29/04/2005

حول الهدنة والتهدئة

 

بقلم : د. ابراهيم علوش

 

لا يتقدم المشروع النضالي دوماً عبر خطٍ مستقيمٍ يتصاعد أبداً من أدنى إلى أعلى. ففي القضايا العامة، كما في الحياة، ولكن بالذات في العمل السياسي، قد يرجع المناضلون خطوةً إلى الوراء ليخطوا اثنتين إلى الأمام، وقد يبتعدون عن اتجاه الضربة بقفزةٍ إلى اليمين ليعودوا بعدها إلى اليسار.. وكما هو معروف، هذا اسمه التكتيك، ولكنه يكف عن كونه تكتيكاً في اللحظة التي يتخطى فيها المناضلون خطاً أحمرَ لا يعرفه الآخرون اسمه الثوابت.

 

لا نرفض ممارسة التكتيك بالمطلق إذن أو نسيء تقدير الظروف الصعبة للعمل الفلسطيني المقاوم، بل نحرص على الفصائل المقاومة، وقبل ذلك، على ثوابت القضية نفسها التي ما وجدت تلك الفصائل إلا لحراستها.

 

وقد يتفهم المرء، من منظور تكتيكي فقط، موافقة الفصائل على الهدنة والتهدئة في القاهرة، آخذين بعين الاعتبار آلاف كوادر ومقاتلي الفصائل المقاومة في سجون الاحتلال وربط الهدنة بالإفراج عنهم. فمفهومٌ ومشروعٌ أن تقايضَ الفصائلُ الإفراجَ عن قادتها وكوادرها ومقاتليها ببضعة أشهر من التهدئة، وهو أمرٌ لا غبار عليه من ناحية مبدئية محض لأنه لا يتضمن اعترافاً بحق دولة العدو بالوجود، أو انخراطاً بمشاريع التسوية.

 

فالتهدئة إذن تقيم سياسياً وليس مبدئياً، ولو أن القول إنها ليست خطوة خاطئة مبدئياً لا يعني بالضرورة أنها خطوة صحيحة سياسياً. لكن السؤال يصبح هنا: هل حصلت الفصائل على أفضل مقايضة ممكنة مقابل التهدئة، كما فعل حزب الله مثلاً؟ لماذا لم يوضع الإفراج عن أحمد السعدات والقيادات الفلسطينية المعتقلة كشرط مسبق لها؟ هل أخذنا بعين الاعتبار أن التهدئة فلسطينياً مطلوبة أمريكياً وصهيونياً لتفجير جبهة لبنان، كما كانت مطلوبة قبلها لتفجير جبهة العراق؟ ومن ناحية مبدئية أيضاً، هل يجوز أن نكرس سابقة عقد الاتفاقات السياسية برعاية رئيس مخابرات عربي؟ وكذلك مبدئياً، هل يجوز أن نجلس ونعقد الاتفاقات مع جهات فلسطينية بالاسم ثبت عليها التعاون الأمني مع العدو الصهيوني وأثمت أيديها بدماء المقاومين؟

 

بالرغم من كل هذه الملاحظات والمآخذ، لا يمكن رفض التهدئة من حيث المبدأ ودوماً، وسنترك تقدير هذا الموقف لمن يمارس العمل المقاوم على الأرض، دون القبول بالضرورة بكل ما يوقعه، فالمعيار بالنهاية هو مصلحة الأمة، ولا يملك أحدٌ احتكاراً لفلسطين، ويجب أن يكون واضحاً أن عدم التزام الكيان الصهيوني بالشروط الفلسطينية للهدنة سيعني أن الهدنة لن تستمر. ولكن يبقى أن مسألة التهدئة والهدنة فيها وجهة نظر، طالما لم تتجاوز إلى الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود والانخراط بالمشاريع التسووية...

 

أما الدخول في الانتخابات ومؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية فقصة مختلفة تماماً لأنها تتجاوز التكتيك، صحيحاً كان أم خاطئاً، إلى انتهاك الخط الأحمر. وبما أن حماس والجهاد لم تدخلا مؤسسات السلطة بعد، ولم تنضما إلى المنظمة، فلنفترض على سبيل العشم، كما يقال، أن الحديث بهذا الاتجاه مجرد تكتيك أيضاً ريثما تمر العاصفة، مع أن التجربة التاريخية تعلمنا أن لا نكون بمثل هذه السذاجة.

 

أخيراً، الدخول في منظمة التحرير دون شطب قرارات المجالس الوطنية المعترفة بالعدو والداعية للحل السياسي يدخلكم في مجزرة سياسية، وها قد بدأ كتاب وإعلاميو المارينز العرب يثيرون الزوابع حول مواقفكم، فنرجو العلم وأخذ اللازم، وشكراً.

1

إلى صفحة المقالات