بسم الله الرحمن الرحيم

30/09/1429

 عُنف

بقلم معن بشور

  موقع النهى*

 

حين علمت  أن شتورا بالذات ستكون مكان التلاقي في هذه المناسبة القومية، قفزت بي الذاكرة إلى 46 عاماً مضت،  حيث استخدمت هذه البلدة اللبنانية الهانئة، (التي شاءت لها الجغرافيا، كما التاريخ، أن تكون مركز تواصل بين لبنان وعمقه العربي وخصوصاً بين بيروت ودمشق)، كمنصة لإطلاق أبشع الاتهامات وأقذع النعوت ضد قيادة جمال عبد الناصر في اجتماع لجامعة الدول العربية للنظر في اتهامات حكومة الانفصال لمصر بالتدخل في شؤون سوريا العربية.

 

فماذا جرى بعد تلك الأيام المشؤومة، لقد انهار نظام الانفصال في دمشق بعد أشهر محدودة، وبقيت راية العروبة والوفاء لناصر مرفرفة في سماء الوطن والأمة، حتى دار الزمن دورته، لتحتضن شتورا اليوم لقاءً يحيى ذكرى رحيل عبد الناصر.

 

          إنها امة تمهل أعداءها ولا تهملهم ، تمهل المتطاولين على كرامتها وعزتها، تمهل الغارقين في إثارة كل أشكال الفتن والصراعات، ولكنها حتماً لا تهملهم.

 فأين الذين تطاولوا على مدى عقود على مسيرة ناصر، وعلى رمزية هذا القائد الكبير؟

 

 اين هم  من ذكرى الرئيس الراحل  حيث تحتشد هذه الأيام الملايين من المشاهدين العرب حول المسلسل التلفزيوني المعروف باسمه، فيتذكر المخضرمون معه أياماً كانون يعيشون فيها لحظات عزة وكرامة واستقلال وحرية ومقاومة ووحدة، فيما تتعلم الأجيال الجديدة دروساً من ماض ما زالت تداعياته حاضرة حتى الساعة، وما زال طرفا الصراع اللذين احتدمت بينهما المعارك، أي الأمة من جهة والمستعمرون وحلفاؤهم من جهة أخرى، يواجهان بعضهما البعض بكل الوسائل والأساليب، بل أن التحديات التي تواجهها الأمة في هذا العصر، تكاد تكون ذاتها التحديات التي واجهتها في عصور سابقة، وان بأساليب أكثر تطوراً ووسائل أكثر فتكاً ووحشية وعنفاً.

    

          في تاريخ أمتنا المعاصر، كان الثامن والعشرون من ايلول/سبتمبر يوماً بمناسبات عدة، ولم يكن رحيل القائد الكبير عام 1970 بأولها، ولا بآخرها، ولم يكن يوماً للحزن فقط كما كان يوم الوداع المليوني الهادر في مصر وعلى امتداد الوطن الكبير، وكما كان ايضاً يوم الانفصال المشؤوم الذي مزّق عرى اول وحدة عربية في العصر الحديث، وحدة مصر وسوريا، في 28 ايلول/سبتمبر 1961، بل كان 28 ايلول 1982 يوماً للامل ايضاً في  بيروت وهي تطرد الغزاة الصهاينة وهم يصرخون :" لا تطلقوا النار علينا فاننا منسحبون"، تماماً كما كان يوم 28 ايلول عام 2000 يوماً لاستعادة المبادرة في فلسطين عبر انتفاضة الاقصى التي تجري منذ سنوات محاولة الانقلاب على روحها، وافراغ مضمونها، وتبديد التضحيات الهائلة التي قدمتها.

 

          ومع ذلك فالخيط الذي يربط بين هذه الاحداث جميعاً يبقى جمال عبد الناصر نفسه، فالانفصال استهدف قيادته مثلما استهدف الوحدة، وبيروت التي انطلقت مقاومتها كانت المدينة المدلّلة عنده، بل كانت، مع كل لبنان، المدينة الوفية له ولشعاره الخالد: المقاومة وجدت لتبقى وستبقى، اما القدس التي انتفضت في باحة مسجدها الاقصى المبارك في مثل هذه اليوم قبل 8 سنوات، فيكفي أن نتذكر الشعار، الذي تصدر الجدار الذي استشهد بالقرب منه الطفل الفلسطيني محمد الدرة، وهو ذات الشعار الذي اطلقه جمال عبد الناصر:" ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"، والذي بات  شعار جيشي مصر وسوريا ومعهما جيوش عربية عدّة في حرب تشرين، تماماً كما كان شعار كل مقاومة انطلقت ضد المحتلين والمستعمرين في ارضنا العربية وبلادنا الاسلامية بدءاً من فلسطين حيث تم تحرير غزة عام 2006، الى لبنان حيث تم تحرير الجنوب دون قيد او شرط، الى العراق حيث المقاومة خلفت تداعيات ضخمة في مركز الاحتلال ذاته، الى أفغانستان التي اتسعت مقاومتها لتشمل أجزاء من باكستان نفسها، إلى الصومال حيث الاحتلال الأثيوبي "الواجهة" يترنح تحت ضربات المقاومين.

          إن امة لا يغيب عن وجدانها قادتها الكبار، ولا يضيع في ذاكرتها شهداؤها الأبطال هي أمة قادرة على مواجهة التحدي في كل عصر وفي كل زمن.

       

          يبقى السؤال :أي عصرٍ هذا الذي تواجه امتنا تحدياته؟

          أهو عصر القطب الأمريكي الأوحد الذي أراده المحافظون الجدد في إستراتيجيتهم الشهيرة : "القرن الحادي والعشرين: القرن الأمريكي؟" أم عصر تفكك الهيمنة الأمريكية أمام مقاومات  وانتفاضات تتوالى على امتداد الكون حتى بات ممكنا لنا تسمية النظام الدولي الجديد (وهو غير نظام الفوضى العالمية المنظمة التي حذرنا منها منذ بداية التسعينات) بنظام تعدد الانتفاضات الذي يقود إلى نظام متعدد الأقطاب.

          أهو عصر "العولمة الرأسمالية المتوحشة" التي أرادت واشنطن من خلال حرية أسواق المال، وثورة الاتصال والمعلومات، أن تضع يدها على ثروات العالم وخيراته دون حسيب أو رقيب، أم هو عصر تهاوي نظام حرية السوق مع التدخل المتزايد للدولة الأمريكية لحماية النظام المصرفي المترنح ولإبقاء مؤسسات مصرفية عملاقة على قيد الحياة دون الالتفات إلى أثر هذا التدخل ذاته على دافع الضريبة الأمريكي، وعلى عجز الموازنة الذي بلغ رقماً قياسياً، وعلى الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية المقدّمة للمواطن الأمريكي، بل دون التأكد من أن  ضخ 700 مليار دولار  في أسواق المال كفيل بوقف الانهيار الكبير، خصوصاً أن ضخ مئات المليارات لمعالجة أزمة الرهن العقارية سابقاً لم يكن أكثر من مهدئ لتعود الأمور فتزداد سوءاً كما نرى هذه الأيام.

          وهل نحن أمام عصر السيطرة الأمريكية الكاملة على قرارات ومقدرات ومصائر دول وأمم بأكملها، يستوي في ذلك القريب والبعيد، الصديق والبعيد، أم أننا أمام  عصر ما بعد جورجيا حيث قالت موسكو، بعد حوالي العقدين، من الغياب أو التغييب: " أنا هنا "، بل حيث تسعى إلى توسيع نفوذها النفطي ليشمل غاز تركمانستان وطاجاكستان ونفطهما، وحيث تقيم نظام تسوية إقليمي بين دول بحر قزوين فتنزع فتائل التفجر بين تركيا وأرمينيا، وبين أرمينيا وأذربيجان، ليصبح بحر قزوين، خزان النفط الثاني في العالم، بحراً بعيداً عن السطوة الأمريكية، علماً أن  الخليج ذاته، حيث  خزان النفط الأول ، مهدد ايضاً بالنزاع الغربي مع إيران، وبالارتباك الامريكي  في العراق، وبتبرمّ بعض دول مجلس التعاون  الخليجي من الابتزاز الأمريكي المالي الذي يتصاعد كلما ارتفعت الأسعار العالمية للنفط وازداد الفائض النقدي لهذه الدول، وهو ابتزاز يأخذ شكل صفقات أسلحة أو مشاريع غير مجدية أو اموالاً يتم انتزاعها بشكل مباشر كما كان الأمر مؤخراً مع مبلغ الألف مليار دولار الذي تم انتزاعه بحجة مواجهة الأزمة المصرفية والمالية الأمريكية.

 

          وأي عصر هذا الذي نتحدث عنه ايضاً؟

          أنعيش نحن عصر التفوق الصهيوني وأسطورة الجيش الذي لا يقهر أم أننا نعيش عصر ما بعد اولمرت، الذي كانت حياته السياسية في غرف العناية الفائقة الأمريكية بعد حرب تموز 2006 في لبنان، اقصر من حياة سلفه شارون في غرفة العناية الفائقة في مستشفاه منذ سنتين ونصف السنة.

          أنعيش العصر الذي لا تقول فيه تل أبيب كلمة إلا وتنفذها، ولا تطلق تهديداً إلا وتترجمه، أم نعيش العصر الذي بدأ فيه الكيان الصهيوني يقول كما كنا نقول، ويتوعد كما كنا نتوعد، وحين يأتي أوان الفعل فلا يفعل أكثر مما كنا نفعل، عصر المقاومة والانتفاضة والممانعة الوطنية والقومية، الذي تصنعه هذه الأيام شعوب وقوى في المشرق العربي، كما في وادي النيل وعلى امتداد المغرب العربي.

          هل نحن في عصر "نهاية التاريخ"، كما تنبأ، متسرعاً، فوكوياما قبل عقدين ليعترف بتسرعه فيما بعد، وهل نحن في عصر "الليبرالية الجديدة" التي نجحت في أن تستقطب أقلاماً ووسائل إعلام ومثقفين للترويج لها باسم نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ أم أننا في عصر انكشاف الخدعة الأمريكية الكبرى، وهي خدعة طالت الأمريكيين أنفسهم قبل أن تطال شعوب العالم وأممه، فتصبح الديمقراطية الموعودة فيدرالية  الطوائف والاعراق المتحاصصة كما رأينا في العراق ولبنان والصومال والسودان، تماماً كما رأينا كيف تتحول شعارات حقوق الإنسان إلى مفارز تعذيب، وسجون سرية، وعمليات خطف واغتيال، وإرهاب تقوم به الدول بذريعة مقاومة إرهاب الأفراد والجماعات.

 

          فقبل الحديث عن الأمة العربية وتحديات العصر علينا أن نحدد طبيعة العصر الذي نعيشه، وان نقرأ بدقة طبيعة التحولات المذهلة التي تطرأ عليه كل يوم، وربما كل ساعة احياناً، خصوصاً من قبل الذي أمطرونا على مدى العقدين الماضيين، بالدعوة إلى قراءة المتغيرات في عالم متغير والى التكيّف مع عالم القطب الواحد واقتصاد السوق، ومع موجبات الاحتلال الأجنبي بحجة التخلص من الاستبداد.

          ألا يحق اليوم لأصحاب الخطاب الخشبي (كما كانوا يصفون الثابتين على حقوق الأمة والمدافعين عن مصالح شعوبهم الحقيقية) أن يوجهوا الى  هؤلاء "الليبراليين الجدد" دعوة من اجل  قراءة جديدة لمتغيرات جديدة في عالم جديد بالفعل.

 

لقد عانى الفكر العربي، كما الخطاب السياسي العربي، من المراوحة بين نهجين يبدوان في المظهر متصادمين، لكنهما في الجوهر متلاقيان على مجافاة الحقيقة، وعلى الابتعاد عن القراءة المتبصرة لمجريات الأمور في بلادنا والعالم، وهي قراءة بقدر ما تحتاج إلى الموضوعية والتجرد والترفع عن المصالح الصغيرة، فأنها تحتاج إلى دراسة علمية دقيقة للواقع الراهن بكل مستوياته ومجالاته ودوائره.

 

النهج الأول يستسلم لقراءة تشاؤمية فلا يرى في الأمة سوى عوامل الضعف، ولا يرى في الأعداء إلا عناصر القوة، فينقاد بسرعة إلى انتهاج سياسة الاستسلام للأعداء والتكيف مع مصالحهم وتوجهاتهم، فنزداد، بفعل هذا النهج، ضعفاً على ضعف، وتراجعاً اثر تراجع.

أما النهج الأخر المغاير فيغرق في تفاؤل مبالغ فيه، فلا يرى في معسكر الأعداء إلا الانكسارات المتلاحقة، والأزمات المتفاقمة، فيستهتر بقوة العدو، دون حق، ويهمل الإعداد الصحيح لمواجهته، ولا يهتم بإغلاق الثغرات الكامنة في معسكره، فيسوق نفسه أو يُساق إلى منزلقات خطرة، ونكسات أليمة.

 

واللافت أن الكثير من ساستنا ومسؤولينا ومثقفينا ينتقلون بين النهج وعكسه بسهولة عالية، فمن تشاؤم غير مبرر الى تفاؤل كاذب، ومن تفاؤل غير واقعي الى تشاؤم مفرط.

وللخروج من هذه الثنائية لا بد من قراءة متبصرة وعلمية للوقائع تقود صاحبها الى بر الأمان مهما تلاطمت حوله الصعاب أو تكاثرت عليه المغريات.

فالواقع العربي الراهن عموماً، والواقع اللبناني خصوصاً، يشيان بوضوح الى أن المشروع الأمريكي – الصهيوني المعادي لحقوقنا ومصالحنا يترنح، لكنه لم يصل الى السقوط تماماً مهما تكاثرت مؤشرات السقوط، وبالمقابل فان مشروع المواجهة لهذا المشروع لم يصل الى مرحلة النصر الحاسم النهائي مهما تعددت علامات الانتصار، فما زال في احتياطي المشروع المضاد الكثير من عناصر القوة التي يمكن أن يستخدمها، وكذلك ما زال في بنية مشروع المواجهة الكثير من الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها أعداؤنا.

 

فالتحدي الأول الذي تواجهه الأمة العربية في عصرنا الراهن، هو تحدي القراءة المتبصرة للواقع دون مغالاة في التفاؤل ودون غلو في التشاؤم، بل دون إفراط في الأمل ودون إحباط يؤدي الى  تفريط بالحقوق والمصالح.

اما التحدي الثاني فهو تحديد الاولويات في اهدافنا وبرامجنا والاولويات، فنحشد حولها الطاقات، ونعبئ في سبيلها القوى، فلا نبدد ذرة من جهد في قضية ثانوية، ولا نتيه للحظة عن الهدف المركزي مهما اشتدت الضغوط او المغريات.

 

لا بل ان الخطوة الاولى في طريق الامان خلال مرحلة الانتقال التي نعيشها، والصراع الذي نخوضه، يبدأ بان نستعيد الاولويات التي طالما اجتمعنا حولها، وان نسترجع الرؤى التي طالما توحدنا في ظلالها، وان نتمسك بالاهداف والثوابت التي نشأنا جميعاً على الايمان بها، وأولها دون شك تحديد عدونا الرئيسي الذي ينبغي أن نخضع كل تناقضاتنا الاخرى من اجل مقاومته، وثانيها تحديد مصدر قوتنا الرئيسي وهو وحدة وطننا وامتنا التي بدونها لن يكون وطن ولن تقوم امة، بل لن يصان امن، ولن تنجح تنمية، وثالثها تحديد آليات عملنا ونهوضنا القائمة على تواصل بين مكونات الوطن والامة، وتكامل بين اقطار الامة واجيالها والافكار، وتراكم في الخبرات والتجارب.

 

اما التحدي الثالث فهو ان ندرك ان مواكبة العصر، ومواجهة المعوقات التي تحول دون التحاقنا بركبه، هي عملية مركبة متداخلة، بل هي عملية تتشابك فيها اهداف وتتفاعل فيها مجالات، وتتحرك من خلالها دوائر.

 

ففي مشروع النهوض لامتنا وبلدنا هناك اهداف وعناصر تتصل بالوحدة العربية والتنمية، بالحرية والاستقلال، بالعدالة والتجدد الحضاري، وهناك مستويات عمل تتعلق بمواجهة الفساد والاستبداد والتعصب والاختلال في بنى المجتمع والدولة.

وفي هذا المشروع ايضاً مجالات تتلاقى وتتشابك وتتداخل لترسم لوحة النهوض المتكاملة حيث لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، والتربية عن الاجتماع، والعلم والتكنولوجيا عن الثقافة، والنضال عن الايمان، والاصالة عن المعاصرة، والغايات عن الوسائل، والاهداف عن الاليات.

 

          اما الدوائر التي ينبغي التحرك من خلالها، فلقد حدد جمال عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة" الصادر عام 1953، ثلاث منها، هي الدائرة العربية والدائرة الاسلامية  والدائرة الافريقية، ثم اضاف بعد مؤتمر باندونغ عام 1955 الــدائرة " العالم ثالثية " او دائرة الدول غير المنحازة، ليضيف بعد الانفصال عام 1961، وخصوصاً بعد نكسة 1967، البعد الداخلي والمحلي .

 

          فالدائرة الوطنية تشكل قاعدة كل الدوائر الاخرى، مما يفرض الاهتمام بها، واعطاءها في بعض الاحيان اولوية على الدوائر الاخرى شريط عدم اغفال تلك الدوائر والادراك الثاقب لعمق العلاقة بينها وبين الدائرة الاصغر.

          في هذه الدائرة تتقدم بالطبع مهمات كالاستقلال الوطني والتنمية والديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي ، ولكن تبقى الوحدة الوطنية على رأس هذه المهمات وقاعدة الانطلاق الرئيسية لها.

          فالاستقلال في غياب الوحدة الوطنية يصبح مجوفاً وهشاً وقابلاً للانهيار، والتنمية في غياب هذه الوحدة تصبح مشوًهة وعديمة التوازن، أما الديمقراطية فتتحول في غياب الوحدة الى محاصصة طائفية ومذهبية وقبلية مقيته تعيد انتاج الانقسام الوطني وتغذيه.

          اما الدائرة العربية فهي تلك التي تعطي الدائرة الوطنية عمقها الاستراتيجي، وهويتها القومية، بل هي الضامنة لامن الاقطار والقادرة على تحقيق برامج التنمية الحقيقية حيث تتكامل عناصر الانتاج على المستوى القومي فيما يبقى كل عنصر منها معزولاً في غياب هذه الدائرة التي توفر ايضاً سوقاً واسعة للانتاج لا يقوم تصنيع ولا زراعة ولا سياحة ولا تجارة بدونها.

 

             لا بد من تلاقي التيارات الرئيسية في الامة ونقل العلاقة بينها من التناحر الى التحاور، ومن التنافر الى التشاور ومن التصادم الى التفاهم، ومن التصارع الى التكامل، حيث يتم استبدال الشعارات العامة التي كثيراً ما تفرًّق ببرامج عمل محددة  كثيراً ما تجمع.

          اما الدائرة الاسلامية التي تحدث عنها عبد الناصر في فلسفة الثورة، ملمحاً بشكل خاص الى فريضة الحج كاجتماع سنوي لملايين المسلمين، والتي سعى ناصر الى التحرك خلالها عبر الازهر وبعثاته، وتدريس القرآن ولغته، فلقد باتت اليوم عمقاً بشرياً واستراتيجياً واقتصادياً وامنياً هائلاً للامة العربية التي ترتبط بالدول الاسلامية برابطة الحضارة العربية والاسلامية وهي حضارة شارك في صنعها عرب مسلمون وغير مسلمين، ومسلمون عرب وغير عرب.

          لكن أهمية هذه الدائرة اليوم تتلخص بشكل خاص بدولتين إقليميتين  بالغتي الاهمية  على غير صعيد هما ايران وتركيا، حيث يشكل  المثلث الاستراتيجي العربي – التركي – الايراني ضمانة حقيقية لامن الاقليم كله، ولوحدة ابناء كل قطر من اقطاره يواجه مخططات الفتنة المذهبية، كما يشكل هذا المثلث قوة اقتصادية ونفطية ومائية لا يمكن تجاهلها على مستوى العالم.

          والى جانب الدائرة الاسلامية لا نستطيع اغفال الدائرة الافريقية التي تتداخل بعض دولها مع الدائرة الاسلامية، كما تتداخل دول اخرى مع الدائرة العالم ثالثية، ناهيك عن تداخلها العميق مع الدائرة العربية، فثلثا العرب افارقة، وثلثا الافارقة عرب.

          ان افريقيا هي قارة غنية بالموارد على انواعها ولكنها ايضاً غنية بالمتاعب على اشكالها، لذلك تشهد افريقيا اليوم صراعاً ضخماً على خيراتها ومواردها من قبل الدول الكبرى التي تقترب في سياساتها الافريقية من بعضها البعض او تبتعد حسب المصالح والتحالفات.

          ولعل المثل السوداني جليّ وواضح امامنا، فمنذ عقود وهذا البلد العربي، المسلم الافريقي، يتعرض لمحاولات اخضاع وتفتيت وتشويه الهوية والدور، لا لأنه عامر بالموارد والخيرات فحسب، بل ايضاً لانه جسر بين العروبة والاسلام من جهة وبين افريقيا من جهة ثانية.

          والمنطق ذاته ينطبق على ما يشهده الصومال نفسه من صراعات واحتراب وكذلك اوغادين في الحبشة وجيبوتي وجزر القمر.

          اما الدائرة العالم ثالثية التي انطلقت في اواسط الخمسينات على يد زعماء  حركة عدم الانحياز كعبد الناصر العربي ونهرو الهندي وتيتو اليوغوسلافي وسوكارنو الاندونيسي ونكروما الغاني، وسيكوتوري الغيني، بالاضافة الى شو ان لاي الصيني، فلقد لعبت دوراً رئيسياً في تعزيز تحركات التحرر في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وفي تحصين الاستقلال الوطني لدول كثيرة ، وفي اضفاء نوع من التوازن في العلاقة بين طرفي الحرب الباردة آنذاك: المعسكر السوفياتي والمعسكر الغربي، ناهيك عن مبادراتها من اجل شق الطريق أمام برامج التنمية المستقلة.

 

          مع انهيار القطب السوفياتي تراجع دور هذه الدوائر إلى حد كبير، والتحقت الكثير من دولها بركب السياسة الأمريكية المهيمنة، فيما اعتمدت الدول غير الملتحقة سياسة الحفاظ على الرأس في مرحلة تغيير العالم.

          أما اليوم، فان الفرصة متاحة لإحياء هذه الدائرة، خصوصاً مع تمرد دول وقوى كثيرة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا ووسط آسيا وجنوب شرقها، فرأينا حكومة بوليفيا تطرد السفير الأمريكي من بلادها وتتضامن مع دول قارتها، ونرى كوريا الشمالية تتمرد على القيود النووية المفروضة عليها، فيما تصبح المعالجة الغربية  للبرنامج النووي الإيراني نوعاً من البيانات الإعلامية الصادرة عن مجلس الأمن مع المخاوف من الفيتو الروسي على أي عقوبات جديدة.

          تبقى الدائرة العالمية حيث ينبغي التحرك بحذر بعد قراءة دقيقة ومتجردة للعلاقات الدولية وللمتغيرات في موازين القوى الدولية فلا نقع في مبالغة بالايجابيات ولا في مغالاة بالسلبيات.

 

          في هذا الإطار ينبغي التركيز على القوى الشعبية الحية في هذه البلدان، خصوصاً أنها لعبت دوراً كبيراً في مقاومة الحرب على العراق ونجحت بتسيير مسيرات مليونية في عواصم أمريكية وأوروبية.

 إن تعاظم دور هذه القوى يزداد يوماً بعد يوم، وتكاد ابرز عناوين تحركاته تتركز على قضايانا العربية خصوصاً في فلسطين والعراق ولبنان وهناك نماذج ساطعة على هذا الأمر كالمتضامنين الأجانب في فلسطين، أو كالمتطوعين في سفن فك الحصار عن قطاع غزة.

          أن العلاقة بهذه القوى تتطلب تحركا على مستويين:

1-   تحرك على مستوى الخطاب الثقافي والسياسي العربي والإسلامي بحيث ننقي هذا الخطاب من شوائب التعصب الديني أو العرقي أو القومي ونبرز الوجه الحقيقي المتسامح والحضاري للإسلام، كما المضمون الديمقراطي والانساني للعروبة.

2-   تشكيل آليات وشبكات ذات بعد عالمي، تضم قوى وشخصيات من كل القارات والثقافات والحضارات  وتتلاقى  حول قضايانا العادلة، وفي هذا الاعتبار يمكن ان نتوقف امام المنتديات الاجتماعية والعالمية المناهضة للعولمة التي تنعقد كل عام في احد بلدان العالم، وكذلك المؤتمر الدولي لمناهضة الصهيونية والتضامن مع فلسطين والعراق الذي يعقد سنوياً في القاهرة، وملتقى القدس الدولي الذي انعقد  في اسطمبول العام الفائت والذي ضم الالاف من اكثر من 60 بلداً، وكذلك الملتقى العربي والدولي لحق العودة الذي سيعقد في دمشق في 23 و24 تشرين التاني/ نوفمبر2008 بالتوجه ذاته.

 

اما على مستوى الحكومات الغربية، ينبغي اقامة العلاقات معها عبر المصالح المتبادلة  خصوصاً في مسألة النفط التي يمكن ان تشكل اداة فاعلة من اجل جذب بعض هذه الحكومات لصالح قضايانا او كحد ادنى لمنعها من دعم العدو الصهيوني.

هنا يمكن بناء استراتيجية عربية واسلامية متكاملة في ضوء توفر ارادة حقيقية لدى الانظمة في بلادنا، وهي ارادة تنمو مع تصاعد الضغط الشعبي على هذه الانظمة، ومع تبني برامج تغيير سلمي ديمقراطي في تلك الدول بالاضافة الى الادراك المتزايد لطبيعة التبدلات الدولية الذي من شأنه ان يقنع بعض هؤلاء الحكام بان امتلاكهم لارادة مستقلة نسبياً يمكن ان ينعكس ايجاباً على مصالحهم.

 

     هناك على المستوى الدولي، وقفة ضرورية مع ما يسمى المجتمع الدولي ومنظماته المتعددة وميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي والقانون الدولي الانساني حيث لا بد من تسجيل ظاهرتين:

1-        ان ما كان يسمى اجماعاً دولياً وراء القرار الامريكي قد بدأ يتكسر مع عودة روسيا بقوة الى المسرح الدولي، وربما الصين ايضاً، ومع بروز تمايز داخل دول الاتحاد الاوروبي من جهة  وبين بعض دوله وواشنطن من جهة اخرى، وهذا التطور قد بدأنا نشهده في اكثر من ازمة دولية واكثر من نزاع دولي حيث لم يعد سهلاً استصدار قرارات من مجلس الامن على قياس الطلب الامريكي.وربما هذا ما يفسر مواقف ديبلوماسين اميركيين معروفين بجنوحهم اليميني والصهيوني كجون بولتون  صاحب المواقف السلبية من الامم المتحدة ككيان، بالاضافة الى ما يشاع عن رغبة جون ماكين نفسه بتدمير منهجي للامم المتحدة كي يتم اطلاق يد بلده في شن الحروب ضد دول العالم.

2-         لقد شهد العالم خلال حقبة اواخر الثمانينات وطيلة التسعينات واوائل القرن الحالي، ظاهرة بالغة الخطورة بالنسبة للامم المتحدة، وهي ظاهرة اختطاف المنظمة الدولية من قبل الادارة الامريكية التي تفرض عليها اصدار القرارات التي تريد او تدير الظهر تماما لها ولقراراتها وترتكب حماقاتها الدموية ضد شعوب العالم كما جرى في يوغوسلافيا السابقة وفي العراق حيث شنت حروب دون موافقة دولية.

صحيح ان امكانية الاختطاف الامريكي لمجلس الامن لم تكن بالقوة ذاتها التي كانت عليها قبل سنوات، وتحديداً بعد احتلال العراق، لكن ينبغي ايجاد الوسائل والاليات الكفيلة بمنع تكرارها، وهنا يمكن وضع هذه الوسائل في حزمتين:

الحزمة الاولى تتعلق باعادة هيكلة الامم المتحدة على نحو يعيد الاعتبار للجمعية العامة للامم المتحدة، وهناك  آليات يمكن تفعيلها كالميثاق من اجل السلام الذي تم اللجوء اليه في الحرب الكورية والعدوان الثلاثي على مصر، وبما فيها أيضاً زيادة عدد الدول دائمة العضوية في مجلس الامن ووضع قيود موضوعية على حق استخدام الفيتو.

اما الحزمة الثانية فتتعلق بضرورة ايجاد مرجعية قانونية ودستورية للفصل في مدى تطابق القرارات الدولية مع ميثاق الامم المتحدة وانظمتها والقانون الدولي والقانون الدولي الانساني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فتحول بذلك دون تحول مجلس الامن الى اداة لهيمنة أي دولة قوية او مؤثرة.

 

          ان مواجهة الامة العربية لتحديات العصر هي مواجهة متعددة الاوجه والمستويات، لكن يبقى جوهرها في امتلاك ارادة المقاومة وسلاحها على مستوى الامة كلها، وعلى مستوى كل قطر من اقطارها، ولعل في الارتباك الصهيوني امام فلسطين الانتفاضة ولبنان المقاوم، والارتباك الامريكي امام المقاومة العراقية والصومالية والافغانية هو نقطة الضوء الاولى في مشروع نهوض الامة.

                   

اذا كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة، الراحلة مع بوش بعد اسابيع، قد اعلنت قبل عامين ونيف  ان شرق اوسط جديداً سيولد من آلام المخاض اللبناني خلال العدوان الصهيوني، فاننا نقول اليوم، ومع كل المتغيرات والتطورات من حولنا ان عالماً جديداً بالفعل يولد من حولنا، ولكنه يولد من الام المخاض في امتنا العربية والاسلامية التي لولا مقاومتها الباسلة في كل الجبهات  لطال عمر المشروع الامبراطوري الامريكي، والمشروع العنصري الصهيوني ، لعقود حتى لا نقول لقرون.

 

 امتنا في قلب العصر وان لم يكن كل ما فيها عصرياً ، فهي تعيد صياغة هذا العصر بكل عناوينه، فهي تحرر العالم وهي تحرر نفسها،   تستعيد للانسانية جمعاء حقوق البشر وفيما تستعيد حقوقها كامة، وهي تقاوم  اعداء البشرية كلها اذ هي تقاوم اعداءها.

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء14