بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الفساد قلب الظلمة في العراق

 

 بقلم :محمد عارف

 شبكة النهى*

 

تبادل إطلاق الرصاص بين قوات أمن عراقية وتسعة مدراء عامين في "وزارة التجارة"، واختفاء الوزير، وشقيقيه المطلوبين للتحقيق من قبل "هيئة النزاهة"، والمناوشات المتوقعة بسبب تقرير "هيئة النزاهة" عن الفساد في جميع الوزارات، بما فيها الداخلية، والنفط، والدفاع... والمنافسة بين وكالات الأنباء والصحافة العالمية لتحقيق السبق في الكشف عن محتويات التقرير، وتحليل محتوياته، كما أحاول أن أفعل هنا... هذه هي الحياة التي يقول عنها الشاعر وليام شكسبير "قصة يرويها أبله مملوءة بالصخب والعنف"!

وأيّ متابع جدي لأوضاع العراق لا يغالبه الشعور ببلاهة البحث في وقائع الفساد، وعبث تحليل إحصائيات "هيئة النزاهة" عن قضاياه المحالة للمحاكمة، وهي تعد على أصابع اليد؟ بعد أكثر من ست سنوات من الكتابة عن العراق أشعر كبطل مسرحية الأديب الساخر "موليير" الذي اكتشف أنه كان يتحدث النثر طوال حياته. لقد اكتشفتُ أنني كنت أكتب عن الفساد، منذ كان احتلال العراق يسمى تحريراً.

عنوان مقالتي المنشورة هنا في التاسع من أكتوبر عام 2003، "الاحتلال الأميركي للعراق فاسد من الرأس إلى الذيل". وتستهل المقالة نكتة مشهورة عن الملاّ نصر الدين الذي يروي عنه العراقيون نكات ذكية، ومنها نكتة عن بائع في سوق السمك ببغداد سأله لماذا يفحص السمكة عن طريق شمّ مؤخرتها وليس رأسها كالمعتاد؟ قال الملا نصر الدين: "أعرف سمكتك عفنة من الرأس.. بس أردت أتأكد هل وصلت عفونتها للذيل"!

وكانت عفونة الفساد قد وصلت الذيل عندما كتبت آنذاك عن "جرائم النهب والسلب والاحتيال والرشاوى وانتهاك القوانين وإفساد الذمم واستباحة المال العام وتوزيع الأسلاب على الأقارب والأصدقاء، بشكل لم تشهد المنطقة والعالم مثيلاً له إلاّ في عصور الانحطاط. بعض الجرائم يرقى إلى مصاف الخيانة العظمى، في تقدير بول كروجمان، أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة".

وفي العام الماضي فاز كروجمان بجائزة "نوبل" في الاقتصاد، وأعلن أنه لن يغفر للإدارة الأميركية السابقة ما فعلته بالعراق والاقتصاد العالمي. وكما في رواية جوزيف كونراد "قلب الظلمة" التي تعتبر من أشهر قصص القرن الماضي، أصبح لقصة الفساد في العراق وجودها الخاص داخل القصة. وظلمة الفساد في العراق بيضاء كالكوابيس تتراقص فيها أشباح عارية خليعة، تخرج لسانها تهكماً، وتلعب بحواجبها، وتغمز بعيونها استهزاءً!

ويزخر بالخلاعة التقرير الذي سربته الدبلوماسية الأميركية في بغداد، واستهلته بالاعتراف بأن "العراق غير قادر حالياً حتى على الفرض الأولي لقوانين مكافحة الفساد"! وأن المساس مستحيل بوزارة الداخلية التي تحتل المرتبة الأولى في الفساد، ولا جدوى من التحقيق مع مسؤولي وزارة الدفاع التي ضربت الرقم القياسي في حجم الأموال المنهوبة، أو معرفة سبب عجز "هيئة النزاهة" والمفتشين العامين عن النظر في قضايا سرقة النفط.

ويصبح التحقيق في الفساد جزءاً من الفساد عندما نقرأ عن دور رئاسة مجلس الوزراء في حجب الدعم والموارد عن "هيئة النزاهة"، وعرقلة الحكومة سير التحقيق في عدد من القضايا، أو حرفه عن مجراه، ومقاومة جميع أجهزة الحكومة وضع معايير لقياس أدائها في مكافحة الفساد.

وكما في المثل الشعبي "قص راس واقطع خبر"، اعتمدت "وزارة الرياضة والشباب" على فقرة في الدستور تمنحها حصانة شاملة من جميع التحقيقات! وتحصّنت وزارات أخرى ضد تحقيقات "هيئة النزاهة" بقوة المليشيات الطائفية وعصابات الإجرام. فعلت ذلك "وزارة النقل"، فيما اتخذ وزير المالية، وهو زعيم مليشيا سابق، "موقفاً لا رحمة فيه من استخدام قوانين مكافحة الفساد ضد موظفيه"، وسجلت السبق وزارة "الهجرة والترحيل" التي حققت في قضية واحدة فقط، وهي المسؤولة عن حماية ما لا يقل عن أربعة ملايين شخص!

وللفساد كما لنظام الحكم أساس اجتماعي واقتصادي وتشريعي واحد، وهو النظام الريعي الذي يعتبره علماء الاجتماع والاقتصاد منذ ابن خلدون، أساس الفساد في المنطقة. كان ابن خلدون يسميه "الكسب الذي يأتي بالسعي نحو الاقتناء"، ويميّزه عن "الرزق الذي لا بد له من سعي وعمل"، ويعتبر "ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي".

وفي العراق الحالي ليس بمعاش طبيعي نمط جديد من النظام الريعي يطلق عليه "روجر أوين"، الأكاديمي في جامعة هارفارد، اسم "النظام الريعي الطائفي الهجين". وهو هجين لأنه يتميز، حسب رأيه، بوجود "أكثرية شيعية تميل إلى الانقسام إلى فصائل متناحرة". ويختلف في ذلك عن النظام اللبناني الذي يقوم على التوازنات الطائفية.

والفساد في العراق ليس الفساد المعتاد المخالف للقانون، بل الفساد القائم على أساس قانوني، الفساد المشروع، أو الشرعي، إذا صح التعبير. إنه قلب الظلمة الذي اقتلع الدولة من جذورها، وطرحها أرضاً، وذبحها، وقطّع أحياءها، ومدنها، ومحافظاتها. هذا الدم السائل من أجساد ملايين العراقيين هو دم الدولة، يُسفحُ بحكم القانون، وبموجب الدستور. يستكشف ذلك جيل جديد من باحثين عراقيين أذكتْ نيران الاحتلال قلوبهم وعقولهم.

"الفساد في العراق... بُنية لا عَرَض"، هذا هو عنوان دراسة الباحث يحيى الكبيسي، ولا ترينا الدراسة ما لم نره، بل تجعلنا نفكر بما رأيناه جميعاً، ولم يفكر فيه أحد بعدُ. مشاهدُ "كوميديا سوداء"، كما يسميها الباحث، تعيد إنتاج نفسها منذ لحظة التأسيس الفاسدة، وصدور "البيان رقم واحد" الذي أعلن فيه بريمر نفسه حاكماً مطلقاً على العراق.

ويتابع الكبيسي مسلسل بيع موجودات الدولة، ومئات المعامل وملايين الأطنان من المعدات، "من دون أن يعرف المواطن العراقي حتى اللحظة لماذا بيعت، وبأمر من، وأين ذهبت الأموال الخاصة بذلك"؟ وما مصير مليارات الدولارات التي استولى عليها المحتلون في "البنك المركزي"، والمليارات المتراكمة في "برنامج النفط مقابل الغذاء"، وماذا حل بموارد النفط العراقي الذي استمر في التدفق بمعدلاته قبل الاحتلال؟

ويرصد الباحث التواطؤ الجماعي على الفساد بين الأحزاب الحاكمة التي تملك أموالاً طائلة لا يُعرف مصدرها. وذروة "الفساد في إطار القانون"، حيث تصدر تشريعات وتعليمات، تُمنح بموجبها أموال أو أراضي أو مساكن، من دون أي مسوغات قانونية، أو حتى أخلاقية. وتصدر قرارات رسمية تمنح مرتبات تقاعدية عن خدمة بضعة أسابيع تعادل 300 ضعف أعلى مرتب تقاعدي لموظفين خدموا الدولة لمدة تفوق ربع قرن!

وتنافست مجالس "رئاسة الجمهورية"، و"رئاسة الوزراء"، والمجالس التشريعية المتعاقبة، والوزراء والمدراء العامين... في منح "عطايا"، و"مكرمات" ومخصصات لأعضائها، بلغ بعضها 50 ألف دولار لأعضاء "الجمعية الوطنية"، وخصصت رواتب تقاعدية لأعضاء مجالس الرئاسة والوزراء ووكلاء الوزارات والمستشارين... تعادل 80 في المئة من رواتب أقرانهم المستمرين في الخدمة، وهذا مخالف لكل القوانين العراقية الموجودة قبل وبعد الاحتلال!

وهكذا، كل قصة فساد في العراق مفجعة مثل رواية "قلب الظلمة" المكتوب على غلافها: "بكى، وهو يهمس عن صورة ما، رؤيا ما، بكى مرتين بكاءً لم يكن سوى شهقة: يا للهول، يا للهول"!

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مقالات وأراء14