29/04/2005 

الدعم الشعبي والإعلام المقاوم: تفعيل أكبر من أجل إنتصار أسرع

د. محمد العبيدي

 

قرأت قبل فترة وجيزة عبارة كتبها أحد الكتاب الأمريكان تقول: «إن أفضل طريقة لتجنيد مواطنين مقاومين في العراق هو إنتهاك حقوقهم الإنسانية، وهذا ما فعلته وتفعله قوات الإحتلال للعراق والقوى الأمنية للحكومة التي نصبوها هناك».

 

بالاضافة إلى السبب الرئيسي للمقاومة الذي هو الإحتلال بحد ذاته، فإن العبارة أعلاه تعبر بشكل واضح ودقيق عن أحد أهم الأسباب الرئيسية للدعم الشعبي المتواصل الذي تلقاه المقاومة الوطنية العراقية والذي أدى إلى تفعيل وتطوير عملياتها ضد قوات الإحتلال وقوى السلطة العميلة التي إنتهكت ولا زالت تنتهك كرامة الإنسان العراقي وإمتهانه وإهدار كرامته. ونتيجة لتطور عمليات المقاومة والدعم الشعبي المتزايد الذي تلقاه والذي نتج عنه ضربات موجعة لقوات الإحتلال وعملائها المتعاونين معها، فقد عمد واضعوا القرار السياسي والعسكري في الإدارة الأمريكية الفاشية إلى تجنيد جميع معاهد ومراكز الدراسات الستراتيجية والعسكرية والمخابراتية الأمريكية للقيام بدراسات ووضع خطط تمكن قواتهم المحتلة للعراق من تحجيم المقاومة الوطنية والقضاء عليها. وكانت جميع الدراسات حول هذا الموضوع تحمل عنوان "التمرد والتمرد المضاد"، وكانت آخر هذه الدراسات هي ما قدمه "ستيفن ميتز"، مدير قسم البحوث في معهد الدراسات الستراتيجية لكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي.

 

في دراسته تلك، قال ميتز: «إن الرهان على العراق هو رهان خطر وجسيم، فإن لم ننجح هناك فسيعني ذلك أن العالم سيعود إلى نظام جديد ذو قطبين. إن العالم العربي من أكثر المناطق المقاومة لنظرة الولايات المتحدة حول الإقتصاد الحر والحكومات الديمقراطية (ويقصد هنا تلك التي تسير بركب السياسة الأمريكية طبعاً). وإذا نجحنا في العراق فإننا سننجح في كل مكان. إن العراق بالنسبة لنا هو ساحل الأمان وحالة الإختبار والمختبر في نفس الوقت. وإن لم ننجح في العراق فإن ذلك سيعني بأن إعادة إستخدام القوة في بلدان أخرى سوف لن ينجح، لذلك فنحن بحاجة إلى ستراتيجية مصممة بعناية ومنفذة بدقة من أجل القضاء على "التمرد" في العراق».

 

وتزامناً مع مخططات قوات الإحتلال لتحجيم، أو على أقل تقدير لتحييد، الفعل المقاوم وبمختلف الأساليب والإجراءات، فإن الإستقرار الأمني في العراق يمثل بالنسبة لهم أهم مرحلة من مراحل تنفيذ مخططاتهم للعراق بشكل خاص، وللشرق الأوسط بشكل عام. ومن هنا ترى الإدارة الأمريكية أن الإستقرار في العراق يحتاج إلى فترة إنتقالية من ما يطلقون عليه «الإشراف والإحتلال والدعم» !!! ومن أجل خلق «نموذج» للدولة التي تريدها أمريكا، متمثلة بنجاح ستراتيجيتها للسياسة الخارجية، فقد تم إختيار العراق ليكون البلد الذي يبرهن ذلك. لهذا فإن الفشل الأمريكي في العراق، برأي قادة اليمين المتطرف من واضعي خطط أمريكا السياسية والعسكرية، وكما حذر منه ستيفن ميتز، «سينهي وإلى الأبد أسس الستراتيجية الدولية لأمريكا».

 

ووفق تلك الخطط والدراسات التي يضعها الستراتيجيون الأمريكان يتبين أن ما تعول عليه الإدارة الأمريكية في المرحلة الراهنة هو محاولتها اليائسة في عدم تطور النهج المقاوم إلى مرحلة متقدمة مؤثرة بشكل أكبر عما هي عليه الآن. وحول هذا الموضوع تراهن قوات الإحتلال وتعمل بدون كلل على منع قيادات المقاومة المختلفة الآيديولوجيات من الإتحاد في برنامج سياسي وعسكري، ويتمثل ذلك في محاولاتها المستمرة لشق فصائل المقاومة أو على الأقل تحييد بعضاً منها. وتبعاً للمخطط الأمريكي هذا نرى أن التماسك الستراتيجي والعملياتي لفصائل المقاومة يجب أن لا يكون الغرض منه فقط هو كرههم للأمريكان لإحتلالهم العراق بل الإستمرار بإنزال ضربات قاصمة بتلك القوات تؤدي في النهاية إلى إجبارهم على الرحيل عن أرض العراق.

 

ورغم الخسائر التي لحقت بقوات الإحتلال، ومعرفة وتقييم الصعوبات التي تلاقيها تلك القوات في العراق، إلا أن الستراتيجيون الأمريكان لا زالوا ينصحون بعدم مغادرة قواتهم للعراق بل يجب بقاءها لسنوات عديدة قادمة ولحين أن تحقق أمريكا أهدافها ليس في العراق فقط بل وفي منطقة الشرق الأوسط بأجمعها. وبخطة مدروسة تماماً، وضع ستراتيجيو الإدارة الأمريكية المختصون بالشأن العراقي موضع التطبيق ما يسمى «الإعلام المضاد للمقاومة» وبالتعاون الكثيف والمركز مع إعلاميين عراقيين مرتبطين بشكل وثيق مع قوات الإحتلال والقوى العميلة المتعاونة معها في محاولة من أجل تفتيت الحلف المقدس الذي يربط المقاومة الوطنية بالشعب العراقي وجميع الداعمين لها أينما كانوا.

 

إن ما لا يمكن أن تعيه الإدارة الأمريكية وعلى الأخص مخططي سياستها الستراتيجيون هو أن نجاح المقاومة العراقية يتمثل بأنها تقاتل محتل أجنبي يتميز بضعف مبدأي ألا وهو فقدانه القدرة على تحمل الخسائر والضغط من الرأي العام، الأمريكي منه على وجه الخصوص. ولهذا فإن المعركة في العراق هي معركة إرادة وعزيمة يجري القتال فيها ليس عسكرياً فقط بل سايكولوجياً وسياسياً. ومن هذا نرى أن المرحلة الحالية للمقاومة تميزت بنجاح وإتساع كبيرين بسبب الدعم الشعبي لها ونتيجة لممارسات قوات الإحتلال من إمتهان وإهدار لكرامة الإنسان العراقي من جهة، ومن جهة أخرى لكونها قوات إحتلال قامت بتدمير شامل ومتعمد لدولة مستقلة وذات سيادة تم بناءها على مدى أكثر من ثمانين عاماً. والمهم أيضاً هو أن جميع واضعي الخطط السياسية والعسكرية في الإدارة الأمريكية يعترفون بأن النيل من المقاومة الوطنية العراقية سيكون صعباً جداً كونها ليست ذي قيادة مركزية واحدة يمكن القضاء عليها.

 

لقد بدأ العالم يدرك أن أحد الأسباب الرئيسية الأخرى لنجاح المقاومة العراقية هي أنها مقاومة ذات خصال حديثة لم تشابهها أي من المقاومات والحروب الشعبية الأخرى. ومع بدأ المقاومة العراقية، لم يكن المفكرون الستراتيجيون الأمريكان ولا حتى قواتهم العسكرية بشكل عام يعرفون أي شئ عن طبيعة وخواص المقاومة العراقية، فكل ما كان يعرفه هؤلاء هو معلومات مبدأية عن الحرب الشعبية كما ظهرت في الصين وتطورت في فيتنام وطبقت بنجاح في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والتي تختلف تماماً عما يشاهدوه في العراق. وكذلك، المهم في الأمر هو أن قوات الإحتلال، والإدارة الأمريكية بشكل عام، تدرك جيداً أن الشعب العراقي يعتبر التحرر الوطني عمل ومطلب مقدس، لذا فإن السيطرة الأمنية على الجرائم العادية التي تقع في مدن العراق وإعادة إحياء الإقتصاد العراقي، حسب الطريقة الأمريكية بالطبع، سوف لن يثني العراقيين عن غضبهم ومطالبتهم برحيل قوات الإحتلال. فالمسألة إذن هي ليست مسألة الأمن أو الإنتعاش الإقتصادي، بل هي أكبر من ذلك، ألا وهي وجود قوات غازية إحتلت بلداً ذو سيادة بحرب عدوانية لا تمت بصلة لأي شرعية أو أخلاق وتستهين بكرامة الوطن والمواطن.

 

إن التأثير الذي أحدثته المقاومة الوطنية العراقية على المواطن الأمريكي العادي بدأ يظهر على سطح الأحداث في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً حول أخلاقية وشرعية الحرب التي شنت على العراق وإحتلاله من جانب، ومن جانب آخر تزايد أعداد قتلى الجيش الأمريكي الذي لم يعد بإمكان الإدارة الأمريكية إخفائه. فتلك مسألة حاول ويحاول المخططون الستراتيجيون للحرب على العراق دائماً إبقائها تحت السيطرة من خلال الإعلام الموجه سايكولوجياً إلى المواطن الأمريكي والتي بدأت تبوء بالفشل، إذ أن المواطن الأمريكي بدأ يعرف تدريجياً حتى حقيقة التسمية التي تطلق على المقاومة الوطنية العراقية. وكما قال الصحفي «لوشيان ترسكوت» في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز: «مهما تكن التسمية التي تطلق على النزاع في العراق، فإن الجنود هناك، والمواطن الأمريكي بشكل خاص، بدأوا يطلقون عليه حرب عصابات، في حين أن السياسيين الأمريكان والإعلام المرتبط بالإدارة الأمريكية لازالوا يصرون على الكذب و يروجون مصطلح "الحرب على الإرهاب". إلا أن الحقيقة التي بدأ يدركها المواطن الأمريكي هي أن هذا الصراع هو حرب مميتة قذرة بدون شك». وحول هذا الموضوع، أجرت مجلة «نجوم وخطوط» العسكرية الأمريكية الرسمية إستطلاعاً في صفوف قوات الإحتلال الأمريكية ظهر فيه أن أكثر من نصف من شملهم الإستطلاع قد ضاقوا ذرعاً بشكل مقرف من وجودهم هناك ومن هذه «العملية» بأكملها. وكما كانت الحال في فيتنام، فإن الجنود الأمريكان في العراق بدأوا يدركون جيداً بأنهم لا يقاتلون من أجل سبب نبيل وشريف، بل من أجل الهيمنة الأمريكية وبأي ثمن.

 

وبعد ما عانته وتعانية القوات المحتلة للعراق من خسائر جسيمة ومحاولات الإدارة الأمريكية المستمرة للتقليل من تأثير تلك الخسائر، لا حاجة بنا للحديث عن أهمية الإعلام في مجريات المعركة بين المقاومة والإحتلال، كون النجاح الإعلامي يعني نصف الإنتصار على أقل تقدير، إلا أننا نرى أن المقاومة الوطنية العراقية بحاجة ماسة في المرحلة الراهنة إلى تفعيل أكبر للجانب الإعلامي في المواجهة مع العدو سواء محلياً أو دولياً لأنها بذلك ستوسع بالتأكيد من قاعدة الدعم الشعبي الذي هي بأمس الحاجة له من أجل إنتصارها، والذي تحاول قوات الإحتلال جاهدة من أجل إحتوائه.

 

د. محمد العبيدي

1/4/2005

   إلى صفحة المقالات