29/04/2005 

عودة الفنزويلي المشاكس..!

قاد انقلابا عسكريا ففشل..وترشح رئيسا بعدها بست سنوات فاكتسح منافسيه!

دبر الأمريكان انقلابا عسكريا ضده..فأنقذه سكان الصفيح..وصغار الضباط  !

طلعت رميح

هو صاحب " سوابق" تاريخية..ولا شك.

حاول قيادة انقلاب عسكرى-حينما كان مظليا- ففشل.وبعدها بست سنوات (في عام 1999) رشح نفسه رئيسا لفنزويلا فاكتسح منافسيه ونصب رئيسا رغم مقاومة قيادات لجيش..ورجال الاعمال..فكانت تلك" سابقتة " الاولى ودرسه الاول.

لكن "السابقة" الثانية والدرس الاكثر دلالة ان من اصبحوا اعداءة بقوة بعد نجاحه الاول اضيفت اليهم فى هذه المره القوة الغاشمة الاولى فى العالم..وكبار رجال الاعمال.. وقطاعات من "النخب العمالية"-الذين اضيروا من سياسة شافيز من تقليل نسب تصدير النفط لرفع اسعاره بالاسواق العالمية-تكاتفو جميعا من اجل اسقاطه.. ونجحوا فى مؤامرتهم لمدة 48 ساعه ، لكنهم فشلوا وتبعثرت قوتهم.ففى مقابل هذه القوة التى قد تبدو قاهرة..ظهر المارد الشعبى العملاق ، "سكان عشش الصفيح"..ظهر صغار الفلاحين ..ظهر صغار الضباط ..ظهر الجنود..ظهروا وتظاهرو وطالبو بتوزيع السلاح عليهم..والتفوا حول القصر ولم يعودوا الى بيوتهم 48 ساعة متواصلة ..حتى اعادو الفنزويلى "المشاغب " رئيسا للمرة الثانية!

"سوابق" الرئيس المشاكس لا تنتهى..فهو زار العراق حيث لم يجرؤ اى رئيس آخر لا عربى ولا عجمى على زيارتها..واصبح هو الرئيس الوحيد الذى التقى الرئيس العراقى صدام حسين خلال احد عشر عاما !

 وفى حرب افغانستان له "سابقه" ايضا .فكما كان صاحب السابقة الاولى والوحيدة فى كسر الحصار على العراق..كان صاحب سابقة فى مواجهة الحرب الامريكية ضد افغانستان –حيث لم يجرؤ اى رئيس عربى او اسلامى اللهم الا الرئيس العراقى على ادانتها- ادان الرئيس الفنزويلى المشاغب مقتل المدنيين الافغان فى الغارات الامريكية ..قال ان ما يجرى هو"مكافحة الارهاب بمزيد من الارهاب"  ويومها اصدرت السفارة الامريكية فى كراكاس بيانا قالت فيه "نحن نرفض هذا التمثيل لاعمال التحالف فى افغانستان ومن الخطا تصوير الرد الامريكى على هجمات القاعدة كما لو كانت عملا من اعمال الارهاب" .واصدرت الخارجية الامريكية هى الاخرى بيانا قالت فيه"لقد اندهشنا وشعرنا بخيبة امل شديدة من تصريحات الرئيس شافيز التى لا تتفق ومكانة فنزويلا فى الامم المتحدة".

لكن يبدو ان اهم " السوابق " فى تاريخ شافيز والتى كان لها ما بعدها ، هى ان اسم شافيز اصبح مؤشرا وعنوانا لارتفاع وانخفاض اسعار البترول فى العالم .فقد كان هو الداعية الابرز نشاطا لتخفيض انتاج بترول اوبك لرفع اسعاره .ولذلك كان طبيعيا ..ان تهبط اسعار البترول بعد ساعات من الاطاحة به،وان يكسو الحزن وجه المسئولين العراقيين والايرانيين –وربما غيرهم-  وان يسود الارتباك اوساط اوبك...وان تعلو الفرحه نفس الوجوه..وان ترتفع اسعار النفط بعد ساعات من عودته الى السلطة.

والفنزويلى المشاغب..الرئيس..ظاهرة لا تقل جدارة من صديقه كاسترو.هو لا يشبه صديقه فى كثرة ما يتعرض له من مؤامرات امريكية..فقط..ولا يشبهه كذلك فى محبة جماهير شعبه له..فقط..بل يشبهه فى طول وقت القاء خطاباته وفى التباهى بقدراته الخاصة!

فكما يطيل الرئيس كاسترو فى خطاباته يفعل شافيز ايضا فى كل خطاب من خطاباته التى تنقلها جميع الشبكات الاذاعية والتليفزيونية ..لا يتحدث شافيز اقل من ثلاث ساعات متواصله فى الخطاب الواحد..حتى ان بعض السكان باتوا يلفتون نظره لطول خطاباته ..على طريقة اهل امريكا اللاتينية .فبعد ربع ساعه من بدء خطابه..يبدأ الاهالى قرع الاوانى..حتى ان  محاولة الانقلاب الامريكى عليه بدات بقرع الاوانى !

وهو..الفنزويلى المشاغب..الذى لايهدا ابدا..ففى اهم خطاب له قبل الانقلاب عليه ..صار يشرح لشعبه كيف انه زار 41 دوله موزعه على اربع قارات فى جولة واحدة بلا توقف.

 

ثورة مضادة:

كان ما جرى ضد شافيز ثورة مضاده بكل معنى الكلمة..وكانت عودته ثورة شعبية كاملة ..بكل معنى الكلمة ايضا.وكعادة الثورات المضادة فى امريكا الاتينية كانت الولايات المتحدة هى الفاعل بلا مواربة ..بل جاءت المحاولة تكرارا لنفس سيناريو انقلاب سابق جرى تدبيرة ونجاحه فى عملية المخابرات المركزية الامريكية للاطاحة بالرئيس التشيلى السابق سلفادور اللندى ، ولم تكن مصادفة ان ياتى الانقلاب الامريكى ضده ، بعد ان اطلقت يد المخابرات الامريكية فى العمليات الخارجية مجددا بعد احداث 11 سبتمبر. الانباء تتوالى عن الدور الامريكى وآخرها ما اعلن فى العاصمة الفنزويليه كاراكاس من ان الملحق العسكرى فى السفارة الامريكية كان مع الانقلابيين فى غرفة عمليات الانقلاب يخطط له قبل وقوعه ..وظل معهم حتى تاكد من فشل الانقلاب فغادر.

بدأ التمهيد للثورة المضادة "اعلاميا وسياسيا" عن طريقة آلة الاعلام الامريكى"شكك وزير الخارجية الامريكية فى رغبة الرئيس الفنزويلى بتعزيز الديموقراطية فى البلاد ومواكبة الولايات المتحدة فى حملتها على الارهاب.وجاء التمهيد الامنى الامريكى صريحا ومبشرا واعلانا باشعال الثورة المضاده قال جورج تينت مدير السى اى ايه "ان جو الازمة الذى تعيشه فنزويلا منذ اشهر سيتفاقم بسبب انخفاض اسعار النفط والنقمة الشعبية المتزايدة".

وبدات اوضاع الاستقرار الداخلي فى التدهور ، وظهر "عقيد الجو سوتو" ليقود التمرد العسكرى فى الشارع..وسط اضراب عمالى-شبيه باضراب عمال شركة النحاس فى انقلاب تشيلى- واعلن" ارباب العمل" تاييد الاضراب وتمديدة ..وظهر التجار فى صورة التمرد ورفع مطلب استقالة الرئيس وتجمعت التظاهرات امام مقر الرئاسة وخرج قائد الجيش من داخل القصر ليعلن ان الرئيس استقال بعدما دعاه عدد من الجنرالات للاستقالة وان رئيس ارباب العمل سيتراس حكومة انتقالية فى البلاد بينما الرئيس- ميحتجز فى قاعدة عسكرية - وتولت محطات التليفزيون الخاصة دور المروج لنجاح الانقلاب وانتهاء الامر وتوالت تصريحات الانقلابيين عن السياسة الجديدة فى اغراق سوق البترول.

تصورت الولايات المتحدة وقادة الانقلاب ان الامر انتهى..الا ان الفنزويلى المشاغب المشاكس –الذى ابدى موافقته على الاستقاله –كان يكسب الوقت ليس الا ..واذا بسكان عشش الصفيح ..ومساندوه من صغار الضباط فى الجيش والجنود ..ومناصروه من نواب فى البرلمان ..بدؤوا التجمع رويدا رويدا فى الشوارع ليحموا حكم الرئيس باجسادهم..ليصبح استمرار الانقلابيين فى السلطة مستحيلا.كانت 48 ساعه حاسمة فى تاريخ فنزويلا..برهن فيها الفنزويلى المشاكس انه لاعب سياسى ماهر وان شعبيته طاغية.

حينما عرض عليه جنرالات الجيش الانقلابيين الاستقاله –يبدو فى مقابل حياته –راوغهم لكسب الوقت ثم وافق ولم يوقع ..مع مواصلة الاتصال باعوانه مؤكدا ثباته..حتى اكتسح مؤيدوه الانقلابيين ليعود من الاعتقال رئيسا فى احتفال شعبى كبير فى نفس القصر الذى اعلنت منه استقالته.

شافيز اخطر من كاسترو:

كلمة السر فى الموقف الامريكى ضد شافيز اسمها "برميل البترول"،ذلك ان فنزويلا ليست كوبا..فمهما كان دور كاسترو وكوبا،يظل الخطر الكوبى محدودا بحدود قوة كوبا مقارنة بقوة ومكانة فنزويلا التى تحتل المرتبة الرابعه بين دول العالم فى تصدير البترول.وهى الدولة الاولى فى امتلاك احتياطى النفط خارج الشرق الاوسط ،وكذلك هى الدولة الثالثة فى امداد الولايات المتحدة بالبترول ،حيث تمدها يوميا ب250 الف برميل بنسبة 13% من واردات امريكا من الخارج .كلمة السر فى الاهتمام والقلق والخوف الامريكى من شافيز وفى الانقلاب عليه هى "برميل البترول" فما بالنا وشافيز هو ابرز الداعين لخفض انتاج البترول ورفع اسعاره..ولذلك كان طبيعيا ان تهبط اسعار البترول فى الاسواق العالمية فور الانقلاب عليه،وان يكون اول اعلان للانقلابيين هو العودة الى ضخ النفط الفنزويلى بكامل طاقته بعيدا عن حصص النفط المتفق عليها داخل اوبك.وكان من الطبيعى كذلك ان تخرج الولايات المتحدة لسانها للعرب والمسلمين وللعراق تحديدا اذ ان ضخ البترول الفنزويلى بكامل طاقته كان يعنى ضياع كل تاثير لقرار العراق بوقف ضخ البترول و مساندة للشعب الفلسطينى.

هل يواصل شافيز..انتصاره؟!

الذين يؤيدون شافيز هم من الفلاحين الفقراء وسكان عشش الصفيح.ذلك ان اهم قرارات شافيز كانت فى نوفمبر الماضى حينما بدأ فى اجراءات  الاصلاح الزراعى وتوزيع الارض على الفلاحين الفقراء..وقد اتبعها بقرار قضى بتخصيص ميزانية كبيرة للاسكان موجهه لسكان عشش الصفيح.والذين يقفون ضده هم نخب عمال النفط وارباب العمل وكبار ضباط الجيش الذين يرون ان تقليل انتاج البترول وتحويل جانب هام من ميزانية الدوله لمعالجة مشكلات الفقر والبطاله والاسكان يضعف مداخيلهم ولنقل كذلك سرقاتهم ومن خلفهم قوة الدولة العظمى..ولذلك فاذا كان شافيز قد افلت من الانقلاب الامريكى علية فان ذلك لا يلغى انه يواجه مازقا حقيقيا .فمن ناحية فان التزامه الصارم بحصص اوبك ودعوته لخفض انتاج النفط تعنى ضعف ماخيل بلاده.ومن ناحية اخرى فان معاجته لقضايا الفقراء تتطلب ميزانبات كبيرة..وفى الخلف تجرى المؤامرات الامريكية ضده باستمرار تتصيد اوضاع التمرد الاجتماعى.ولذلك كان اهم تصريح امريكى صدر بعد عودته للحكم،هو ما جاء على لسان كونداليزا رايس مستشارة الامن القومى وكانت رسالة تحذيرية بان " سفينته التى يقودها تسير فى الاتجاه الخاطئ منذ فترة طويلة ".

 إلى صفحة المقالات