27/12/1427

  

تخاريف الأسرار المدفونة مع صدام حسين

 

 بقلم : د. إبراهيم علوش


"
قتلوه لكي لا يكشف أسرار علاقته بهم" كانت عملياً رسالة روبرت فيسك في الإندبندنت البريطانية في اليوم الأول لإعدام رمز الأمة وسيد الشهداء صدام حسين. ومن الطبيعي أن يصبح من يبتلع مثل جرعة السم الإعلامي هذه أقل تعاطفاً مع شهادة السيد الرئيس وأميل للامبالاة تجاهها، وهي ليست لامبالاة تجاه إعدام شخص بالمناسبة، بل تجاه التغلغل الإيراني في العراق، ومشروعية اجتياح الولايات المتحدة لدولة ذات سيادة واعتقال رئيسها وإعدامه... على الأقل، هذا هو التأثير الموضوعي لهذه المزاعم.

ومن الطبيعي أن يمارس الأعداء في الحروب الدعاية النفسية. ولكن للأسف، ما زال يوجد بيننا - بالرغم من أمثولة صدام في الشجاعة والإباء والصلابة في الموقف التي تدك من الأساس أي زعمٍ بأنه من زمرة من يخافون كشف الحقائق أو مواجهتها - من يردد بأنه أعدم لكي لا يكشف أسراره مع العدو، ولنلاحظ أن هذه التهمة تتضمن الإدانة في طياتها، وكأن صدام كان فعلاً على علاقة بالعدو!! فكيف يضل القلب إلى هذه الدرجة في تقييم من سار بالمواجهة مع العدو إلى نهايتها المنطقية، أي إلى النصر أو الشهادة؟!

على العكس من ذلك، صدام أعدم لأنه رفض المساومة مع الأمريكان، ولأنه بات رمزاً للمقاومة في الزمن الصعب. وأعدمه أذناب إيران في العراق لأنه كان الوحيد القادر على الإمساك بالعراق من أقصاه إلى أقصاه فوراً بعيد اندحار الأمريكان. والمقاومة العراقية ستنتصر في النهاية طبعاً، ولكن مع صدام، كان نزف الدماء سيكون أقل. فالشيعة العرب في العراق، الذين يشكلون جزءاً لا يتجزأ من نسيج العراق والأمة، والذين لا يتحملون وزر دمه كالصفويين بالمناسبة، كانوا سيرون في صدام قائداً طبيعياً للعراق، وعنواناً مألوفاً للاستقرار ووحدة البلاد. وبالتالي، فإن إعدام صدام ليس فقط مشروع فتنةٍ طائفيةٍ في توقيته وطريقته الاستفزازية، بل في محاولته التخلص من قيادة صدام نفسها، ومن شخصه، كزعيم اثبت جدارته في الحفاظ على وحدة العراق.

ويبدو أن البعض لم يتجاوز عقد الملفات القديمة في مرحلة صراعات جناحي البعث، والبعثيين واليساريين العرب، والبعثيين والثورة الإيرانية، عندما تم تكريس تلك التهم الممجوجة لصدام بالعمالة جزءاً من الخطاب السياسي لبعض القوى. وبما أن تكرار هذه التهم اليوم يصب مباشرة في طاحونة أعداء الأمة، ومشروع نهش العراق، فلا بد من التعريج عليها بسرعة حتى لا يبدو تجاهلها وكأنه تهربٌ من بحث "الأسرار" التي زعموا أنها دفنت مع الشهيد.

في الحرب مع إيران مثلاً، لا ننسى أن الثورة الخمينية رفعت شعار إسقاط الحكم العراقي إذ تبنت مفهوم "تصدير الثورة"، وعملت على التحريض علناً داخل العراق على إسقاط الحكم، وأن التفجيرات ومحاولات اغتيال القيادات العراقية بدأت قبل الحرب. فالحرب كانت عملياً حرباً دفاعية ضد تفريس العراق والمشرق العربي برمته. ومع ذلك، صدرت خلالها ستة قرارات لمجلس الأمن الدولي تدعو لوقف القتال وافق العراق عليها جميعاً، ورفضتها إيران، فكيف يكون العراق مسئولاً عن استمرار الحرب إذا افترضنا جدلاً أنه مسئولٌ عن بدئها، بالرغم من كل الانتهاكات الحدودية الإيرانية المسجلة والموثقة قبل إعلان الحرب؟!!

وفي الكويت، لا ننسى أن الكويت أرضٌ عراقية، وهو ما يجمع عليه كثيرٌ من معارضي صدام أيضاً. والأهم، أن حكام الكويت كانوا يغرقون السوق النفطية بشكل متعمد، مما أدى لخسائر ضخمة للاقتصاد العراقي تصب في مخطط نزع سلاح العراق بعد الحرب، أو وقف عجلة مشروعه التنموي، أي أن حكام الكويت كانوا يمارسون حرباً اقتصادية ضد العراق.

بالنسبة لحلبجة، أثبتت الوثائق الأمريكية الرسمية نفسها أن الغاز المستخدم ضد مدنيي حلبجة لم يمتلك مثله العراق، فلا داعي إذن لترداد الترهات بأن الأمريكيين أعطوا العراق ذاك الغاز. فإذا كان مستخدمو الغاز ضد الأكراد قد حصلوا عليه من الأمريكان، فإن ذلك يعني فقط أن الإيرانيين حصلوا عليه من الأمريكان.

وفي النهاية، كان في العراق مشروعٌ قوميٌ نهضويٌ استهدفه الصهاينة منذ البداية، من تدمير مفاعل أوزيراك النووي إلى الدفع عبر اللوبي الصهيوني بأمريكا لاستمرار الحصار.

وبالتأكيد لا يجوز أن نحمل العراق جريرة استهداف الولايات المتحدة للمنطقة، بل هي نزعة استعمارية متأصلة منذ ما قبل عام 1990، وعراق صدام حسين لم يكن يوماً إلا في رأس مقاومي الاستعمار، من تأميم النفط إلى قصف الكيان الصهيوني إلى مشروع البناء الاقتصادي

إلى صفحة مقالات وأراء12