29/04/2005

الجهاد الاقتصادي

 

بقلم :الشيخ مصطفى شارور

  المحاضر بجامعة الخليل –  سجن النقب الصحراوي

 

 الجهاد في الإسلام تتعدد ميادينه وأساليبه، ومن أهم ميادينه الجهاد الاقتصادي والذي يتمثل بمقاطعة بضائع العدو للأمة الإسلامية ومقاطعة بيعه أيضا لان شراء بضائعه التي يمكن الاستغناء عنها خاصة إذا كانت من الأمور الكمالية تتضمن تقوية لهذا العدو ، ويُخشى أن يكون هذا الفعل منا بشراء بضائعه يحمل صورة من صور الموالاة لهذا الكافر ،والقرآن يحذر أشد التحذير من موالاة المسلم الكافر لأنه "من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الكافرين" .

إن القرآن يدعونا لننال من أعدائنا وذلك في قوله تعالى :" ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " ،وكلمة نيلا جاءت بصيغة التنكير المفيدة للتعميم ، أي نيل : نيل إعلامي أو معنوي أو سياسي أو عسكري أو اقتصادي . وفكرة المقاطعة الاقتصادية ليست وليدة العصر الحاضر ، فها هي قريش تعمد إلى تحريض بعضها لمقاطعة محمد والذين آمنوا معه ومن رضي من بني هاشم أن يواليه وإن كان على دينهم كعمه أبي طالب ، وقد عرفت هذه المقاطعة في كتب السيرة بالصحيفة التي علقت في الكعبة إشعارا بأهميتها ،وضرورة الالتزام التام من أهل مكة كلهم بها ،وقد تم بعد ثلاث من السنين تمزيقها بفعل أبي البختري بن هشام وآخرين معه لما فيها من قطيعة رحم ، وتجويع للأطفال والنساء من بني هاشم الذين لهم مع قريش نسب ومصاهرة .

وكذلك لمّا أسلم الصحابي أثاثة بن أثال من بني حنيفة في السنة السابعة للهجرة ، أقسم أن لا يبيع قريشا حبة ميرة "أي قمح" حتى يأذن له رسول الله ، وبلغ بقريش الجهد مبلغه من جراء هذه المقاطعة الاقتصادية ، حتى جاءت قريش متوسلة محمدا صلى الله عليه وسلم ليأذن لصاحبه أن يبيعهم الميرة من أجل الخالات والعمات اللواتي ما زلن في مكة مقيمات .

وها هي شعوب الأرض قاطبة يغمرها الانتماء لأوطانها ، فإنك لا تجد يهوديا تمتد يده لشراء منتج عربي ، حتى إن أصحاب المصانع العربية لا يكتبون على منتجهم كلمة عربية واحدة ، وإذا كان هذا اليهودي في الخارج ودخل أي محل ليشتري شيئا فإنك تجده حريصا على  شراء ما منشؤه ومسطر عليه:( صنع في إسرائيل) فهل هم أخلص لأوطانهم وقضاياهم منا ؟؟ .

وها هي أمريكا تحارب المخالف لها من الدول عبر سلاح المقاطعة الاقتصادية ، امتناعا من شراء منتجاتها أو امتناعا من بيعها . وإبان الأزمة العراقية الثانية في عام 2003 وما قبلها ، تداعى الشعب الأمريكي وتواصى في ما بينه على مقاطعة الأجبان الفرنسية ، موالاة لحكومته ضد سياسة فرنسا المعارضة للسياسة الأمريكية في العراق ، فيا عجبا من حالهم وحالنا كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأصحابه :" ما أحرصهم على باطلهم واجتماعهم عليه ، وتفرقكم عن حقكم ".

وهذه اليابان في الحرب العالمية الثانية كان عندهم الاستعداد التخلي عن غذائهم الرئيسي الذي كانوا يستوردونه من أمريكا وهو القمح فحولوه واستعاضوا عنه بالأرز الذي هو من زرع أرضهم ،خلافا لشعار امتنا المحزن: كيف نعيش بلا كابرس ، وقياسا عليه: فلسان الحال يقول : كيف نعيش من غير كوكاكولا ، أو هامبرغر ، أو تابوزينا ، أو بيبيسي ، أو أر سي ، أو تيمبو ، أو كرستال ، أو دخان مالربورو ،أو تايم ، أو كنت ، أو غريفن أي ، أو ال ام .

ولا يقولن أحد أن هذه المشروبات والمطعومات تصنع في بلادنا وبأيدي عربية ،لأن الجواب هو أن كل بكيت دخان ،أو علبة كولا للأمريكان فيها نصيب مقابل الاسم التجاري ، وقد حدثني أحد العاملين في الأنشطة الاقتصادية أن شركة الزيوت المعدنية الفلسطينية تدفع لشركة توتل الفرنسية خمس مئة دولار عن كل طن من الزيوت المعدنية تنتجه مقابل إصدار المنتوج باسم هذه الشركة فقط .

ولعل لغة الأرقام تقنع من لم يقنع حتى الآن بجدوى المقاطعة الاقتصادية لمنتجات العدو الاستهلاكية الكمالية . فقد نشرت صحيفة القدس في صفحتها الاقتصادية أن شركة فيليب مورس للتبغ الأمريكية للتبغ تبيع سنويا في السوق العربية من صنف مارلبورو ،- ولك أن تقول تنفيرا من الدخان "بربورو" -ما مقداره ستة مليارات دولار ، وفي العالم الإسلامي تصل مبيعاتها إلى ستة وعشرين مليار دولار .

ولقد عرضت فضائية أبو ظبي يوما تقريرا مصورا عن التدخين في العالم البالغ ستة مليارات من البشر وذكر هذا التقرير بأن عدد المدخنين في هذا العالم يبلغ مليارا ومائة وخمسين مليونا من البشر ، وحصة المسلمين من هذا الرقم فوق الثلث مع أنهم لا يزيدون عن ربع البشرية ،أي أن هناك أربعمائة مليون مسلم مدخن في العالم الإسلامي ولو افترضنا أن كل مدخن يحرق يوميا علبة سجائر واحدة ، وأن سعر كل علبة دولار واحد فقط ، فإن النتيجة المرهبة تقول : إن العالم الإسلامي يحرق يوميا أربعمائة مليون دولار ، وفي الشهر الواحد اثنا عشرة مليارا ، وفي السنة الواحدة مئة وأربعة وأربعين مليارا ، في حين يقول العالم المصري الحائز على جائزة نوبل في العلوم د. أحمد زويل : " لو أن الأمة الإسلامية توفر لأبنائها المغتربين قاعدة علمية لا تزيد تكلفتها عن مليار واحد ،أي يومين ونصف دخان لاستطاع العلماء المسلمون والعرب جسر الهوة التكنولوجية بين الغرب المتقدم والعالم الإسلامي المتخلف خلال خمس من السنين " .

والمرء يتساءل بحسرة من أحق بوصف السفاهة من أمتنا التي تحرق ثرواتها على شهواتها ؟! أليس المولى يقول :" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " ، ألم تسمع أمة محمد قول نبيها محمد أن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ، والله لو أن هناك قضاء ناجزاً لحجر على أمة المليار ونصف هذه التي تحرق في كل يوم وعلى الدخان فقط ما معدله أربعمائة مليون دولار، ثم تجدها متسولة على أبواب البنك الدولي ، ومنظمات الإغاثة الصليبية .

إن صعوبة هذا الجهاد هو أنه يحتاج إلى مقاومة مستديمة لشهوات البطن ، والنفس تقول لصاحبها : إن المنتوج الأمريكي أو الإسرائيلي الاستهلاكي الكمالي أطيب مذاقا ، وألذ طعما ، وأسلم بهذه الحقيقة ، ولكن أسأل : ألا يستحق الوطن أن يضحي الواحد منا بفارق اللذة بين منتوج عربي وآخر أمريكي أو إسرائيلي ، الواحد منا لا يفتأ يشتم الرؤساء والزعماء العرب لأنهم لا ينحازون لقضايا أمتهم خشية على عروشهم ، وها نحن ندعى للتضحية ليس بعرش ولا كرسي حكم ، بل بشهوة الكرش ، والأغلب منا أمام أرفف السوبر ماركت أو محتويات الثلاجة ترى يده تمتد لحمل الشيمينت الإسرائيلي متجاوزة شيمينيت الجنيدي مثلا ، أو يشتري التبغ الأمريكي أو الإسرائيلي تاركا المصنوع في بلاد العرب ،- مع أنني أدعو إخواني المدخنين إلى طلاقه طلاقا بائنا بينونة كبرى لأنه يحرم زرعه وصنعه وبيعه ومن باب أولى شربه- ، ولكن إلى أن يعود المدخن إلى رشده ندعوه إلى استبدال هذا الخبيث والنتن من خبيث أمريكي أو إسرائيلي إلى خبيث غيره.

وحتى يتنصل الواحد منا من المسؤولية تراه يطالب السلطة الفلسطينية مثلا أو الحكومات العربية مثلا بعدم استيراد هذه المنتجات ، والجواب نوجهه إليك أخي المواطن : لماذا لا تمتنع أنت عن شرائها عند دخولك السوبر ماركت أو البقالة ، فإنك إن لم تشتر هذه الأمور ، سيمتنع التجار عن استيرادها ، ولكن للأسف الكل فينا يلقي بكرة المسؤولية على غيره ، والمواطن المستهلك المشتري هو مفتاح النجاح في حملة المقاطعة هذه والجهاد الاقتصادي هذا .

وكذلك تأتي صعوبة هذا الجهاد الاقتصادي من جهة أن الأمة كلها مدعوة للانخراط فيه خلافا للجهاد العسكري مثلا ، إذ يلزم في الميدان العسكري القليل من الناس وليس جميعهم ، خاصة في حرب العصابات ، أو في حركات التحرر من الاحتلالات ، فهذه العراق اليوم لا يتجاوز عدد من يقاوم فيها بضعة آلاف على أعلى التقديرات بينها الملايين الستة والعشرون كلها مدعوة لانخراط في الجهاد الاقتصادي ، وكذا امة المليار ونصف من امة التوحيد .

هل تعلم أخي المسلم أن شركة كوكاكولا الأمريكية تبلغ مجموع أرباحها في العالم الإسلامي سنويا ما مقداره خمسة وثلاثون مليارا من الدولارات ، ونحن ننكر على حكومة الولايات المتحدة دعمها لدولة الكيان الصهيوني بمليارات ثلاثة فأي الفريقين أحق باللوم إن كنا من العاقلين؟ أمة الإسلام التي تضخ في شرايين الاقتصاد الأمريكي من استهلاكها لمنتوج كمالي واحد هو الكوكاكولا هذا الرقم الهائل من الدولارات ، أم أمريكيا التي تدعم ابنتها المدللة إسرائيل .

 وكذلك هل تعلم أخي شارب البيبسي بأنك بشرائك هذا المنتوج تكون من الداعمين لإسرائيل ولو بطريق خفي غير مباشر ، وهل تعلم بان هذا الاسم لهذا المشروب جاء من أوائل حروف جملة باللغة الإنجليزية تعني بان شراءك عبوة واحد من هذا المشروب يوميا يسهم في دعم إسرائيل والحفاظ عليها ولو ببنس واحد ، إذ البنس هو واحد على مئة من الجنيه ، ونص العبارة باللغة الإنجليزية pay everyday pense save Israel وبعد كل هذا هل ستستمر أخي المسلم في دفن رأسك في الرمال وتصغي إلى المثبطين والمخذلين اللذين يقولون أن هذا الأسلوب لا يسمن ولا يغني من جوع ،ولا يؤثر في أعدائنا وهكذا سوف نبقى نقبل على تلك المنتوجات الأمريكية والإسرائيلية بشراهة ونهم غير مبالين بأننا ندفع ثمن الرصاص والصواريخ التي يقتلنا بها أعداؤنا ؟

 

إلى صفحة المقالات