29/04/2005

 

الإسلام والمسجد الأقصى في عين العاصفة

 

 

 

بقلم :د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

إن السعي لتلمس بركات المسجد الأقصى وما حوله لا يصح أن يكون في غفلة عما يعد له وللمسلمين من عدوان يتم فيه استئصال الإسلام والمسلمين من منطقة الشرق الأوسط لحساب الأصولية المسيحية الصهيونية استكمالا لمحاولات لم تهدأ منذ ظهر الإسلام . إن الغفلة الثقافية عن هذا العدوان لا تعدو أن تكون مؤامرة ضد الإسلام

إنه مع ما حدث وما سوف يحدث في بيت المقدس للمقدسات الإسلامية ، والقيم الإنسانية ، والكرامات البشرية على يد التحالف الأصولي الصهيوني المسيحي من اعتداءات وسلب ونهب ودمار ..عمل غير مسبوق في التاريخ ..وهو إذ يأتي امتدادا لدور الغرب القديم في الاعتداء على هذه المقدسات ، فإنه لا يصح معه أن ننسى أنه يأتي - في الوقت الراهن - استجابة لعقيدة أصولية مسيحية صهيونية أمريكية ، قبل أن تكون خضوعا لنفوذ اللوبي الصهيوني في أمريكا كما يراد لنا أن نفهم ولوعينا أن يتغيب .

 

إن الفضل العملي الأكبر لبركات المسجد الأقصى إنما يظهر في العصر الحديث لو استجاب المسلمون لمضمونه العملي ، ولا يتم ذلك بغير أن يخرجوا من غفلتهم عما يعد لهم من عدوان يتم فيه استئصال الإسلام واستئصالهم  من منطقة الشرق الأوسط لحساب هذه الأصولية الصهيونية المسيحية الأمريكية ،  استكمالا لمحاولات لم تهدأ منذ ظهر الإسلام . إن الغفلة الثقافية عن هذا العدوان لا تعدو أن تكون مؤامرة ضد الإسلام وخيانة للمسجد الأقصى.

 

إن ابتلاء المسجد الأقصى بشهوة الغرب للاستيلاء عليه وما حوله لم تهدأ منذ هزيمة الغرب في الحروب الصليبية ، غاية الأمر أنها شهوة تصبرت ووطأت رأسها ثم كمنت في جحرها  حتى تدور دورة الفلك وتضمحل القوة الإسلامية التي تمثلت في دولة المماليك حينذاك ثم في الدولة العثمانية ، ثم من بعد ذلك انكشف عن المسلمين غطاء الإرادة وغطاء القوة ، وهي دورة لا بد منها لكل قوة ، ودولة تدول في كل حضارة ، وعندما سقطت الدولة العثمانية أو تماثلت للسقوط وأصبح المسلمون كالأيتام في مأدبة اللئام بل وانضمت نخبتهم إلى عدوهم تحت دعاوى فكرية ساقطة ، خرج الثعبان الغربي وأطل من جحره ، وكشف عن نابه ، وبدأ يكمل مسيرته في الثأر ، ضد الذين قضوا عليه في منطقة الشرق الأوسط من قبل ، ومن ثم لتصفية حساباته معهم ، وللاستيلاء على ثرواتهم ومقدساتهم .

يقول صمويل هننجتون في حديث له إلى صحيفة " دي سايت " الألمانية كشف فيه عن أبعاد نظريته في صدام الحضارات ، وعلاقتها بأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن : تحت عنوان " الحدود الدموية للإسلام " : ( في الحقيقة توجد منافسة تاريخية منذ ميلاد الإسلام في القرن السابع والاحتلال العربي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من أوربا ، وفي القرن التاسع عشر تغير الحال حينما بدأ الغرب احتلال الشرق الأوسط واكتمل هذا في القرن العشرين )   ، هذا هو " مربط الثأر" الذي كان وراء ما دبجته يراعته من قبل تحت عنوان صدام الحضارات . .

وفي شهادة نادرة يقول الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي بمصر في ندوة رابطة الجامعات الإسلامية بعنوان " الإعلام الدولي وقضايا العالم الإسلامي " التي انعقدت برحاب جامعة الأزهر في 30 \ 11 \  1998: ) إن الهجوم على الإسلام والمسلمين ليس وليد اليوم أو الأمس القريب ،  ولكنه يرجع إلى نشأة الإسلام نفسه ، ولم يتوقف الهجوم ولم ينته .) وترجع أسباب ذلك كما يقول إلى عوامل متعددة ( بعضها تاريخي يتمثل في العداء التقليدي الأوربي للعالم الإسلامي ،  وبعضها اجتماعي يتمثل في تباين أسلوب الحياة بين المسلمين والغرب ، وبعضها سياسي يرجع إلى فترة الاستعمار حيث مازالت الدول الغربية تنظر إلى العالم الإسلامي باعتباره ثائرا ومتمردا عليها ، فالعالم الغربي لا يريد للعالم الإسلامي أن يستكمل نهضته )

عداء تكشف في العصر الحديث بدءا من حملة اللورد اللنبي على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى  : وتصريحه عند دخولها بقوله ( اليوم انتهت الحروب الصليبية ) ، وتهنئة وزير الخارجية لويد جورج له لإحرازه النصر في آخر حملة من الحملات الصليبية ، والتي سماها لويد جورج ( الحرب الصليبية الثامنة ) .وتصريح الجنرال غورو الفرنسي عندما تغلب على جيش المسلمين في ميسلون - خارج دمشق - في العصر الحديث عندما توجه فورا إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الكردي ، وركله بقدمه وقال: ( ها قد عدنا يا صلاح الدين ) ، واليوم عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب فإنه سماها حربا صليبية ، أعلن ذلك  في وعي ، أو في زلة لسان كما يقول المثبطون للمسلمين ، ولكنها معبرة عما هو مطمور في أعماق النفس كما يعرف أتباع فرويد .

 

على مستوى العقيدة

وترجع حركة الأصولية المسيحية الصهيونية التي تهدد بيت المقدس على مستوى العقيدة الدينية إلى ما يسمى حركة الإصلاح البروتستانتي التي قامت في أوربا في القرن السادس عشر . وتبدأ القصة مما قامت به البروتستانتية من إعادة الفرد المسيحي إلى الكتاب المقدس لفهمه مستقلا عن الكنيسة ، وجعل العهد القديم – ما فيه مما يُزعم أنه توراة – مادة للقراءة والتفسير الديني مرة أخرى ، مما أدى إلى إعادة اكتشاف الجذور اليهودية للمسيحية ..، ولقد أدت هذه الحركة إلى فتح السفر المختوم – سفر رؤيا يوحنا – اللاهوتي أحد أسفار العهد الجديد ، هذا السفر الذي كان مغلقا أيضا ، لا يقرأ إلا من قبل الكنيسة الكاثوليكية ، وهو يمثل الآن الأساس الأكثر تفصيلا لما يسمى ( عقيدة الملك الألفي ) .  ومع ذلك فإن هذه العقيدة لم يؤمن بها في بداية الأمر إلا بعض فرق البروتستانت ، ثم ظهرت حركة " الأطهار" في انجلترا ، حيث رأى هؤلاء أن أمريكا هي بالنسبة لهم أرض الميعاد الجديد ، لذا كانت الهجرة الأولى للأطهار تحمل معها نزعة عبرية . وتتجلى عقيدة الملك الألفي – كما يقول الدكتور القس رفيق حبيب - في  ثلاث دوائر متداخلة : يأتي في قلبها الأصولية المسيحية المعاصرة ، وهي بالتحديد ما أصبح يسمى بالحركة الأصولية المسيحية الصهيونية. ويأتي في الدائرة الوسطى ما يسمى الأصولية الاقتحامية وتشمل التيار المتشدد للحركة الإنجيلية ، وفي الدائرة الخارجية يأتي ما يسمى الأصولية التبشيرية وهي الجسم الأكبر للحركة الإنجيلية أو الإنجيلية المحافظة.

أما الحركة الأصولية الاقتحامية فهي الأصولية المؤمنة بالملك الألفي وعودة المسيح بعد عودة اليهود وإعادة بناء هيكل سليمان ، وقيام الحرب النووية بين الخير والشر ، وهؤلاء يؤيدون إسرائيل باعتبارها تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس .

لكن السؤال هو : متى يعود المسيح ؟ هنا تظهر نظريتان عند أصحاب العقيدة الألفية : النظرية الأولى وتسمى الأصولية البعد ألفية ، وهي تعتقد أن المسيح سوف يعود للأرض بعد أن يحكم المسيحيون العالم ، ويبنون ملكا مسيحيا أرضيا لمدة ألف عام.

والنظرية الثانية وتسمى الأصولية القبل ألفية ، وهي أن يسوع المسيح سوف يعود للأرض ليبدأ هو حكم الأرض بنفسه لمدة ألف عام  ، وهذه تنقسم إلى شعبتين  :

شعبة سياسية يقوم المؤمنون بها بتنفيذ الخطوات الممهدة لعودة المسيح بأنفسهم .

وشعبة تدبيرية ، وهي شعبتان : إيجابية : حيث ينتظر المؤمنون حدوث الملك الألفي ، ولكن مع مساعدة وتأييد لعلاماته ومنها إسرائيل ، وشعبة تدبيرية انعزالية : حيث ينتظر المؤمنون بها انتظارا سلبيا ينحصر في الدعاء والصلاة دون أي دور إيجابي .

وهذه القبل ألفية تنقسم من ناحية أخرى إلى قسمين : فبعضهم يؤمن بأن المؤمنين المسيحيين سوف يعيشون فترة الحرب العالمية المنتظرة في هرمجدون   - وهي سبع سنوات - قبل عودة المسيح ، وقسم يؤمن بأن المؤمنين سوف يختطفون إلى السماء قبل فترة السنوات السبع للحرب ، ثم يعودون بعدها ليعيشوا في المملكة التي يكون قد بناها المسيح لمدة ألف عام .

ويرجع الدكتور رفيق حبيب إلى موسوعتين هما " موسوعة العالم المسيحية " و " موسوعة عملية العالم " تقوم كل منهما بمهمة تصنيف العالم حسب الدين ، وتصنيف المسيحيين حسب الطائفة ، وتصنيف المسيحيين داخل كل طائفة حسب موقفهم الفعلي من الإيمان .

ومن موسوعة " عملية العالم " نفهم – كما يقول الدكتور رفيق حبيب  –أن الهدف النهائي والإحصاء الأهم هو معرفة عدد الأصوليين المسيحيين لا المسيحيين عموما ، وأن العالم سيكون كله للمسيح عندما يكون عدد الأصوليين مساويا لعدد سكان العالم .

وتقدر موسوعة العالم المسيحي عدد : الإنجيليين الأصوليين في العالم بمختلف تياراتهم على أنهم كانوا :240157100نسمة عام 1985 وكان من المنتظر أن يصل عددهم إلى :343554310 نسمة عام 2000

وعددالإنجيليين الأصوليين في أمريكا بمختلف تياراتهم على أنهم كانوا :74728000 نسمة عام 1985 ، وكان من المنتظر أن يصل عددهم إلى :93515000 نسمة عام 2000 ، ويساوي ذلك 40% من المجتمع الأمريكي .

أما موسوعة " عملية العالم " فتقدر عدد المتشددين من هؤلاء في أمريكا بعشرة ملايين نسمة .

 

ولم تنشأ هذه الأصولية  منذ عقدين أو ثلاثة أو أربعة ، أو منذ ظهور كتاب المتفلسف الأمريكي صمويل هننجتون في كتابه " صدام الحضارات " أو كتاب قرينه الأمريكي ياباني الأصل " فوكويوما " عن " نهاية التاريخ " ،  كما كان يريد بعض الكتاب الصحفيين والإعلاميين لنا أن نفهم بعد أن صمتوا عنها طويلا ، ولكنها كانت قد ارتبطت بالتراث اليهودي الذي كان كامنا في الكتاب المقدس ، في العهد القديم ، وفي سفر رؤيا يوحنا في العهد الجديد كما أشرنا سابقا .

 

واستمر هذا التراث يتفاعل  لمدة مائة وخمسين عاما بعد وصول المهاجرين الأوائل إلى الأرض الجديدة " أمريكا " ، وفي بداية نشأة أمريكا قامت المؤسسات التعليمية على أسس التراث اليهودي ، وهي تلك المؤسسات التي أنشأها  الأطهار ، ومنها الجامعات الأمريكية الكبرى وعلى رأسها جامعة هارفارد ، والتي أنشئت عام 1636 لتصبح بذلك أقدم جامعة أمريكية ، ثم تحولت هذه الجامعات إلى العلمانية ، ولكن أمريكا المعاصرة بدأت تعود للبحث عن جذورها العبرية في محاولة للبحث عن هوية خاصة ، وظل التيار الأصولي الوليد قابعا  – كما يقول الدكتور رفيق حبيب – حتى بدأت  حركته تظهر واضحة  في منتصف الأربعينات من القرن العشرين  على يد الواعظ الأشهر بلي جراهام ، وهنا في منتصف الستينيات وبعد عام 1967 على وجه الخصوص بدأت الأصولية السياسية تتفجر مرة أخرى ، لتصل إلى ذروتها في الثمانينيات من القرن العشرين وعلى يد الرئيس الأمريكي ريجان بخاصة .

وقبل ذلك بقليل كما يقول الدكتور رفيق حبيب  ( استطاعت الأصولية أن تحرز نصرا من خلال اقترابها من البيت الأبيض ، وبخاصة عند ما أصبح الواعظ بلي جراهام مستشارا للرئيس جونسون ، ثم نيكسون ، ومنذ ذلك التاريخ تعلمت الحركة الأصولية كيف تصل إلى أهدافها ، وبدأت تقدم رجالها ، رموزا وقيادات ، في داخل النظام الأمريكي ، وعندما وصل جيمي كارتر إلى البيت الأبيض أصبح أول رئيس يؤكد أنه " مولود ثانية " أي أنه مسيحي أصبح يهوديا ملتزما )  ومن هنا ( بدأت الأصولية تأخذ طريقها ، وعندما حققت بعض النجاح ، في سبعينيات القرن العشرين دخلت في مرحلة جديدة ، وهي مرحلة التوسع في السيطرة الأصولية على الدولة الأمريكية ، والذي ظهر بشكل واضح في الثمانينيات .. وهكذا أصبح التيار الأصولي من القوى الأولى في صنع القرار السياسي الأمريكي ) .

ويشرح " هل لندسي " في كتابه " الراحل كوكب الأرض العظيم " كيف ستحدث الحرب التي تنبأ بها الكتاب المقدس ، والتي تلتف حولها حركة الأصولية المسيحية الصهيونية اليوم ، وقد بدأ نشر هذا الكتاب عام 1970 في طبعات متوالية على مدى عشرين عاما وصلت مبيعاته إلى أكثر من 18 مليون نسخة ، والكتاب كما يقول رفيق حبيب ( ليس في العقيدة فقط ولكنه يشرح أيضا ما سيحدث في المستقبل ، طبقا لنبوءات الكتاب المقدس ، والنبوءة في مجملها تدور حول تحديد قوى الشر وقوى الخير في العالم ، وكيف سيبدأ العد التنازلي لنهاية العالم من خلال تجمع اليهود من الشتات في فلسطين ، ثم تتجمع قوى الخير لتحارب قوى الشر في معركة هرمجدون – وهي موقع في فلسطين – وفي هذه المعركة تنتصر قوى الخير على قوى الشر ، ويأتي المسيح ليحكم العالم أجمع ، حكما أرضيا فعليا لمدة ألف سنة كاملة ، هي الألف سنة السعيدة ، ولندسي يرى أن العد التنازلي للنهاية قد بدأ ، وأن هذا الجيل المعاصر سوف يشهد قيام الملك الألفي . ويذهب الكتاب إلى أن انتصار إسرائيل في حرب 1967 كان جزءا من الخطة الإلهية لانتصار قوى الخير ، وقيام إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ، ليتجمع فيها كل شعب الله المختار ، حتى عندما تقوم الحرب الأخيرة ويموت فيها جزء كبير من اليهود في الحرب يأتي المسيح ، ويعطي لشعبه المختار { اليهود} فرصة أخيرة حتى يقبلوه ، كمخلص للعالم ، فاليهود كشعب الله المختار ضل الطريق ، ولكن الله لا يتخلى عن شعبه المختار ، لذلك تظل له مكانة خاصة ، وتظل له فرصة أخرى ، فكل قوى الشر تتحطم ، في حرب هرمجدون ، ويذهب الأشرار إلى الجحيم )

يقول رفيق حبيب ( لقد قرأ ريجان كتاب لندسي ، ومن الواضح أنه تأثر به تأثرا شديدا ، حيث قامت سياسته على مفاهيم وعقائد دينية ، وإن القصص التي ترددت حول لجوء نانسي ريجان لاستشارة العرافين كما قرأ الناس في الصحافة ليست بهذا المعنى الخرافي الذي فهم منها ، فالحقيقة أن نانسي كانت تستشير إحدى المؤمنات الأصوليات ، والتي لها قدرة – حسب اعتقاد نانسي – على تلقي الرؤى من الله ، وهي استشارة دينية ، تهدف لمعرفة ما يجب أن يفعله الرئيس ، حسب إرادة الله ، ومشيئته ، ولعله من الطريف أنه في الوقت الذي ظهر فيه خبر في الصحافة يقول : ( إن أحد سياسيي البيت الأبيض كشف في مذكراته أن نانسي ريجان كانت تستشير عرافة " ، في هذا الوقت كانت هذه العرافة- والتي هي ليست إلا مبشرة أصولية – تلقي عظاتها وتقيم حفلاتها التعبدية داخل أحد الفنادق الكبرى في قلب القاهرة ) على حد قول الدكتور رفيق حبيب .

 

ويرى بعض المحللين ظاهرة الأصولية المسيحية الأمريكية قائمة في النموذج الأمريكي في أفلام رعاة البقر ، حيث تظهر شخصية المبشر : عنصرا أساسيا في الفيلم ، مثل شخصية المأمور والشرير ، والرجل الطيب ، وحيث تظهر الكنيسة كمبنى صغير ملازم لبيوت القرية الصغيرة في ذلك الزمان ، ويرجعون ذلك إلى أن مجموعة كبيرة من المسيحيين الأصوليين الذين عملوا كرجال دين جاءوا مع المهاجرين ، ومع تلك البداية ظهر الواعظ المتجول ، ثم أخيرا ظهرت البرامج الدينية في الراديو ، وصار لكل برنامج واعظ مشهور ، ولكل برنامج جمهور ، وعندما ظهر التليفزيون تعددت البرامج ، ولكل منها واعظ أو أكثر ، وأصبح عدد مشاهدي الواعظ يتزايد بالملايين ، وتجاوز البرنامج قدرة استيعاب الكنيسة ذاتها ، وأصبحت البرامج وكأنها كنائس أو شيع ، وأصبح توجيه الفكر الديني الأمريكي لا ينبع من الكنائس وحدها بل ينبع أيضا من كنائس التليفزيون ، كما يقال .

 

ويلاحظ المراقبون أن المؤسسات التبشيرية الأصولية في أمريكا وحول العالم ليست مؤسسات كنسية بالمعنى الضيق ، أي أنها لا تتبع كنائس أو حتى طوائف محددة بقدر ما هي مؤسسات موازية للكنيسة تنشأ بجهود فردية ، وتقوم بجمع التبرعات ، وتوسع نطاق نشاطها ، وهذه الطبيعة تمكنها من العمل بدون حواجز عقدية أو مؤسساتية ، ولتصبح في النهاية حركة عابرة للطوائف ، وإن كانت تنتمي إلى عباءة البروتستانتية بصفة عامة ، وتتكون الحركة من شبكة من الهيئات ، ثم يأتي بعد ذلك دور المؤتمرات الدولية ، وفيها تتجمع هذه الهيئات لكي تضع استراتيجية موحدة .

 

على مستوى التخطيط

ولقد كان التفسير الأصولي لحركة الوصول إلى معركة هرمجدون قائما على تصور أن روسيا هي – حسب تعبير ريجان نفسه – التي ستقود كل قوى الشر ، وتزحف حتى منابع النفط في الشرق ، وتصل إلى فلسطين متحالفة مع قوى الشر ، وهناك تقابل جيوشَ أمريكا حامية شعب الله المختار ، والتي تقود قوى الخير .. وأخذ ريجان ( يجهز جيوشه لكي يخوض معركة هرمجدون  - على أساس هذا التصور الأصولي – فمن حرب النجوم والكواكب كانت الاستعدادات العسكرية ومليارات الدولارات تمهد الطريق لتصل بأمريكا إلى المعركة التي تمكنها من هزيمة قوى الشر ، وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي )

ولكن الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل جورباتشوف قلب هذا التصور الذي قدمه لندسي ، وتابعه فيه ريجان ، حيث أدى سقوط الاتحاد السوفيتيبي بيد جورباتشوف إلى اختفاء مصطلح امبراطورية الشر ، وبذلك نشأت أزمة جديدة للفكر الأصولي ، وأعيد قراءة الواقع من جديد ، وظهر التفسير الجديد على مشارف التسعينات ، حيث ترى الأصولية أن قوى الخير انتصرت ضد الاتحاد السوفيتي في معركة مرحلية ، بدون حرب عسكرية ، وذلك من خلال الصلاة ، ومن خلال العمل السري التبشيري الذي استمر خلف الستار الحديدي عبر السنوات الطويلة ، وعبر عشرات الهيئات ، وأصبح تصور روسيا كتابع جديد لامبراطورية الخير يعد تأكيدا بأن المسيح قد انتصر في النهاية ولكن لا في المعركة الأخيرة بل في معركة تمهيدية )

 

فأين هي المعركة الأخيرة ؟ الجواب واضح : في هرمجدون مع قوى الشر التي هي نحن ، وإذا كان مصطلح " امبراطورية الشر " قد اختفى منذ سقوط الاتحاد السوفيتي فإنه لم يكن إلا اختفاء مؤقتا ، حتى يتم لدهاقنة النبوءة لملمة أوراقهم وإعادة ترتيبها ،  لكي تنطلق أخيرا ضد ما يسميه الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن " معسكر الشر" وهو يعني به ما يسمى " الإرهاب " إعلاميا وبصفة مؤقتة أيضا   لكي ينكشف عن صراحته فيما بعد ، ويتحدد في انطلاقه على الإسلام والمسلمين على مستوى العالم وعلى مستوى الشرق الأوسط وفلسطين بالتحديد ، وعلى المسجد الأقصى بتحديد أدق .

يقول القس الأمريكي الاشهر جيري فالويل : ( إن الله أعطى الضفة الغربية لليهود ) ، وقد قال ذلك بحضور عدد من الصحفيين الأمريكيين الذين نقلوا عنه قوله أيضا ( إن الله لم يكرم أمريكا إلا لأنها كريمة تجاه اليهود ) وأضاف قائلا : ( أعتقد أننا إذا فشلنا في حماية إسرائيل فلن نعود مهمِّين في نظر الله !!)

بل يصل الأمر بهذه الاستراتيجية إلى حد الاستفادة من بعض الأنشطة الإسلامية التي تنهج في بعض البيئات منهج التركيز على القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية  - إذ  يعلق  أحد الأصوليين المسيحيين الأمريكيين على هذه الأنشطة بأنها تتوافق مع توجهات المسيحية  ( وهو بذلك خطاب تبشيري يساعد في الوصول إلى مؤمنين جدد !!)  هكذا ! ثم يشرح الأصولي الأمريكي بعد ذلك كيف يمكن للمسيحيين أن يبنوا على ذلك رسالتهم المتميزة  ، ومن الملاحظ أن الأصولية المسيحية تحرص هنا على " التميز " بعد أن تستفيد من عرض الآخرين " للمشترك"  ، ثم ترفض الآخر ، وتعد العدة للحرب .(  المسيحية والحرب  ص 148)  ، ونحن نقدم هذه الملاحظة هدية لبعض المفكرين المسلمين الذين يقعون في هذا الفخ من خلال استجابتهم لدعوة بابا الفاتيكان  إلى مؤتمرات الحوار الإسلامي المسيحي الذي يتبنى القيم المشتركة ، كما نهديها بوجه عام إلى من يعرضون الإسلام لا من خلال التميز ولكن من خلال المشترك .

 

وتحاول الأصولية المسيحية في أمريكا أن تحسم صراعها مع العلمانية هناك ، وهو صراع يدور حول التربية والتعليم والإعلام ، ففي التلفزيون عشرات القنوات العلمانية والإباحية وهناك أيضا قنوات دينية وشديدة الأصولية أو حتى الغيبية والخرافية .

إن النظام في أمريكا – كما يقول الدكتور رفيق حبيب – لم يصبح أصوليا بعد ، ولكنه لم يعد علمانيا أيضا ، فرئيس الولايات المتحدة أصبح من أنصار الأصولية ، منذ وصول جيمي كارتر ، إلى البيت الأبيض ، مرورا برونالد ريجان ، وحتى جورج بوش  ، وبرغم أن الحركة الأصولية لا تناصر الليبرالية – في أمريكا – إلا أنها عرفت طريقها إلى الحكم هناك من خلال هذه الديموقراطية ، وكان العنصر الحاسم في هذا العمل هو أصوات الناخبين ، وعند ما وجد الأصوليون أن جيمي كارتر لم يف بوعوده لهم وبخاصة بالنسبة لموضوع إقرار الصلاة في المدارس ، ومنع الإجهاض تحول الأصوليون عنه وأسقطوه في انتخابات 1980 ، ليأتوا برونالد ريجان كرئيس أكثر أصولية ، بل هو صهيوني متشدد – على حد تعبير الدكتور رفيق حبيب – ولذلك انتخب رونالد ريجان لدورتين ، لأنه كان أكثر التصاقا بأهداف الحركة الأصولية ، ومن بعده أعطى الأصوليون أصواتهم إلى جورج بوش نائبه الذي حظي بتأييد ريجان وقيادات الأصولية ، لما عرف عنه من إيمان أصولي ، وهكذا استطاعت الحركة التأثير على انتخابات الرئاسة .

يقول رفيق حبيب : ( التيار الأصولي المسيحي هو بحق التيار الثاني في أمريكا من حيث القوة ، وبعد التيار العلماني مباشرة خاصة منذ بداية الثمانينيات )

وبعد ظهور عقيدة الملك الألفي – في أحضان الأصولية المسيحية الصهيونية الأمريكية – أصبح المسيحيون في أمريكا واليهود معا في مصير مشترك ، فرجاء كل منهما يتحقق من خلال الآخر ، والأغرب من ذلك – كما يقول الدكتور رفيق حبيب – ( أن اليهود أصبحوا طليعة الجماعة المسيحية المؤمنة)

 

يقول بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي : ( إنه على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات الأمريكية العربية ، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي ، بينما العلاقات الأمريكية العربية لا تحتوي أيا من هذه العوامل )

ويقول ريتشارد نيكسون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية :   ( للعمل داخل العالم الإسلامي فإن على صناع السياسة الأمريكية المناورة داخل وكر أفعى من سم النزاعات الأيديولوجية والصراعات الوطنية) ، ويقول : ( لا توجد دولة – حتى الصين الشيوعية – تحظى بصورة سلبية في الضمير الأمريكي كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي ) ، ولكنه يعود فيطمئن مواطنيه بسبب تفرق المسلمين ،  فيقول : ( وهذا السيناريو الكابوس لن يتحقق أبدا .إن العالم الإسلامي كبير جدا ومترامي الأطراف ومتعاكس ومتناقض ليزحف نحو قرع طبل واحد ) ويقول : (  إن الدين الإسلامي يمثل خليطا من الوحدة يمسك بسياسات هذه الدول مجتمعة ، لكنه لا ينسجها في إطار كتلة متناغمة ، إن سياسات كل دولة في العالم الإسلامي ليست مرتبطة بالإسلام بقدر ما قد يكون الإسلام متفاعلا مع ثقافتها الوطنية والتقليدية )  ويقول : ( إن علينا أن ننشر الفضيلة !! في العالم وفقا لمعتقداتنا الدينية )

 

ولم يقتصر الأمر على انبعاث فحيح هذه المسيحية الصهيونية من الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكنها كانت تصاعد من قلب أوربا منذ بداية القرن ولم يقتصر الأمر فيها على الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية

تقول دائرة المعارف البريطانية : ( إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقي حيا في الأذهان بفعل النصارى المتدينين ، وعلى الأخص في بريطانيا أكثر من فعل اليهود أنفسهم) .

ويقول الزعيم اليهودي وايزمان ( إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود بوعد بلفور هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة ، وتَغَنيه بالشوق الممض لأرض التوراة ) . وقد أشار وايزمان إلى هذا الأمر في حديثه عن بعض الشخصيات السياسية البريطانية التي كان لها دور بارز في تأييد اليهود مثل  بلفور ولويد جورج ، وتشرشل ، فقد وصفهم بأنهم ( كانوا من المتدينين المؤمنين بالتوراة ، وقالوا عن العودة اليهودية إلى فلسطين أنها أمر واقعي ، ونحن الصهاينة نمثل لهم تراثا يكنون له أعظم تقدير ) .

لقد كان التأثر بالتوراة دافعا أساسيا لبلفور صاحب الوعد المشئوم ليقدم وعده : تقول عنه مؤرخة حياته بلانش دوجديل : ( لقد تأثر منذ نعومة أظفاره بدراسة التوراة في الكنائس  ، وكان كلما اشتد عوده زاد إعجابه بالفلسفة اليهودية ! وكان دائما يتحدث باهتمام عن ذلك ، وكانت فكرته الأساسية أن المسيحية وحضارتها مدينتان بالشيء الكثير لليهودية ) ، ويقول عنه وايزمان : ( أتظنون أن لورد بلفور كان يحابينا عندما منحنا الوعد بإنشاء وطن قومي لنا في فلسطين ؟ كلا لقد كان الرجل يستجيب لعاطفة دينية يتجاوب بها مع تعاليم العهد القديم ) .

ويقول لويد جورج رئيس الوزارة البريطانية التي منحت اليهود وعد بلفور : ( نشأت في مدرسة تعلمت فيها تاريخ اليهود أكثر من تاريخ بلادي ، وبمقدوري أن أذكر أسماء جميع ملوك بني إسرائيل دون ملوك انجلترا ! ) ولقد كان السياسي البريطاني المشهور ونستون تشرشل يعتبر نفسه صهيونيا أصيلا ، ويصلى بحرارة لتحقيق أماني الصهيونية العظيمة !!

 

ومن قادة الغرب المعاصرين : يقول لورنس براون ( إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي )   . ويقول : ( كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة لكننا بعد الاختبار لم نجد مبررا لمثل تلك المخاوف ، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي ، والخطر الياباني الأصفر ، والخطر البلشفي ، ثم تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا ، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا ، أما اليابانيون فإن هناك دولا ديموقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم ، لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام ، وفي قدرته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته المدهشة )

ويقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتابه باثولوجيا الإسلام : (إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس ، وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا ، بل هو مرض مريع ، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الكسل والخمول ، ولا يوقظه من الخمول إلا ليدفعه إلى سفك الدماء ، والإدمان على معاقرة الخمور ، وارتكاب جميع القبائح ، وما قبر محمد إلا عمود كهربائي يبعث الجنون في رءوس المسلمين فيأتون بمظاهر الصرع والذهول العقلي إلى ما لانهاية ، ويعتادون على عادات تنقلب إلى طباع أصيلة ككراهة لحم الخنزير !! ، والخمر والموسيقى !! ، إن الإسلام كله قائم على القسوة والفجور في اللذات ، وأعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين ، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة ، وتدمير الكعبة ، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر !! )

ويقول المبشر تاكلي : ( يجب أن نستخدم القرآن ، وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه ، حتى نقضي عليه تماما ، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديدا ، وأن الجديد فيه ليس صحيحا )

ويقول مستر جلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (  مادام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق )   .

ويقول أنطوني ناتنج في كتابه " العرب " : ( منذ أن جمع محمد –صلى الله عليه وسلم – أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامي فإن على العالم الغربي أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة وصلبة تواجهنا عبر المتوسط ) .

ويقول أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية ، ومستشار الرئيس جونسون لشئون الشرق الأوسط حتى عام 1967 : (يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول وشعوب ، بل هي خلافات بين الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية ، لقد كان الصراع محتدما ما بين المسيحية والإسلام من القرون الوسطى ، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصور مختلفة ، ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب ، وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي )

ويقول أشعيا بومان في مقال نشره في مجلة العالم الإسلامي التبشيرية : ( إن شيئا من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام ، لهذا الخوف أسباب ، منها أن الإسلام منذ ظهر في مكة لم يضعف عدديا ، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار ، ، من  أسباب هذا الخوف أن هذا الدين من أركانه الجهاد )  .

ويقول الحاكم الفرنسي للجزائر بعد مرور مائة سنة على استعمارها ( إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرءون القرآن ، ويتكلمون العربية ، ولذا يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم )  .

ويقول مورو بيرجر في كتابه " العالم العربي المعاصر " : ( إن الخوف من العرب ، واهتمامنا بالأمة العربية ، ليس ناتجا عن وجود البترول بغزارة عند العرب ، بل بسبب الإسلام ، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب ، التي تؤدي إلى قوة الإسلام ، لأن قوة العرب تتصاحب دائما مع قوة الإسلام وانتشاره . إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر في القارة الأفريقية )  .

ويقول هانوتو وزير خارجية فرنسا : ( رغم انتصارنا على أمة الإسلام وقهرها فإن الخطر لا يزال موجودا من انتفاض المقهورين المغلوبين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم ، لأن همتهم لم تخمد بعد )

وبعد استقلال الجزائر ألقى أحد كبار المستشرقين محاضرة في مدريد بعنوان : لماذا كنا نحاول البقاء في الجزائر ؟ فقال : ( إننا لم نكن نسخر نصف المليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو صحاريه أو زيتونها ، إننا كنا نعتبر أنفسنا سور أوربا الذي يقف في وجه زحف إسلامي محتمل يقوم به الجزائريون وإخوانهم من المسلمين عبر المتوسط ، ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها ، وليدخلوا معنا في قلب فرنسا بمعركة بواتييه جديدة ينتصرون فيها ، ويكتسحون أوربا الواهنة ، ويكملون ما كانوا قد عزموا عليه أثناء حلم الأمويين بتحويل المتوسط إلى بحيرة إسلامية خالصة ، من أجل ذلك كنا نحارب في الجزائر )

ويقول أحد المسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية عام 1952 : ( ليست الشيوعية خطرا على أوربا فيما يبدو لي ، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديدا مباشرا وعنيفا هو الخطر الإسلامي ، فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي ، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص بهم ، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة ، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد ، دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية ، فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري ، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية ، ويقذفون برسالتها إلى متاحف التاريخ  ، وقد حاولنا نحن الفرنسيين خلال حكمنا الطويل للجزائر أن نتغلب على شخصية الشعب المسلمة ، فكان الإخفاق الكامل نتيجة جهودنا الضخمة ، إن العالم الإسلامي عملاق مقيد ، عملاق لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافا تاما ، فهو حائر وهو قلق ، وهو كاره لانحطاطه وتخلفه ، وراغب رغبة يخالطها الكسل والفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر ، فلنعط هذا العالم الإسلامي ما يشاء لاستهلاكه ، ولنقو في نفسه النزعة لعدم الإنتاج الصناعي ، فإذا عجزنا عن تحقيق هذا الهدف وتحرر العملاق من قيوده فقد بؤنا إذن بإخفاق خطير ، و أصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطرا داهما ينتهي به الغرب ، وتنتهي معه وظيفته الحضارية كقائد للعالم )

 

وتقول كارل أرمسترونج التي كانت راهبة كاثوليكية لمدة سبع سنوات ثم تفرغت لدراسة الإسلام وألفت كتابا عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ( تسود الغرب موجة من التفهم والرغبة في المعرفة نحو الأديان والفلسفات والحضارات الأخرى إلا دينا واحدا يستثنى من هذه النوايا الطيبة ، ولا يزالون يحتفظون له بذكرى سلبية ، فالذين بدأوا يستلهمون البوذية ليست لديهم رغبة للنظر بعطف للإسلام ، رغم أنه الأخ الثالث في دين إبراهيم ، ويحمل نفس لهجة تقاليدنا اليهودية – المسيحية ، فنحن في الغرب لنا تاريخ طويل من العداء للإسلام ، مثل عدائنا للسامية ، وبينما تغيرت النظرة للسامية منذ مذابح هتلر ، فإن الكراهية القديمة للإسلام ما زالت تنمو على جانبي الأطلسي حيث الناس لا يتورعون عن مهاجمة هذا الدين بالرغم من أنهم لا يعرفون منه إلا القليل ) .

 

إن  الأمرلا يقتصر في عداء الغرب للإسلام على هذه الأصولية الدينية المتمركزة في القلوب والعقول   ولكنها إذ وجدت على المستوى الأوربي منذ بداية الاستعمار الأوربي للبلاد الإسلامية اتخذت طابعا حضاريا استراتيجيا تخطيطيا وتبلورت في السؤال الذي وجهه كامبل بنرمان عن " مصير الحضارة الغربية " إلى لجنة من مشاهير المؤرخين وعلماء الاجتماع والجغرافيا والاقتصاد والبترول والإذاعة ، في بريطانيا حيث يقول : " إن الامبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى ثم تستقر إلى حد ما ثم تنحل رويدا رويدا ثم تزول .. فهل لديكم أسباب ووسائل يمكن أن تحول دون السقوط أو الانهيار أو تؤخر مصير الاستعمار الأوربي وقد بلغ الذروة الآن ، وأصبحت أوربا قارة قديمة استنفدت مواردها وشاخت معالمها بينما العالم الآخر لا يزال في مطلع شبابه ؟ "

ولقد عكفت اللجنة على دراسة الموضوع ، وانتهت إلى خطة للمستقبل ، ضمنتها تقريرا أحالته وزارة الخارجية إلى وزارة المستعمرات في بريطانيا ، وقد جاء في التقرير أن الخطر المهدد يكمن في البحر الأبيض المتوسط ، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص ، حيث يوجد شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللغة والآمال وكل مقومات التجمع والترابط والاتحاد ، فضلا عن نزعاته الثورية ، وثرواته الطبيعية ، وطالب التقريرالدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على تجزئة هذه المنطقة وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتناحر وتأخر ، كما طالب بضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الأسيوي ، واقترحت اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري قوي غريب على الجسر البري الذي يربط بين آسيا وإفريقيا ،وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة

وعلى هذا الأساس تم الالتحام بين الاستعمار الغربي – أوربيا كان أو موروثا لحساب أمريكا فيما بعد – والصهيونية الحاقدة– مسيحية بروتستانتية كانت أو يهودية – وصدر وعد بلفور .

وتسللت الصهيونية إلى عصبة الأمم التي يؤكد بعض الباحثين أنها صنيعة يهودية ، وكان أول عمل قامت به هو قيام السير إيريك ديرموند بتوجيه رسالة إلى حاييم وايزمن أكد له فيها أن حماية حقوق اليهود ستكون من أهم واجبات عصبة الأمم ، وسخرت عصبة الأمم بعد ذلك في فرض الانتداب البريطاني على فلسطين من أجل تحقيق هدف أساسي هو تنفيذ وعد بلفور

يقول الزعيم الصهيوني ناحوم وسكوف في المؤتمر اليهودي الذي عقد في كارلسباد بتاريخ 27\8\1922 ونشرته جريدة نيويرك تايمز في اليوم التالي : " إن عصبة الأمم فكرة يهودية ، لقد خلقناها بعد كفاح دام خمسة وعشرين عاما "  .

وإذا كانت هذه هي أيادي عصبة الأمم فقد أكملت هيئة الأمم المسيرة الصهيونية بعد ذلك إذ بادرت في أول قيامها إلى إصدار قرار تقسيم فلسطين .. وتغافلت تماما عن تنفيذ الجوانب التي صدرت في مقرراتها لمصلحة العرب ، لقد صدر عن هيئة الأمم المتحدة أكثر من مائة قرار تم إهمالها : منها ما يتعلق بحقوق اللاجئين في التعويض والعودة ، وما يتعلق بالجلاء عن الأراضي التي احتلت عام 1967 ، وما يتعلق بسلامة المواطنين العرب في الأرض المحتلة ، وحقوقهم الإنسانية ، وما يتعلق بإدانة إسرائيل لاعتداءاتها المتكررة على العرب الآمنين ، فما معنى ذلك ؟

بينما تسارع هيئة الأمم إلى وضع قراراتها ضد غير إسرائيل في نطاق المادة الخمسين من ميثاق هيئة الأمم المتحدة التي تدفع إلى التنفيذ الفوري بالقوة كما حدث مع العراق في الحرب العالمية ضده عام 1991 ثم في الحرب التي وقعت ضده منذ مارس 2003  ولا زالت فإن الكثيرين يفسرون عدم الاهتمام بتنفيذ القرارات المضادة لإسرائيل بأن التآمر الإسرائيلي امتد من الأوساط الاستعمارية الأوربية ومن اللوبي الأمريكي بصفة خاصة  إلى الأوساط الدولية بصفة عامة ، ويشيرون إلى أن الغالبية من موظفي هيئة الأمم وكبارهم هم من اليهود ، وهو تفسير غير كاف ، وإنه ليظهر لنا مما تقدم أن تخصيص فلسطين لليهود لم يكن إلا فكرة سياسية بحتة للتخلص من اليهود وضرب المسلمين معا ، إذ لابد من إضافة عنصر التعصب العنصري الذي يشنه الغرب ضد الشعوب الإسلامية ، والأمر في ذلك هو كما قال الأستاذ عباس العقاد  منذ عقود ولا تزال الأحداث تؤكد ما قال وتزيده وضوحا : ( إن الحالة الواحدة لتطرأ على إسرائيل وتطرأ على بلد من بلاد الإسلام فينظرون إليها في الغرب بعينين مختلفتين : كل من الباكستان وإسرائيل دولة قامت على أساس العقيدة الدينية ولكنك تقرأ في كلام الغربيين أن الباكستان أمة متأخرة لأنها قامت على أساس دينها ، ولا تقرأ شيئا من هذا القبيل بتة عن الصهيونية ودولة إسرائيل ، بل تقرأ عنهم كل ما شاءوا من أوصاف التقدم والحضارة  )

 

ولقد استيقظت هذه العنصرية الثعبانية في دورتها الحالية بعد إذ تنبه الغرب لخطر الصحوة الإسلامية التي بدأت منذ بداية القرن العشرين وتعاظمت حول منتصفه ، وجاءت  تصريحات حلف الناتو ليحدد ما أصبح واضح التحديد.

وذلك في اجتماعات الحلف في يوليو عام 1990 ليضع استراتيجية الحلف بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفتت حلف وارسو ، ففي حديث أجرته جريدة نيوزويك بعددها 2 يوليو 1990 مع الوزير الإيطالي السنيور جياني ديميكليس سئل : مادام الغرب لم يعد يواجه بتهديد عسكري من الكتلة الشرقية فلماذا تحتاج أوربا إلى تلك القوة الضاربة التي يمثلها الحلف  قال الوزير الإيطالي : صحيح أن المواجهة مع الشيوعية لم تعد قائمة إلا أن ثمة مواجهة أخرى يمكن أن تحل محلها بين العالم الغربي والعالم الإسلامي ) ‍‍

و أعلنت فرنسا وإيطاليا في 18\ 3\ 1993 أن ظاهرة الصحوة الإسلامية هي الخطر الرئيسي في السنوات المقبلة – أي بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي - وأن هذه الظاهرة تستهدف تخريب أوربا والغرب ، وجاء ذلك في تصريحات لكل من وزير الخارجية الفرنسي رولان دوما ، والمتحدث الرسمي باسم الخارجية الفرنسية موريس جودو ، وعلى لسان وزير الداخلية الإيطالية نيكولا مانشيتو في تصريحاته للإذاعة الإيطالية ، وأمام البرلمان الإيطالي . وتأتي إشارة البدء في حرب هرمجدون من حيث تصر الأصولية المسيحية على إعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى ، كرغبة جارفة للوصول إلى لحظة الصدام ، فهدم المسجد الأقصى – إذا حدث – هو إشارة البدء لحرب هرمجدون حسب تصوراتهم للأحداث المقبلة ، ووفقا لتقدير الدكتور رفيق حبيب

 

ويبدو أن بعض من لا يزالون يحملون للمسلمين نوعا من الشفقة التي يوزعون بعضها على الحيوانات .. يشيرون للمسلمين إلى المخرج من هذا المصير الذي يبيتونه لهم ، هذا المخرج الذي يتمثل في تقديرهم في التغريب أو العلمنة أو التنوير أو الحداثة وفق شروحاتهم المزيفة أو الملتبسة لهذه المصطلحات التي يستحدثون منها ما يشاءون ، ويستحدثون منها جديدا كلما انكشف الغطاء عن قديم ، وذلك كبديل لتلك الحرب الماحقة ، إذ عندما سئل الوزير الإيطالي : كيف يمكن تجنب تلك المواجهة المحتملة ؟ أجاب : ( أن يصبح النموذج الغربي أكثر جاذبية وقبولا من جانب الآخرين في مختلف أنحاء العالم { يقصد ونحن نفهم وإن لم  يغمز بعينه : " نحن " } ، فإذا فشلنا في تعميم ذلك النموذج الغربي فإن العالم سيصبح مكانا في منتهى الخطورة ) .

معنى هذا : إما النموذج الغربي وإما الحرب .

ومعناه مرة أخرى : إما النموذج الغربي خضوعا واستسلاما بدون حرب ، وإما النموذج الغربي خضوعا واستسلاما عن طريق الحرب .

ولا شك أن الأصولية المسيحية الصهيونية تعتقد أن الأمر – حسب النبوءة – لن يكون إلا بالحرب . والأدق من ذلك أن نقول : الأمران يعملان معا في انسجام وتكامل : فالبعض يسلِّم مقدما للنموذج الغربي ليسهِّل عملية الحرب  التي تنصب من جهة أخرى على رءوس الباقين ممن  يقاومون هذا النموذج.

وهو يتطابق في فحوى هذا التصريح مع فحوى تصريح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جورج دبليو بوش عن موقف الآخرين من المسلمين من حربه ضد الإرهاب : إما أن يضربهم بقبضته إذا لم يكونوا معه ضد الإرهاب ، وإما أن يضربهم بقبضتهم إذا انضموا إليه ، فهم الإرهابيون في كلتا الحالتين .

يقول الدكتور رفيق حبيب ( ومن نافلة القول أن نؤكد أن المنطقة – الشرق الأوسط – مرشحة دينيا ومن منطلق الأصولية المسيحية الصهيونية كي تكون لا موطن القواعد والجيوش فحسب ، ولكن موطن الحروب ، ومن وجهة النظر الأصولية المسيحية الصهيونية فإن العرب والمسلمين جزء أصيل في مملكة الشر ، لذلك فإن إبادتهم حدث سيأتي بفعل إرادة الله ، وبالنسبة للأصولية المسيحية الصهيونية – وهي المنتشرة الآن – فإن على الأصولي الإعدادَ لهذه الحرب ، والعمل على تحقيق إبادة مملكة الشر ، في أقرب وقت ، لذلك يجب أن تقوم حرب في هذه المنطقة ، وذروتها في هرمجدون في فلسطين ، أما بالنسبة للأصولية المسيحية غير الصهيونية – وهي الأصولية التبشيرية الإنجيلية التي سبق الإشارة إليها – فإن العالم العربي والعالم الإسلامي – وهو الحصن الممتنع على التبشير – يجب أن يسقط أمام حملات التبشير حتى يصبح العالم كله للمسيح )

 

وتحاول الأصولية المسيحية – بناء على هذه التصورات – تحديد تاريخ نهائي للعالم ، وما يذاع بين وقت وآخر حول هذا التحديد ينسب في الحقيقة إلى هذه الأصولية لا إلى محض ظهور دجالين مشعوذين كما يوحي بذلك إعلامنا العربي ، جهلا أو بقصد التعمية على هذا النشاط الأصولي المسيحي ، فمنذ بداية القرن العشرين ومع انعقاد مؤتمر أدنبرة في عام 1910 – طبقا لدراسة الدكتور رفيق حبيب – رفع شعار ( العالم كله للمسيح في هذا الجيل ) ولكن النبوءة لم تتحقق فدارت الدائرة مرة أخرى ليظهر شعار ( الموعد الأخير..) ويصبح الهدف الأصولي الوصول إلى نهاية العالم أجمع مع حلول عام 2000 م ، ويؤمن معظم الألفيين بأن نهاية العالم على الأبواب ، والبعض ينتظرها في غضون سنوات ، والكثيرون يعتقدون أنها سوف تتحقق خلال حياتهم ، وبالتحديد عندما يأتي المسيح ليحكم العالم في الجيل الحالي ، وقدر لذلك عام 1988 ، فلما لم يحدث شيء حصل تمديد المدة إلى عام 1989 ، ثم قيل : عام 1922 ، فلما لم يتحقق شيء من ذلك قالوا عام 2000 المنتظر .

 

لقد استمرت هذه الاندماجية الغادرة بين الصهيونيتين في إصدار إشاراتها – دون أن يستيقظ منا مسئول - على المستوى الشعبي والرسمي في الغرب بعامة وأمريكا بخاصة ، وأخيرا بعد أن أخذت بعض الأقلام تنبه إلى المؤامرة كان الوقت قد فات .

لقد كان من الخداع الصارخ  محاولة البعض أن يقدم لنا الصهيونية في فلسطين تارة بأنها حركة تحريرية ، وتارة بأنها مطلب شعب يستحق الاستقلال والأرض ، وتارة بأنها إشعاع حضاري أنشئ بين شعوب متخلفة ليأخذ بيدها نحو التقدم .. وفي كل الأحوال ألحوا على ذاكرة المسلم بأن ينسى أنها حركة عدوانية دينية ، وأنها ترتبط أساسا بالمسيحية وبالحرب الصليبية .

إننا نواجه هنا الحقيقة المخبأة بأن الفكر الأصولي الإنجيلي الصهيوني  تحالف مع إسرائيل تحقيقا لنبوءات يجدها الطرفان في الكتاب المقدس لديهم ، بفرعيه القديم والجديد .

 

على المستوى العملي والتنفيذي

ومن مظاهر الابتلاء ما يسجله التاريخ حول المسجد الأقصى على المستوى العملي المعاصر، فقد كان لهذا الفكر الأصولي الإنجيلي الصهيوني أثر كبير في اندفاع رجال الدين والرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية  خصوصا  والغرب عموما إلى دعم الدولة اليهودية في إجراءاتها الإجرامية بغير حدود  ، ويعتبرون قيامها بما تقوم به  من  جرائم ترتقي إلى مستوى الإبادة تنفيذا لإرادة إلهية .

بدأ الأمر بإعلان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترومان الاعتراف بالدولة الإسرائيلسة فور قيامها – وهو أول من أعلن هذا الاعتراف - ولقد كانت الخلفية المعمدانية والتربية الدينية  لهذا الرئيس تركزان على عودة اليهود إلى صهيون ، وقصة حياته الشخصية حافلة بالاقتباسات والإشارات التوراتية ، وتشير إلى ميله للإسهاب في ذكر التعاليم اليهودية المسيحية ، وعندما قدم إيدي جاكوبسون ترومان إلى عدد من الحاضرين واصفا إياه بأنه (الرجل الذي ساعد على خلق إسرائيل ) رد ترومان مستشهدا بفكرة الصهيونية الدائمة عن النفي والبعث فقال : ( ماذا تعني بقولك : ساعد على خلق ؟ إنني قورش ، إنني قورش ) وقورش هو الذي أعاد اليهود في تاريخهم القديم من منفاهم في بابل إلى القدس .

وتأييدا لاستيطان اليهود بفلسطين عقد رجال الدين المسيحي الأمريكان مؤتمرا في عام 1945 ، وتقدم فيه خمسة آلاف قسيس بمذكرة للرئيس الأمريكي ترومان يطالبونه بفتح أبواب فلسطين لليهود بدون قيد أو شرط .

يقول  القس الأمريكي الشهير جيري فالويل والصديق الشخصي للرئيس ريجان ومناحم بيجن : ( لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى في عالم الوجود ! والرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهود )

وهو يقول عن انتصار إسرائيل عام 1967 ( ما كان لإسرائيل أن تنتصر لولا تدخل الله)

ثم ذهب هذا القس إلى إسرائيل حيث غرسوا له بعض الأشجار في أرض عرفت فيما بعد باسم غابة جيري فالويل .. ،التقطت له صور هناك وهو راكع .. وطلب منه بيجن أن يذهب إلى المستوطنات الجديدة وأن يعلن : ( إن الله أعطى الضفة الغربية لليهود ) وقد فعل ذلك بحضور حراسه وعدد من الصحفيين الأمريكيين  الذين سجلوا له قوله ( إن الله لم يكرم أمريكا إلا لأنها كريمة تجاه اليهود ) وأضاف قائلا : ( إننا إذا فشلنا في حماية اليهود فلن نعود مهمين في نظر الله )

ويقول القس الأمريكي مايك إيفانس  في ولاية تكساس : ( إن تخلي إسرائيل عن الضفة العربية وغيرها من الأرض المحتلة بعد حرب 1967 سوف يجر إلى دمار إسرائيل ، ومن بعدها الولايات المتحدة ، إن الرب أمرني بوضوح إنتاج هذا البرنامج التليفزيوني الخاص بدولة إسرائيل ) وبرنامج القس المشار إليه عنوانه : ( إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء )  وقد أذيع عام 1983 ، ولمدة ساعة بالتليفزيون.

  ولقد دأب عدد من القساوسة من أمثال جيم باركر ، وكينيث كوبلاند ، وروبرتس ، وسواغارت ، وغيرهم على الإعلان عن قدسية إسرائيل استنادا إلى ما ورد في الكتاب المقدس عندهم ، وذلك في الإذاعات الصوتية والمرئية .

ويقول القس كرال ما كانتاير في وصفه لحرب 1967 ( على من يؤمن منا بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله أن يهب الآن لمساعدة اليهود ، فما أعطاهم الله يحق لهم أن يمتلكوه ، ولا يجوز أن يقايضوا على الأراضي التي كسبوها )

ويقول كارتر الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية  : ( لقد اعتبرت أن إقامة وطن لليهود هنا هو أمر من أمر الله ، وهذه المعتقدات الخلقية والدينية هي التي كانت أساس بقاء التزامي بسلامة إسرائيل ثابتا لا يمكن أن يهتز )

  ويقول ريجان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية  مخاطبا اليهود : أعود إلى أنبيائكم الأقدمين في العهد القديم وعلامات اقتراب مجدون – وهي معركة فاصلة بين قوى الخير والشر في الفكر الصهيوني – فأجدني أتساءل : هل نحن الجيل الذي سيشهد تلك الواقعة .. إن هذه النبوءات تصف الأزمان التي نعيشها بالتأكيد )

وحين صافح كلينتون – الرئيس السابق  للولايات المتحدة الأمريكية – نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل الأسبق - في زيارته لإسرائيل وغزة في أوائل ديسمبر 1998 أراد أن يطمئنه إلى السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل فقال له عن القس الذي تلقى اعترافاته عن علاقته الغرامية بمونيكا إنه – أي القس – قال له : ( إن الله سيغفر لك كل ذنوبك بما فيها علاقتك مع مونيكا ، ولكن الله لن يغفر لك أبدا إذا نسيت إسرائيل ) .

وأخير ا هاهو جورج بوش الابن الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية .. لا يكتفي في مناصرته لإسرائيل بما استولت عليه فعلا من أرض المسلمين في فلسطين وإنما هو يفتح من أجلها جبهات القتال على المسلمين في كل مكان .

 

وعلى هذه القاعدة الصليبية  تكتل  الشعب ورجال السياسة في أمريكا والغرب ضد الإسلام والمسلمين والمسجد الأقصى بالذات ، متأثرين بأفكارهم الدينية تجاه مناصرة اليهود ومعاداة المسلمين ، خلافا لما يظنه البعض منا أن هؤلاء قد تخلصوا من دينهم وما عادوا يقيمون لغير مصالحهم المادية وزنا ، يقول الدكتور ادوارد سعيد  ( والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تبدي بشكل علني تمسكها بأهداب الدين ، فحياة الأمة مشبعة بالإحالات على الله من قطع النقد إلى المباني العامة إلى الشهادات اللغوية من مثل " بالله نؤمن " " إلى بلاد الله " " بارك الله أمريكا " إلخ ، والقاعدة التي يقوم عليها حكم بوش مؤلفة من حوالي 60 إلى 70 مليون رجل وامرأة ، يؤمنون مثله بأنهم التقوا يسوع المسيح وأنهم وجدوا على الأرض من أجل إتمام عمل الله في بلاد الله . …

إننا بإزاء ديانة نورانية نبوية ذات قناعة راسخة برسالتها الرؤيوية التي لا علاقة لها ألبتة بواقع الأمور وتعقيداتها  ..)

ويقول الدكتور ديفيد بلانكس أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة   ( قد يكون مستغربا بالنسبة لبعض غير الغربيين أن يكتشفوا أن الأمريكيين عموما شديدو التدين ، فالأمريكيون الذين يؤمنون بالله أكثر بكثير من نظرائهم الأوربيين والإسرائيليين ، وهم أكثر انتظاما في حضورهم الصلوات في أماكن العبادة ، ، وتبين دراسة أجريت أخيرا بعنوان " مسح التعرف على الهوية الدينية الأمريكية عام 2001 أن الأمريكيين اقل علمانية مما يفترضه كثير من غير الأمريكيين ، وقد تبين من الاستطلاع أن 75 % وصفوا موقفهم بأنه ديني أو ديني إلى حد ما )

ويقول الدكتور ديفيد بلانكس : ( لماذا يؤيد الإنجيليون إسرائيل ؟ هذا ليس نتيجة للإعلام أو الضغط اللوبي اليهودي أو أي عامل خارجي آخر ، ومع أن قيادتهم تتحدث بلغة الأمن فإن معظم المؤمنين يؤيدون إسرائيل لأسباب دينية ، أي تلك الأسباب التي وردت في سفر الرؤيا ، آخر أسفار العهد الجديد الذي يتنبأ بهرمجدون ، وهي المعركة الأخيرة مع المسيخ الدجال التي سوف تنتهي بانتصار المسيح وبداية مملكته على الأرض ، وفي استطلاع أجرته معهم المقابلات أنهم يؤمنون بأن نبوءات الكتاب المقدس سوف تتحقق وقال 36% إنهم يؤيدون إسرائيل لماذا ؟ لأنهم يؤمنون بنبوءة الكتاب المقدس ن بضرورة أن تكون الغلبة إسرائيل قبل أن يعود المسيح إيذانا بقيام القيامة ، ونهاية العالم ، ويعتقد حوالي 25% ممن استطلعت آراؤهم أن الكتاب المقدس تنبأ بهجمات الحادي عشر من سبتمبر ، فماذا نفعل مع إحصاءات كهذه ؟ إنها في أوهن الظروف تبين أنه على من يشعرون أنه يمكن أن يكسبوا الدعم للقضية الفلسطسنية عن طريق الشكوى من اللوبي اليهودي أن يعيدوا النظر في موقفهم فليس من الممكن كسب اليمين المسيحي ) ثم يقول الكاتب الدكتور ديفيد بلانكس: ( تصور سلسلة من الروايات الجديدة عن سفر الرؤيا تحظى بشعبية كبيرة السكرتير العام للأمم المتحدة على أنه المسيخ الدجال ) !!

وعلاوة على ما تطور إليه الوضع هناك أخيرا من صحوة مسيحية عارمة، يجب أن نتذكر أن ما هم فيه من تدين أشبه بمذهب المرجئة عند بعض الفرق الإسلامية : في الأخذ بمقولة أنه " لا يضر مع الإيمان معصية ، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة " ، والمخلص عندهم دائما مستعد لمحو الخطايا أولا بأول ، ما توسط لذلك كاهن أو قسيس في صلاة أو اعتراف  .

 

إن نظرية المصلحة التي تحكم السياسة والسياسيين لا غبار عليها إذا وسعنا مفهوم المصلحة ، بالنظر إليها وفق عقيدة صاحبها ، فهي التي تنشئ هذه المصلحة وتلونها وتحددها وتوجهها على المدى البعيد .

وحق لنا أن نقول بعد ذلك إنه في سياق التزييف التاريخي الذي نخضع له يأتي التركيز على اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية وأنه هو السبب في جر الأمريكيين إلى معاداة العرب ، ولتنحرف جهودنا بعد ذلك إلى مشروع فاشل مقدما بمحاولة إنشاء لوبي عربي !! ، ، إذ يبدو لنا أن الأمريكي هو لوبي نفسه وأن لوبيه يتكون في داخله منذ قرون ، بعقيدة توراتية مسيحية أصلا . !! .

ولم يقتصر الأمر على الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية

حتى الملحدين في الغرب الأوربي منهم تأثروا على المستوى الثقافي بهذه العصبية الدينية ، لقد سار الفيلسوف الفرنسي الملحد جان بول سارتر في مظاهرات باريس قبل حرب 1967 تحت لافتات كتب عليها " قاتلوا المسلمين " فالتهب الحماس الصليبي الغربي وتبرع الفرنسيون آنذاك بألف مليون فرنك خلال أربعة أيام فقط .

إنها كما يقول الأستاذ جلال كشك : ( حملة إبادة للوجود الإسلامي في يوغوسلافيا تحقيقا للنقاء العنصري بالقتل والحرق والطرد الجماعي ، لكي يستولوا على الأرض بدون سكان ، كما فعل الكاثوليك في أسبانيا والبرتغال قبل خمسمائة سنة ، ثم في كريت وصقلية وقبرص وجنوب أوربا ، وكما فعل الصرب والأوربيون في البلقان قبل مائة عام ، وكما فعلت وتفعل إسرائيل ،وكما فعلت بلغاريا في مسلميها عدة سنوات ، وكما يفعل الأرمن في قرة باغ حيث يطبقون النموذح الإسرائيلي ويستدعون المهاجرين الأرمن من أمريكا لإسكانهم في بيوت المسلمين ، بعد أن تم إخلاء مائتي قرية مسلمة بالإبادة والطرد)

يقول أحد المعلقين الصحفيين : ( برزت على سطح الأحداث العالمية ظاهرة … ألا وهي ظاهرة القتل والإبادة والتشريد وفقا "للهوية الدينية " وتحديدا وفقا للهوية الدينية الإسلامية . وهي ظاهرة استفحلت واستشرت مع عمليات الإبادة الجماعية واسعة النطاق للمسلمين في بورما ، ومع عمليات الإبادة المنظمة للمسلمين في جمهورية البوسنة والهرسك )  ، ثم يقول عن رد فعل العواصم الغربية : ( إنها لا تتحرك ولا تتدخل ، ويقتصر مدى حركتها وتدخلها على الشجب والرفض والتنديد وهي شعارات بالغة الغوغائية والقبح كلما كان التصرف الواجب يستدعي الحركة والتواجد المباشر في مسرح الأحداث لمنع تداعياتها المأساوية  … ماذا ينتظر النظام العالمي الجديد ؟ إنه ينتظر أن يفرض الصرب واقعا جديدا على أرض جمهورية البوسنة والهرسك يغير من ملامح ديموجرافيا السكان ، حتى يفرض أمرا واقعا يكون فيه مسلمو البوسنة والهرسك قد تحولوا إلى لاجئين في أرض غريبة عن ارض آبائهم وأجدادهم )   ، وهذا هو الذي حدث حتى جاء اتفاق دايتون في أرض محروثة .

ويقول الصحفي المرموق جهاد الخازن ( إذا نظر المرء شرقا فسوف يرى جماعة مسلمة تقيم في بورما منذ القرن الثامن ، وتتعرض اليوم للقتل والضرب والاغتصاب والتشريد ..والعصابة العسكرية التي تسلمت الحكم في رانجون عام 1988 تشن حربها على المسلمين فلا يسمع صوت في العالم ضدها ..ولقد قرأنا كيف فر ستون ألف مسلم بورمي بالقوارب عبر نهر " نان " وحاولوا اللجوء إلى بنجلاديش ، ويبرر العسكريون في  بورما جرائمهم ضد المسلمين بحجة المحافظة على نقاء الجنس البورمي !! وهناك اليوم مليون بورمي مشردون .)

وإذا نظر المرء غربا فسوف يجد الأقليات المسلمة في أوربا وأمريكا تتعرض لحملات هدفها طردهم وترحيلهم .

إن المؤامرة قد استحكمت حلقاتها وهي كما تضرب في الأطراف تضرب في الأعماق ، وكما تضرب في الجغرافيا تضرب في التاريخ ، وكما تضرب في الجغرافيا والتاريخ فإنها تحلم بإنهاء المعركة بضرب الرمز المقدس في المسجد الأقصى أولا ، والبقية تأتي ، والنائمون ما يزالون يحسبونه كابوسا .

إن عقيدة الإسلام هي وحدها القادرة على صنع ذلك النمط من النفوس التي تمكنت في فجر الإسلام من دحر امبراطورية الروم وتحرير القدس ، وهي وحدها القادرة في العصر الحديث على صنع تلك النفوس التي تدحر امبراطورية الروم الجديدة ، وتحرر بيت المقدس من الصهيونية ، وترد إليه بركته ، وتحرر المسجد الحرام من التهديد  وترد إليه طمأنينته .

إن حجرالزاوية في خطة استرداد بيت المقدس وطمأنينة المسجد الحرام هو في الارتكاز على العقيدة الإسلامية والصدور عنها

إن هذه ضرورة أولية من أجل تحقيق شرط النصر الذي شرطه المولى عز وجل  ، وهي بعد ذلك ضرورة من أجل جمع القوى الهائلة المهدرة التي للمسلمين في أوطانهم وديارهم ، ضرورة من أجل الانتفاع بهذه القوى بعد أن تجتمع ، ضرورة من أجل تفجير طاقاتهم الروحية تفجيرا واعيا . ضرورة من أجل صنع الأمة الإسلامية الظافرة بحقوقها ،  والتي تكون بعد الظفر مستعدة  لأن تكون قوة صانعة للحياة الكريمة على الأرض ،  موجهة لها إلى طريق الخلاص .

 إلى صفحة المقالات