13/02/1426


"اغتيال" طه ياسين رمضان: تفسيرات ومفارقات
 

بقلم : معن بشور 
 

في ظل محاكمات صورية وفاقدة للحد الأدنى من مقاييس العدالة والشفافية والشروط القانونية، وفي ظل ظروف غير طبيعية يواجهها محامى الدفاع حيث يقتل بعضهم، ويسجن بعضهم الآخر، فيما يطرد  آخرون منهم من جلسات المحاكمة أو يمنعون من دخول العراق، وفي سابقة غير معروفة في التاريخ القضائي المعروف حيث تشدد محكمة التمييز من العقوبة المتخذة في المحكمة الجنائية وتحيلها من السجن المؤبد الى الحكم بالاعدام، كما كان الحال مع نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان، ووسط اعتراضات دول ومنظمات وبينها ابرز هيئات حقوق الانسان، ألا  يحق لنا ان نسأل: ما الفرق بين ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش واعوانه وبين أي عصابة ارهابية تحتجز رهائن (او اسرى حرب في حالة العراق) ثم تبدأ  بتنفيذ حكم الاعدام بحقهم الواحد تلو الآخر دون ان تنسى قطع الرؤوس بعد ذبح اصحابها احياناً.

ربما الفارق الوحيد هنا، هو ان "للعصابة الارهابية" عادة مطالب ولا تعمد الى اعدام رهائنها إلا اذا تعذر تحقيق هذه المطالب، اما في حالة ادارة بوش والمتعاونين معها فهم الخاطفون، وهم المُطالبون في الوقت ذاته، مُطالبون من الشعب الامريكي بسحب القوات، ومطُالبون من شعب العراق بانهاء الاحتلال.

في ضوء هذه التساؤلات يأتي إعدام طه ياسين رمضان وفي الذكرى الرابعة لغزو العراق ليطرح هو الآخر التساؤل الاكثر خطورة: هل هذا الاعدام تتويج لانتصار مؤزر حققته جيوش الاحتلال وادواتها في العراق، أم تعبير عن واقع مأزوم، بل عن حالة احتضار يعيشها المحتل في العراق ويسعى الى الهروب منها الى القرارات السهلة باغتيال جبان لقادة النظام السابق للاحتلال وهم واقعون في اسره منذ سنوات.

قد يقول قائل ان المحتل قد صدق كذبة اعوانه مجدداً الذين اعتبروا يوم احتلال بلدهم قبل اربع سنوات "عيداً وطنياً"، فاراد ان "يحتفل" معهم "بعيدهم" الوطني باعدام نائب الرئيس العراقي في اول ايام الغزو، بعد ان "احتفل" معهم باعدام الرئيس نفسه في اول ايام الاضحى المبارك.

وفي جميع الاحوال، هناك تفسيران لاعدام رمضان، وهو الرابع في لائحة الاعدامات بين قادة البعث في العراق، اذا استثنينا من قضى منهم تحت التعذيب كرئيس الوزراء السابق، ابن المحاويل في الحلة، محمد الزبيدي بالاضافة الى عدد من كبار ضباط الجيش العراقي، او في المنفى كرئيس الوزراء السابق الآخر، ابن كربلاء الدكتور سعدون حمادي:

التفسير الاول هو ضيق ممزوج بالحقد والثأر يملأ كيان المحتل وادواته من صلابة رمضان، كسائر اخوانه المعتقلين من قيادة البعث وكوادره، وتمسكهم برئيسهم ورفاقهم ووطنهم، ورفضهم ان يلعب أي منهم دور التنصل او الوشاية او الادلاء بشهادة ضدهم.

ان هذا الضيق لا يفهمه إلا من كان يتابع التضليل الاعلامي الممهد للاحتلال والذي كان يفسر صمود  اركان القيادة العراقية (لا سيما خلال سنوات الحصار الـ13) آنذاك بانهم إما خائفون من بطش رئيسهم او انتهازيون متنعمون بامتيازات السلطة، فاذ بسنوات السجن والتعذيب التي اعقبت الغزو تكشف تهافت هذا التفسير او الادعاء بل تظهر حقيقة معاكسة لهما تماماً.

اما التفسير الآخر فهو ان المحتل واعوانه يريدون التخلص بسرعة من اركان النظام السابق للاحتلال، من خلال اعدامهم بتهمة ما جرى في "الدجيل" التي هي التهمة الاقل اهمية بين سائر الاتهامات الاخرى الموجهة اليهم، لكي يدفنوا باعدامهم تلك الحقبة الطويلة من تاريخ العراق بكل ما فيها من اسرار واخبار وخفايا لا تنحصر تداعياتها داخل العراق، بل قد تمتد لخارجه، ولا تكشف دور بعض اركان النظام الامريكي والاقليمي والعربي، بل تكشف ايضاً دور بعض اركان ما يسمى "بالعملية السياسية" ذاتها خاصة ان بعضهم اليوم يتبوأ ارفع المراكز في حكومة "المنطقة الخضراء".

لكن هذين التفسيرين لا يغيران بالمقابل من حقائق بارزة رافقت هذا الاعدام الذي بات "الانجاز" الوحيد الذي يقدر الرئيس بوش على تقديمه للامريكيين وهو يدعوهم الى "الصبر" و "الانتظار" قبل تحقيق النصر الموعود منذ سنوات في العراق.

الحقيقة الاولى ان طه ياسين رمضان (الذي يحمل اسمه الثلاثي ايحاءات مثقلة بالرموز التراثية المقدسة المعبّرة عن البيئة الايمانية التي جاء منها) قد قابل الاعدام، هو ايضاً، برباطة جأش وايمان عظيم، مدركاً ان الموت على يد المحتل شهادة يكرم الله بها من يحب من عباده.

الحقيقة الثانية ان طه ياسين رمضان ذي الاصول الكردية يستكمل مع سائر رفاقه الشهداء او الاسرى، صورة حزب البعث الذي نجح قبل الاحتلال وبعده ان يكون صورة للعراق للواحد بكل اعراقه وطوائفه ومذاهبه، وكان باعضائه وقادته من العرب والاكراد والتركمان، من السنة والشيعة، من المسيحيين والصائبة واليزيديين، تعبيراً ملموساً عن الحقيقة الوطنية الموحدة للشعب العراقي الذي حاول المحتل عشية الغزو وبعده ان يمزقها بالمصطلحات العرقية والطائفية والمذهبية تمهيداً لما نشهده اليوم من توترات اهلية، ووصولاً الى ما خطط له المحتل، ومعه الموساد الصهيوني، من فوضى تقسيمية وتوجهات فيدرالية.

   الحقيقة الثالثة ان طه ياسين رمضان الذي تولى منصب وزير الصناعة العراقية في السبعينات، نجح مع رفاقه في اطلاق نهضة صناعية واسعة في العراق شملت العديد من المؤسسات الصناعية التي شكل انتاجها قسماً كبيراً من دخل العراق غير النفطي والتي وفرت فرص عمل واسعة لمئات الالاف من شباب العراق وشاباته.

   ومن المفارقات الصارخة ان اعدام رمضان (مهندس الصناعة العراقية) قد  تم في الفترة ذاتها التي تشير فيها دوائر امريكية في البنتاغون (بول برنلكي احد مساعدي وزير الدفاع) الى ضرورة اعادة تشغيل فورية لاكثر من 143 منشأة عراقية عائدة للقطاع العام والمتوقفة عن العمل (من اصل 193 منشأة) من اجل معالجة ازمة البطالة بين العراقيين والتي بلغت اكثر من 50% خارج المنطقة الكردية، خصوصاً ان الشباب العاطل عن العمل يشكل مورداً بشرياً هاماً لتنظيمات المقاومة كما تشير هذه الدوائر التي لا تخف اسفها من ان كلفة التشغيل برمتها لا تزيد عن 100 مليون دولار وهو نصف ما تنفقه الادارة الامريكية على قواتها المحتلة كل يوم (راجع مقالة فريد زكريا في عدد النيوزويك 5 مارس/آذار 2007) بالاضافة الى ان هذا المبلغ لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الموارد التي يتم هدرها او سرقتها على يد رموز الاحتلال من ان امريكيين وعراقيين..

اما المفارقة الاخرى التي لا تقل اهمية عن تلك فهي ان اعدام طه ياسين رمضان قد تم قبل ايام من انعقاد القمة العربية في الرياض، وقد كان رمضان العضو الثابت في كل الوفود العراقية الى قمم ما قبل الاحتلال فلم يستحق اعدامه من المسؤولين كلمة ادانة واحدة على غرار ما فعله وزير الخارجية الروسي لافروف، بل ان رمضان كان المسؤول العربي الابرز في حمل ملف التكامل الاقتصادي والتجاري العربي الى معظم العواصم العربية حيث نجح في عقد اكثر من سبع اتفاقيات للتجارة الحرة مع عدة دول عربية ابرزها مصر التي كان طه وغيره من قادة البعث يشددون على مركزية دورها في الحياة العربية.

فهل يمكن ان نعزو اعدام طه ياسين رمضان، بتهمة لم تنجح المحاكمات في اثباتها، لدوره في بناء الاقتصاد العراقي وفي السعي لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، بل هل تم اعدامه ورفاقه لانهم تجرأوا، فيما تجرأوا، على تأميم نفط العراق في 1 حزيران 1972، ففتحوا في جدار الاحتكار النفطي الغربي كوة للعراق ولكل الدول المنتجة للنفط ووفروا للتنمية العراقية موارد كبيرة انعكست في النهضة العلمية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العراق.

فاياً يكن حجم الاخطاء والخطايا التي يمكن ان تلصق بتجربة البعث في العراق، فان احداً لا يمكن ان ينكر ان هذا الحزب حزب  عابر للاعراق والطوائف والمذاهب، بل هو ضمانة لعروبة العراق  التي بدورها ضمانة لوحدة العراق في السبعينات والثمانينات.

يبقى أن يتذكر المحتل وأدواته حقيقة تاريخية كبرى، أن اغتيال القادة والرموز هي فكرة قديمة ومتخلفة وتؤدي إلى عكس أهدافها، تماما مثلما النيل من حياة القادة لا يمكن أن ينهي الأفكار التي حملوها، أو يلغي الأحزاب التي أسسوها أو شاركوا في نضالها.

فهل أنهى إعدام ضباط المربع الذهبي  الاربع(صلاح الدين الصباغ ورفاقه) في اوائل الاربعينات  حركة النضال الوطني في العراق ضد الاستعمار البريطاني ام انه مدها بقوة وقدرة مكناها من طرد المستعمر وضرب مشاريعه واحلافه بعد ثورة 14 تموز 1958.

وهل أدى مصرع قائد ثورة الموصل عام 1959 عبد الوهاب الشواف واعدام زميليه ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري ورفاقهما في ساحة "ام الطبول" في بغداد، إلى إخماد حركة النضال القومي العربي ضد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ام انها اعطت تلك الحركة زخماًومدداً نجحت بهما في اسقاط ذلك الحكم 8 شباط 1963.

وهل أدى إعدام فهد زعيم الحزب الشيوعي  في اواسط الخمسينات إلى نهاية هذا الحزب أم حوّله  في حينها إلى واحد من أهم الأحزاب الشيوعية العربية ، وهل قاد إعدام العلامة السيد محمد باقر الصدر وشقيقته المتميزة السيدة بنت الهدى في أوائل الثمانينات، إلى الإجهاز على حزب الدعوة الذي أسسه أم انه أعطاه دفعة إلى الأمام رغم ما يشهده اليوم من انقسامات بسبب تعامل بعض قادته مع الاحتلال، والأمر ذاته ينطبق على المرجع السيد محمد صادق الصدر (والد السيد مقتدى الصدر) الذي شكل اغتياله علامة فارقة في اتسّاع  التيار المنسوب إليه.


أن السير في إعدام قادة البعث، وجلّهم بات على مشارف السبعين من العمر، هو بدون شك أسرع الطرق لانبعاث البعث من جديد بدلاً من اجتثاثه، فأياً تكن طبيعة الاتهامات المنسوبة لهؤلاء القادة، فان الشعوب لا يمكن أن تنسى أبناءها وقادتها الذين يغتالهم  الاحتلال وأدواته، بل أنها تدرك أن هذه الاغتيالات ستحولهم إلى رموز بين شعوبهم، التي بدورها تسامحهم على ما اقترفوه،  لتشعل بدمائهم نار المقاومة التي لا بد أن تنتصر بإذن الله.

إلى صفحة مقالات وأراء12