29/04/2005

بغداد اليوم التالي

للكاتبة الكندية نعومي كلاين ترجمة : بثينة الناصري

الجزء الأول
 

* مجلة هاربر - عدد ايلول 2004

عن موقع دورية العراق
 

 لم اجد ما ابحث عنه الا بعد شهر من وصولي الى بغداد. سافرت الى العراق بعد سنة من بدء الحرب في ذروة ما كان يمكن ان يكون انطلاقة البناء ، ولكن بعد اسابيع من البحث المضني لم ار خلالها قطعة واحدة من الالات الضخمة سوى الدبابات ومركبات الهمفي. ثم اذا بي اراها :

رافعة بناء . كانت كبيرة ذات لون اصفر ورائعة. وعندما لمحتها من زاوية الشارع في حي اسواق مزدحم تبادر الى ذهني انني اشهد اخيرا بعض عمليات البناء التي سمعت عنها كثيرا . ولكن حين اقتربت تبين لي ان الرافعة في الواقع لم تكن جزءا من عملية بناء – احدى المباني الحكومية المقصوفة والتي يتكوم ركامها في انحاء المدينة او احد خطوط الكهرباء التي تلتوي محترقة في اكوام رغم حرارة الصيف اللاهبة.

كلا .. كانت الرافعة تساعد في رفع لافتة عملاقة على مبنى من ثلاثة طوابق . اللافتة تقول : السنبلة : عسل طبيعي 100% ، صنع في السعودية.

عند مشاهدتي للافتة لم استطع ان امنع نفسي من التفكير في شيء قاله السناتور جون ماكين في شهر تشرين الاول الماضي . قال ان العراق عبارة عن (وعاء عسل ضخم يجتذب الكثير من الذباب) والذباب الذي قصده ماكين هو شركتا هاليبرتون وبكتل الى جانب الرأسماليين المغامرين الذين تدفقوا على العراق عبر الطريق الذي مهدته مركبات برادلي المقاتلة والقنابل الموجهة بالليزر. العسل الذي اجتذبهم لم يكن العقود التي منحت بدون مناقصات وشهرة الثروة النفطية العراقية فقط، وانما فرص الاستثمار الهائلة التي يقدمها بلد كسرت ابوابه بعد سنين من الانغلاق اولا بسبب السياسات الاقتصادية الوطنية التي اتبعها صدام حسين وثانيا بسبب عقوبات الامم المتحدة الخانقة.

كما ذكرتني اللافتة ايضا بالتفسير الشائع لتردي الاحوال في العراق في شكوى عامة يرددها الجميع من جون كيري الى بات بوكانان: ان العراق غارق بالدم والحرمان لأن جورج بوش لم يضع (خطة لما بعد الحرب). ان العيب الوحيد في هذه النظرية هو انها غير صحيحة . لقد كان لادارة بوش خطة لما سوف تفعله بعد الحرب ، ويمكن التعبير عنها بكلمات بسيطة : فرش العسل بأكبر كمية ممكنة ثم الجلوس وانتظار الذباب.

وترجع نظرية العسل لبناء العراق من الاعتقاد العميق لدى المهندسين الايديولوجيين للحرب : ان الطمع مفيد. ليس مفيدا لهم ولاصدقائهم فقط ولكنه مفيد للبشرية وبالتأكيد مفيد للعراقيين . الطمع يأتي بالمكاسب التي تأتي بالنمو الذي يأتي بالوظائف والمنتجات والخدمات وكل شيء آخر قد يحتاجه او يريده أي انسان. ودور أي حكومة جيدة اذن هو خلق الظروف المشجعة للشركات الكبرى للسعي وراء جشعها اللامتناهي، وبالتالي سوف تعمل هذه الشركات على تلبية مطالب المجتمع. المشكلة هي ان الحكومات ، حتى الحكومات المحافظة الجديدة نادرا ما تكون لديها الفرصة لاثبات نظريتها المقدسة بشكل صحيح: فمعظم مبادرات جمهوريي جورج بوش الايديولوجية الهائلة يتم تخريبها من قبل الديمقراطيين الطفيليين و الاتحادات وانصار البيئة .

ولكن العراق كان سيغير هذا الوضع تماما . ففي مكان واحد على الارض سوف تطبق النظرية اخيرا بشكل كامل وبدون تهاون. ان بلدا يسكنه 25 مليون من البشر لايمكن اعادة بنائه كما كان قبل الحرب ، بل سوف يمحى ويختفي. وفي مكانه سوف تنهض صالة عرض براقة للاقتصاد الحر ، يوتوبيا لم يرها العالم من قبل . سوف يتم وضع كل السياسات التي تحرر الشركات متعددة الجنسية من كل العوائق لمتابعة سعيها للمكاسب متمثلا ذلك في : دولة متقلصة، عمالة مرنة، حدود مفتوحة ، أدنى قدر من الضرائب، لا تعريفة ، لا حدود للتملك. وعلى شعب العراق بالطبع ان يتحمل بعض المعاناة قصيرة المدى: التخلي عن ممتلكات الدولة من اجل خلق فرص جديدة للنمو والاستثمار. ان يبقى عاطلا بلا عمل، وان يرضى بانعدام فرصة المنافسة بين المنتجات المحلية التي يملكها القطاع الخاص العراقي وبين المنتجات الاجنبية ( الافضل والارخص) التي سوف تغرق الاسواق عبر حدود مفتوحة . ولكن بالنسبة لمؤلفي هذه النظرية فكل ذلك هو ثمن صغير يدفعه العراقيون من اجل الازدهار الاقتصادي الذي سوف ينفجر بالتأكيد حالما تخلق الظروف المناسبة ، وهو ازدهار من القوة بحيث ان العراق سوف يبني نفسه بنفسه من الناحية العملية .

اما حقيقة ان الازدهار لم يتحقق وان العراق مازال يرتجف تحت اهتزاز متفجرات من نوع مختلف تماما فذلك ما لايمكن ارجاعه الى غياب الخطة . بالعكس فإن السبب هو الخطة ذاتها والايديولوجية العنيفة جدا التي استندت اليها.

ان محترفي التعذيب يعتقدون ان الصدمات الكهربائية حين توجه الى اجزاء مختلفة من الجسم في وقت واحد تحدث تشوشا لدى الاشخاص الخاضعين للتعذيب فلايعرفون من اين يأتي الالم فتضعف قدرتهم على المقاومة. يصف دليل خاص باستجواب التجسس المضاد لوكالة المخابرات المركزية يعود تاريخه الى 1963 وقد افرج عنه اخيرا (بموجب قانون كشف الوثائق السرية بعد مضي فترة زمنية معينة عليها ) ، كيف ان الالم الذي يصاب به الخاضعون للتعذيب يتسبب في " فترة - قد تكون قصيرة جدا – من توقف الحركة ، نوع من الصدمة او الشلل النفساني . . في تلك اللحظة يكون المصدر متقبلا لأي اقتراح او املاء واكثر استجابة للانصياع" نفس النظرية تطبق على علاج الاقتصاد بالصدمات او "علاج الصدمات" وقد استخدم هذا المصطلح القبيح لوصف التنفيذ السريع لاصلاحات السوق الحرة التي فرضت على شيلي في اعقاب انقلاب الجنرال اوغستو بينوشيه. فكرة النظرية هي انه اذا فرضت (التعديلات) بسرعة في اعقاب فوضى اجتماعي مثل حرب او انقلاب او انهيار حكومة ، سيكون السكان مصدومين ومهمومين بضغوط الحياة اليومية وانقاذ حياتهم فيمرون في حالة شلل مؤقت يمنعهم من المقاومة. كما قال وزير مالية بينوشيه الادميرال لورينزو غوتوزو :" يجب بتر ذيل الكلب في ضربة واحدة"

هذا كان جوهر مسالة العراق ، والتزاما بالاعتقاد ان الشركات الخاصة اكثر فاعلية من الحكومات في كل مهمة، قرر البيت الابيض خصخصة مهمة خصخصة اقتصاد العراق الذي تهيمن عليه الدولة . فقبل ان تبدأ الحرب بشهرين ، شرعت USAID بكتابة مسودة تكليف عمل لمنحه لشركة خاصة من اجل الاشراف على (انتقال العراق الى نظام اقتصاد السوق ) . وتقول الوثيقة ان الشركة الرابحة (التي اتضح انها شركة KPMG ) سوف تستفيد من (المزية المناسبة للفرصة الفريدة للنمو السريع في هذه المنطقة التي تتيحها عملية تغيير الظروف السياسية الجارية حاليا) وهو بالضبط ما حدث . فإن بول بريمر الذي ادار الاحتلال الامريكي للعراق من 2 آيار 2003 الى اليوم الذي التحق باول طائرة للخروج من العراق في 28/6/2004 يعترف بأنه حين وصل بغداد "كانت المدينة تحترق حرفيا ، في الوقت الذي كانت السيارة تقلني من المطار" ولكن قبل ان تطفأ نيران حملة " الصدمة والترويع" اطلق بريمر علاجه الصادم، الذي فرض في صيف واحد تغييرات هائلة اكثر مما استطاعه صندوق النقد الدولي في امريكا اللاتينية خلال 30 سنة . ويصف جوزيف ستجلتز الحائز على جائزة نوبل والاقتصادي البارز السابق في البنك الدولي ، اصلاحات بريمر بأنها " شكل اكثر راديكالية في صدمته من علاج الصدمة الذي تبنته جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفيتي."

كان اول قرار اتخذه بريمر بعد توليه مهام منصبه: طرد 500000 من موظفي الدولة ومعظمهم عسكريون ولكن كان هناك ايضا اطباء وممرضون ومعلمون وناشرون . ثم فتح حدود البلاد على مصراعيها اما الصادرات غير المحدودة : لا تعريفة ، لا رسوم ، لا تفتيش ، لا ضرائب. وقد اعلن بريمر بعد وصوله الى العراق ان البلاد اصبحت "مفتوحة للبزنس".

بعد شهر ، كشف بريمر الهدف الرئيسي لاصلاحاته . قبل الغزو كان الاقتصاد العراقي الذي لايرتبط بالنفط تديره 200 شركة تابعة للدولة كانت تنتج كل شيء من الاسمنت الى الورق الى الغسالات. في حزيران طار بريمر الى قمة اقتصادية في الاردن واعلن ان هذه الشركات سوف تتم خصخصتها فورا . "ان تسليم المشاريع الحكومية غير الكفوءة الى ايدي القطاع الخاص ضروري لانعاش الاقتصاد العراقي." كان ذلك اكبر تصفية للقطاع العام منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

ولكن ذلك كان البداية فقط في اصلاحات بريمر . في ايلول ومن اجل تشجيع المستثمرون الاجانب على الاستثمار في العراق ، اصدر عدة قرارات جذرية غير مسبوقة في كرمها الزائد للشركات متعددة الجنسية . هذه القرارات كانت القرار 37 الذي خفض نسبة الضرائب من 40 بالمائة الى 15 بالمائة . والقرار 39 الذي سمح للشركات الاجنبية بتملك 100% من الاصول العراقية ماعدا قطاع الموارد الطبيعية . وافضل من ذلك يمكن للمستثمرين ان يأخذوا كامل الارباح الى خارج العراق: لن يكون عليهم ان يعيدوا استثمار ارباحهم ولن تفرض ضرائب على ارباحهم . وبموجب القانون 39 يمكن ان يوقعوا تراخيص وعقود يمكن ان تستمر لاربعين سنة . اما القرار 40 فقد رحب بالبنوك الاجنبية الى العراق تحت نفس الشروط الكريمة . وكل مابقي من سياسات صدام حسين الاقتصادية هو قانون يحد من تحرك الاتحادات العمالية .

اذا كانت هذه السياسات تبدو لكم مألوفة فلأنها نفس التي تتكتل الشركات متعددة الجنسية حول العالم للمطالبة بها من الحكومات الوطنية وفي اتفاقيات التجارة الدولية . ولكن بينما تطبق مثل هذه الاصلاحات تدريجيا او جزئيا في بقية انحاء العالم سعى بريمر لفرضها مرة واحدة وبجرعة واحدة . ومابين ليلة وضحاها تحول العراق من أشد الدول انعزالا في العالم الى اشد الاسواق انفتاحا (على الورق) .

في بداية الامر ، بدت نظرية العلاج بالصدمة وكأنها قد اتت أكلها : كان العراقيون الذين يعانون من العنف العسكري والاقتصادي منهمكين في الحفاظ على حياتهم وتدبير معيشتهم بدلا من تصعيد ردود افعال سياسية على حملة بريمر. كان القلق حول خصخصة نظام الصرف الصحي آخر مايفكر به نصف السكان الذين لايجدون الماء الصالح للشرب. وكان النقاش حول ضريبة التجارة مؤجلا حتى تعود القوة الكهربائية . وحتى في الصحافة الدولية سرعان ماغطت على اخبار قوانين بريمر الراديكالية اخبار اكثر اثارة عن الفوضى السياسية والجريمة المتصاعدة .

ومع ذلك كان هناك بعض الناس الذين اهتموا بما حدث . كان ذلك الخريف ذروة المعارض التجارية حول (اعادة بناء العراق) في واشنطن ولندن ومدريد وعمان . وقد وصفت الايكونومست العراق تحت حكم بريمر بانه (حلم الرأسمالي) وقد أنشئت العديد من الشركات الاستشارية الواعدة بتقديم العون للشركات للوصول الى السوق العراقية ، يديرها مديرون ذوو صلات جيدة بالجمهوريين . كانت ابرز تلك الشركات : نيو بردج ستراتيجيز التي انشأها جو البو وهو مدير حملة بوش – تشيني الانتخابية السابق ، وقد قال احد شركاء الشركة متحمسا " ان الحصول على حقوق توزيع منتجات بروكتور و جامبل يمكن ان يكون بمثابة منجم ذهب . مخزن كبير ذو اقسام مليئة بالبضاعة يمكن ان يقضي على ثلاثين مخزن عراقي . يمكن لمخازن (ولمارت) ان تكتسح البلاد .

وسرعان ماانتشرت شائعة ان ماكدونالد سيفتح فرعا في وسط بغداد كما ان التمويل قد دبر لانشاء فندق راق من سلسلة فنادق ستاروود اما جنرال موتورز فقد كانت تخطط لبناء مصنع سيارات. ومن الناحية المالية ، كان بنك HSBC يخطط لنشر فروعه في كافة انحاء العراق، كما كانت (سيتي جروب ) تستعد لتقديم قروض بضمان مبيعات النفط العراقي مستقبلا ، وكان الناقوس على وشك ان يقرع لبورصة عراقية على غرار بورصة نيويورك .

في اشهر قليلة جدا ، تحققت خطة مابعد الحرب لتحويل العراق الى مختبر تجارب المحافظين الجدد. قد يكون ليو شتراوس هو الذي وضع الاطار الفكري لغزو العراق استباقيا ولكن من قدم دليل خطة العمل بعد ان تقع البلاد في ايدي الامريكان هو استاذ جامعة شيكاغو ملتون فريدمان مؤلف البيان المناهض للحكومات بعنوان (الرأسمالية والحرية ) . وكان هذا بمثابة نصر هائل لاشد الاجنحة ايديولوجية في ادارة بوش. ولكن الامر كان اكثر من ذلك ايضا : ذروة صراعات قوتين متداخلتين ، احداها بين عراقيي المنفى الذين قدموا النصيحة للبيت الابيض حول ستراتيجية مابعد الحرب والاخرى كانت داخل البيت الابيض نفسه .

كما بين المؤرخ البريطاني دليب هيرو في كتابه (اسرار واكاذيب: عملية "حرية العراق" ومابعدها ) ان عراقيي المنفى الذين كانوا يضغطون باتجاه الغزو كانوا منقسمين بشكل عام الى معسكرين : من جانب هناك "البراجماتيون" الذي كانوا يفضلون التخلص من صدام واعوانه المقربين ثم تأمين الوصول الى النفط وادخال اصلاحات السوق الحرة تدريجيا. والكثير من هؤلاء كانوا جزءا من مشروع مستقبل العراق التابع لوزارة الخارجية الامريكية الذي تمخض عن تقرير بثلاثة عشر مجلدا حول كيف يمكن استعادة الخدمات الاساسية والانتقال الى الديمقراطية بعد الحرب. من الناحية الاخرى، كان معسكر (السنة صفر) الذين يعتقدون بأن العراق ملوث بشكل يستدعي ان يمحى من الجذور ويعاد خلقه.

كان من اشد دعاة البراجماتية اياد علاوي وهو بعثي سابق انشق عن النظام العراقي وبدأ يعمل مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية .

وابرز دعاة اسلوب (السنة صفر) كان احمد الجلبي الذي كان حقده على الدولة العراقية لمصادرة املاك عائلته خلال ثورة 1958 من العمق بحيث كان يتمنى ان يرى البلاد بأكملها محروقة حتى جذورها – كل شيء ماعدا وزارة النفط التي ستكون نواة العراق الجديد والتي ستنمو منها الامة العراقية وكان يسمي هذا الاجراء (اجتثاث البعث) .

وفي الجانب الاخر في الادارة الامريكية كان هناك صراع بين البراجماتيين والمتطرفين . البراجماتيون كانوا اشخاصا مثل وزير الخارجية كولن باول والجنرال جاي جارنر اول حاكم امريكي في عراق مابعد الحرب. كانت خطة جارنر واضحة ومستقيمة : تصليح البنى التحتية واجراء انتخابات سريعة ومزيفة مع ترك العلاج بالصدمة الاقتصادية الى صندوق النقد الدولي، بينما يتم التركيز على تأمين القواعد العسكرية الامريكية على طراز تلك التي في اليابان . وفي مقابلة مع بي بي سي قال جارنر : " اعتقد اننا يجب ان ننظر الى العراق باعتباره محطة وقود لنا في الشرق الاوسط" كما اقتبس من لورنس العرب قوله :" من الافضل لهم ان يفعلونها ناقصة من ان نفعلها كاملة ."

من ناحية اخرى كانت هناك المجموعة المعتادة من المحافظين الجدد : نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد (الذي امتدح اصلاحات بريمر الكاسحة باعتبارها "من افضل قوانين الضرائب والاستثمار المستنيرة والمشجعة في العالم الحر") ونائب وزير الدفاع بول ولفوفتز وربما في مركز الثقل كان مساعد وزير الدفاع دوجلاس فيث . وبينما كان لمشروع مستقبل العراق التابع لوزارة الخارجية تقريره ،

كان للمحافظين الجدد العقد الذي وقعته USAID مع بيرنج بوينت لاعادة خلق الاقتصاد العراقي : في 108 صفحة ذكرت كلمة "خصخصة" 51 مرة . بالنسبة للمتطرفين في البيت الابيض كانت خطط الجنرال جارنر لما بعد الحرب خالية من الطموح . لماذا نرضى بأن نكون محطة تموين في حين نستطيع ان نخلق نموذجا للسوق الحرة ؟ لماذا نرضى بالفلبين في حين يمكن ان يكون لدينا فنارة للعالم ؟

وكان العراقيون الذين يؤمنون بالسنة صفر حلفاء طبيعيين للمحافظين الجدد في البيت الابيض : كم كان الجلبي المفعم بالحقد على دولة البعث مناسبا لكراهية المحافظين الجدد لمعنى الدولة بشكل عام ، ولهذا سرعان ما اندمجت اهدافهما . كان الفريقان ينظران معا الى غزو العراق باعتباره نوعا من الانفجار : حيث كان يرى بقية العالم الموت كان الفريقان يريان ولادة- ولادة دولة تم خلاصها بالعنف و تطهيرها بالنار .

فالعراق لم يدمر بصواريخ كروز او قنابل عنقودية او فوضى او نهب ، وانما كان يولد من جديد . و تاريخ 9 نيسان 2003 يوم سقوط بغداد كان اليوم الاول من السنة صفر.
 

الجزء الثاني

 في بداية الامر بدت الخطة (ب) وكأنها تسير على الطريق الصحيح . استطاع بريمر ان يقنع مجلس الحكم ان يوافق على كل شيء : الجدول الزمني الجديد ، الحكومة المؤقتة والدستور المؤقت. بل انه حتى استطاع ان يدس في الدستور مادة لم ينتبه اليها احد .

المادة 26

وبينما الحرب تشتعل ، لم يكن من الواضح من ستكون له السيطرة على العراق المحتل : البراجماتيون أم اصحاب السنة صفر . ولكن السرعة التي تم بها الغزو والاحتلال زاد من رصيد المحافظين الجدد السياسي طالما انهم هم الذين كانوا يتوقعون ان يكون الاحتلال سلسا مثل الحرير . وبعد ثمانيةايام من هبوط جورج بوش على حاملة الطائرات تحت الراية التي تقول (المهمة انتهت) بصم الرئيس علنيا على رؤية المحافظين الجدد لجعل العراق نموذجا لدولة السوق التي سوف تساعد في فتح المنطقة بأكملها . في 9 آيار اقترح بوش " اقامة منطقة تجارة
حرة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط في خلال عشر سنوات" . بعد ثلاثة ايام ، ارسل بوش بول بريمر الى بغداد ليحل محل جاي جارنر الذي كان قد مضى عليه في منصبه ثلاثة اسابيع. كانت الرسالة واضحة : لقد خسر البراجماتيون وقد اصبح العراق الان ملك المتطرفين في الادارة الامريكية.

بريمر كان دبلوماسيا في عهد ريجان وتحول الى مقاول وقد اثبت مؤخرا قدرته على تحويل الحطام الى ذهب وذلك بالانتظار شهرا واحدا فقط بعد احداث 11 ايلول ليقيم شركة استشارات امنية هي شركة استشارات الازمات Crisis Consulting Practice المتخصصة في بيع (تأمين على اخطار الارهاب) الى الشركات متعددة الجنسيات. وكان لبريمر ضابطان برتبة لفتنانت على الجبهة الاقتصادية احدهما : توماس فولي ومايكل فلايشر وهما رئيسا "تنمية القطاع الاص" في سلطة الائتلاف المؤقتة CPA . فولي مليونير من ولاية كونكتكت وصديق قديم لعائلة بوش ورائد من رواد حملة انتخاب بوش-تشيني والذي وصف العراق بأنه كاليفورنيا الجديدة في اندفاع الباحثين عن الذهب اليه . اما فلايشر فهو فهو رأسمالي مغامر وشقيق المتحدث باسم البيت الابيض السابق آري فلايشر (كلا الرجلين : فولي وفلايشر يهوديان – المترجمة) . لم يكن لأي من الرجلين خبرة دبلوماسية عالية وكلاهما يستخدمان مصطلحا واحدا في وصف مايفعلانه وهو : خبير "تحول" . وطبقا لفولي فإن هذا كان يؤهلهما لادارة اقتصاد العراق "لأنه أم كل التحولات".

العديد من وظائف CPA كانت ايديولوجية ايضا . فالمنطقة الخضراء وهي المدينة داخل المدينة والتي تضم مقرات الاحتلال في قصر صدام حسين ، كانت تعج بالجمهوريين الشباب القادمين مباشرة من مؤسسة التراث heritage foundation وكلهم كلفوا بمسؤوليات لم يكونوا يحلمون بها في الوطن . جي هالين وهو شاب في الرابعة والعشرين من عمره تقدم بطلب وظيفة في البيت الابيض فكلف باقامة بورصة بغداد الجديدة . سكوت اروين شاب عمره واحد وعشرون عاما وذو صلة بديك تشيني قال في رسالة الكترونية الى عائلته :" اني اساعد العراقيين في ادارة التمويل والميزانية لقوات الامن الداخلي ." ماذا كان عمل هذا المتخرج حديثا من الجامعة قبل ذلك ؟ " كان عملي سائق عربة ايس
كريم " . في تلك الايام التي اعقبت الاحتلال كانت المنطقة الخضراء تبدو مثل فرق السلام بالنسبة للناس الذين يعتقدون ان فرق السلام هي مؤامرة شيوعية . كانت فرصة للنوم على اسرة نقالة وارتداء احذية عسكرية والصراخ "قادم" – كل ذلك بينما تحيط بهم حراسة على مدار الساعة يقوم بها جنود حقيقيون.

كانت فرق شركة KPMG (الشركة التي تعاقدت معها ادارة بوش لخصخصة الاقتصاد العراقي) من محاسبين ومصرفيين واعضاء مؤسسات الفكرر والجمهوريين الشباب الذين يكونون سكان المنطقة الخضراء ، تشبه كثيرا وفود صندوق النقد الدولي الذي يعيد ترتيب الاقتصاد في الدول النامية من اجنحتهم الرئاسية في فنادق شيراتون حول العالم . ماعدا اختلاف واحد مهم : في العراق لم يكونوا يتفاوضون مع حكومة لقبول "التعديلات الهيكلية" مقابل قرض . في العراق . . كانوا هم الحكومة !

اتخذت بعض الاجراءات الصغيرة على اية حال ، لاستجلاب السياسيين الذين عينتهم الولايات المتحدة الى العراق امثال يغور جيدار العقل المدبر لمزاد خصخصة روسيا في منتصف التسعينات والذي وزع ممتلكات الدولة على اعضاء حكومة القلة الحاكمة ، دعي ليساهم بحكمته في مؤتمر عقد في بغداد ، وكذلك ماريك بيلكا الذي اشرف باعتباره وزير مالية على نفس الاجراء في بولندة . اما العراقيون الذين اثبتوا انهم موهوبون في ترديد خطاب المحافظين الجدد فقد تم اختيارهم للقيام بما تسميه الوكالة الامريكية للتنمية الدولية USAID "ابطال السياسة المحليين " – رجال مثل احمد المختار الذي وصف اهل بلده العراق امامي بقوله :" انهم خاملون . العراقيون بطبيعتهم متواكلون . ويجب ان
يتعلموا الاعتماد على النفس فهي الطريقة الوحيدة التي تنجح في العالم اليوم ." ورغم ان المختار لاخلفية اقتصادية له وكان عمله السابق قراءة الاخبار باللغة الانجليزية في التلفزيون فقد اوكلت اليه ادارة العلاقات الخارجية بوزارة التجارة والان يقود عملية انضمام العراق الى منظمة التجارة الدولية .

لقد تتبعت جبهة الاقتصاد في هذه الحرب لمدة سنة قبل ان اقرر زيارة العراق . وقد حضرت معارض تجارية حول (اعادة بناء العراق) ودرست قوانين الضرائب والاستثمار التي شرعها بريمر والتقيت بمقاولين في مكاتبهم في الولايات المتحدة وتحاورت مع موظفي حكومة من صانعي السياسة في واشنطن . ولكن حين تهيأت للسفر الى العراق في مارس هذا العام لارى تجربة السوق الحرة المثالية عن قرب ، صار من الواضح ان لاشيء يسير حسب الخطة. كان بريمر يعمل حسب النظرية التي تقول انك اذا بنيت يوتوبيا للسوق الحرة فسوف تتهافت عليك
الشركات. ولكن اين هم ؟ كانت الشركات الامريكية متعددة الجنسيات سعيدة بقبول اموال دافع الضرائب الامركي لاعادة بناء انظمة الهاتف والكهرباء ولكنهم لم يكونوا يرغبون في دفع اموالهم الخاصة في العراق . ولم يكن هناك في العراق أي مكدونالد او مركز تسوق ولمارت وحتى بيع مصانع الدولة التي اعلن عنها بثقة كانت مازالت قائمة بعد تسعة اشهر .

تعزى بعض العراقيل الى الاخطار المادية التي تجابه من يدخل العراق للاستثمار. ولكن الى جانب ذلك كان هناك اخطار مهمة اخرى. عندما مزق بول بريمر دستور العراق واستبدله بما رحبت به مجلة الايكونومست باعتباره "قائمة التمنيات للمستثمرين الاجانب" كان هناك امر واحد نسي ان يذكره : كان الاجراء كله غير شرعي . لقد استمدت سلطة الائتلاف المؤقتة سلطتها القانونية من قرار مجلس الامن للامم المتحدة رقم 1483 الذي اصدر في آيار 2003 الذي اعترف بالولايات المتحدة وبريطانيا بأنهما المحتل الشرعي للعراق . كان هذا القرار هو الذي منح السلطة لبريمر ليصدر القوانين من جانب واحد في العراق . ولكن القرار ايضا نص على ان الولايات المتحدةوبريطانيا يجب ان " تنفذا التزاماتهما كاملة بموجب القانون الدولي بضمنها وبشكل خاص اتفاقيات جنيف في 1949 ولاهاي في 1907" وكلا الاتفاقيتين ولدتا لكبح الميل التاريخي المؤسف بين قوى الاحتلال لاعادة كتابة قوانين وقواعد البلاد المحتلة ليتمكنوا من نهب ثرواتها. وهكذا فقد نصت الاتفاقيتين على ان المحتل يجب ان يلتزم بالقوانين القائمة في البلاد مالم "يمنع تماما" من القيام بذكل . وايضا نصت الاتفاقيتان على ان المحتل لايملك " المباني العامة والعقارات والغابات والممتلكات الزراعية." للبلاد التي يحتلها ولكنه في موقع (المدير) و(الوصي) مما يستوجب ان يحافظ عليها كما هي حتى تقام حكومة ذات سيادة. كان هذا التهديد الخطير لخطة السنة صفر: طالما ان امريكا لاتمتلك اصول العراق فلا يمكنها قانونا ان تبيعها وهذا يعني انه بعد ان ينتهي الاحتلال قد تأتي حكومة عراقية الى الحكم وتقرر الاحتفاظ بشركات الدولة في يدها كما هو الجاري في منطقة الخليج من اجل منع الشركات الاجنبية من تملك 100% من الاصول الوطنية . اذا حدث ذلك فإن الاستثمارات التي اقيمت بموجب قوانين بريمر يمكن مصادرتها دون ان تستطيع الشركات اقامة الدعاوي القضائية لأن استثماراتهم كانت مخالفة للقانون الدولي منذ البداية .

بحلول شهر تشرين الثاني / نوفمبر ، بدأ المحامون التجاريون بنصح زبائنهم من المستثمرين الا يذهبوا الى العراق في هذه المرحلة وانه من الافضل الانتظار الى مابعد انتقال "السلطة" . وقد اصاب الرعب شركات التأمين حتى امتنعت كل الشركات الكبيرة من تأمين المستثمرين ضد (الاخطار السياسية) وهو غطاء تأميني من المخاطر العالية يحمي الشركات ضد تحول الحكومات الاجنبية الى تبني سياسات وطنية او اشتراكية ومصادرة استثماراتهم .

وحتى السياسيين العراقيين المعينين من قبل الولايات المتحدة والذين كانوا مطيعين حتى تلك اللحظة بدأوا بالاصابة بالقلق والتوتر حول مستقبلهم السياسي اذا طبقوا خطط الخصخصة . وقد اخبرني وزير الاتصالات حيدر العبادي حول لقائه الاول ببريمر :" قلت له :" انظر ، ليس لدينا السلطة لبيع أي شيء . ان الخصخصة شيء خطير. علينا ان ننتظر حتى تقوم حكومة عراقية " وكان وزير الصناعة محمد توفيق اكثر مباشرة :" لن اقوم بشيء غير قانوني . وهذه نهاية الامر." وقد اخبرني كلا الرجلين العبادي وتوفيق بما جرى في اجتماع لم تذكره وسائل الاعلام ابدا في اواخر تشرين اول / اكتوبر 2003 . في ذلك الاجتماع اتفق اعضاء مجلس الحكم الخمس والعشرين وكذلك الخمس والعشرين وزيرا مؤقتا على عدم المساهمة في خصخصة الشركات الحكومية او البنى التحتية .

ولكن ذلك لم يفت في عزيمة بريمر . اذا كان القانون الدولي يمنع المحتلين من بيع اصول الدولة بانفسهم فإنه لايمنع الحكومات الدمى التي يعينها الاحتلال من ان تبيعها بانفسها. وفي الاصل كان بريمر قد تعهد بتسليم السلطة الى حكومة منتخبة انتخابا مباشرا ولكن في اوائل تشرين الثاني / نوفمبر ذهب الى واشنطن من اجل مقابلة خاصة مع الرئيس بوش وعاد مع الخطة (ب) . في 30 حزيران سوف ينتهي الاحتلال رسميا ولكن ليس واقعيا . سوف يستبدل بحكومة معينة تختارها واشنطن . هذه الحكومة غير ملزمة امام القانون الدولي الذي يمنع المحتل من بيع اصول الدولة ولكنها ستكون ملزمة امام "دستور مؤقت" وهي وثيقة سوف تحمي قوانين بريمر للاستثمار والخصخصة .

كانت الخطة مخاطرة. كان 30 حزيران قريبا جدا وكان اختياره لسبب اقل مثالية : حتى يستطيع الرئيس بوش ان يطبل ويزمر في حملته الانتخابية حول انتهاء احتلال العراق . واذا سار كل شيء حسب الخطة سوف يستطيع بريمر ان ينجح في فرض حكومة عراقية "ذات سيادة" لتنفيذ اصلاحاته غير الشرعية . ولكن اذا حدث شيء ولم تنجح الخطة فإنه يستطيع ان يمضي في تسليم 30 حزيران في كل الاحوال لأن كارل روف (مستشار الرئيس بوش للشؤون السياسية) هو الذي سيكون سيد الموقف حينذاك وليس ديك تشيني او دونالد رامسفيلد. واذا كان الخيار بين الايديولوجية في العراق والحملة الانتخابية لجورج بوش ، فالكل يعرف اين ترجح كفة الميزان.

في بداية الامر بدت الخطة (ب) وكأنها تسير على الطريق الصحيح . استطاع بريمر ان يقنع مجلس الحكم ان يوافق على كل شيء : الجدول الزمني الجديد ، الحكومة المؤقتة والدستور المؤقت. لقد حتى استطاع ان يدس في الدستور مادة لم ينتبه اليها احد . المادة 26. وتنص على انه خلال فترة الحكومة المؤقتة :" تطبق القوانين واللوائح والانظمة والتوجيهات التي اصدرتها سلطة الائتلاف المؤقتة ." ولاتتغير الا بعد اجراء انتخابات عامة.

لقد وجد بريمر ثغرة القانون هذه : سيكون هناك نافذة مدتها سبعة اشهر حتى ينتهي الاحتلال رسميا ولكن قبل ان تجرى الانتخابات العامة حسب الجدول الزمني. وضمن هذه النافذة ، لن يطبق الحظر الذي تفرضه معاهدات لاهاي وجنيف على خصخصة اصول الدولة المحتلة ، وانما ستطبق قوانين بريمر حسب منطوق المادة 26 من الدستور المؤقت. خلال هذه الاشهر السبعة سوف يأتي المستثمرون الاجانب الى العراق ويوقعون عقودا مدتها اربعين سنة لشراء اصول العراق . فإذا قررت حكومة عراقية منتخبة في المستقبل تغيير القوانين يستطيع المستثمرون رفع قضايا التعويضات .

ولكن برز امام بريمر آية الله السيستاني كبير رجال الدين الشيعة في العراق والذي حاول ان يعرقل خطة بريمر عند كل منعطف داعيا الى اجراء انتخابات عامة وان يكتب الدستور بعد تلك الانتخابات وليس قبلها . وكلا المطلبين اذا استجيب لهما كانا سيغلقان نافذة بريمر للخصخصة . ثم في 2 مارس مع امتناع الاعضاء الشيعة في مجلس الحكم توقيع الدستور انفجرت خمس قنابل امام جوامع في كربلاء وبغداد لتقتل حوالي 200 من المصلين . وحذر جون ابي زيد القائد الامريكي الاعلى في العراق بأن الدولة على شفا حرب اهلية . وخوفا من هذا
المصير تراجع السيستاني ووقع السياسيون الشيعة الدستور المؤقت. كانت القصة المعتادة : صدمة هجوم عنيف تمهد الطريق امام المزيد من علاج الصدمة .

عندما وصلت الى العراق بعد اسبوع كان المشروع الاقتصادي يبدو وكأنه عاد الى مساره. كل الذي تبقى لبريمر هو تدعيم الدستور المؤقت بقرار من مجلس الامن وعندها يستطيع المحامون وسماسرة التأمين تنهد الصعداء ويبدأ مزاد العراق. وكانت سلطة الائتلاف في هذا الوقت قد اطلقت حملة دعائية كبيرة من اجل بث الثقة في نفوس المستثمرين للعودة الى العراق الذي اصبح مكانا آمنا ومثيرا للاستثمار. وكان مرتكز الحملة على معرض محطة الوصول بغداد
(Distination Baghdad) وهو معرض تجاري ضخم للمستثمرين كان سيعقد في نيسان في معرض بغداد الدولي. كان اول حدث من نوعه داخل العراق وقد باشر المنظمون باطلاق رمز DBX (اختصار اسم المعرض) وكأنه نوع من سباق الدراجات تموله شركة مشروب ماونتين ديو. وامعانا في استعارات الرياضة ، سافر توماس فولي الى واشنطن من اجل ان يتحدث امام اجتماع لرؤساء الشركات ليقول لهم ان المخاطر في العراق تشبه :" الهبوط الحر من المظلات او ركوب دراجة بخارية ، وهي للكثيرين مخاطر مقبولة ."

ولكن بعد ثلاث ساعات من وصولي الى بغداد ، وجدت ان مثل هذه التطمينات صعبة التصديق. لم اكن قد افرغت محتويات حقيبة السفر حين امتلأت غرفتي في الفندق بالشظايا ، وتكسرت نوافذ ردهة الفندق. في آخر الشارع كان فندق جبل لبنان قد قصف لتوه، وكانت تلك اكبر هجمة منذ انتهاء الحرب رسميا . وفي اليوم التالي قصف فندق آخر في البصرة ثم قتل رجلا اعمال فنلنديان وهما في طريقهما الى مقابلة في بغداد .

واخيرا اعترف الجنرال مارك كيميت ان هناك نسقا ما في الهجمات :" لقد بدأ المتطرفون يتحولون من الاهداف الجامدة الى الاهداف الاضعف."

وفي اليوم التالي حدثت وزارة الخارجية منشور توجيهات السفر ، حيث حذر المواطنون الامريكيون بشدة من السفر الى العراق. وقد بدا ان المخاطر المادية للعمل في العراق تنفلت من السيطرة . وهذا لم يكن ضمن الخطة الاصلية . عندما وصل بريمر الى بغداد لأول مرة كانت المقاومة المسلحة ضعيفة بحيث كان يستطيع ان يتجول في الشوارع مع بعض المرافقين الامنيين . خلال الا شهر الاربعة الاولى في المنصب، قتل 109 جندي امريكي و جرح 570. وفي الاشهر الابعة التالية تضاعف عدد القتلى الامريكان الى 195 والجرحى الى 1633. والان هناك الكثيرون في العراق الذين يجادلون بأن هذه الاحداث مرتبطة باصلاحات بريمر التي كانت اكبر عنصر مفرد يقود الى انتفاضة المقاومة المسلحة .

خذ مثلا اوائل ضحايا بريمر : الجنود والعمال الذين سرحهم بدون معاشات او مكافآت نهاية خدمة لم يختفوا عن الانظار بدون جلبة . سرعان ماانضم العديد منهم الى المجاهدين مشكلين العمود الفقري للمقاومة المسلحة . وكما يقول حسين كبة رئيس مجموعة استشارية :" نصف مليون انسان يعانون شظف العيش الان وهؤلاء هم الحنفية التي تديم المقاومة فهي عمل بديل."

وضحايا بريمر الاقتصاديين الاخرين لم يختفوا بهدوء ايضا ، اتضح ان الكثير من رجال الاعمال الذين هددت قوانين بريمر الاستثمارية اعمالهم قرروا ان يقوموا باستثماراتهم الخاصة : في المقاومة . واموالهم هي التي تزود المقاتلين بالكلاشنكوف والار بي جي .

وهذه التطورات تشكل تحديا للمنطق الاساسي للعلاج بالصدمة : كان المحافظون الجدد يعولون على ان اصلاحاتهم – اذا نفذت بسرعة وبدون رحمة – سوف يصاب العراقيون بالشلل فلا يقاومون . ولكن يبدو ان تأثير الصدمة كان معكوسا . بدلا من الشلل والتخاذل ، فجرت تحركا لدى الكثير من العراقيين . حيدر العبادي وزير الاتصالات يصف ذلك بقوله :" نعرف ان هناك ارهابيين في البلاد ولكن في السابق لم يستطيعوا فعل شيء وكانوا معزولين. الان عمت المعاناة البلاد وكثير من الناس فقدوا وظائفهم واصبح هؤلاء الارهابيون يجدون اذانا صاغية."

اصبح بريمر في موقع حرج ليس فقط مع العراقيين الذين عارضوا خططه وانما ايضا مع قواد الجيش الامريكي المكلفين بالقضاء على المقاومة التي تؤججها اجراءاته. وبدأت تثار اسئلة : بدلا من تسريح الناس لماذا لا تخلق سلطة الائتلاف وظائف للعراقيين ؟ وبدلا من الاسراع ببيع 200 شركة حكومية ، لماذا لانجرب تشغيلها ؟

من البداية لم يبد المحافظون الجدد الذين يحكمون العراق الا الاحتقار لشركات العراق الحكومية ، فتماشيا مع خطتهم للسنة صفر – عندما هجم السراق والنهابون على المصانع خلال الحرب لم تفعل القوات الامريكية شيئا . ويقول صباح اسعد مدير مصنع الثلاجات خارج بغداد انه حين بدأ النهب ذهب الى قاعدة امريكية قريبة ورجاهم المساعدة :" طلبت منهم ان يرسلوا معي جنديين ومركبة لمساعدتي في طرد السراق .

كنت ابكي وانا استعطف الضابط الذي قال :" آسف لا نستطيع فعل شيء . نحتاج الى أمر من الرئيس بوش ."

وفي واشنطن ، هز رامسفيلد كتفيه وقال :" الاحرار احرار في صنع الاخطاء وارتكاب الجرائم والافعال الشريرة.


 

الجزء الثالث

 في نهاية المقابلة سألت محمود عما سيحدث اذا بيع المصنع بعكس رغبة العمال . قال :" هناك اختياران "

قالها وهو ينظر في عيني ويبتسم بلطف:" اما نحرق المصنع عن آخره واما نفجر انفسنا داخله . ولكننا لن نتركه يباع."



[b]ولكن السراق كانوا طيبين كما يقول احد العاملين مع اسعد، لأنهم تركوا الالات والمكائن لنتمكن من العمل ثانية . ولأن المكائن مازالت قائمة فإن الكثير من المديرين في العراق يقولون انهم لن يحتاجوا الا الى القليل لتعود المصانع الى طاقتها الانتاجية الكاملة . كل الذي يحتاجونه مولدات كهربائية للمساعدة اثناء انقطاع الكهرباء ويحتاجون الى رأس مال لقطع الغيار والمواد الخام. اذا حدث ذلك سيكون ذلك اشارة هائلة على اعادة اعمار العراق لأنه سيعني ان الكثير من المواد الاستراتيجية لاعادة البناء مثل الاسمنت والفولاذ والطابوق والاثاث سيتم انتاجه داخل البلاد .

ولكن ذلك لم يحدث. فور اعلان انتهاء الحرب رسميا، خصص الكونغرس مبلغ
5ر2 بليون دولار لاعادة اعمار العراق واعقبه بمبلغ 4ر18 بليون دولار اضافي في تشرين الاول /اكتوبر. ولكن منذ تموز/يوليو 2004 استثنيت مصانع القطاع العام بشكل متعمد من عقود اعادة الاعمار . بدلا من ذلك ذهبت البلايين الى شركات غربية لاستيراد معظم مواد اعادة البناء من الخارج بكلفة عالية .

ومع بطالة تبلغ 67% تدفقت المنتجات والعمالة الاجنبية عبر الحدود مما تسبب في شعور بالغضب والمرارة بين العراقيين وبالتالي رفد المقاومة بمزيد من الوقود. وليس على العراقيين ان ينظروا بعيدا ليتذكروا هذا الاجحاف ، فهو واضح وضوح الشمس بأشد الرموز دلالة :

الحيطان الساترة من الانفجارات . الواح الكونكريت المسلح التي تبلغ عشرة اقدام ارتفاعا تنهض في كل مكان في العراق لتفصل بين المحميين – المقيمين في فنادق فخمة ومنازل مرفهة وقواعد عسكرية وطبعا المنطقة الخضراء – من الشعب الاعزل المكشوف للاذى . اذا لم يكن ذلك كافيا ، فيكفي ان نذكر ان كل هذه الجدران مستوردة من كردستان (من اللافت للنظر ان تذكر الكاتبة كردستان باعتبارها دولة خارجية – المترجمة) وتركيا وحتى من اماكن ابعد، هذا رغم حقيقة ان العراق كان احد اهم منتجي الاسمنت ويمكن استعادة هذه القدرة بسهولة . هناك سبعة عشر مصنع اسمنت حكومية في البلاد ولكن معظمها عاطل او يعمل بنصف طاقته. وطبقا لوزارة الصناعة لم يستلم أي من هذه المصانع عقدا واحدا من اجل المساعدة في اعادة البناء حتى رغم انها تستطيع انتاج الجدران وتلبي الطلب على الاسمنت بكلفة اقل كثيرا من المستورد . فسلطة الائتلاف تدفع 1000 دولار لكل لوح اسمنتي من الجدران الواقية في حين ان المنتجين المحليين يقدرون الكلفة اذا قاموا بالانتاج لاتزيد عن 100 دولار. ويقول السيد توفيق ان هناك سببا بسيطا لرفض الامريكان المساعدة في تشغيل مصانع الاسمنت مرة اخرى : من بين صانعي القرارات " لايوجد احد يؤمن بالقطاع العام ."

ويقول توفيق ان العديد من الشركات الامريكية عبرت عن رغبتها في شراء مصانع الاسمنت الحكومية وهذا يؤيد الاعتقاد السائد في العراق بأن هناك استراتيجية متعمدة لاغفال شركات القطاع العام من اجل ان تباع فيما بعد بسعر رخيص (باعتبارها خاسرة او عاطلة). وهو اجراء معروف باسم "جوّعها ثم بعها."

وفيما كانت المقاومة تنمو وتزدهر ، اصبح واضحا ان بريمر اذا قام بالمضي في خطته لبيع الشركات الحكومية فإن المقاومة سوف تزداد عنفا . لأن الخصخصة – بلا جدال – تتطلب تسريح المزيد من العمال : وتقدر وزارة الصناعة ان المفروض تسريح حوالي 145000 عامل قبل ان تصبح الشركات مقبولة في عيون المستثمرين ومن الطبيعي ان كل من هؤلاء العمال يعولون في المتوسط عائلة من خمسة افراد. وكان السؤال الذي يقض مضجع المحتلين المحاصرين : هل سيقبل هؤلاء الضحايا الجدد لخطة العلاج بالصدمة مصيرهم ام سوف يتمردون ؟

جاء الجواب بشكل دراماتيكي في واحدة من اكبر شركات الحكومة وهي الشركة العامة للزيوت النباتية . المجمع يضم ستة مصانع نتنج زيت الطبخ و صابون اليد ومنظفات الغسيل و كريم الحلاقة والشامبو. على الاقل هذا ماقالته لي موظفة استقبال اعطتني مطبوعات لامعة وتقاويم تفاخر بـ(الات حديثة ) و (آخر واحدث ما انتجته الصناعة ) ولكن حين اقتربت من مصنع الصابون اكتشفت مجموعة من العمال نائمين خارج مبنى مظلم . اسرع دليلنا امامنا وهو يصيح بصوت عال على امرأة ترتدي معطف مختبر ابيض وفجأة دبت الحركة في المصنع : اضيئت الانوار وتحركت المكائن وبدأ العمال – وهم مازالوا يكافحون النعاس – يملأون عبوات بلاستيكية بسائل ازرق ماركة (زاهي) لغسيل الاطباق.

سألت ندى احمد وهي المرأة في المعطف الابيض لماذا لم يكن المصنع يعمل قبل دقائق . اوضحت ان مالديهم من الكهرباء والمواد الخام يكفي لتشغيل المكائن ساعتين في اليوم فقط ، ولهذا يدخرونها للاستعراض امام الضيوف او المستثمرين الجدد او موظفي الوزارة او الصحافة . خلفنا كان هناك عشرات المكائن عاطلة ، مغطاة بقماش بلاستيك مترب ومحاط بشرائط لاصقة.

وفي زاوية معتمة من المصنع وجدنا رجلا عجوزا محنيا على كيس مليء باغطية قناني بيضاء بلاستيكية. كان في يده شفرة معدنية وكان ينعم بعناية حواف الاغطية تاركا عند قدميه كومة من نشارة البلاستيك. وقد اوضح المشرف عليه معتذرا :" ليس لدينا قطع الغيار اللازمة للقالب الالي ولهذا نضطر لقطعها باليد." واضاف :" لم نستلم أي قطع غيار من المانيا منذ بدأ الحصار." ولاحظت انه حتى في خطوط التجميع التي كانت تعمل لم يكن هناك آلية فالقناني كانت توضع تحت الصنابير باليد لأن احزمة التوصيل لا تتحرك ، اما الاغطية التي كانت في السابق تكبس بالالة فإنها الان تدق بشواكيش خشبية وحتى الماء اللازم للمصنع يسحب الان من بئر محفور في الخارج ويرفع باليد ويحمل الى الداخل .

كان الحل الذي اتى به المحتلون الامريكان ليس اصلاح المصنع وانما بيعه ولهذا حين اعلن بريمر مزاد الخصخصة في حزيران 2003 كانت هذه من بين اوائل الشركات التي طرحت للبيع. ولكن حين زرت المصنع في مارس لم يكن احد يرغب في الحديث عن خطة الخصخصة . بل ان مجرد ذكر الكلمة داخل الصنع كانت تخلق جوا مشحونا بالصمت والنظرات ذات المعنى . وكان ذلك شيئا غريبا على مجرد مصنع صابون ولهذا حاولت ان اصل الى قرار المسألة حين اجريت حوارا مع المدير المساعد. ولكن المقابلة نفسها كانت غريبة : لقد قضيت نصف اسبوع في طلب المقابلة وكتابة اسئلة تقدم مسبقا من اجل الموافقة عليها والحصول على رسالة موقعة بالموافقة من وزير الصناعة ، وقد تعرضت تكرارا ومرارا الى الاستجواب والتفتيش . ولكن حين بدأت اخيرا الحوار رفض المدير المساعد ان يذكر لي اسمه او يدعني اسجل الحوار قائلا :" أي مدير يذكر اسمه في الصحافة يقتل بعدئذ." وعندما سألته ما اذا ستباع الشركة رد علي بجواب غامض :" اذا كان القرار بيد العمال فهم ضد الخصخصة ولكن اذا كان بيد موظفي الحكومة الكبار اذن تكون الخصخصة امرا والاوامر يجب ان تتبع."

تركت المصنع وانا اشعر بأني لم اعرف شيئا اكثر مما كنت اعرف حين دخلته ولكن في طريقي الى الابواب وضع حارس شاب ورقة بيد مترجمي : كان يطلب ان نقابله بعد العمل في مطعم قريب " من اجل معرفة مايجري فعلا بالنسبة للخصخصة ." كان اسمه محمود في الخامسة العشرين من العمر وله لحية انيقة وعينين سوداوين واسعتين (من اجل سلامته حذفت اسمه الاخير ) – وهل يحتاج المرء وصفا اكثر دقة لمعرفته مما ذكرته الكاتبة ؟ - المترجمة – بدأت قصته في تموز/ يوليو بعد عدة اسابيع من اعلان بريمر النية في الخصخصة . تم اطلاق الرصاص على مدير الشركة وهو في طريقه الى العمل فقتل. وقد افترضت الصحف ان المدير قتل لأنه يتعاون مع الامريكان في مسألة الخصخصة، ولكن محمود كان على يقين من انه اغتيل لأنه كان يعارض خطة الخصخصة " كان سيرفض بيع المصانع كما يريد الامريكان ولهذا قتل."

وقد استبدل القتيل بمدير جديد هو مظفر جعفر الذي دعا الى اجتماع موظفي الشركة فور تعيينه لمناقشة بيع مصنع الصابون الذي يستدعي تسريح ثلثي العمال. كان الاجتماع في حراسة عدة ضباط امن من المصنع. استمعوا باهتمام الى خطط جعفر وقد نقلوها الى زملائهم العمال.

ويقول محمود :" صدمنا . اذا كان القطاع الخاص سيشتري شركتنا فأول شيء سيفعلونه هو تخفيض عدد العمال من اجل جني مكاسب اكثر وسوف نترك لمصير مظلم لأن المصنع هو وسيلة معيشتنا الوحيدة"وخوفا من هذا الاحتمال تجمع سبعة عشر عاملا منهم محمود وذهبوا لمواجهة جعفر عما سمعوه :" لسوء الحظ لم يكن هناك ، كان هناك المدير المساعد فقط ، الرجل الذي قابلته." ويقول محمود ان معركة نشبت : ضرب احد العمال المدير المساعد وحارس اطلق ثلاثة اطلاقات على العمال ثم هاجم الجمع الحارس واخذوا سلاحه وطعنوه بسكين في ظهره ثلاثة مرات . وقد قضى شهرا في المستشفى " . في كانون الثاني/ يناير كان هناك المزيد من العنف . فبينما كان دعفر في طريقه الى الشركة مع ابنه تم اطلاق الرصاص عليهم واصيبا اصابات بالغة.

ولم تكن لدى محمود فكرة عمن وراء الحادث ولكني بدأت افهم لماذا لايرغب مديرو المصانع في العراق في لقت الانظار اليهم .

في نهاية المقابلة سألت محمود عما سيحدث اذا بيع المصنع بعكس رغبة العمال . قال :" هناك اختياران " قالها وهو ينظر في عيني ويبتسم بلطف:" اما نحرق المصنع عن آخره واما نفجر انفسنا داخله . ولكننا لن نتركه يباع."

اذا كانت هناك لحظة كان فيها العراقيون مشتتين بسبب علاج الصدمة ، لابد ان تلك اللحظة قد انقضت. لقد اصبحت علاقات العمل مثل أي شيء آخر في العراق مصيدة دم. ان العنف في الشوارع يتردد صداه على ابواب المصانع . العمال يخشون فقدان وظائفهم كما يخشى المحكوم الاعدام ، وبالمقابل يخشى المديرون عمالهم وهي حقيقة تجعل من الخصخصة عملية اكثر تعقيدا مما توقع المحافظون الجدد.

في البصرة كانت العلاقة بين الاصلاحات الاقتصادية و ازدياد المقاومة في اوضح صورها . في كانون الاول/ديسمبر كان الاتحاد الذي يمثل عمال النفط يفاوض وزارة النفط على زيادة الرواتب . وحين لم يصل العمال الى نتيجة عرضوا على الوزارة اختيارا بسيطا : زيادة الرواتب او انضمام العمال الى المقاومة المسلحة . وهكذا حصل العمال على الزيادة المطلوبة !

عندما انهيت المقابلة مع محمود وصلني خبر بأن هناك تظاهرة ضخمة امام مقر بريمر يحتج فيها انصار الزعيم الديني مقتدى الصدر على قيام الشركة العسكرية باغلاق صحيفتهم الحوزة . وكانت سلطة الائتلاف قد اتهمت الحوزة بنشر " مقالات كاذبة" يمكن ان تشكل "تهديدا للآمن" كمثال اشارت السلطة الى مقالة قالت ان بريمر " ينفذ سياسة تجويع للشعب العراقي ليجعله مشغولا بالبحث عن قوات يومه فلا تكون لديه الفرصة للمطالبة بالحريات السياسية والفردية " وبالنسبة لي لم يكن هذا المثال نوعا من ادب الحض على الكراهية وانما كان اشبه بتلخيص مكثف لوصفة ملتون فريدمان عن العلاقج بالصدمة .

قبل عدة ايام من اغلاق الصحيفة ذهبت الى الكوفة اثناء صلاة الجمعة لاستمع الى الصدر في جامعه. وكانت خطبته ضد دستور بريمر المؤقت الذي كان قد تم التوقيع عليه مؤخرا وقد وصفه الصدر بأنه " وثيقة غير عادلة وارهابية" وكانت رسالة الخطبة واضحة : قد يكون آية الله العظمى علي السيستاني قد تراجع عن رفض الدستور ولكن الصدر وانصاره مازالوا مصرين على محاربة الدستور المؤقت – واذا نجحوا يكونون قد خربوا خطط المحافظين الجدد لتحميل الحكومة العراقية القادمة بالقوانين المفصلة عليهم. مع اغلاق الصحيفة كان بريمر يقول رأيه :" انه لن يتفاوض مع هذا الشاب بل انه يفضل ان يتخلص منه بالقوة .

عندما وصلت الى مكان التظاهرة كانت الشوارع مليئة بالرجال الذين يرتدون السواد والذين سيتحولون فيما بعد الى جيش المهدي . وقد خطر لي في حينها ان محمود اذا فقد وظيفته كحارس في مصنع الصابون فإنه قد ينظم الى هؤلاء الشباب. وهؤلاء هم جنود الصدر : شباب تم اقصائهم من خطة المحافظين الجدد في العراق والذين لايرون اية امكانية للعمل والذين لم ير جيرانهم تحقيق وعود اعادة البناء . لقد خيب بريمر آمال هؤلاء الشباب واينما فشل بريمر نجح مقتدى الصدر . في مناطق الشيعة الفقيرة من بغداد الى البصرة انتشرت شبكة من مكاتب الصدر تقوم باعمال اعادة الاعمار في الظل فمن خلال التبرعات كانت المكاتب تكلف الكهربائيين باصلاح الكهرباء وخطوط التليفون وتنظم جمع القمامة وتضع مولدات طواريء وتنظم المرور حين تتعطل الاشارات الضوئية . وايضا نظمت المكاتب الميليشيات . التقط الصدر ضحايا بريمر لاصلاحاته الاقتصادية والبسهم زيا اسود وسلمهم كلاشينكوف صدئة . كانوا يقومون باعمال حراسة الجوامع ومصانع الدولة وفي بعض المناطق ذهبوا الى ابعد من ذلك . حاولوا فرض القوانين الاسلامية باحراق محلات الخمور واجبار النساء على ارتداء الحجاب. ان انتشار الاصولية التي يمثلها الصدر كان رد فعل في مواجهة العلاج بالصدمة الذي طبقه بريمر.

وفي الوقت الذي كان فيه انصار الصدر يهتفون " تسقط امريكا" خارج ابواب المنطقة الخضراء ، كان شيء آخر يجري في جزء آخر من البلاد سيغير كل شيء . قتل اربعة جنود مرتزقة امريكان في الفلوجة واحرقوا وعلقت جثثهم مثل الغنائم فوق نهر الفرات . كانت هذه الحادثة ضربة قاصمة لن يفيق منها المحافظون الجدد. ومع صور هذه الجثث لم يعد الاستثمار في العراق فجأة (حلم الراسمالي) . وانما اصبح كابوسا شنيعا.

وكان اليوم الذي غادرت فيه بغداد اسوأ الايام . كانت الفلوجة تحت الحصار والجنرال كيميت يهدد بـ"تدمير جيش المهدي" وفي النهاية قتل حوالي 2000 عراقي في هاتين الحملتين. انزلت عند نقطة تفتيش تبعد اميالا عن المطار ثم شحنت في حافلة مكتظة بالمقاولين الذين كانوا يسحبون وراءهم حقائب رصوها بعجالة. ورغم ان احدا لم يصف الوضع ولكن مارأيته كان "جلاء" : ففي خلال الاسبوع التالي غادر العراق 1500 مقاول وبعض الحكومات بدأت ترسل طائرات لاخلاء مواطنيها . في الحافلة لم يتكلم احد. كنا صامتين نستمع الى اصوات الهاون ونتلفت برؤوسنا لنرى الوميض الاحمر. رجل يحمل حقيبة مطبوع عليها رمز شركة KPMG قرر ان يلطف الجو فقال "اذن ! هل هناك درجة رجال الاعمال على هذه الرحلة ؟" القى بسؤاله في الحافلة الصامتة . اجابه احدهم من الخلف " ليس بعد". بالتأكيد سيمر وقت طويل قبل ان تكون هناك فعلا درجة رجال اعمال في العراق . عندما هبطنا في عمان علمنا اننا خرجنا في الوقت الحاسم .

في ذلك الصباح اختطف ثلاثة يابانيين وكان خاطفوهم يهددون بحرقهم احياء. بعد يومين فقد نيكولاس بيرغ ولم يظهر مرة اخرى الا في فيلم ذبحه، الذي كان رسالة اخرى اكثر ارعابا للمقاولين الامريكان من الجثث المتفحمة في الفلوجة. كان ذلك بدء موجة خطف وقتل الاجانب واغلبهم رجال اعمال من طيف واسع من الدول: كوريا الجنوبية وايطاليا والصين ونيبال وباكستان والفلبين وتركيا. في نهاية حزيران قتل اكثر من 90 مقاول في العراق . وعندما خطلف سبعة مقاولين اتراك في حزيران طلب خاطفوهم من الشركة التي يعملون بها ان تلغي عقودها وتنسحب من العراق . وتوقفت الكثير من شركات التأمين عن بيع وثائق التأمين على الحياة الى المقاولين وشركات اخرى بدأت تطلب اقساطا عالية تصل الى 10000 دولار اسبوعيا لمدير غربي واحد – وهو نفس الثمن الذي قيل ان بعض المقاومين يدفعونه لمن يقتل امريكي.

في هذه الاثناء ، اقام منظمو معرض بغداد التجاري DBX معرضهم في المدينة السياحية التركية الجميلة ديار بكر على بعد 250 كم من حدود العراق وهي تشبه اجواء وتضاريس العراق ولكن بدون العراقيين المرعبين . وبعد ثلاثةاسابيع لم يحضر مؤتمرا اقامته وزارة التجارة الامريكية في ميشغان حول الاستثمار في العراق سوى 15 شخصا وقد حاول راعي المؤتمر عضو الكونغرس الجمهوري مايك روجرز تطمين الجمهور قائلا ان العراق لايختلف عن أي مكان في امريكا. ولكن يبدوان ذلك لم يقنع المستثمرون الاجانب الذين قدمت لهم كل اغراءات السوق الحرة التي يمكن تخيلها فلم يظهروا حتى الان . وقد عبر كيث كرين وهو كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة راند وقد عمل لفترة في سلطة الائتلاف عن الوضع بكل وضوح قائلا :" لا اعتقد ان مجلس ادارة أي شركة يمكن الموافقة على استثمارات كبيرة في هذه الظروف. اذا كان الناس يطلقون الرصاص على بعضهم البعض فمن العسير القيام باستثمارات ." وقد قال لي حامد جاسم خميس مدير اكبر مصنع تعبئة قناني مشروبات غازية في المنطقة بانه لم يستطع ايجاد أي مستثمر . وانه حتى حين عرض حقوقا احتكارية لانتاج البيبسي في وسط العراق تقدم اليه كثري من الناس من اجل الاستثمار في المصنع ثم بدأوا يترددون الان . وقال خميس انه لايستطيع ان يلومهم فهو نفسه في خلال خمسة اشهر قد نجا من محاولة اغتيال وسرقة سيارة وقنبلتين زرعتا في مدخل مصنعه واختطاف ابنه.

ورغم ان بنك HSBC قد منح اول رخصة لبنك اجنبي في العراق في خلال اربعين عاما فإنه لم يفتح أي فرع لحد الان وهو قرار قد يعني فقدانه الرخصة . وقد اوقفت بروكتور اند جامبل مشروعها المشترك وكذلك جنرال موتورز. كما تجمد مشروع انشاء فندق ستاروود وسحبت شركة سيمنز معظم موظفيها من العراق . ولم يدق الجرس في بورصة بغداد بعد – في الواقع انك حتى لاتستطيع ان تستعمل بطاقات ائتمان في اقتصاد العراق الذي يعتمد على المبالغ النقدية. اما شركة نيو بردج ستراتيجيز التي تفاخرت بأن " اسواق ولمارت سوف تستولي على البلاد" فلا صوت يسمع لها الان . كما قال ايد روجرز شريك في شركة ماكدونالد لصحيفة واشنطن بوست ان الشركة لاتفكر بفتح فرع قريبا .

وقد اعلنت صحيفة فاينانشال تايمز ان العراق "اخطر مكان في العالم بالنسبة للاستثمار" .ياله من انجاز ! حين اراد المحافظون الجدد خلق افضل مكان فيالعالم للاستثمار لم يتمكنوا الا من خلق اسوأ مكان .

لم ينجح العنف في طرد المستثمرين وانما اجبر بريمر قبل ان يغادر ان يتخلى عن الكثير من سياساته الاقتصادية الرئيسية . الخصخصة اصبحت خارج الموضوع وبدلا منها عرضت عدة شركات حكومية للايجار ولكن فقط في حالة اذا وافق المستثمر على الا يطرد عاملا واحدا . وقد اعيد توظيف الاف العاملين في الدولة الذين سرحهم بريمر سابقا وقد زيدت الرواتب والاجور بشكل عام . كما ان خطط التخلص من نظام بطاقة التموين قد انتهت ، فليس الوقت مناسبا لحرمان ملايين العراقيين من التغذية الوحيدة التي يستطيعون الحصول عليها.

الضربة الاخيرة لحلم المحافظين الجدد جاءت في الاسابيع التي سبقت تسليم السلطة . كان البيت الابيض وسلطة الائتلاف يجاهدان من اجل استصدار قرار من مجلس الامن يصادق على خطة التسليم . وقد تم لوي الاذرع من اجل اعطاء المنصب الرئيسي لعميل المخابرات الامريكية السابق اياد علاوي، وهي حركة كانت ستضمن ان العراق سيصبح على اقل تقدير محطة التموين للقوات الامريكية حسب رؤية جاي جارنر الاصلية . ولكن اذا كان المستثمرون الرئيسيون سوف يأتون الى العراق مستقبلا فغنهم سيحتاجون الى ضمان يؤكد ان قوانين بريمر مازالت سارية. كان في طريق ذلك عقبة واحدة : يجب على مجلس الامن ان يصادق على الدستور المؤقت مما يضمن استمرار قوانين بريمر طوال الفترة الانتقالية. ولكن السيستاني عارض مرة اخرى قائلا ان الدستور قد رفضه معظم الشعب العراقي . في 8 حزيران اقر مجلس الامن قرارا يصادق على خطة التسليم ولكنه لم يشر الى الستور. وفي وجه هذه الهزيمة الكبيرة احتفل جورج بوش بالقرار وهو في قمة الثمانية في جورجيا باعتباره نصرا تاريخيا يستحق صورة انتخابية.

ومع الشلل الذي اصاب قوانين بريمر بدأ الوزراء العراقيون يتحدثون علنا حول الغاء العقود التي وقعتها سلطة الائتلاف وقد رفض مشروع قروض سيتي جروب باعتباره استغلالا للعوائد النفطية . وهدد وزير الاتصالات باعادة التفاوض على حول عقود الشركات الثلاثة التي تولت عملية ادخال الهاتف النقال والتي لم تقدم سوى خدمات بائسة في هذا المجال . كما تم اعلان الشركتين اللبنانية والامريكية اللتين تعاقدتا على ادارة شبكة التلفزيون العراقي بأنهما قد تفقدان رخصهما لأن الشركتين ليستا عراقيتين (وكأن كل شيء آخر عراقي في العراق الجديد – المترجمة ) وقال عن ذلك حميد الكفائي الناطق بلسان مجلس الحكم :" سوف نرى اذا كنا نستطيع تغيير العقد. فالموجودون حاليا ليس لديهم فكرة عن العراق ."
( لابد ان الكفائي كان يفكر بصفته – اعلاميا – ان يدير هو التلفزيون – المترجمة ). وبالنسبة لكثير من المستثمرين فإن هذا التخبط يجعل من الاستثمار في العراق مخاطرة كبيرة .

ولكن في حين ان المقاومة العراقية نجحت في افزاع الوجبة الاولى من الشركات الغازية فهناك قليل من الشك في عودتها. فمهما يكن شكل الحكومة العراقية القادمة : قومية او اسلامية او سوف حرة – سوف ترث دينا باهضا يبلغ 120 بليون دولار. وعنذاك ومثل كل الاقطار الفقيرة حول العالم سوف يظهر على باب العراق رجال من صندوق النقد الدولي ببزات زرقاء داكنة وهم يحملون قروضا ووعودا لازدهار اقتصادي بشرط اجراء بعض التعديلات الهيكلية والتي سوف تكون طبعا مؤلمة في اول الامر ولكنها في النهاية تستحق التضحية . في الواقع ان هذا الاجراء قد بدأ فعلا : حيث يستعد صندوق النقد للموافقة على قروض بقيمة 5ر2 – 25ر4 بليون دولار مشروطة . وبعد سلسلة من المواقف الشجاعة الاخيرة والكثير من الضحايا سوف ينضم العراق الى قائمة الدول الفقيرة يحكمه سياسيون مصممون على تطبيق سياسات ترفضها اغلبية الشعب فيضطرون الى اجراءات توفيقية فاشلة . وسوف تأتي السوق الحرة الى العراق بدون شك ولكن حلم المحافظين الجدد بتحويل البلاد الى يوتوبيا سوق حرة انتهت الى غير رجعة ، وذلك قربانا لحلم اكبر وهو فترة رئاسية ثانية لجورج بوش.

ان المفارقة التاريخية الكبيرة للكارثة في العراق هو ان اصلاحات العلاج بالصدمة التي كان من المفترض ان تخلق ازدهارا اقتصاديا يساعد في اعادة بناء العراق ، قد غذت مقاومة يستحيل معها اعادة البناء . لقد اطلقت اصلاحات بريمر (الاوقع ان نقول تخريبات بريمر – المترجمة ) قوى لم يتوقعها المحافظون الجدد ولايستطيعون السيطرة عليها من العمال المسلحين داخل المصانع الى عشرات الالوف من الشباب العاطلين الذين يسلحون انفسهم . لقد حولت هذه القوى السنة صفر في العراق الى مرآة مضادة لرؤى المحافظين الجدد حيث اصبح مجرد الذهاب الى اجتماع عمل بسيط مخاطرة كبيرة تعرضك للقتل او الحرق او الذبح. وبسبب ضخامة هذه الاخطار تراجعت الرأسمالية العالمية من العراق ، على الاقل في الوقت الحاضر. وبالنسبة للمحافظين الجدد لابد ان هذا كان بمثابة تطور صادم: ان ايمانهم الايديولوجي بالجشع البشري كان اقوى من الجشع نفسه .

كان العراق بالنسبة للمحافظين الجدد مثل افغانستان لطالبان . المكان الوحيد على الارض الذي يمكن ان تجبر الجميع على ان يعيشوا بالتفسير الحرفي الحازم لنصوصهم المقدسة . والمرء قد يتوقع ان نتائج هذه التجربة الدموية سوف تتسبب في ازمة ايمان : في البلاد التي كانت تحت سيطرتهم مباشرة حيث ليس هناك حكومة محلية يمكن القاء اللوم عليها وحيث فرضت الاصلاحات الاقتصادية بشكل صادم ومتكامل ولكنهم خلقوا ،بدلا من السوق الحرة النموذجية ، دولة فاشلة لن يقترب منها أي مستثمر عاقل. ومع ذلك لم يناقش المحافظين الجدد في المنطقة الخضراء واسيادهم في واشنطن جوهر معتقداتهم بحين يجابه المتزمتون بالحقائق يغمضون اعينهم ويكثرون من الصلاة.

وهو بالضبط مافعله توماس فولي فقد ترك (رئيس هيئة تنمية القطاع الخاص) العراق وهي البلاد التي قال عنها انها (ام التحولات) وقبل عملا تحوليا آخر كرئيس مساعد في لجنة اعادة انتخاب بوش في ولاية كونكتكت. في 30 نيسان في وشانطن كان قد خطب في جمهور من المستثمرين حول فرص الاستثمار في بغداد ، وقد كان ذلك الصباح بداية يوم صعب لالقاء خطب في حين كانت الصور الاولى لفضيحة التعذيب في ابي غريب تملأ وسائل الاعلام وخاصة صورة العراقي المقنع واطرافه المربوطة باسلاك الكهرباء . كان نوعا آخر من العلاج بالصدمة ولكن نوعا اكثر ليبرالية مما استطاع فولي تطبيقه في بغداد ولكن ليس بعيد الصلة به . كان فولي يقول للحشد : " أي شيء ترونه ليس بهذا السوء فعلا . كل ماعليكم ان تفعلوه هو ان تصدقوا ذلك على سبيل الثقة ."

نعومي كلاين : كندية ( 31 سنة) مؤلفة كتاب (No Logo) حول شركات العولمة وكاتبة ومنتجة فيلم (The Take ) وهو فيلم وثائقي حول المصانع المحتلة في الارجنتين .

مجلة هاربر – عدد ايلول 2004

** تركت استخدام الكاتبة لكلمة (ائتلاف) في اسم (سلطة الائتلاف المؤقتة ) بدلا من تحويلها الى احتلال كما نستخدمها نحن الذين نصطف خلف المقاومة وذلك تحريا للمصداقية في الترجمة . ولكن للعلم ان الكاتبة من جانب آخر كانت تستخدم مصطلح (مقاومة عراقية ) بدلا من (متمردين . . مسلحين الخ)- المترجمة

إلى صفحة المقالات