29/04/2005

حرب الدعاية والمعلومات بين المقاومة والإحتلال ... أيهما سينتصر ؟

د. محمد العبيدي

الدعاية:

كتب أحد الصحفيين الغربيين قائلاً، "أثبتت الحرب الدعائية داخل العراق أنها تُشَنّ من جانب واحد، ألا وهي المقاومة العراقية، الأمر الذي قاد فصائل المقاومة إلى تجنيد عراقيين عاديين بوسائل متعددة منها على سبيل المثال إسطوانات مدمجة تعرض لقطات مصورة لوحشية قوات الإحتلال الأمريكية في العراق. وقد أكدت لي تلك اللقطات المصورة أولاً أن قوات الإحتلال قد إستهانت بالمقاومة لأنها غير معروفة لهم لحد الآن، وثانياً أن المواطن العراقي العادي مهان ومحتقر من قبل قوات الإحتلال".

 

بالرغم من حقيقة إنتصار المقاومة دعائياً في الوسط الشعبي العراقي، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل نجحت المقاومة الوطنية العراقية في حربها الدعائية خارج العراق أيضاً ؟

 

الجواب بالتأكيد كلا. فالمقاومة الوطنية العراقية تواجه ماكنة إعلامية غربية متخصصة في إيصال ما تريده إلى المواطن الغربي، والأمريكي منه بالذات. كما أن «تقارير» وسائل الإعلام الأمريكية وأسلوبها ومحتواها، وخاصة اللغة التي تستعملها، تمثل صدىً لسابقيهم من النازيين وحاضرهم من الصهاينة. وحيث أن العالم أجمع قد شاهد وسمع سابقاً وشاهد وسمع اليوم، أن هناك جيوشاً بربرية لغزو الدول وتسوية المدن بالأرض وذبح المدنيين، في حين أن وسائل الإعلام من أذيال السلطة والمرتبطة بها بشكل أو بآخر قد حرفت تلك الحقيقة وساعدت بل وشاركت بشكل فعال في إقناع المواطن العادي بعدالة تلك الحروب على الشعوب التي شنتها ألمانيا النازية والصهيونية العالمية وأمريكا الإمبريالية.

 

وكما هو الحال في وسائل الإعلام النازية، لم تعلن الصحافة وشبكات الراديو والتلفزيون الرئيسية في الولايات المتحدة إلا عما يطلقون عليه «خسائر عسكرية»، وأنها لم تعلن عن قتل المدنيين الأبرياء منذ بدء الحرب على العراق وإحتلاله ولم تعلن عن آلاف القتلى والجرحى من الشيوخ والنساء والأطفال منذ بدء الهجوم على مدينة الفلوجة، على سبيل المثال. كما تبرز وسائل الإعلام الأمريكية تقاريراً تطلق عليها عبارة «غير مؤكدة» ترد إليها من الجيش الأمريكي حول عمليات قتل وإعدام وإختطاف تقوم بها، حسب إدعائهم، «منظمات إرهابية»، كما تظهر وسائل الإعلام تلك دعمها غير المحدود حيال عمليات القتل للمدنيين الآمنين في تقاريرهم عن القصف الأمريكي الجماعي للعديد من المناطق والمدن العراقية. فمثلاُ بالنسبة لشبكة NBC الأمريكية، كان الهدف من إسقاط قنابل من زنة  500 رطل على مدينة الفلوجة هو إستهداف «شبكة أنفاق للمتمردين بالمدينة». ولكن المنازل والأسواق والمحلات التجارية والأمهات والأطفال والشيوخ الذين كانوا يسكنون فوق تلك الأنفاق المزعومة قد تبخروا وأصبحوا «ضباباً»، ولم يقر بوجودهم المراسلون والإعلاميون المرتبطون مباشرة بقوات الإحتلال الأمريكية.

 

وبالرغم من معرفة العالم بأجمعه أن العراقيين يرفضون الإحتلال والسلطات التي عينوها، إلا أننا نجد أن وسائل الإعلام الأمريكية تشير إلى الوطنيين العراقيين الذين يدافعون عن بلدهم ضد الغزاة المستعمرين بلفظ «المتمردين»، في محاولة للتقليل من شأن المقاومة العراقية الوطنية الشجاعة. ويتمثل إستخدام ألفاظ غير واقعية في الإشارة بإستمرار إلى قوات الإحتلال الأمريكية، إضافةً إلى المرتزقة من الجنود الخاضعين لتوجيه وسيطرة هذه القوات بـ «قوات التحالف» كأحد المظاهر الرئيسية للحملة الدعائية الأمريكية المقصود منها خداع الشعب العراقي بأن القوات الأمريكية هي «قوات متحالفة مع العراق» وليست قوات إحتلال له.

 

لقد وصفت وسائل الإعلام الأمريكية على الدوام عمليات القصف الإجرامي للمنازل والمستشفيات والمساجد بواسطة مئات من الطائرات والمروحيات الحربية في الفلوجة، على سبيل المثال، بأنها «تأمين للمدينة لضمان حرية الانتخابات» !!!. وحسب الإعلام الأمريكي فإن جرائم القتل المنظم لأصدقاء وجيران وأقارب كل عراقي يسكن مدينة الفلوجة يسمى عملية «تحرير المدينة من المتمردين». كذلك، فإن قطع المياه والكهرباء والمساعدات الطبية عن 300000 (ثلاثمئة ألف) مواطن في المدينة وتعرّض عشرات الآلاف لتهديد الأوبئة والأمراض تعني عملية «تطويق المتمردين». كما أن عملية «إحلال السلام بالمدينة» تتضمن برأي الإعلام الأمريكي تحويلها إلى أنقاض مسممة معزولة تماماً.

 

فلماذا تلجأ واشنطن ووسائل الإعلام المرتبطة بالإدارة الأمريكية إلى إخفاء الحقائق وإلى الكذب المنظم ومحاولة إستخدام ألفاظ جميلة تخفي جرائمها ضد الإنسانية؟

 

إن الهدف الأساسي من ذلك هو تعزيز الدعم الإعلامي الداخلي لعمليات القتل الجماعي التي تتم في العراق على أيدي الجيش الأمريكي والقوات الأمنية العراقية المرتبطة بها، حيث تختلق وسائل الإعلام شبكة من الأكاذيب لتأمين بريق مشروعية الطرق الإرهابية والإجرامية حتى تتمكن قوات الجيش الأمريكي من متابعة عملية تدمير المدن العراقية في ظل حصانة ضد محاسبتها على ذلك.

 

والطريقة أعلاه التي أتقنها غوبلز في ألمانيا إتبعتها الولايات المتحدة قبل وبعد إحتلالها للعراق، حيث أنها تنطوي على الكذب المستمر ومحاولة إستخدام ألفاظ جميلة لجرائم مروعة يندى لها جبين الإنسانية حتى تصبح «حقائق» مقبولة ويتم تداولها في اللغة اليومية للمواطن الأمريكي. وقد تولت قوات الإحتلال الأمريكية في العراق بشرح الإهتمامات التكتيكية التي تهم قادة عمليات القتل والرعب والإرهاب الأمريكي في العراق أو ما يسمونه «إحلال الأمن» للمراسلين الإعلاميين المنساقين معها والمرتبطين بها وكذلك مراكز الأخبار المشهورة لكي يتداولها ملايين الأشخاص سواء بالإستماع إليها أو بمشاهدتها. ولقد تم توحيد الهدف بين وكالات القتل الإعلامي الجماعي والحياة العامة اليومية للأمريكيين من خلال «التقارير الإخبارية» وخصوصاً تلك التي يشاهد فيها المواطن الأمريكي الجنود الأمريكان يكتبون أسماء الزوجات والحبيبات على الدبابات والمدرعات التي تدمر مساكن العائلات العراقية وتحول مدينة كالفلوجة إلى أطلال.

 

وبعيداً عن الإستثناءات، فإن وسائل الإعلام المرتبطة بالإدارة الأمريكية تتبع عدة أساليب، من أجل «تهدئة» روعة «ضمير» الجنود والمواطنين الأمريكيين. ويتمثل أحد هذه الأساليب في «خلط الأدوار» بحيث تُعزى الجرائم التي ترتكبتها قوات الإحتلال إلى الضحايا وعلى النحو التالي: الجنود الأمريكيون ليسوا هم المسؤولون عن تدمير المدينة، ولكن العائلات العراقية هي التي فعلت ذلك لقيامها «بحماية الإرهابيين» وبذلك «جلبوا لأنفسهم عمليات القصف»!!!.

 

أما الأسلوب الثاني فيتمثل في الإعلان فقط عن مقتل وإصابة الجنود الأمريكان من حاملي الجنسية الأمريكية التي تحدث نتيجة عمليات المقاومة الوطنية والتي يشاهدها مراسلون مستقلون أو مواطنون عراقيون، وبذلك لا يرد أي ذكر لمقتل وإصابة الجنود «الأمريكان» من حاملي «البطاقة الخضراء» المرشحين للحصول على الجنسية الأمريكية أو لآلاف القتلى من المواطنين العراقيين جراء القصف الأمريكي وإطلاق النار العشوائي. وكما في وسائل إعلام ألمانيا النازية نجد أن الإعلام الأمريكي يمتدح «بطولة» و«نجاح» قوات بلاده (قوات الشرطة الخاصة النازية والبحرية الأمريكية) في قتل «الإرهابيين» أو «المتمردين»، إذ أن قتل كل مدني يُبرر بأنه «متعاطف مع إرهابي مشتبه به».

 

وحول الشبه بين القوات النازية وقوات الإحتلال الأمريكية، فإن القوات الأمريكية تعتبر أن كل مبنى مدني هو عبارة عن «مخبأ» لـ «الإرهابيين» وهذا بالطبع يعد خرقاً كلياً وفاضحاً لكل قوانين الأرض ومنها قوانين جنيف الخاصة بالحروب، وأن تدمير تجمعات سكنية ومدن بأكملها من قبل كل من ألمانيا النازية والولايات المتحدة هو نفس الإجراء العسكري الذي تتبعه إسرائيل ضد الفلسطينيين. فقوات الإحتلال الأمريكية، على سبيل المثال، تمارس جرائم لا توصف بحق «المشتبه بهم» من السجناء العراقيين الذين يتم إلقاء القبض عليهم، وبالنسبة للعديد من عامة الأمريكيين، تعتبر هذه الإجراءات جزءاً من «قصة النجاح» الأمريكي حيث تعلن قوات الإحتلال لهم أن هؤلاء هم «الإرهابيون» الذين يريدون تفجير منازل الأمريكيين. كما أنه بالنسبة للغالبية من الشعب الأمريكي، فإن وسائل الإعلام قد أقنعتهم بأن عمليات إبادة آلاف المواطنين العراقيين تمت من أجلهم حيث يمكنهم الآن النوم في سكينة، طالما أن «أبنائنا» يقتلونهم «هناك».

 

وفوق كل ذلك، فإن وسائل الإعلام قد قامت بكل ما هو ممكن لمنع الوعي المقاوم لدى العراقيين. ففي كل يوم وبكل وسيلة ممكنه يتم الإشارة إلى الولاء الديني والهويات العرقية والطائفية والمسميات غير السياسية. والهدف من وراء كل ذلك هو تقسيم العراق، ليتم بعد ذلك إخراج عراق «فوضوي» مجزأ للعالم ليس به قوى متوحدة ومستقرة إلا النظام الاستعماري الأمريكي. والغرض من الهجمات الإجرامية المتوحشة والمسميات السياسية هو تدمير الفكر العربي وفكرة الوطن العراقي المستقل الموحد على أن يتم إستبداله بمجموعة من الكيانات الصغيرة التي تتم إدارتها بواسطة ولاة مطيعين لواشنطن ومنفذين لسياستها.

 

من هنا يتبين أن المقاومة العراقية، رغم نجاحها الدعائي داخل العراق لحد الآن، بحاجة إلى تفعيل حملتها الدعائية ليس فقط من أجل تجنيد مقاتلين في صفوفها، بل أيضاً من أجل توجيه ضربة قاصمة للدعاية المضادة التي تشنها عليها أجهزة الدعاية الأمريكية ووسائل الإعلام العراقية المرتبطة بها.

 

المعلومات:

قد يعلم البعض أن هناك مكتباً تابعاً للبنتاغون يسمى «مكتب المعلومات الستراتيجية»، والذي تم تغيير إسمه بعد أحداث 11/ 9 ليصبح «مكتب التأثير الستراتيجي»، ولكن ما لا يعرفه القارى هو مهمة هذا المكتب. فبالإضافة إلى الأخصائيين الإعلاميين العاملين فيه، إستأجر هذا المكتب شركات علاقات عامة يدفع لها الملايين من الدولارات من أجل مساعدة البنتاغون فيما يسمى بالدعاية «السوداء» أو باللغة العامية الدارجة «الكذب» لبثها إلى العالم، وعلى وجه الخصوص إلى المواطن الأمريكي، بالإضافة إلى العديد من وسائل الإعلام المرتبطة بصانعي القرار السياسي والعسكري وكذلك باللوبي الصهيوني. ومن بين شركات العلاقات العامة التي يتعامل معها البنتاغون هي مجموعة شركات «راندن» التي قامت بأعمال كبيرة للمخابرات المركزية الأمريكية ولمشايخ الكويت، إضافة إلى حزب الجلبي، المؤتمر الوطني. وقد شاركت هذه المجموعة من الشركات بحملات دعائية لحساب بعض الدول العربية، وكان أهم عمل قامت به إحدى الشركات التابعة لهذه المجموعة (شركة هيل ونولتن) هو لحساب الكويتيين حول ما سمي في حينه قصة حاضنات الأطفال، التي تم فضحها لاحقاً حين تبين أنها كانت كذبة رخيصة.

 

ومن هنا لا يمكننا إلا القول بأن الدماء التي نزفت من الأبرياء في العراق وفي أنحاء أخرى من العالم على أيدي القوات الأمريكية تلوث أيدي القائمين على أجهزة الإعلام وشركات العلاقات العامة تلك، إذ حتى لو نشرت وسائل الإعلام هذه نصف الحقيقة فهذا لا يعني إلا كذبة، وكذبة كبيرة جداً. إن المعروف في الإعلام والدعاية أن نصف الحقيقة يساوي كذبة كاملة، وأن هناك أشكال متعددة وكثيرة للكذب تمارسها جميعها كافة وسائل الإعلام وشركات العلاقات العامة الأمريكية.

 

وهذا يؤكد أن الحكومة الأمريكية قد جعلت من دمج الدعاية ووسائل الإعلام جزءاً مهماً من تركيبة القيادة العسكرية للقوات الأمريكية المحتلة للعراق من خلال إعتبارهما أهم نوعين من أنواع «أسلحة المعلومات»، وبالطبع إضافة إلى إستعمالهما سياسياً من قبل الخارجية الأمريكية. ويذكرنا ذلك بالتأكيد الأكاذيب «غير المتقنة» لوزير الخارجية الأمريكية، كولن باول، في حديثة الشهير أمام مجلس الأمن قبل العدوان على العراق والذي ثبت بعدئذ كذب جميع ما صرح به من إدعاءات عن العراق.

 

وحسبما صرح به  الخبراء الأمريكان أن السيطرة على المعلومات تتكون من جانبين مهمين، أولهما «بناء وحماية المعلومات» من خلال مكاتب تسمى بمكاتب «عمليات المعلومات» حيث الغاية الرئيسية منها هو السيطرة على المعلومات التي تعتبر بنظر القادة العسكريين ذات أهمية تعادل أهمية الحماية الشخصية للجندي. ومن أهم ما قامت به تلك المكاتب هو جمع وبث المعلومات إلى المراسلين بالشكل والطريقة التي يريدونها والتي كان لها أكبر الأثر على المستمع والمشاهد الغربي.

 

والجانب الآخر هو العمل على إنكار المعلومات التي يبثها «العدو» والحط من قيمتها إضافة إلى تدمير وسائله الإعلامية من خلال إستهداف تلك الوسائل، حتى عسكرياً. وأفضل مثال على ذلك، حسبما صرح به أولئك الخبراء الأمريكان، هو إستهداف مكاتب الجزيرة في كابول بإفغانستان وفي بغداد والبصرة، وأن جميع تلك العمليات العسكرية ضد وسائل الإعلام التي تعتبر معادية بنظر الأمريكان جرى الإعداد لها حسبما يسمى بـ «خارطة طريق عمليات المعلومات» التي حددها مكتب عمليات المعلومات التابع لرئاسة الأركان الأمريكية، بحيث وصل الأمر بأحد القادة العسكريين الأمريكان للقول «أننا سنعاقب حتى أصدقائنا إذا وقفوا ضد ما نقوم به أو ما نريد القيام به».

 

ومن هنا نرى أن إستهداف المعلومات المضادة للمحتلين يمثل مركز الأهمية بالنسبة لقوات الإحتلال لمرحلة ما بعد الإحتلال. وحسب وكالة مخابرات الجيش الأمريكية هناك الآن 15 مركزاً للسيطرة على المعلومات توجد في الولايات المتحدة والعراق والكويت وتعمل بدون كلل من أجل الحط من قدر المقاومة.

 

فهل ستستطيع المقاومة الوطنية الشجاعة ووسائل الإعلام المساندة لها من صد هذه الحملة ؟

ذلك ما يجب علينا جميعاً أن نتحمل وزره.

 

د. محمد العبيدي

20/4/2005

  

إلى صفحة المقالات