بسم الله الرحمن الرحيم

19/05/1429

 

أكذوبة الفصل السابع

العراق نفذّ التزاماته وما بقي التزامات يتوجب

على الأمم المتحدّة والمجتمع الدولي تنفيذها

 بقلم : ناصر محمود

  موقع النهى*

شبكة البصرة

في ظل السجال المتصاعد بخصوص مشروع الإتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين الحكومة العميلة والإدارة الأميركية يحقّ لنا أن نسأل كل اولئك الذين يتبادلون الأدوار في الحديث عن بنود الإتفاقية وعن التعديلات التي يقترحونها وعن البنود الغامضة وتلك التي هيّ محل خلاف، نسألهم هل تعقلون أن محتلاً يمكن ان يقدّم خيراً لبلد يقع تحت إحتلاله؟

الجواب بالتأكيد كلاّ، والأدلة كثيرة بمراجعة سريعة لتاريخ الإحتلالات. فكيف بمحتل متوحش تتلخص أهدافة في تمزيق بلادنا بغية إستمرار سيطرته عليها، ليتسنى له الإستمرار بنهب خيراتها.

من فرضهم المحتل حكّاماً لبلادنا، والسياسون الذين ساقتهم المحاصصة الطائفية لكي يكون جزءاً من عملية سياسية عرجاء يمسك المحتل بمعظم خيوطها، يقولون أن الإتفاقية مهمّة لإنها السبيل لإخراج العراق من الفصل السابع!

وقد كتب الكثير عن هذا الموضوع، لكن للتذكير إن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة هو ليس مكاناً تدخله الدول ولا تجد مخرجاً منه إلاّ بعد أن ترهن مستقبلها لدولة أخرى، بل عبارة عن مواد تتضمن عدة إجراءات يتخذها المجلس ضد دولة ما يتوجب عليها الوفاء بها ضمن سياق زمني معين، وبتنفيذ هذه الإلتزامات يتمّ إبطال تلك الإجراءات.

وبالنسبة للعراق فقد فرض المجلس، وبإلحاح وضغط كبيرين من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، دولتي العدوان والإحتلال، عشرات القرارات تضمنّت حصاراً إقتصادياً قاسياً جداً، كان الهدف منه، كما إتّضح فيما بعد، إنهاك العراق، حكومة وشعباً، تمهيداً لغزوه وإحتلاله.

 

يعتبر القرار 687 الصادر بتأريخ الثالث من نيسان 1991 القرار الجامع لمعظم الإلتزامات التي توجبّ على العراق تنفيذها. فقد تضمن القرار آلية لتدمير برامج ما سمّي بإسلحة الدمار الشامل العراقية، وإعادة ترسيم الحدود مع الكويت، وتشكيل لجنة للتعويضات، وغير ذلك من الإجراءات.

وتوالدت عن القرار المذكور قرارات أخرى بحجة تلكؤ العراق بتنفيذ التزاماته بموجب القرار المذكور، لكنها في الحقيقية كانت تهدف الى إدامة الضغط على الحكومة العراقية وتأخير رفع العقوبات الإقتصادية مما سبب إطالة أمد الحصار، سنوات عديدة كانت الولايات المتحدة تعدّ العدّة خلالها لتنفيذ غزوها العسكري!

إن من سخريات القدر أن يتحول مجلس الأمن الدولي منذ عام 1990 الى مجرد مكتب صادرة تابع لوزارة الخارجية الأمريكية حيث تطبخ فيها القرارات المضادّة للعراق وما على المجلس إلاّ وضع رقم وتأريخ لها وإصدارها ضمن الفصل السابع لتكون ملزمة التنفيذ، وبالتالي فأن مجموع القرارات التي صدرت ضد العراق طبقاً للفصل السابع هي أضعاف ما أصدره المجلس منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 ولحدّ الآن.

  

لكن القرار 687 ظل القرار الأساس الذي تدور حوله كل القرارات الأخرى، ولذلك سمّي بـ (أبو القرارات)، وقد تضمّن آلية لإنهاء العقوبات وبالتالي (خروج) العراق من الفصل السابع. فالفقرتين 21 و 22 من القرار المذكور تنصّان على كيفية إنهاء الإجراءات المفروضة على العراق عندما ينفذّ قرارات مجلس الأمن.

 

وكما هو معروف، فأن الجزء الأهم من القرار أعلاه يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. ولعلّنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن العراق كان قد نفذ كلّ التزاماته إلاّ أن الولايات المتحدّة وبريطانيا ومن خلال وكلائهما في اللجنة الخاصّة ظلاّ يضغطان لكي لا تصدر اللجنة الخاصّة ومنظمة الطاقة الذرّية ما يبرئ ساحة العراق وذلك بهدف إدامة العقوبات عليه، ولكي لا يخسرا هذه الورقة الضاغطة على النظام الوطني في العراق.

وخدمة لهذا الهدف راح عملاء واشنطن الصغار، أحمد الجلبي، والشهرستاني، وخضير حمزة، وعبد العزيز الحكيم، وغيرهم من (رموز) المعارضة العراقية (الوطنية جدّاً) آنذاك، والقيمين على مقدّرات البلاد حالياً، بتلفيق الأكاذيب، وتزوير التقارير عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، لغرض التشجيع على غزو العراق وتغيير نظامه الوطني.

وعندما حصل الغزو والإحتلال، أرسلت الولايات المتحدة فرقها المكوّنة من عناصر مخابراتها الذين كانوا أعضاءً في فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة، وتحقّقت بنفسها إن كانت أرض العراق تخبئ، كما زعموا وزعم عملائهم أعضاء الحكومة (العراقيّة) الحالية، أيّاً من تلك الأسلحة وأصدرت بعد ذلك تقارير مفصّلة ونهائية تؤكد خلو العراق تماماً منها.

 

أمّا الإجراءات الأخرى، فقد جرى تنفيذها بآليات وضعها المجلس لا دخل لحكومة العراق بها. فتخطيط الحدود مع الكويت فرضه المجلس، ومع أن هذا الإجراء مخالف لروح الميثاق، إلاّ أنه فرض أيضاً على العراق القبول به.

وبالنسبة للتعويضات، فقد تولّى مجلس الأمن تشكيل وإدارة لجنةً فرعيّة تابعة له خوّلها كل الصلاحيات لتفيذ ما يترتب على العراق من التزامات في هذا الشأن. كما زوّدها بكل الأمكانات لتأدية عملها. وإستقطع الأموال من واردات العراق النفطية وحولها الى صندوق خاص (صندوق التعويضات) لتغطية أعمال اللجنة ولتسديد أقيام المطالبات التي تقرّها للمطالبين من أفراد وشركات وحكومات، هذا فضلاً عن إنشاء حساب آخر (الحساب المعلّق) لتغطية نفقات اللجنة الخاصّة (المعنيّة بأسلحة الدمار الشامل المزعومة) وغير ذلك من نفقات الأمم المتحدة ذات الصلة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة ضدّ العراق. وبالتالي، فلا يوجد إلتزام على العراق في هذا الصدّد، إذ أن هنالك آلية نفذّها مجلس الأمن بنفسه، ومن خلال اللجنة المذكورة التي أكملت من سنوات استلام ومراجعة جميع المطالبات، وسدّدت مبالغ معظمها وهي مستمرة في تسديد المبالغ المتبقية من خلال الأموال التي تستقطعها من واردات النفط العراقي.

 

ومن الالتزامات الأخرى التي ظلّت شمّاعة للمندوبين الأمريكي وذيله البريطاني في مجلس الأمن لإدامة العقوبات ضدّ العراق هو موضوع المفقودين الكويتين. إذ رغم تعاون العراق الكامل في هذا الموضوع من خلال اللجنة المشكلّة لهذا الغرض، ورغم تقديم العراق كل ما لديه من معلومات إلاّ أن المجلس ظل يطالب العراق بالمزيد. ورغم أن الكويت، التي لم تقدّم المعلومات الكافية بخصوص أكثر من الف مفقود عراقي أثناء حرب 1991، إلاّ أنها حصلت على تعويضات كافية من لجنة التعويضات عن الرقم الذي قدّمته على أساس أنهم مفقودين كويتين. وبعد الإحتلال الأمريكي للعراق راح ممثلوها يستبيحون كل المقابر العراقية، ينبشون في القبور وينقلون منها ما يشاؤون من رفاة الموتى بزعم البحث عن رفاة مفقوديهم. وبالتالي فأن العراق لم يعد عليه ما يعطيه في هذا المجال.

 

إن التصوير أن كل ما يتعلق بالعراق هو تحت الفصل السابع هو تصوير يرمي إلى التشويش على المواقف بغيّة جرّها الى ما هو أسوء. فقرارات الفصل السابع حكمت حالة محدّدة هي (الحالة بين العراق و الكويت)، وهي وإن كانت في جلّها التزامات على عاتق العراق إلاّ أنها تضمنّت أيضاً جملة من الالتزامات على المجتمع الدولي المتمثل بالدول الأعضاء في الأمم المتحدّة.

إن المجلس لم يقل إن تنفيذ تلك الإلتزامات سيخرج العراق من الفصل السابع، (فهو خارج الفصل أساساً)، وإنما تنص الفقرة 22 من القرار 687 على أن ذلك سيؤدي إلى إنهاء مفعول القيود المفروضة عليه والتي تتلخص بالإستيرادات منه وإجراء تعاملات مالية معه فضلا عن القيود على مشترياته العسكرية.

 

إن القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي بعد الإحتلال الأمريكي للعراق بدءاً بالقرار 1483 الصادر بتأريخ 22 مايس/2003، وما تلاه من قرارات قد أكدّت عملياً أن العراق قد أوفى بالتزاماته، فبموجبها قرّر مجلس الأمن رفع العقوبات الاقتصادية ورفع القيود عن التعاملات مع العراق وعن إستيراداته من الأسلحة التقليدية، وأنهى أعمال اللجنة الخاصة.

 لقد مثّل ذلك تطبيقاً متأخراًَ للفقرة 22 من القرار 687 إذ كان المفروض أن يتم منذ منتصف التسعينات أو عند نهايتها في أبعد الاحتمالات.

 

 فما الذي بقي الآن؟

إن الذي بقى هي التزامات على المجتمع الدولي، وخاصّة أعضاء مجلس الأمن، تجاه العراق.

إن المادة (25) من ميثاق الأمم المتحدّة تنص على تعهد أعضاء الأمم المتحدّة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق الميثاق.

إن الغالبية العظمى من القرارات التي صدرت تحت بند (الحالة بين العراق والكويت) بما فيها (أبو القرارات) تنص على إلتزام الدول الأعضاء بسيادة العراق ووحدته الإقليميه وإستقلاله السياسي.

وبالتالي ينبغي تفعيل هذا الأمر من خلال خطوات عملية تهدف إلى إزالة الاحتلال الأمريكي للعراق وتحميل الولايات المتحدّة وشركائها كل تبعات الغزو والاحتلال. إن الخطوة الأولى في ذلك هي الاعتراف بحق الشعب العراقي، طبقاً لميثاق الأمم المتحدّة، في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة لديه، بما في ذلك الكفاح المسلّح.

وينبغي أن يعمل المجتمع الدولي ما بوسعه لتمكين العراق من استعادة سيادته الكاملة على كل مقدّراته، وأن يحقّق استقلاله التام.

كما يتطلب أن يعمل المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن بصورة جدّية للمحافظة على وحدة العراق الإقليمية بكبح النعرات الإنفصالية التي تغذيها الولايات المتحدّة ودول أخرى، وأن يتخذ من الإجراءات الرادعة ما يكفي لمنع الدول من تشجيع تلك النعرات ومن ذلك عدم السماح بتعاملات اقتصادية وسياسية مباشرة مع الانفصاليين كما هو الحال مع عصابة مسعود البارازاني.

 

الجانب الآخر من الإلتزامات المتبقية على المجتمع الدولي، هي الفقرة 14 التي تنص أن تنفيذ الإجراءات التي سيتخذّها العراق بموجب القرار 687 تمثّل خطوات بإتجاه أقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ومن كل الصواريخ الناقلة لها وبهدف منع الأسلحة الكيمياوية على النطاق العالمي.

فهذه إحدى الفقرات العاملة الأساسية ضمن القرار المذكور المتخذّ، كما هو معروف، طبقاً للفصل السابع، وبالتالي فهي ملزمة للمجلس ولكل الدول الأعضاء، وينبغي العمل على تنفيذها حيث لم يتخذ المجلس لحد الآن خطوة واحدة في هذا الاتجاه.

 

وللأسف لم تتخذ، أيضاً، أي من الدول العربيّة التي كانت تجري وراء الولايات المتحدّة في حثّ العراق على تنفيذ قرارات مجلس الأمن، أية خطوة لتفعيل هذه الفقرة المهمّة. ويتوجب هنا من الجامعة العربية ان تقوم بكل ما بوسعها في هذا الاتجاه.

هذه هي الإلتزامات المتبقية، أمّا أن يتمّ بدلاً عن المطالبة بتنفيذها المطالبة بإبقاء العراق تحت الإحتلال بذريعة إخراجه من الفصل السابع فهذا محض هراء وخدمة مجانية تقدّم للقوة الغاشمة التي غزت وإحتلت العراق.

فرغم قساوة العقوبات الاقتصادية التي عاشها العراق، إلاّ أنها تطلّ أرحم بكثير من بشاعة الإحتلال وما نجم عنه، وما أشاعه من جرائم. فقد كانت هنالك درجة من العناية الصحّية، وكان الأطفال يذهبون إلى مدارسهم ويعودون بسلام، وكانت خدمات الماء والكهرباء متوفّرة ضمن حدود معقولة قابلة للتطور، وكانت لأجهزة الدولة هيبتها في حفظ الأمن وأرواح المواطنين. وكانت قادرة على اتخاذ الإجراءات الرادعة عند حدوث أيّ تلاعب بقوت المواطنين اليومي.

 

فمن الذي يستطيع القيام بذلك الآن؟

أين هي الخدمات الأساسية، سواء في مجال الصحّة أم الكهرباء والماء الصالح للشرب والمجاري، بعد ست سنوات من الديمقراطية الأمريكية ورغم إنفاق مئات المليارات من الدولارات عليها كذباً وتزويراً؟

من يستطيع الآن أن يطمأن على حياة أطفاله إن هم ذهبوا إلى المدارس، أو حياته هو وبقية أفراد عائلته إن خرجوا لعمل أو لزيارة صديق أو للتسوّق؟ هل هنالك في الأجهزة الكثيرة التي أنشأها الاحتلال ما يمكن أن يضمن التدخل لحمايتهم عند حدوث أي طارئ، أم يتوجب على كل فرد أن يمشي ومعه جيشه الخاص به، كما يفعل من يسموّن أنفسهم بالوزراء وأعضاء البرلمان وحتى صغار الموظفين؟؟

 

إن كل ما حلّ بالبلاد من دمار وكل هواجس الخوف هي من نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق، وبالتالي فأن القول أن توقيع الإتفاقية الأمنية، التي تعني حكما بقاء الاحتلال، سيعود بالخير على البلاد والشعب، هو جريمة أخرى بحقّ هذا الشعب. إن القلّة التي تطالب بذلك إنما تعمل على الاستمرار في تنفيذ جريمتها بتمزيق أوصال البلاد، والاستمرار بسرقاتها والاستمرار في إبقاء الملايين من أبناء هذا الشعب بين من يعيش حالة الفقر المدقع أو مهجّر خارج أو داخل وطنه دون مأوى يحميه.

إن الموقف الوطني الشريف هو ذلك الذي لا يناقش بنود الاتفاقية المقترحة ويمنّي النفس بأن يجد فيها بعض الإيجابيات وإنما الذي يرفضها جملة وتفصيلاً ويطالب برحيل قوات الاحتلال وتحميل كل من شارك في التخطيط والتنفيذ له المسؤولية الكاملة عن كل الجرائم التي ارتكبت في العراق، وتقديمهم لمحاكمة عادلة. إن ذلك وحده يعني إخراج العراق من محنته الحالية إلى فضاء جديد يمكنه فيه، بعد الاتكال على الله وعلى قدرات أبنائه، أن يسترد كرامته ويستعيد عافيته، وينعم أبنائه بحياة أفضل.

والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 14