29/04/2005

التعمير لا يسبق التحرير

 

بقلم : محمود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@hotmail.com

 

شهد التاريخى الإنسانى العديد من حركات المقاومة الشعبية التى تعقب الحروب النظامية ـ تلك الحركات التى لم تستطع قوة على وجه الأرض أن تقهرها وتنتصر عليها ، وتعد المقاومة الإسلامية من أميز أنواع المقاومة وأشدها تأثيرًا على كل غاصب ومحتل ، لأنها سِر من أسرار الحق يستودعه الله قلب من يحب من البشر ، فنرى المقاوم سعيد بمقاومته عظيم بمبادئه ثابت على عقيدته .

ولكل مقاومة قدر من الحظ والتوفيق ، فهناك مقاومة ينصفها المجتمع الدولى ويمدها بكل أسباب التمكن والغلبة ، وأخرى يخذلها ويكيد لها ويسلبها حقها المشروع فى المقاومة ، ومن أمثلة المقاومة الأولى مقاومة الشعب الأفغانى أيام الاحتلال الروسى لأفغانستان حيث تعاون الشرق والغرب والمؤمن والكافر على هزيمة المحتل الروسى وقد كان ، ومن أمثلة المقاومة الثانية مقاومة الشعب الفلسطينى للاحتلال الصهيونى ، ومقاومة الشعب العراقى للاحتلال الأمريكى ، حيث لا عدل ولا إنصاف من المجتمع الدولى ، ولقد علمنا التاريخ الإنسانى أن المقاومة فى كل أحوالها لابد أن تنتصر فى النهاية ، وهذا أمر لابد من حدوثه طال الوقت أم قصر ، لأن الحق دائمًا ينصر أتباعه ، وكل ما فى الأمر أن الإنصاف يعجل النتائج بينما الإجحاف يُعطل المسيرة ويؤخر النصر ، ولقد كان من الممكن أن تؤتى المقاومة العراقية ثمارها بأسرع مما نتصور لولا خذلان المجتمع الدولى لها وعلى الأخص دول الجوار وخونة الداخل والخارج .

لقد حاول الجميع إرضاء أمريكا على حساب المبادئ والقيم والقانون الدولى ، وقد تساوى فى ذلك العرب والعجم والمؤيد والمعارض والمسلم والكافر ... الكل عمل على مساندة الجور الأمريكى لحكمة لا يعلمها إلا الله ، ولقد أتمت المقاومة العراقية عامها الثانى كأفضل ما تكون المقاومة ، وفى كل يوم تلقن أمريكا درسًا جديدًا من دروس المقاومة الإسلامية التى لا تعرف الخضوع أو المهادنة ، وأمريكا تتحمل الإهانة فى العراق على مضض وتقبلها بصورة سرية وعلنية بتشجيع من دول الجوار والمجتمع الدولى الذى يمدها بالآمال الكاذبة والأحلام السعيدة ، وأمريكا هى التى تدفع الثمن ، والحمد لله فلا توجد أرض عربية رويت بدماء المرتزقة والمارينز قدر ما رويت به أرض العراق ، فكل يوم مصابين وكل يوم معوقين وكل يوم قتلى وجرحى وفارين من الخدمة ، والمقاومة العراقية ثابتة على أرضها لا تتعجل النتائج ولا تضعف عزيمتها لأنها مقاومة أصيله تقوم على أسس دينية وعقيدة إيمانية ، وكل مقاوم على أرض العراق يفعل ما عليه ويترك النتائج على الله .

لقد غاب الإنصاف عن المجتمع الدولى منذ فسدت الفطرة الإيمانية لدى اتباع الديانات الأخرى غير المسلمة ، ويمكن لأى إنسان ـ مسيحيًا كان أم يهوديًا أو حتى مسلمًا ـ أن يعرف حقيقة إيمانه من خلال موقفه من هذه الأحداث ويمكنه التعرف على حقيقة علاقته مع ربه ، وهل تقوم على أسس من الحق أم على أسس من الباطل .. هل تستند إلى كفر أم إلى إيمان ، وذلك من خلال تحديد مواقفه : هل هو رافض لما يحدث الآن فى كل من العراق وفلسطين أم هو مؤيد ، فإن وافق هواه الهوى الأمريكى والصهيونى ورضى بكل هذا الجور والفساد فهو فى الدرك الأسفل من النار ولا يمكن أن يكون مؤمنـًا بحال من الأحوال وعليه أن يبحث فى أمر عقيدته ، أما إذا كان رافضًا لهذا البغى والقتل والتدمير ـ الذى لا مبرر له غير الجشع والطمع واستعباد الناس ـ فإنه يكون قريبًا من رحمة الله وقريبًا من شرعه ومن هداه ، فلا يوجد دين أنزله الله يحض على اغتصاب حقوق الآخرين ويدعو إلى القتل والتدمير واستباحة الحرمات .

لقد تحول المجتمع الدولى على يد أمريكا إلى مجتمع أعمى لا يعرف الحق ولا الفضيلة .. مجتمع تحكمه شرائع الغاب وهوى الأقوياء وتحالف الأشرار ، والويل كل الويل لكل ضعيف ركن إلى الطاعة ولم يأخذ بأسباب القوة التى أمره الله بها والتى تمكنه من دفع الأذى عنه وعن ذويه .

لقد تسلح الأشرار بقلوب قاسية وضمائر خربة من قبل أن يتسلحوا بأسلحة عاتية ودروع صلبة .. إنهم يحسبوا النجاح فى حروبهم على قدر ما تحصده أسلحتهم من أرواح البشر ويقدروا مهارتهم على قدر دقة القتل وحجم الدمار والخراب ، وأمام ما يحدث الآن لا مجال للمساومة ، فإما التسليم وإما المقاومة ولا يوجد خيار ثالث ، والمؤمن الحق لابد أن يفعل ما أمره الله به ويرفع لواء الجهاد ولا يوليهم الأدبار .

وعلى هذا الأساس فإن المقاومة العراقية مستمرة وباقية وغير عابئة بمن خانها أو خذلها أو تعاون مع عدوها ، ومن الفأل الحسن أن تنقطع كل أسباب الدعم البشرى عن المقاومة العراقية ولا يبقى لها غير الأمل فى الله ... هنا يقع الأجر على الله ويكون النصر حليف المؤمن حتى وإن كان الأقل عددًا وعده تصديقـًا لقوله تعالى : (( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )) إنه النصر المبين الذى لا تشوبه شائبة شرك ولا اعتماد على أحد غير الله .

إن المقاومة العراقية تأخذ بالأسباب قدر المستطاع ، وتفعل كل ما فى وسعها من جهد ، ولن يخذلها الله ، وستنتصر نصرًا عزيزًا يتحاكى به المشرق والمغرب وتنطفئ من خلاله أنوار الشرك فى الغرب ومعاقل الفجار فى دول الجوار .

إن المقاومة العراقية الدائرة الآن على أرض العراق ليست مقاومة أفراد أو جماعات متفرقة .. إنها مقاومة شعب عظيم صبر طويلاً على الحصار الظالم والإعتداء الغاشم .. شعب كان له ولا يزال قائد عظيم رفض التبعية لأمريكا ورفض المتاجرة بسمعة العراق والنيل من حريته وكرامته وقدم فى سبيل ذلك نفسه وأولاده ، ومهما حاولت أمريكا التقليل من شأن المقاومة العراقية وتصويرها على أنها أعمال فردية فإن ذلك لن يغير من الواقع شيئـًا ، فالمقاومة آخذة فى التنامى وآخذة فى فرض إرادتها على الجميع .. يساندها فى ذلك كل فرد عراقى يؤمن بحقه فى الحياة .

والمقاومة العراقية تقوم بسواعد عراقية وفكر عراقى وهى ليست بحاجة إلى رجال من خارج العراق وإنما فى حاجة لدعم ومساندة كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وفى العراق الآن من الرجال ما يكفى لتحرير الوطن العربى كله وليس العراق وحده ، وأن الغلبة فى العراق ستكون لأهله وأهل السنة على وجه التحديد وليس للسستانى الخائن الذى استقطب بالضلال قطاع عريض من مسلمى الشيعه ممن يؤمنوا بالمرجعيات الكاذبة والعملاء الخونه .. لقد رضى السستانى بالاحتلال ومهد له وأعانه وضيق الحصار على رجال المقاومة وجعل أرض الشيعه أكثر أمنـًا لقوات الاحتلال ، وكل ذلك عند الله عظيم ... إن شيعة السستانى وأكراد برزانى وطالبانى لن يفلتوا من عقاب الله ولا الشعب العراقى النبيل .

إن أمريكا لا تحمى أحد إلى الأبد ، والله يعصمنا من أمريكا لكن أمريكا لا تستطيع أن تعصم أحد من الله .

يعيش الأكراد وكأنهم فى وطن غير الوطن وكأنهم ليسوا من العراق ... ديارهم خالية من الحروب ولكن على رؤوسهم العار وغضب الله .

لا شئ يبرر الخيانة مهما كانت حجة الخونة والعملاء ، فالوطن ليس ساحة لتخليص الحقوق ولا لتصفية الحسابات .

يقول الشاعر :

بلدى وإن جارت علىَّ عزيزة      وأهلى وإن ضنوا علىَّ كرامُ

وعلى المقاومة العراقية أن تنوع عملياتها ولا تستمر على نمط واحد .. عليها استهداف كل حجر وشجر وبشر يساند أمريكا .. لا فرق فى ذلك بين عراقى وأمريكى ومصرى وهندى وإيرانى وصهيونى ...

إن الأنظمة العميلة تشتاط غضبًا من عمليات الخطف التى يقوم بها المجاهدون فى العراق ، لأن هذه العمليات تهين كل نظام يتعاون مع أمريكا وتضعه فى مواجهة شعبه وتشدد من الضغوط عليه من أجل تعديل مواقفه ، ويجب ألا تأخذ المقاومة الشفقة أو الرأفة فيمن يسقط تحت أيديهم رهينة .. يجب ألا تؤثر فيهم نداءات التوسل التى تطلقها الذئاب التى تساند الكلب الأمريكى ... يجب ألا تخدعنا مقولات إن هذا يعمل على إعمار العراق وذاك لا دخل له بالسياسة وهذا سائق لا ذنب له .. كل هذا كذب وإفتراء ، فكل من يمد أمريكا بأسباب البقاء ويمدها ولو بكوب من الماء يجب أن يستباح دمه ويعلق على الأعمدة فى الميادين ، وحين يخطف أى مواطن يعمل فى العراق ضمن خطوط الإمداد الأمريكية تتوالى نداءات الدول المارقة بطلب الرحمة والشفقة والعدل ويناشدون الخاطفين بإطلاق سراح الرهينة بإسم سماحة الدين الإسلامى وتعاليمه ومراعاة لظروف أسرته وذويه وسعيه على الرزق وبعده عن السياسة ، وكلها أمور لا تدخل إلا على البلهاء من البشر .

إن غاية ما ترجوه أمريكا هو تثبيت أقدامها فى العراق سواء تم ذلك عن طريق الهدم أو عن طريق الإعمار .. عن طريق القصف أو عن طريق البناء .. عن طريق انتخابات مشبوهة وباطلة أو عن طريق تعيين عملاء ، ولن ينقذ العراق إلا المقاومة لا الجلبى ولا الياور ولا علاوى ولا الجعفرى ولا طلبانى ولا أى عميل تفوح من سجلاته كل الروائح النتنة ... المقاومة وحدها هى الكفيلة بإنقاذ العراق وإخراجه من محنته .

تريد أمريكا أن تجعل المواطن العراقى مثل المواطن الخليجى الذى لا دخل له بالسياسة أو حقوق المواطنة .. تريده مسلوب الكرامة تغدق عليه الدولة ما يلهيه ويبعد تفكيره عن أمور دينه وأحوال بلاده ... وهل من أجل ذلك خلقنا الله ؟!!

إن عمليات الاختطاف هى إحدى وسائل المقاومة الناجعة وهى الأسلوب الأمثل للتعامل مع الخونة والعملاء ولها آثر على المحتل ومن يساعده أشد من أثر القذائف والصواريخ ... إنها أشبه بالعمليات الاستشهادية التى ابتكرها المجاهدون فى فلسطين والتى أعجزت العدو الصهيونى وأفقدته صوابه .

على كل عراقى أن يخطف كل من يساعد أمريكا على البقاء فى العراق وألا يستجيب لتوسلات علماء السلطة وكتاب أمريكا فى المنطقة العربية ... إن الفسقة لا يستنكرون القصف ولا القتل ولا الهدم الذى يصيب أهل العراق لكنهم يستنكروا كل عمل ناجح تقوم به المقاومة .. إنهم لا يبحثون عن الرحمة إلا إذا وصلهم الضرر وأحاطهم الخوف واهتزت كراسى الحكم فى أوطانهم جراء عمليات الاختطاف ، وأنا كمصرى أتمنى ألا يشارك مصرى واحد فى إعمار العراق فى هذه الفترة الهامة التى يُحسب فيها كل إنجاز لصالح أمريكا .. من يريد أن يذهب للعراق الآن فليذهب مقاتلاً ومعينـًا للمقاومة ، وقد قلت فى مقال سابق لو كان لى إبن يعمل الآن فى العراق واختطف ما توسلت فى الإفراج عنه وما رجوت أحدًا إطلاق سراحه وتمنيت له الموت قبل الحياة ، فمن المهم جدًا أن نعمل على حرمان الخصم من كل وسائل الدعم والمساندة ، ومن المهم أيضًا أن نعمل على تعريته قدر المستطاع ، فأمريكا من أجبن الدول التى لا تقاتل بمفردها أبدًا ولا تنتصر فى معركة من المعارك إلا بمساعدة العملاء والخونة .. هذا ما حدث فى أفغانستان وهذا ما يحدث الآن فى العراق ، وعلى كل عراقى مطاردة كل من تستجلبهم أمريكا لخدمتها وتقويتها على البقاء فى العراق .

علينا أن ندرك جيدًا أنه لا يوجد إعمار فى ظل احتلال ، ولا يوجد شرف فى ظل عار الاحتلال ، وهذا أمر بديهى لا يحتاج لإسهاب فى الشرح والتوضيح .. العراق فى الوقت الحالى لا يلزمه بناء أو إعمار ـ العراق يلزمه جهاد ومقاومة .. التعمير لا يسبق التحرير .. لا يلزم للعراقى قصر يعيش فيه وهو ذليل ، ولا يلزمه وطن يعيش فيه خادم لأمريكا .. العراقى لا يلزمه محمول ولا أماكن للهو والفجور .. العراقى يلزمه وطن تكون الكلمة فيه للشعب وليس لأى كلب يهز الذيل لأمريكا ويطلب منها البقاء فى العراق ... أمريكا لم تضرب فى العراق سينما أو ملهى ليلى أو محل لبيع الخمور .. أمريكا لم تضرب غير بيوت الآمنين والمدارس والمساجد ودور العلم والإنتاج .. إنها لم تترك إلا بيوت الفسق والفجور وبيوت الخونه والعملاء .. المرأة فى أفغانستان الآن وفى المناطق التى تسيطر عليها أمريكا تتعلم فنون المكياچ وطرق الدعارة وسبل المعاصى والرذائل وفعل الموبقاتى من بعد أن كانت من أفضل نساء الأرض .

إننا لن نترك العراق ليحدث له ما حدث لغيره .. لن نتركه وحيدًا فى منطقة تعج بالخراف والنعاج والخنازير .. إن الشعوب العربية لم تقل كلمتها بعد ، وكل ما يحدث الآن هو من فعل الحكام الخونه .... يقول الأستاذ فاروق جويده : ( لا شك فى أن الأنظمة العربية سوف تجد نفسها بين فكى الرحى حيث العلاقات الخاصة مع أمريكا ، وحيث الكراهية الشديدة من شعوبها لكل ما هو أمريكى ، وعلى الجميع أن يدفع ثمن حماقته ، وليعلم الجميع أن احتلال بغداد لن يكون انتصارًا لأمريكا ولكنه هزيمة لكل الأنظمة العربية ) .

وإننى أعلن بكل وضوح أن أحدًا من حكامنا لن يستطيع أن يفلت من عقاب شعبه حتى لو هلك ومات فسوف يأتى اليوم الذى تكون فيه الغلبة للأحفاد يومها سوف تنبش قبور الخونة وتستخرج منها الرفات النتنة وتشعل فيها النيران ثم تـُطفأ بالتبول عليها والبصق واستنزال اللعنات .

إن ما أصاب الأمة العربية على يد الحكام الخونة ليس بالأمر الهين ، وكل ما حدث فى عهدهم من جرائم ومجازر مسجل بالصوت والصورة وموثقـًا بالأدلة والبراهين ومحفوظ بأيديهم وفى وسائل إعلامهم إلى أن يأتى يوم الحساب .

إن المقاومة العراقية لها مطلق الحرية فى كل ما تفعل ، والذى يريد أن ينتقد المقاومة عليه أن يقوم بعمل أفضل منها ، ولن يكون هناك أفضل مما تقوم به المقاومة العراقية الآن ... إن نقد المقاومة ليس نقدًا لأغنية أو مسرحية أو فيلم سينمائى ، إنما هو نقد لأفراد وجماعات حملت أرواحها على الأكف وقدمتها من أجل إرضاء الله والزود عن الوطن ...

فليخسأ كل خائن ..

وليصمت كل عميل ..

ولتبقى المقاومة أمل الأمة فى الخلاص وتحرير كل شبر دنسه الدخلاء والعملاء .

 

إلى صفحة المقالات