بسم الله الرحمن الرحيم

20/05/1429

اتفاقية أمنية.. أم صك بيع العراق أبدياً الى أمريكا؟

العراقيون يرفضون إتفاقية الذل والعار

بقلم : د.الدكتور أيمن الهاشمي

كاتب اكاديمي عراقي

 موقع النهى*

شبكة البصرة

 
 
التقرير الذي نشرته "الإندبندنت" البريطانية قبل يومين، كان بمثابة (تفجير) لمفاجأة مذهلة كشف عن (صفقة سرية) يتم التفاوض بشأنها بين حكام بغداد وواشنطن، من شانها ان تمكن الولايات المتحدة من احتلال العراق للأبد، بعض النظر عن نتائج الانتخابات الرئاسية شهر نوفمبر القادم. ومن شأن شروط الصفقة الوشيكة، التي تم تسريب تفاصيلها، أن تتسبب في أزمة سياسية مدوية في العراق، حيث أبدى مسؤولون عراقيون تخوفهم من أن يؤدي هذا الاتفاق الذي ستحتل بموجبه القوات الأمريكية قواعد عسكرية عراقية بشكل دائم، وتجري عمليات عسكرية بقرارها، إضافة إلى اعتقالها للعراقيين، مستفيدة من حصانة القانون العراقي، إلى زعزعة استقرار وضع العراق في منطقة الشرق الأوسط، عدا عن تعبيدها الطريق أمام صراع لن ينتهي في بلاد الرافدين. واشارت الي ان الاتفاقية الامنية تهدد باشعال ازمة سياسية في امريكا أيضاً، فالرئيس الامريكي يرغب في ان يدفع لانهاء الاتفاقية واقرارها قبل نهاية الشهر القادم مما يعطيه الفرصة لاعلان النصر في العراق وتأكيد موقفه من ان غزوه للعراق اعطي نتائجه وقراره كان صحيحا. ولكن تأييد الوجود الامريكي في العراق وادامته عبر قواعد عسكرية سيؤثران علي التعهدات التي قدمها المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة باراك اوباما بسحب سريع للقوات الامريكية من العراق اذا فاز في الانتخابات المقرر عقدها في (نوفمبر) القادم. كما ان توقيت توقيع الاتفاقية سيمكن المرشح الجمهوري جون ماكين، من ان يوسع تأييده بين الناخبين الامريكيين. وقد وجه ماكين (الذي يؤيد بقاء القوات الامريكية في العراق حتي يتحقق النصر) إنتقاداته إلى اوباما واعتبر "اي انسحاب سريع متسرع ويهدد الانجازات الامريكية التي تحققت منذ العام الماضي".
وبحسب الاتفاقية الامنية فان الولايات المتحدة ستحتفظ بادارة 50 قاعدة عسكرية، كما سيحتفظ الجنود الامريكيين بحصانة مطلقة من القانون العراقي وتشمل هذه الحصانة القوات الامريكية والمتعهدين التابعين للشركات الامريكية الخاصة. كما تتضمن اطلاق يد الولايات المتحدة كي تقوم بعمليات عسكرية في اطار مكافحة الارهاب وحماية النظام الديمقراطي من أية إنتفاضة شعبية أو محاولة إنقلابية!! وكذلك إطلاق يد الولايات المتحدة في اعتقالات بدون استشارة الحكومة العراقية. وتقول الصحيفة ان طبيعة المطالب الامريكية ظلت طي الكتمان حتي الآن. وذكرت ان الاتفاقية تعتبر خرقا رهيبا للسيادة العراقية. وانه لو تم توقيع الاتفاقية فان هذا يعني فقدان الحكومة في بغداد شرعيتها وسينظر اليها علي انها تابع لامريكا. كما تتضمن الاتفاقية لواشنطن سيطرة علي المجال الجوي العراقي تحت خط 29 الف قدم. واكدت الصحيفة ما قالت انه عزم بوش لاجبار الحكومة العراقية علي توقيع معاهدة تحالف استراتيجي بدون اية تعديلات مع نهاية يوليو.
صحيفة الغارديان ايضا ادعت بأنها حصلت على مسودة من الاتفاقية السرية التي تغطي مستقبل القوات الأمريكية في العراق, وتبين منها إن التدابير اتخذت لوجود أمريكي مفتوح في العراق, بل أن الصحيفة اعترفت بأن المسودة ترجع في تأريخها إلى 7/3/2007 ومختومة بكلمة " سري" و" حساس" والغرض منها استبدال وصاية الأمم المتحدة بقيادة عسكرية أمريكية في العراق تضمن لها التسهيلات العسكرية وتطلق يدها في العراق وتؤمن لها حرية الاعتقال من دون تحديد سقف زمني! بمعنى إنها تجاوزت تبادل الأفكار, وأنجزت منذ آذار السنة الفائتة, وإنها سريه وحساسة وليس كما وصفها هوشيار زيباري وكذلك الناطق بأسم السفارة الأمريكية في العراق بقوله بأنها "شفافة ولا تتضمن بنودا سرية"!
 
ولم يكن كلام نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عن تأييده بقاء احتلال بلاده للعراق (مائة عام!!)، مجرد أمنية أو خاطرة عاطفية قالها في معرض الحملة الانتخابية للمرشح الجمهوري جون ماكين، إنما كان يتحدث عن استراتيجية تعمل عليها الإدارة الأمريكية الحالية في العراق، وتسعى لأن تكون في صلب سياسة الإدارة الجمهورية إذا قيض لها البقاء في البيت الأبيض بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالمعاهدة الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة لإبرامها مع الحكومة العراقية بشأن التواجد العسكري الأمريكي المستقبلي، تذهب في نصوصها إلى المنحى الذي تحدث عنه تشيني، من خلال وضع العراق في قبضة القوات الأمريكية إلى أمد غير محدد، ناهيك عما يمثله ذلك من نزع لسيادته واستقلاله عبر تكبيله بقيود لا تمكنه من ممارسة أي دور وطني أو إقليمي من دون الأخذ في الاعتبار هذا الوجود العسكري.
ولكأن التاريخ يعيد نفسه: ففي ثلاثينيات القرن الماضي كانت بريطانيا تفرد ظلها الاسود على العراق، من خلال اتفاقية امنية استعمارية مشابهة وضعت العراق تحت الانتداب، وكان من نتيجتها مصادرة استقلال العراق والتسلط عليه ونهب موارده والاستئثار بقراره السياسي والاقتصادي، وفك ارتباطه بقوميته وعروبته، غير ان تلك الاتفاقية المشؤومة سرعان ما تهاوت، ليستعيد العراقيون استقلالهم وسيادتهم. وليعود العراق حرا سيدا، ما اتاح له بعد ذلك فسحة للنهوض والتقدم في مختلف مجالات الحياة، الى ان جاء الغزو الاميركي الحديث متذرعا بشتى الاكاذيب والافتراءات ليبسط سيطرته على العراق من جديد، وعلى غرار ما ادعاه الانكليز من انهم جاؤوا للعراق محررين، كرر الرئيس بوش النغمة ذاتها، مدعيا انه جاء الى العراق ليحوله الى (جنة للديمقراطية في الشرق الاوسط)!، وهاهو يمضي في نفس السيناريو البريطاني فيفرض على وكلائه واعوانه اتفاقية الذل لوضع العراق تحت الانتداب الامريكي الى ما لا نهاية، وثبت للقاصي والداني ان اهدافهم الشريرة، تدمير العراق واعاقة نهوضه وتقدمه كونه يمتلك امكانيات وموارد وثروات وعقولا من شأنها ان تضعه جنبا الى جنب مع الدول الكبيرة، اضافة الى تامين حماية اسرائيل التي كانت وما زالت ترى في العراق الخطر الابدي!! فكان ترويج هذه الاتفاقية الاستعمارية من اجل اعادة العراق الى الوراء وضمان عدم قيامه من جديد، بل تضمن تفتيته وتقسيمه وضرب وحدته الجغرافيه والديمغرافية.
إن "اتفاقية وضع القوات" Status of Forces Agreement، أو ماتسمى إختصاراً "SOFA " والتي تريد الولايات المتحدة إبرامها مع الحكومة العراقية، هي صيغة طورتها واشنطن بُعيد الحرب العالمية الثانية لإضفاء السمة الشرعية والقانونية على احتلالاتها العسكرية، وهذه الصيغة طبقت بنجاح في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، وهي تتضمن ليس تعريف وتحديد القواعد والقوات العسكرية الأمريكية فقط، بل (وهنا الأهم) تثبيت الأطر القانونية التي تعمل بموجبها هذه القوات، مثل حرية الدخول والخروج من البلاد، الإعفاء من الضرائب؛ توفير خدمات الاتصالات والبريد الخاصة بها؛ تطبيق القوانين الجنائية الأمريكية لا المحلية على الجنود والضباط؛ السيطرة "الحرة" على الأجواء الجوية والعمق البحري للدولة المعنية... إلخ. لكن، هل التجارب الناجحة في ألمانيا واليابان، يمكن أن تترجم نفسها نجاحاً مماثلاً في العراق؟ الرئيس بوش يعتقد ذلك، لا بل هو واثق منه. ففي خطاب له خلال حفل تخريج في الكلية الجوية الأمريكية، قال: "في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ساعدنا ألمانيا واليابان على بناء مجتمعات حرة واقتصادات قوية. هذه الجهود تطلبت وقتاً وصبراً، لكن نتيجتها كانت أن هذين البلدين اللذين كانا أعداءَ ألدّاء لنا، أصبحا الآن من أوثق الحلفاء للولايات المتحدة. وهذا ما نفعله الآن في العراق وأفغانستان"!. لكن افتراضات بوش هذه كانت مغامرة للغاية عام 2003، وخاطئة للغاية بعد خمس سنوات من الاحتلال. فالعراق أثبت أنه ليس ألمانيا ولا اليابان. العراق هو العراق الذي حكم نفسه بنفسه طيلة ستة آلاف سنة، وأنتج امبراطوريات حكمت قسماً كبيراً من العالم القديم والمتوسط، حين كان العالم الجديد الحالي (أمريكا) ما يزال في علم الغيب، كما ان العراق أو المجتمع العراقي لم يهزم في حرب 2003 ولم يوقع "وثيقة إستسلام" كما فعل الألمان واليابانيون، حيث ضمت لائحة المهزومين المجتمع والدولة، ولذا، حين استسلمت دولتا هتلر وهيروهيتو، لحق بهما سريعاً المجتمعان، واستتبت الأمور للقوات المحتلة.
إن بدايات الترويج لهذا الأتفاق كانت عندما وقع نوري المالكي وجورج بوش ما سمي "إعلان مبادئ" في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي, وعلى أساس انه سيتم التوقيع عليه في نهاية يوليو / تموز القادم، وعلى أن يتم العمل بها في1/1/2009 ولم نسمع سوى إن الاتفاق يتضمن التزام أمريكي بالدفاع عن سيادة العراق في حالة تعرضه لعدوان خارجي في الجو والبحر والأرض, إضافة إلى تعاون في القطاعات الأمنية والفنية والسياسية والاقتصادية لم يكشف عن طبيعتها! وفي الوقت الذي يرى فيه نوري المالكي ان بنود الاتفاقية مثيرة للجدل الا انه يخشي من انهيار حكومته حالة قرر الامريكيون سحب الدعم عنها. ويعتقد ان الاتفاقية قد تكون وراء حرب بالوكالة تتنافس فيها امريكا وايران حول من يؤثر علي العراق. وفي الوقت الذي سيوقع فيه المسؤولون العراقيون علي الاتفاقية في النهاية الا انهم قبل ذلك سيحاولون الظهور بمظهر المدافعين عن السيادة العراقية. وحتي المرجعية الشيعية آية الله علي السيستاني الذي تقول صحيفة الأندبندنت انه قادر علي التصدي للمعاهدة الا انه في حيرة بين ارضاء ايران وبين الخوف من تراجع الدعم الامريكي للحكومة الطائفية، مما سيضعف أتباعه الذين لهم الغلبة في البرلمان منذ عام 2005. والمعلوم ان إيران عبّرت وعلى لسان اكثر من مسؤول كبير، عن رفضها لتوقيع اتفاقية كهذه، ورأت فيها عامل خطر وتهديد للمنطقة عموما وليس للعراق فقط. رئيس الوزراء نوري المالكي سيقوم بزيارة الى إيران خلال الأيام المقبلة، وسبقت زيارة المالكي، زيارة قام بها نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي لطهران، مؤخرا، التقى خلالها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ورئيس مجلس الشورى علي لاريجاني ووزير الخارجية منوشهر متكي. وكان حسين شريعة مداري مستشار المرشد الإيراني السيد علي خامنئي قد قال ان الإتفاقية العراقية الأميركية ستكون (استعادة للحرب الباردة بين العراق وإيران، وعزل لإيران). موضحا أنها تحول العراق الى (قمر صناعي أميركي). وانها ستؤثر في حال توقيعها على علاقات طهران وبغداد وبين العراق وجيرانه الإقليميين في المنطقة.
وترفض الولايات المتحدة فكرة عرض الاتفاقية علي استفتاء عام خشية ان يتم رفضها، وايران تحشد انصارها لرفض الاتفاقية إذ أن ايران تشعر ان امريكا قد (خانتها) ونسيت (جمائلها) في عملية (تحرير العراق)، منذ دفعت ايران الاحزاب الموالية لها للاشتراك في مؤتمرات لندن وواشنطن قبل الغزو، ومذ اطلقت امريكا العنان للاحزاب الايرانية للدخول الى العراق وارتكاب المجازر والفضاعات، ومذ سهلت امريكا لاتباع ايران الظفر والانفراد بالمكاسب السياسية في العراق المحتل، كانت ايران تتأمل ان تكون اللاعب الاساسي في العراق بعد الانسحاب الامريكي، كما قال احمدي نجاد "إن إيران ستملأ الفراغ في العراق بعد إنسحاب الولايات المتحدة منه!"، لكن الاتفاقية التي (تشرعن) لبقاء أبدي لأمريكا في العراق فاجئت الايرانيين وجعلتهم يحركون باتجاه رفض الاتفاقية، وحين حاول نوري المالكي وموفق الربيعي اقناع آية الله علي السيستاني في منزله بالنجف بمنافع توقيع الاتفاقية، كان الرد واضحا بالرفض بعد أن صرحت المرجعيات الدينية والسياسية في إيران برفضها!!
نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي أكد من عمّان "وجود اجماع وطني عراقي على عدم قبول مسودة الاتفاقية التي تجري مناقشتها بين بغداد وواشنطن لتمديد الوجود العسكري الاميركي في العراق الى ما بعد العام 2008"، واضاف ان "العراق لن يقبل بأي صيغة تمس سيادته ولا تكون في صالح العراق او لا تحقق السيادة العراقية على ارض العراق". أما حسين الفلوجي النائب في البرلمان عن جبهة التوافق فقد قال: ان كتلته ترفض مسودة الاتفاقية العراقية الأمريكية طويلة الأمد في صيغتها الحالية وقال: "أن مطالب الإدارة الأمريكية من العراق في ظل مسودة الاتفاق الاستراتيجي الحالية بين البلدين والتي سربت الى عدد من البرلمانيين غير مقبولة على الاطلاق من كافة النواحي السياسية والأمنية والقانونية لانها تكبل العراق، لعشرات السنين القادمة، بقيود مجحفة على حساب سيادته واستقلاله فضلا عن كونها تساوم سيادة العراقيين على أراضيهم مقابل اطفاء الديون المترتبة لدى الدول العربية والاجنبية على بلادهم"، على حد تعبيره. وأعرب الفلوجي عن اعتقاده أن "بقاء العراق تحت الوصاية الأممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة أفضل بكثير من توقيع اتفاقية أمنية يقدم بموجبها تنازلات مريرة وقاسية للأمريكيين"، وأردف "تبعا لقرار الأمم المتحدة الخاص الذي يحدد علاقة العراق بمجتعه الدولي، فهناك مراجعات دورية سنوية وأخرى نصف سنوية للقرار وربما تحدث متغيرات تدفع الى ان ينال العراق حق السيادة دون أن تكون هناك اتفاقية مكبلة لارادته"، على حد وصفه. أما د. ظافر العاني عن جبهة التوافق فقد صرح قائلا: "أن كل من يرحب بعقد الاتفاقية، إنما هو ضعيف في جماهيريته وأنه فاقد للشرعية، لأن الاتفاقية ظلم مجحف بحق العراق والعراقيين".
ولعل الخبر الغريب الذي سربته شبكة فوكس نيوز الاخبارية الامريكية من أن الادارة الامريكية تحاول شراء اصوات نواب العراقيين في البرلمان للتوقيع علي هذا الاتفاق المشؤوم، وكشفت في هذا الصدد ان الولايات المتحدة قدمت رشى لنواب عراقيين لدفعهم الى الموافقة على الاتفاقية!!. ونقلت الشبكة عن مصادر برلمانية عراقية قولها ان واشنطن قدمت 3 ملايين دولار للنواب الذين يوقعون على "اتفاق اطار"، في اشارة لهذا الاتفاق الامني و يرى المراقبون ان هذا المبلغ حتي لو کان کبيراً بالنسبة لکل نائب عراقي، لکن حصول الولايات المتحدة على توافق عراقي لهذا الاتفاق يشکل مکسباً کبيراً لواشنطن نظراً لاهميته القصوى. و نقلت مصادر مطلعة في بغداد بأن ممثلى السفارة الامريکية في بغداد بدأوا منذ الآن مشاوراتهم مع نواب البرلمان العراقي و ذلک نظراً لاحتمال طرح مشروع الاتفاق الامني مع الولايات المتحدة للمصادقة عليه في البرلمان قريباً. لكن الانباء الاخرى الواردة من اروقة البرلمان العراقي تؤكد ان النواب بمعظمهم مصممون على عدم الموافقة على الاتفاقية و رفض الرشاوي الامريكية.
لكن على الجانب الآخر، هناك نوابا يجاهرون بالتاييد للاتفاقية منهم الاكراد طبعا، وعدد من اتباع الائتلاف والقائمة العراقية التي يتزعمها اياد علاوي تحت ذريعة انها السبيل الوحيد لحماية العراق من خطر جيرانه وبالاخص ايران! أما الاكراد فإنهم يرونها ضمانة لعدم مهاجمة كردستان مستقبلا من قبل حكومات بغداد المركزية من خلال ابقاء الجيش العراقي ضعيفا ومهلهلا، ومن ذلك ماقاله قيادي في التحالف الكردستاني عن أهمية عقد الاتفاقية كونها حسب قوله تضمن مصالح الطرفين العراقي والأمريكي في المنطقة. وقال عضو المكتب السياسي للإتحاد الوطني الكردستاني سعدي أحمد بيرة في تصريح لوكالة (آكي) الايطالية: (نحن كدولة متحررة حديثا من الدكتاتورية بحاجة ملحة الى دعم المجتمع الدولي، من المؤكد أن هذا الدعم يحتاج الى صياغته بمجموعة من الحقوق والإلتزامات في إطار إتفاق إستراتيجي طويل الأمد، ونعتقد أن عقد هذا الإتفاق ضروري جدا لحماية مصالحنا، ودعم العملية السياسية والأمنية). واضاف بيرة (أن الاتفاقية ستنجح، لأن للعراق أيضا مصلحة مؤكدة في إبرامها لدعم العملية الديمقراطية، ويجب أن لا ننسى أن قوى التحالف كان لها دور كبير في تحرير العراق، وقدمت تضحيات كبيرة في هذا السبيل) ـ على حد قوله ـ مضيفا أنّ (من حقها أن تحافظ على مصالحها في المنطقة). وذهب بيرة بعيدا الى حد جعل توقيع الاتفاقية يعد التزاماً اخلاقياً من العراق إزاء امريكا!؟، وقال بهذا الخصوص: (أعتقد أنه من الأفضل أن تصاغ العلاقة القادمة الطويلة الأمد مع الولايات المتحدة في إطار إتفاقية إستراتيجية بعيدة الأمد، فهذا الإتفاق هو إلتزام أخلاقي منا إزاء تلك التضحيات، ونحن سواء كأكراد أو شيعة أو سنة علينا إلتزامات أمام شعبنا بإنجاح العملية الديمقراطية في العراق وتحقيق أمنه واستقراره، لذلك فإن هذه الإتفاقية مطلوبة وضرورية جدا لصياغة العلاقة مع الولايات المتحدة بما يحفظ مصلحة العراق والعراقيين). على حد وصفه.
النائب الشيعي وائل عبد اللطيف (المتذبذب بين قائمة علاوي وقائمة الأئتلاف!)، دعا الحكومة الحالية إلى إبرام الاتفاقية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وقال إننا بحاجة الى ابرام تلك الاتفاقية لاعتبارات أمنية واقتصادية وطالب الجهات التي أعربت عن رفضها الاتفاقية بمراجعة قراراتها بهذا الشأن. وأضاف عبد اللطيف: "يجب أن تؤخذ أمريكا بنظر الاعتبار، أمريكا القطب الأول اليوم في السياسة الدولية، دولة تكنولوجياً رقم واحد واقتصادياً رقم واحد وأيضاً في المعلومات الاستخبارية رقم واحد لديها الـCIA فضلاً عن قواعدها العسكرية المنتشرة في اصقاع العالم وبالتالي فإن أمريكا تشكل قوة اقتصادية وسياسية واستثمارية وتكنولوجية تحتل رقم واحد في المنظومة الدولية بدون منازع، أما العراق غير قادر على تحقيق أمنه الداخلي بوضعه الحالي وغير قادر على حماية حدوده الخارجية فأذن من يحمي العراق اذا انسحبت القوات الأمريكية او تمت جدولة هذه القوات من ناحية فعلية".
الحكومة العراقية تتخبط فى تبريراتها حتى انها اخذت تفترى بسذاجة على الحقائق، فهى تدعى ان خروج العراق من البند السابع لمجلس الامن يتطلب مسايرة الطرف الاقوى فيه، مع ان الحكومة العراقية لم تطالب مجلس الامن ولا لمرة واحدة باخراج العراق من تحت البند السابع. ويفترض بامريكا ان تكون قد حققت اغراضها المعلنة من الحرب وبالتالى فهى لا تعارض اخراج العراق من البند السابع الا اذا كان لها اغراض اخرى، وهناك تبرير اخر هو ضرورة استمرار التواجد الامريكى لحماية العراق بسبب من ضعف امكانياته الدفاعية الحالية، السؤال من هو المتعمد فى ابقاء العراق دون امكانية دفاعية حقيقية رغم مرور اكثر من خمس سنوات على احتلاله؟، واذا كانت الحكومة العراقية تتمتع بسيادة حقيقية فكيف تسمح لقوات اجنبية تتواجد على ارضها وترتكب جرائم لا يحق للعراق ملاحقة مرتكبيها؟ وكيف تسمح لنفسها باقامة مجلس دفاع مشترك يشاركها السيادة اذا لم نقل يصادرها؟
ان الشعب العراقي يرفض هذه الاتفاقية جملة وتفصيلا والجهات التي تقف وراءها او الراغبة بها، ويرى العراقيون في هذه الاتفاقية اتفاقية استعمارية بامتياز، ولن يكون مصيرها افضل من الاتفاقية البريطانية، وسيجد المحتلون الاميركيون انفسهم إزاء غضبة عراقية ضارية يهرولون فرارا، كما حدث معهم في فيتنام بالامس القريب.

 

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء14