه وبرزان وغيرهم، هل تولد البطولة الخارقة التي تميزوا بها هم بشكل خاص وميزت البعثيين بشكل عام، من رحم غير رحم النقاء الإنساني وصواب القناعات ورسوخ المبادئ؟ إن من أهم أسباب الجبن عامل عدم الاقتناع بعدالة القضية، لذلك لا يمكن للبطل إلا أن يكون شريفا ونقيا وصاحب موقف صحيح وقضية عادلة . واسأل نفسك أيضا: هل هي الصدفة التي حمت البعث ورجاله من الخيانة والضعف والسقوط رغم انهم واجهوا ويواجهون الموت والتعذيب في أقسى وأخطر أشكالهما نتيجة للاحتلال الأمريكي وسياسة اجتثاث البعث ؟ أم انه التكوين الأصيل للبعث والبعثيين ومتانة معدنهم بصفتهم رجال خلقوا وربوا لصناعة التاريخ؟

البعثيون اليوم يعيدون توحيد الأمة العربية عمليا، بعد عقود من التفتيت المنظم، فالمصري العربي المسلم حينما يرى طارق عزيز المسيحي العربي العراقي مجاهدا من اجل الأمة العربية ويهيأ نفسه للاستشهاد من اجلها يقتنع فورا، إن كان مترددا، بان من أشعل الفتنة الطائفية في مصر بين المسلمين والأقباط ليس مسلما ولا مسيحيا، وأن الأمة العربية ليست حكرا على المسلمين بل هي ملك كل من يحمل الجنسية العربية، وان المسيحي كالمسلم في حبه للوطن ودفاعه عنه، ومن ثم فان ذلك يساعده على تذكر ان القبطي المصري هو عربي أصيل وأنه ابن مصر ونيلها كشقيقه المسلم تماما.

وحينما يري الشيعي في كل مكان من العالم أن الشهيد الشيعي البعثي محمد حمزة الزبيدي، رئيس الوزراء العراقي الأسبق، قد استشهد وهو يدافع عن العراق وعروبة العراق، يذكر ذلك كل شيعي ربما نسي الحقائق بسبب غسل الدماغ، بان البعث هو حاضنة الوحدة الوطنية وضمانة عدم انقسام الأمة على أسس طائفية أو اثنية، لأنه حزب قومي مفتوح لكل عربي ولكل مواطن عراقي.

وحينما يرى المسلم في كل مكان صدام حسين وهو يحمل القران الكريم، وهو في ذروة محنته مع الاحتلال الاستعماري، ألا يتذكر أن تلك الأسماك الهجينة، والتي أزال ظلام الجهل والتعصب عيونها وضميرها وعقلها  وقالت ان البعث كافر وان صدام كافر، ما هي إلا فقاعات طارئة تظهر في قدر التاريخ حينما يغلي، لذلك ستنفجر وتتلاشى حالما تعود الأوضاع إلى حالتها الطبيعية؟

أيها البعثيون: ارفعوا رؤوسكم اعلي فأعلى، ومرة أخرى وأخرى، فأنتم من سيحرر العراق والإنسانية لأنكم الحزب الوحيد الذي لا يمثل جزء من الوطن، سواء كان طائفة أو اثنية، بل يمثله كله بكافة طوائفه واثنياته، ويحمل في ضميره آمال وأهداف الأمة والإنسانية دون تحزب ديني أو طائفي أو اثني.

أيها البعثيون: ارفعوا رؤوسكم اعلي فأعلى، ومرة أخرى وأخرى، لأنكم أبطال القرن الحادي والعشرين بلا منازع وصناع مسيرته بلا خوف من رادع، كما كنتم أبطال القرن العشرين بحق.

هل أبالغ؟ كلا فقط انظروا إلى صدام حسين ورفاقه طارق وطه وبرزان وبقية أبطال البعث ستدركون صحة ما أقوله، إذا تحررتم من تحزبكم وفكرتم فقط في تحرير العراق ومن هو المؤهل للقيام بذلك.

 

إلى صفحة مقالات وأراء12