بسم الله الرحمن الرحيم

            07/01/1430

العدوان على غزة: "مكاسب تكتيكية وفشل إستراتيجي
 

 بقلم :د. خير الدين حسيب

 شبكة النهى*

لخّص المحلل الإستراتيجي الأمريكي أنتوني كوردسمان، الخبير في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن، في تقريره، عمّا حققته إسرائيل في عدوانها على غزّة، صورة ما جرى قائلاً: إن إسرائيل نجحت في تحقيق "مكاسب تكتيكية وفشل إستراتيجي".

فما هي الصورة بعد كلّ الاجتماعات والمؤتمرات الدولية والعربية التي عُقدت أثناء وقف إطلاق النار وبعده بصورة منفردة من قبل إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة؟ وماذا كانت الحصيلة إسرائيلياً وفلسطينياً وعربياً؟

على الجانب الإسرائيلي، كان الهدف على حدّ زعمهم أن تستعيد إسرائيل "قوة الردع" التي فقدتها عملياً بعد عدوانها على لبنان عام 2006، وأن تصفّي "حماس" أو أن تطيح على الأقل بقدراتها العسكرية، وأن تمنع إطلاق الصواريخ عليها من غزة، وأن تُطلق سراح أسيرها جلعاد شاليط! وكما تبين ممّا تسرب من معلومات من داخل إسرائيل، أثناء العدوان وبعده، فإن إسرائيل أعدت للعدوان منذ عدة أشهر، ولم يكن ذلك بسبب عدم تجديد المقاومة في غزّة لاتفاق التهدئة الذي انتهى قبل العدوان (19/12/2008) والذي رفضت المقاومة تجديده بسبب عدم التزام إسرائيل من جانبها بفتح المعابر. فهل حققت إسرائيل تلك الأهداف؟

وفيما عدا الدمار الذي ألحقته إسرائيل بالبنى التحتية والحياتية، والجرائم التي ارتكبتها في حق المدنيين الفلسطينيين: قتلى وجرحى في غزّة، وضمنها جرائم الحرب التي يجرّمها القانون الدولي، فإن ما لحق بالمقاومين الفلسطينيين في غزّة من خسائر كان محدوداً، وظهر أن قدرات المقاومة في غزّة تجاوزت توقعات الإسرائيليين، حيث ظلّت صواريخ المقاومة تُطلق على المستوطنات والمدن الإسرائيلية حتّى آخر يوم من العدوان. وعجزت إسرائيل عن الانتقال إلى ما سمته "المرحلة الثالثة" لاحتلال غزّة، بعد أن دبّ الخلاف بين أركانها حول الدخول في تلك المرحلة، وأعلنت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب واحد، بسبب تلك الخلافات، وقبل يوم من انتقال السلطة في الولايات المتحدة إلى الرئيس الجديد، وكان إيقاف إسرائيل إطلاق النار من جانبها هي المرة الأولى التي تُعلن إسرائيل في تاريخها وقفاً للنار من جانب واحد في نهاية إحدى حروبها.

وهكذا يتبين أن إسرائيل رغم ما ألحقته بغزّة من قتل جماعي وخراب ودمار، لم تتمكن من استعادة قدرتها على الردع، أو إضعاف القدرات العسكرية للمقاومة، و"حماس" بشكل خاص، بما في ذلك قدرتها الصاروخية، ناهيك عن هدف القضاء عليها، أو إضعافها عسكرياً، كما لم تتمكن من إطلاق سراح جنديّها الأسير.

إلا أن إسرائيل من خلال "مذكرة التفاهم" التي عقدتها وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس حول منظومة الرقابة على "تهريب" الأسلحة إلى غزّة، وما أعقب ذلك من قرارات في اجتماع "شرم الشيخ" (19/1/2009)، ومن مقررات الاتحاد الأوروبي حول ذلك، قد حقق لإسرائيل، نظرياً على الأقل حتّى الآن، توسيع نطاق مسؤوليات ومجال "حلف شمال الأطلسي" ليشمل شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج عدن، بحجة مراقبة ومنع "تهريب" الأسلحة إلى غزّة، وهو تطور خطير لمصلحة إسرائيل. ويبقى أن نرى كيف ستواجه المقاومة في غزة هذا التطور، والموقف العربي منه!

على الصعيد الفلسطيني، أثبتت المقاومة الفلسطينية في غزّة قدرتها على الصمود، ولم يكن مطلوباً منها أكثر من ذلك، وكانت الخسائر البشرية بين مقاوميها محدودة، وأثبتت أنها كانت قد خططت لمواجهة العدوان بشكل أذهل إسرائيل وتوقعات بعض العرب! وخرجت المقاومة الفلسطينية في غزّة، و"حماس" بشكل خاص، أكثر قوة وشعبية سياسياً، فلسطينياً وعربياً. وبدلاً من أن يقضي هذا العدوان الإسرائيلي على "حماس" أو يضعفها على الأقل، فإنه ساهم في تقويتها وزيادة شعبيتها مما أصبحت معه رقماً كبيراً في المعادلة الفلسطينية لا يمكن تجاهله. كما أثبتت أن المقاومة هي الوسيلة الأساسية للتعامل مع إسرائيل وتحرير الأرض الفلسطينية.

كما حققت القضية الفلسطينية نتيجة فشل ذلك العدوان، زخماً كبيراً فلسطينياً وعربياً ودولياً، وأتاحت للجيل الفلسطيني والعربي الناشئ أن يعي ويتشبع بالقضية الفلسطينية، والطبيعة العدوانية لإسرائيل، وهو استثمار يشكل ضماناً لقيام هذا الجيل باستمرار حمل عَلَم القضية في المستقبل.

وبسبب جرائم إسرائيل أثناء عدوانها، وما نقلته وسائل الإعلام العربية والدولية، وفي طليعتها فضائية "الجزيرة" العربية والإنكليزية، من صور للمجازر التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في غزّة، أخذت القضية الفلسطينية بُعدها الدولي أكثر من أي وقت مضى، وساهمت هذه الوسائل في كشف الصورة الحقيقية لإسرائيل أمام العالم، وبخاصة في تركيا، وفي ذلك كسب كبير للقضية الفلسطينية دولياً، إذا ما أُحسن استثماره والاستفادة منه في المستقبل.

أما على المستوى العربي، فكانت هناك مفارقة كبيرة بين الموقف الشعبي والرسمي، ففي حين أثار العدوان الإسرائيلي على غزّة والجرائم البشعة التي ارتكبتها الدولة الصهيونية هناك، المشاعر العربية من مظاهرات واعتصامات وأشكال أخرى من التعبير والتضامن، بشكل لم يسبق له مثيل منذ عام 1948، حتّى هذا الاعتداء الوحشي، واستمرار هذه الانتفاضة الشعبية العربية من المحيط إلى الخليج طيلة فترة العدوان، فإن الموقف الرسمي العربي أظهر ضعفه وكشف عن خلافاته العميقة، وهو ما تجلّى في اجتماعاته ومؤتمراته ومناوراته المختلفة، وكما وصفه الرئيس سليم الحص "كان ضعيفاً أو ملتبساً أو مشوهاً"، وظهر البون الشاسع بين موقف الشعوب العربية وموقف معظم أنظمتها، مما اضطر بعض الأنظمة العربية إلى منع المظاهرات، وبالقوة أحياناً.

ما الذي نخرج به من حصيلة كلّ ما جرى إسرائيلياً وفلسطينياً وعربياً ودولياً؟

1- أثبتت اعتداءات إسرائيل على لبنان عام 2006، وعلى غزّة عام 2008- 2009 أن المقاومة هي الوسيلة الأساسية لوقف العربدة والعدوان الإسرائيلي، وأن كلّ التسويات من "مدريد" إلى "أوسلو" إلى "وادي عربة" وما تلاها لم تحقق للشعب الفلسطيني الحد الأدنى من مطالبه.

2- عادت القضية الفلسطينية "قضية عربية"، بعد أن تاهت لفترة طويلة في "فلسطينية القضية"، وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات.

3- إن الأوضاع الدولية والعربية، واختلال ميزان القوى الدولي والإقليمي، لا يتيح في المستقبل القريب أية تسوية سياسية تحقق الحد الأدنى المقبول فلسطينياً، سواء ما يتعلق بالقدس، أو إزالة المستعمرات الصهيونية، أو عودة اللاجئين. كما أن الأوضاع الداخلية الإسرائيلية وانتخاباتها القريبة وعدم توفر قوى سياسية إسرائيلية راغبة وقادرة على تحقيق حل الدولتين، تجعل احتمالات هذا الحل ضعيفة للغاية. ولذلك فإن المرحلة القادمة هي مرحلة "الصمود"، وتمكين الشعب الفلسطيني من مقومات الصمود على أرضه، وهي مرحلة تتطلب توفير حاجاتها وشروطها عربياً، حتّى يتغير ميزان القوى ويكون هناك نظام عربي مختلف وقادر على استعمال الأوراق التي لديه من نفط وغاز وأرصدة مالية للضغط والحصول على الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروعة وتحرير الأراضي المحتلة عام 1967 على الأقل.

4- يتضاءل تدريجياً وباستمرار حلّ "الدولتين" وبدء التفكير والعودة إلى حلّ "الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة" التي تجمع الفلسطينيين واليهود في إسرائيل في دولة اتحادية واحدة. وفي حين يتزايد ترداد ومناقشة هذا البديل فلسطينياً، سيحتاج الأمر إلى وقت طويل وتغير واضح في ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، ليبدأ الإسرائيليون بالتفكير الجدي فيه، ويبدأ الرأي العام الدولي بالاعتراف بجوانبه الإيجابية وطابعه العملي، حتّى وإن كان على المدى الأبعد.

5- كلّ ما تقدّم يحتاج إلى تحقيق "الوحدة الفلسطينية" والانتقال من الصراعات الداخلية إلى توحيد الجهود، والالتزام بالديمقراطية بِكُلّ شروطها ومتطلباتها، والاتفاق على خطّة طويلة الأمد لتحرير الأرض الفلسطينية.

6- وقبل ذلك وبعده، هناك الحاجة السريعة والملحّة لإعادة إعمار غزّة البطلة وتضميد جراحها، وأن لا تعطي الأطراف الفلسطينية الحجة لتلكؤ المال العربي في إعادة إعمار غزّة بأحسن ممّا كانت عليه.

7- كما تبقى مهمة تطويق محاولة إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي توسيع مهمة حلف شمال الأطلسي، بحجة مراقبة "تهريب" الأسلحة إلى غزّة، لتشمل شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وخليج عدن، وقد سبق أن أفشل العرب مشاريع سابقة من أمثال "حلف بغداد" و"الشرق الأوسط الكبير" و"الشرق الأوسط الجديد" وغيرها. وهكذا فقد كُتِبَ علينا أن نقاوم امتداد حلف شمال الأطلسي إلى ظهرانينا.

8- كما يجب أن يُعطى موضوع ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب الإسرائيليين أثناء العدوان على غزة أولوية بتوثيق هذه الجرائم وإحالتها إلى المحاكم الدولية.

ألا يحقّ بعد كلّ ما سبق، أن يقول أنتوني كوردسمان، وتقول الواشنطن بوست والفايننشال تايمز إن "إسرائيل فشلت إستراتيجياً" في عدوانها على غزّة، وأليس من حقّ البعض القول "إن الحرب الإسرائيلية على غزّة هي آخر حروب إسرائيل العدوانية"

 

إلى صفحة مقالات وآراء14